ذكرنا أن المعرفة عند الصوفية تشمل جانبين، الأول: المعرفة العلمية القائمة على العقل والنقل، والثاني: المعرفة الكشفية القائمة على البصيرة أو الوجدان في تجربة الاتصال المباشر بالله عز وجل، ومن خلال ما بينَّاه من ترابط بين هذين الجانبين من المعرفة سواء من جهة ربطهم بين الشريعة – وهي تكليف أساسه العقل – والحقيقة، أو من جهة تأكيدهم على صحة الوصول إلى المعرفة الإلهامية الكشفية عن طريق الاعتبار والاستبصار وهو طريق قوامه العقل والحواس، أقول: من خلال ما تقدم يتبين لنا القصور والتناقض في تلك النظرة إلى المعرفة الصوفية عند بعض الباحثين، وتأكيدهم أنها إلهامية فقط، وأنه: " لا اعتبار عندهم (أي الصوفية) بتحصيل الحواس والعقول؛ لأن الذي يستطيع أن يقبس مما أوتى من وسيلة البصيرة أو القلب من منهل رباني، ويأتي بعد ذلك أن يستعد ويعد نفسه بالرياضة العملية والعبادة، فكيف يذهب لمعرفة الحس والعقل المحكوم عليهما بالعجز والمحدود به والظنية ... "([1]).

والتناقض هنا يبدو واضحًا من خلال قول الباحث بأن الصوفي ينهل من منهل رباني، وكان ذلك يتم له بعد أن يستعد ويعد نفسه بالرياضة العملية والعبادة، فإذا كان ذلك كذلك، فهل يعتقد أن الرياضة والعبادة تتم للصوفي بدون العقل ومعارفه؟!

كما نجد الدكتور التفتازاني يؤكد أن : " أداة المعرفة الصوفية عند الغزالي هي القلب وليست الحواس، ولا العقل ..."([2]).

مع أن في أقوال الكثير من الصوفية يتميز دور العقل وأهميته بالنسبة إلى المعرفة الكشفية، فيقول سهل التستري: المعرفة غايتها شيئان: الدهش والحيرة([3]). فلما كانت الحيرة أو العجز عن الإدراك – في تعبير آخر – صفة العقل ؛ فإن ذلك يدلنا على أهمية دوره في تلقى هذه المعرفة، ويؤكد من جهة أخرى ما ذكره الكلاباذي من إجماع الصوفية على: " أنه لا يعرفه إلا ذو عقل؛ لأن العقل آلة للعبد يعرف به ما عرف"([4]).

وكما سبق وذكرنا لا يغض من شأن العقل أنه لا يعرف نفسه؛ وإنما يعرف بتعريف الله سبحانه وتعالى له، كما لا يغض من شأنه أنه لا يعرف الكثير من عالم الشهادة إلا بتعريف الحواس .

ويذكر د/ محمد غلاب أن ابن عربي قد قسَّم المعارف إلى حسية محضة وفكرية تستعين بالحس، وعقلية دنيا تعتمد على الفكر، وعقلية عليا تعتمد على البداهة دون أية حاجة إلى القوى الدنيا، وأنه جزم باستحالة وصول تلك القوى الدنيا إلى معرفة الله، وبإمكان هذا الوصول عن طريق العقل الأعلى أو الجانب الأعلى في العقل، ثم استشهد سيادته بنص طويل لابن عربي يشير فيه إلى أن العقل من حيث ذاته ليس في قوته إدراك شيء من الموجودات المحسوسة ما لم يوصله إليه السمع والبصر، وأن:

"... القوة المفكرة لا يفكر الإنسان بها أبدًا إلا في أشياء موجودة عنده تلقاها من جهة الحواس وأوائل العقل. ومن الفكر فيها، في خزانة الخيال، يحصل له علم بأمر آخر بينه وبين هذه الأشياء التي فكَّر فيها مناسبة، ولا مناسبة بين الله وخلقه. فإذن لا يصح العلم به من جهة الفكر. فلهذا منع العلماء من الفكر في ذات الله، وأما القوة العقلية الدنيا فلا يصح أن تدركه، فإن العقل لا يقبل إلا ما علمه بديهة أو ما أعطاه الفكر وقد بطل إدراك الفكر له، فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر.

ولكن مما هو عقل محض إنما حده أن يعقل ويضبط ما حصل عنده، فقد يهبه الحق المعرفة به فيعقلها؛ لأنه عقل لا من طريق الفكر، وهذا ما لا نمنعه فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن يشاء من عباده لا يستقل العقل بإدراكها، ولكنه يقبلها "([5]).

ولعل ما سبق يوضح بأن قول القلب أو الروح أو البصيرة هي وحدها أداة المعرفة أو وسيلتها لدى الصوفية إنما هو قول لا يرقى إلى مستوى الدقة العلمية، ولا يعضده الفهم الدقيق لنصوص الصوفية وأقوالهم، وكما سبق وذكرنا من قول أحد الباحثين عندما أشار إلى أن الفحص الدقيق يرشدنا إلى أن وسيلة المعرفة لا تقتصر على أداة واحدة أو طاقة أو ملكة واحدة لدى الصوفي، فلا تتخذ الوجدان وحده أو البصيرة وحدها أو العقل وحده.


(1) د/ راجح كردي: نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، ص 616-617.

(2) د/ التفتازاني: مدخل إلى التصوف الإسلامي، ص 307.

(3) القشيري: الرسالة القشيرية، ص 314.

(4) الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 65.

(5) د/ محمد غلاب: المعرفة عند ابن عربي، ص 192-193.

المصدر: د/ مصطفى فهمي: رسالة ماجستير-كلية دار العلوم-جامعة القاهرة.
Dr-mostafafahmy

د/ مصطفى فهمي ...[ 01023455752] [email protected]

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 564 مشاهدة

ساحة النقاش

مصطفى فهمي

Dr-mostafafahmy
فلسفة الموقع مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة فقط. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

317,497