اتَّبع الصوفية الكبار في قضية الصفات سلفنا الصالح، كما اهتموا بها حتى أن بعضهم مثل أبي الحسن البوشنجي جعل التوحيد متوقفًا على إثباتها، فيقول:
" التوحيد أن تعلم أنه غير مشبه للذوات، ولا منفى للصفات"(1).

       وللإمام عماد الدين الواسطي تجربة مع الصفات وحيرة في مسائلها، يقول: " كنت برهة من الدهر متحيرًا في ثلاث مسائل؛ مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسالة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وكنت متحيرًا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف فيها أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ناطقة مبيِّنة بحقائق هذه الصفات، وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت"(2).

       والملاحظ أن الشيخ عماد الدين الواسطي كان دقيقًا في رؤيته لقضية الصفات بأن قسَّمها إلى ثلاث مسائل، فنراه يفرق بين صفات الذات التي" اقترنت بها دلالة الفعل كالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك من صفات ذاته، وكالخلق والرزق والإحياء والإماتة والعفو والعقوبة ونحو ذلك من صفات فعله، ومنه ما طريق إثباته ورود خبر الصادق به فقط كالوجه واليدين والعين في صفات ذاته، وكالاستواء على العرش والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك من صفات فعله"(3)، وهذا ما سيدفعنا لتناول كل مسألة عنده – كما ذكر – على حدة.

 إثبات الصفات بلا نفي أو تأويل أو تجسيم:

       يقول الصوفية – كما يذكر الكلاباذي – على أن " لله صفات على الحقيقة، هو بها موصوف من العلم والقدرة، والقوة، والعز، والقدم، والحياة، والإرادة، والكلام ... وأن له سمعًا وبصرًا، ووجهًا ويدًا على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه، وأجمعوا أنها ليست هي هو ولا غيره، وليس معنى إثباتها أنه محتاج إليها، وأنه يفعل الأشياء بها، ولكن معناها: نفي أضدادها وإثباتها في أنفسها، وأنها قائمات به"(4).

       ونفهم من نص الكلاباذي أن إثبات الصفات ليس معناه بالضرورة حاجة الله تعالى لها، وافتقاره إليها، كما أنها ليست هي هو، ولا غيره كما ذكر المتكلمون، وخاصة الأشاعرة، وهذا ما جعل الواسطي يصف المتأولين للصفات بعدم فهمهم لها، وإنزالها مكانها اللائق بها، فيقول: " الذين أوَّلوا الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر واليدين بالنعمتين والقدرتين هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلاَّ ما يليق بالمخلوقين، فما فهموا عن الله تعالى استواءً يليق به، ولا نزولاً يليق به، ولا يدين تليق به، بلا تكييف، ولا تشبيه، فلذلك حرَّفوا الكلم عن مواضعه، وعطَّلوا ما وصف الله تعالى به نفسه"(5).

       وهكذا كان الصوفية تابعين أمناء للسلف الصالح وعقيدتهم في الصفات، حيث يؤكد الجيلاني على أنه سبحانه وتعالى" حي بحياة، وعالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر... يقبض ويبسط، ويضحك ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويرضى له يدان وكلتا يداه يمين... موصوف بالعلو والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره، فلا يحمل الاستواء على ذلك، فالاستواء من صفاته تعالى التي أخبرنا بها ونصَّ عليها وأكدها في سبع آيات من كتابه، والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به؛ كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا موصوف بها ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل "(6).

       ويقول الغزالي في صفتي السمع والبصر- وقد عرفنا رأيه في الاستواء-
" إنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى، لا يقرب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن بصره مرئي وإن دقَّ، ولا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان..."(7).

       ونجد الواسطي يناقش مقولة: إن الصفات أعراض، والأعراض لا تليق بالله تعالى فيقول: " نحن قطعًا لا نعقل من الحياة إلا هذا العَرَض الذي يقوم بأجسامنا، وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضًا تقوم بجوارحنا، فكما أنهم يقولون: حياته ليست بعَرَض، وعلمه كذلك، وبصره كذلك، هي صفات كما يليق به، لا كما يليق بنا"(8).

       ويكمل الواسطي كلامه مثبتًا الصفات كلها لله تعالى، لا يفرق بين صفة وأخرى، يقول: " حياته معلومة، وليست مكيفة، وعلمه معلوم وليس مكيفًا، وكذلك سمعه وبصره معلومان، ليس جميع ذلك بأعراض، بل هو كما يليق به، ومثل ذلك بعينه وفوقيته واستوائه ونزوله، ففوقيته معلومة، أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر، فإنهما معلومان ولا يكيفان، كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة، كما يليق به، واستواؤه على عرشه معلوم ثابت كثبوت السمع والبصر غير مكيف، وكذلك نزوله ثابت معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق، بل كما يليق بعظمته وجلاله"(9).


(1) القشيري:  الرسالة القشيرية ص 42.

(2) الواسطي: في السلوك – القسم الثالث – لوحة 202ص ب ، 203 ص أ.

(3) أبو بكر البيهقي: الأسماء والصفات ص 137- دار الكتب العلمية بيروت – لبنان-
ط 1405هـ - 1984م

(4) أبو بكر الكلاباذي: التعرف ص 48 .

(5) الواسطي:  في السلوك- القسم الثالث- لوحة 206 ص ب.

(6) الجيلاني:  الغنية جـ1 ص 55- 56- 57.

(7) الغزالي:  قواعد العقائد في التوحيد ص 126.

(8) الواسطي:  في السلوك – القسم الثالث لوحة 206 ص أ.

(9) المرجع السابق، – القسم الثالث لوحة 206 ص ب.

المصدر: مصطفى فهمي: رسالة ماجسنير- كلية دار العلوم-جامغة القاخرة
Dr-mostafafahmy

د/ مصطفى فهمي ...[ 01023455752] [email protected]

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 735 مشاهدة
نشرت فى 4 يونيو 2012 بواسطة Dr-mostafafahmy

ساحة النقاش

مصطفى فهمي

Dr-mostafafahmy
فلسفة الموقع مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة فقط. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

323,560