ليس بإمكان أي صوفي مسلم أن ينجح في دعوته، وأن يصير قدوة لغيره لو أنه لم يسلك مسلك الإسلام نفسه في الابتعاد عن الرهبنة، ويبادر إلى مشاركة الناس حياتهم الخاصة والعامة، ويضرب لهم المثل في التخلق بمقام "الجمع" الذي يقضي بتنزيل القيم والنماذج على مستوى ما يستطيعه الناس ويحيونه ويعيشونه، فلهذا كان الصوفي فردًا من مجتمع الناس، يأكل ويتاجر ويتزوج كما يفعل الناس، لكنه في نفس الوقت كان يمثل قدوة لهم ونموذجًا يتطلعون إليه ويتعلمون بمتابعة مسيرته بينهم، غير أن حديثي هذا لن يكون له معنى في وقتنا الحاضر دون التأكيد على ضرورة عودة الصوفي المسلم إلى الانتباه مجددًا لما يجري في محيطه من تغيرات تخص حاضر العالم الإسلامي، وتمس بالضرورة مستقبل الإسلام.

وتُمثل حركة النقد الذاتي - الآن - ضرورة حيوية للتصوف عامة والبيت الصوفي المصري خاصة أكثر من أي نشاط جديد، وهذا ما أشرنا إليه آنفًا قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة، وقد اعترض البعض من الصوفية على ما كتبت، فقال إن في النقد كشفًا للعورات للخصم المتربص، وبالطبع هي مقولة تفترض في صاحبها الذكاء وفي الخصم الغباء، أما الذكي فهو الذي يفترض في خصمه الذكاء كما أن الخصم يعرف عنّا ما يفوق معرفتنا بذاتنا أحيانًا، ولهذا فالنقد الذاتي مبدأ عظيم من مبادئ القرآن الكريم في صورة المراقبة والمحاسبة.

وما نطرحه ليس بجديد على الصوفية، فلديهم ما كتبه أبو نصر السراج ت ۳۷۸هـ في كتابه «اللمع في التصوف» والذي قسَّم أغلاط الصوفية إلى أغلاط في الأصول وأغلاط في الفروع، وغلط موقوت مالبثوا أن عادوا بعده إلى الطريق المستقيم. والغلطات الثلاث عشرة التي ذكر السراج أن الصوفية وقعوا فيها وإذا قارناها بما يأخذه ابن الجوزي وابن تيمية على الصوفية لوجدنا اشتراكًا في بعضها، وخصوصًا فيما ذكره ابن تيمية حتى ليكاد ابن تيمية يتفق مع السراج، والسراج – كما نعلم ويعلمون - من أكبر المدافعين عن التصوف الحق والصوفية الصادقة.

ويتلو السراج في النقد الذاتي أبو عبد الرحمن السلمي ت 412 هـ ، فقد كرس رسالة لذلك عنوانها: «رسالة في غلطات الصوفية»، توجد منها نسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية بالقاهرة ضمن المجموع رقم ۱۸۷ مجاميع، من الورقة ۳۳ب إلى الورقة ۸۸أ. والغلطات التي يسردها السلمي لا تخرج في مجموعها عما ذكره السراج.

كما تعرض حجتهم وحجة الإسلام الإمام الغزالي ت 505 هـ ؛ لبيان بعض غلطاتهم في كتابه «المنقذ من الضلال» وذلك حين ينطقون بعبارات - وهم في وجدهم - يشم منها معاني الحلول والاتحاد والوصول.

فإذا انتقلنا إلى أبي حفص عمر بن محمد السهررودي ت 632هـ، صاحب كتاب «عوارف المعارف» الذي يعتبر من أشهر متون التصوف، وجدناه يعقد فصلاً بعنوان «من انتمى إلى الصوفية وليس منهم». وفيه يحمل على القلندرية لأنهم أقوام خربوا العادات وأطرحوا التقيد بالآداب الاجتماعية، ولا يبالون.

ولكن لم يستمر هذا النهج الرائد الرائع طويلاً حتى تغلبت الشخصنة والنفعية والسلبية وبرزت الانشقاقات والتصدعات داخل البيت الصوفى، والتي أسهمت بقدر كبير فى تحويل الدور الصوفى عن مساره الحقيقى، وجعله فى صورة ضبابية لا يعرف من خلالها مستقبل التصوف والصوفية عامة، وفي مصر خاصة.

أعتقد أن حاجة الصوفية إلى المراقبة والمحاسبة والمراجعة والتقويم أكثر إلحاحًا من قبل، فالأنظار مسلطة عليهم، فقد يغفر البعض أخطاءهم عندما كانوا - مهمَّشين مسلوبي الموقف والرأي - في عهد المخلوع وزبانيته، لكن مسؤولياتهم اليوم مضاعفة، وإذا كانوا قد دفعوا أثماناً لأخطائهم في الماضي فلا ينبغي أن يكرروا الأخطاء لأنهم سيدفعون - بلاشك - ثمنًا أعلى.

وعليه فالتصوف يحتاج إلى تجديد الخطاب الإسلامي وفتح الحوار حول الإشكاليات المتعلقة به في ممارسة العبادة والأخلاق وتطهيره من البدع والمنكرات، والموازنة بين العودة للسلف الصالح من علماء التصوف الذي عمدوا منهجهم على الفقه، وبين دعم مؤسساته حاليًا بالبحوث والدراسات لتطوير خطابه، وعقد المؤتمرات الدولية والندوات المتخصصة، وتجارب الجامعات العربية لربطه بالمنهج العلمي السليم.

          أما ما يخص البيت الصوفي فنؤكد ما ذكرناه آنفًا في مقالاتنا بأنه يحتاج إلى إصلاح من الداخل - داخل النفوس قبل الجدران - من العادات التي تخالف التحضر والارتقاء ومواكبة النهضة العلمية والتكنولوجيا في كل المجالات، ومحاولة العودة بالخطاب الصوفي جملة إلى بيئته الفعلية، وبربط تاريخ التصوف بتاريخ المجتمع الذي انبثق منه، أقول تاريخ المجتمع، وليس تاريخ الدول والممالك.

على كل من يحمل الخير لمصر والتقدير لهذه الطاقات الروحانية أن يسهم – مخلصًا بقدر إمكانه – في تجديد الخطاب الصوفي ليكون أداة إصلاحيةً إيجابيةً في مجتمعاتنا؛ لأن التصوف قيم روحية ربانية ضد كل الدعوات الهدامة وأجواء الفساد والتشدد والتخريب، ولعل الإنسانية – إن لم أبالغ – بحاجة إلى تلك الدفعة الروحية والطاقة الصوفية التي سيحمل عبئها أهل البيت الصوفي ومحبوه ، فهم أهل هذه الرسالة والزاد الذي يتقوى به هذا العالم.

 

 

المصدر: النفعية-المراقبة-التقويم-تجديد-الموازنة-
Dr-mostafafahmy

د/ مصطفى فهمي ...[ 01023455752] [email protected]

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 541 مشاهدة

ساحة النقاش

مصطفى فهمي

Dr-mostafafahmy
فلسفة الموقع مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة فقط. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

285,606