اعرض نفسك ، بديلا عن اعرف نفسك

هل اصبح عالم التواصل عن بعد عالما أصليا و أصيلا ، و  هل اصبح هو المقهى و النادي و المصطبة ، و جلسات الاصدقاء ، فيما يسمى بالمكان الثالث الذي تجد فيه نفسك بعيدا عن ضغوط العمل و المنزل ، ام اصبح هو المكان الثاني الذي من خلاله تدرس و تحصل على الشهادات و التدريبات او تعمل و تجني أرباحك ، ام اصبح هو بيتك الاول و عائلتك ، و دايرة القرب ، في بداية انتشار التواصل عن بعد اشار  باحثو علوم الاجتماع و الاتصال الى غياب ما يسمى "المكان الثالث" في حياتنا المعاصرة ، أي المكان الاجتماعي البعيد عن ضغوط المنزل او ضغوط الدراسة  والعمل  ( الذي كان في السابق يتمثل في المقهى والنادي  و مصطبة المناطق الشعبية و جلسات  السمر امام الدور في الريف  و غيرها ) و في ظلّ هذا الغياب  حدث الفراغ الذي ملأته مع الوقت التجمّعات الافتراضيّة  التي اتاحت التواصل و التعارف ثم ما لبثت ان اصبحت تتشابك مع الواق ثم تنافسه ،

هذا العالم المليء بروابط تنافس الروابط الطبيعية اللاإرادية كالابوة و الأمومة و الإخوة و الأرحام الى روابط إرادية تقوم على العرض و الطلب و تبادل المصالح سواء النفسية او المادية 

التخفي و امان البوح سمتان أساسيتان لهذا العالم جعلت تصدير المعلومة كتصدير الغضب و الكراهية و الشائعات

كانت الثقافة ترسخ مباديء تقوم على مخرجات حضارات سابقة فكان مبدأ اعرف نفسك يتردد عبر عصور حتى حل محله اعرض نفسك مع رواج عصر التواصل ، و انت تختار ان تعرض نفسك كما يحلو لك ، قد تعرض مهاراتك ، إنجازاتك ، دراساتك قد تعرضالسلع و الخدمات و المواهب و الافكار حتى ان البعض يختار عرض الجسد سواء على سبيل الاغراء او القوة و الفتوة و الجمال ، و كل عرض له غاية لكن اكبر الاهداف إشباع رغبات تتعلق بحب الذات النجومية و الثناء ،  لا رسوم جمركية على ذلك و لا ضرائب ، 

ظهرت  العديد الدراسات في المجتمعات الغربية  و سبقت دراساتنا العربية اشارت لمخاطر البقاء طويلا على الاجهزة الالكترونية  من مخاطر صحية كمشاكل العمود الفقري و النظر و الرقبة و غيرها ، و ايضا نشر الشائعات الصحية و الفتي عن الأمراض و العلاجات و الروشتات المقترحة ، مشاكل نفسية خاصة لدى صغار الشباب من التعرض للبلطجة و تخويف و ازدراء و اكتئاب اذا لم يحققوا تواصلا ناجحا عبر العالم الطاغي ، او العزلة و الهروب الاجتماعي و الانطواء

لم يقف الامر عند التفكك الاسري  و انهيار علاقات الازواج الى التفكك و الهروب  للابناء من علاقات طبيعية الى علاقات صناعية اختيارية تبدو السلطة فيها اضعف ، و القواعد و التقاليد تكاد تنعدم ، لكن امتد التفكيك الى الهوية و الانتماء لصالح انتماءات جديدة لقيم مغايرة ، و مصائد غير مأمونة العواقب  ، 

 لقد غاب التخصص و لم يتم استثمار عصر المعلومات و المعرفة  ، بل انزلق الكثيرون الى شهوة الكلام ، و الفتي الالكتروني في كل المجالات ، ، عصر اختلاط الحابل بالنابل ، و قد يصمت بعض اهل التخصص  و يبقى الصامدون يدافعون عن مجتمعات حقيقية و اوطان  لا تباع و لا تشترى ، الرهان على المعرفة  هو الملاذ الأخير فلنبحث عن اهل التخصص قبل ان نحصل على معلومات و اخبار و اراء فكثير من الصفحات الوهمية تحظى بملايين الإعجابات و اعادة النشر

 

 

المصدر: د نادية النشار
DrNadiaElnashar

المحتوى العربي على الانترنت مسئوليتنا جميعاً د/ نادية النشار

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 165 مشاهدة
نشرت فى 8 يوليو 2017 بواسطة DrNadiaElnashar

د.نادية النشار

DrNadiaElnashar
مذيعة بالاذاعة المصرية... استاذ الاعلام ، انتاج الراديو والكتابة الاعلامية ، والكتابة لوسائل الاعلام الالكترونية ، متخصصة في انتاج البرامج الاذاعية والتدريبات الصوتية واعداد المذيع... متخصصة في التنمية البشرية وتدريبات التطوير وتنمية المهارات الذاتية والاعلامية... دكتوراة في الاعلام والتنمية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

336,148