يرفض الاتجاه العام عند الصوفية القول بالحلول والاتحاد، فمن بين الأمور التي أجمع عليها الصوفية بالنسبة للحق تعالي: "... ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة (الاجتماع والتفرقة) ولا الحلول في الأماكن "(<!--).

فالقول بالحلول واعتقاده عند الغزالي هو: "... خطأ محض وسفاهة صرفة "(<!--).

ولقد غلَّط أبو نصر السراج الطوسي الحلولية الذين زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجسامًا حلَّ فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية، وهؤلاء عنده إنما ضلوا لأنهم لم يميزوا بين القدرة التي هي صفة للقادر، وبين الشواهد التي تدل على قدرة القادر وصنعة الصانع، فتاهت عند ذلك.

ومنهم من قال بالأنوار، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد والمستحسنات نظرًا بجهل، ومنهم من قال: حالٌّ في المستحسنات وغير المستحسنات، ومنهم من قال في المستحسنات فقط. ومنهم من قال: على الدوام، ومنهم من قال: وقتًا دون وقت.

والذي غلط في الحلول، غلط لأنه لم يحسن أن يميز بين أوصاف الحق وبين أوصاف الخلق؛ لأن الله تعالى لا يحل في القلوب، وإنما يحل في القلوب الإيمان به، والتصديق له، والتوحيد والمعرفة، لا هو بذاته أو بصفاته يحل فيهم(<!--).

وهذا رد قاطع من السراج الطوسي على ادِّعاءات هؤلاء الحلولية الكاذبة، وتعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا.

ويذكر لسان الدين بن الخطيب: أن الحلول والاتحاد من مقالات النصارى الذين ادَّعوا أن الإلهية حلت في عيسى أو اتحدت به، لذلك كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، وهذا لا يكون إلا بالقدرة القديمة وهو باطل. ويلزم عن الحلول عنده الافتقار والحاجة إلى محل، والمماسة، والانتقال، وهذه من صفات الأجسام.

وأما الاتحاد فتقرير الرد عليه عنده هو أن الثنوية إذا اجتمعت، إن هي بقيت فلم تتحد، وإن زالت فلم تجتمع، وإن أرادوا أن الصفة التي هي القدرة القديمة حلت أو اتحدت، فمزايلة الصفة القديمة لموصوفها محال في العقل، ولا يصح عليها حلول ولا اتحاد بجسم، ولا انتقال للجسوم، ولو جاز أن يحل في شيء أو يتحد به لأمكن ذلك في زيد وعمرو.

وعنده من زعم أنه اتحد بالله بعد أن كان غيره وصار معه شيئًا واحدًا لم يكن من الصوفية والمحققين في شيء، هو إلى الهذيان أقرب، والوصول إلى المبدع الأول عنده يكون بالعلم لا بالتجوهر، أي بلا حلول واتحاد(<!--).

فالوصول إلى الله تعالى عند الصوفية المعتدلين هو الوصول إلى العلم الحقيقي بالله تعالى، وهو غاية السالكين ، ومنتهى سير السائرين، وأما الوصول المفهوم بين الذوات فهو متعال عنه .

وقد أكَّد ذلك ابن عطاء الله السكندري فقال : " وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء ".

وقال الإمام الجنيد: " متى يتصل من لا شبيه له ، ولا نظير له ، بمن له شبيه ونظير، هيهات !!"(<!--).

والذي نخلص إليه أن فكرة الحلول والاتحاد مستحيلتان في الإسلام، وبالتالي فإنهما مستحيلتان في التصوف الإسلامي الصحيح، وقد قوبلا بالرفض من متصوفي أهل السنة.


<!--[if !supportFootnotes]-->

 


<!--[endif]-->

(1) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 46.

(2) أبو حامد الغزالي: فرائد اللآلئ في رسائل الغزالي، ص 70 وما بعدها.

(3) الطوسي: اللمع، ص 541-542.

(4) لسان الدين بن الخطيب: روضة التعريف بالحب الشريف، ص201-204.

(5) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 159. 

 

المصدر: د/مصطفى فهمي: رسالة دكتوراه-كلية دار العلوم -جامعة القاهرة
Dr-mostafafahmy

د/ مصطفى فهمي ...[ 01023455752] [email protected]

ساحة النقاش

مصطفى فهمي

Dr-mostafafahmy
فلسفة الموقع مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة فقط. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

316,669