وا إسلاماه * المشهد الحادى والعشرون*
بين الصليب والتتار(المغول) بين مهر السلطانة ومهر جلنار
قال أيبك مُبْتسِمًا:ينْقضِى هذا الحُزْنُ حينما تتزوَّجُ السلطانة!فقال قطز: أجَلْ ياسيِّدى.فتزوَّجْها من أجْلى أنا إنْ لم يَكُنْ مِنْ أجْلِكَ!وضَحِكا مَعًا.وكان أقْطاى قد خاطبَ المَلِكة فى الزواج.فرَدَّتْ بِدَهاءٍ: إنها لا ترُدُّ طلَبَه.ولكنها لا تفكِّرُ فى الزَّواج حتى يَنْتهىَ خَطرُ الملكِ الناصر صاحبِ دمشق وتأمنَ على مصروعلى نفسِها.وذهب قطز رسولا من أسْتاذِهِ إلى شجرة الدُّرِّ،فقال: إنَّ أستاذى بعثنى إليكِ ياموْلاتى فى أمْرَيْن،أحَدِهِما أنْ تُنْجِزى وعْدَكِ لِمَْملوكِهِ بالزواج من وصيفتِكِ.والآخر أنه يعلمُ أنكِ لا تحِبين فِراقَ وصيفتِكِ.وهولا يقْدِرُ على فِراقى ـ فإنه يتوَسَّلُ إليكِ أن تسْمَحِى لنا أنا وهِىَ بأن نعيشَ فى خِدْمَتِكُما معاً! ـ ففَهِمت الملكة الذكيَّةُ أنه عرضٌ من أيبك بالزواج منها!! فسألتْهُ بهُدوءٍ:أى هذين الأمْرين أحبُّ إلى أستاذك أنْ أقضِيَه؟ فأدْرَكَ قطز أنَّ الملكة قد فهمت تلميحَهُ،فأحبَّتْ أنْ تسْتوْضِحَهُ لتستوْثِقَ من صَوَابِ ما فهمت..فبَدَرَهَا قطز قائلا:الأمرَ الثانى يا موْلاتى ـ فقالت كيْفَ عرفت ذلك؟ فقال قطز الماكر:لأن الأمرَ الثانىَ يتضمَّنُ الأمْرَيْن معاً..فتورَّدَ وجه الملكة خجلا وقالت:قل لأستاذك إنى لا أستطيعُ أن أقيم عُرْسًا وجنودُ الملك الناصرعلى أبواب مصر!فقال قطز بِمَكْرٍ: يا مَوْلاتِى السلطانه أحسَبُ أن فى هذا ظلماً لى وإخلافا لِوَعْدِى.فاسْتغربت شجرة الدر وقالت له: وكيْفَ ذاك؟ فقال الماكرُ قطز: هلْ لِى أن أقولَ لأستاذى: إن السلطانة لا تستطيعُ أنْ تقيمَ عُرْسَـــــيْن فى القصر وجيوش الناصر على أبوابِ مصـــر! فابتسمت الملكة وقالت: قلْ له ما بدا لك أيها المملوك الماكر! ثم همست: لا خوْفَ على عز الدين أيبك وهذا المملوكُ عنده!!!... فهم الملك المُعز أيبك أنَّ الملكة تربط الموافقة على طلبه بهزيمة الملك الناصر صاحب دمشق الذى حشد ملوك بنى أيوب فى الشام. وأصبح على أبواب مصر. وخرج أيبك بنفسه لِمُلاقاةِ جيش الناصر لئلا ينفرد خصمه أقطاى بشرف النصر فى هذا اليوم العصيب! وعاد ايبك ظافرا ومعه الأسرى من بنى أيوب.ـ. وفيهم الملك الصالح عماد الدين إسماعيل.ـ. الذى باع بلاد الإسلام للفرنج واستعداهم على.ـ. الملك الصالح نجم الدين أيوب.ـ.ونفى الشيخ المجاهد ابن عبد السلام إلى مصر.ـ.فاسْتصْدَرَ قطز فتوى من الشيخ بقتله بعد سجنه بالقلعة. لخيانته لله ورسوله أيام كان ملكا على دمشق!! فأمر المعز أيبك بقتله ـ فقتل خنقا ـ !!وبدأ كلٌ من أيبك وأقطاى يطالب الملكة بإنجاز وعدها بعد أن هُزِمَ الملكُ الناصر..فتناوب عليها قطز وبيبرس بالرسائل وكلُ منهما يُدْلِى بِحُجَّتِه لِيُرَجِحَ كِفَّةَ أستاذه!! وتكررت الحملاتُ ضد الملك الناصر حتى عُقِدتْ المُعاهدات. وكُتِبت العهودُ فكان لمصر حتى الأردن بما فيه غزة والقدس ونابلس والساحل. وللناصر ما وراء ذلك..واستطاع سيْف الدين قطز أن يتفوَّق على خصْمه رُكْن الدين بيبرس البُنْدقدارى!! فرَجَحَتْ كِفَّةُ ـ المعز لدين الله أيبك. فاختارته الملكة زوْجا!!!.لكنها قالت:لا أتزوج نصف ملك!! فتخلصَ أيبك من الملك الصغير فسجنه بالقلعة وانفرد بالملك!! والملك الصغير لا يدرى لماذا أجلسوه على العرش !!! ولماذا أوْدعوه السجن!!!
وفاز أيبك بالمُلْك والملكة . فتميَّزَ أقطاى الجمدار غيظا.وقرر الانتقام من المَلِكِ والمَلِكَةِ! فأطلق يد خِشْداشِيَّيه ومماليكه، فعاثوا فى الأرض إفسادا وفى الأعْراض انتهاكا وفى الناس ظلما وتنكيلا!! ليظهر ضعف أيبك وعجزه . فلا يجد الناس مغيثا غير أقطاى الجمدار!! لكن شجرة الدر كانت تدرك أن السِّحْرَ سينقلب على الساحر يوْما! لأنها تعرف قوة الشعب إذا ثار غضبا لعِرْضه وكرامته!! فأعْلنت زواجها من أيبك وزُفَّتْ إليه فى حفل بهيج!! وأسْقِطَ فى يد أقطاى فجَهَرَ بمعارضة الملك! وأراد الكيدَ للملكة. فتزوج أبنة ملك حماه بالشام.ـ.وأرْسَل إلى أيبك يبلغه أن زوجته ابنة ملوك!!وأنها سَتسْكُنُ فى قصر قلعة الجبل!! فشعرت شجرة الدر بالإهانة! وأدركت أن هذه هى الطامة الكُبْرَى! وأن أقطاى قد حفر قبره. فلتظفر به قبل أن يظفر بها!!!! فأشارت على أيبك أن يظهر الرضا والقبول!! وأوعزت إلى قطز أن يُلْقىَ فى أذُن بيبرس أن شجرة الدرِّ ستترُكُ قصرَ القلعة للأميرة القادمة!! وأخذت شجرة الدر تقضى النهار فى قلعة الجبل. وتنتقل ليلا إلى قصر آخر أسفل القلعة!!! وأوقدت فيه المصابيح!!! واطمأنَّ أقطاى واغترَّ بنفسه!!! وطلبت شجرة الدر من قطز رأس أقطاى الجمدار مهراً لجلنار !!!!!! فاتفق الثلاثة الملك والملكة والمملوك!!!!!!!!على التقرُّبِ إلى الله برأس هذا الظالم المستبد منتهك الأعراض!! فدعاه أيبك لمقابلته بالقلعة فى يوم كان بيبرس قد ذهب فيه للصيد مع شيعته من مماليك أقطاى!!! واختار قطز اثنين من مُعاونيه ـ بهادر و سنجر الغتمى ـ ليكونا جاهزين للطوارئ!!! ـ وحضر أقطاى الجمدار ومعه بعض مماليكه.فلما دخل أقطاى أُغْلِقت الأبواب ومنع مماليكه ..ثم لقِيَهُ قطز فصَحِبَهُ إلى الدهليز ثم قال له أعطِنِى سيفك فما ينبغى أن تدخل على السلطان بسيفك.ـ. فغضب أقطاى وقال: أتُجَرِّدُنى من سيْفى أيها المملوك القذر؟ ومدَّ يده إلى سيْفِهِ لكن قطز عاجله بطعنةِ خِنْجر فى جنبه وهو يقول : بل أجَرِّدُكَ من حياتك وأطهِرُ البلادَ من رجْسك!!! فثار أقطاى وحمل على قطز واضعا يده الأخرى على فم الطعنة!!! وقال قطز الآن يقتلك المملوك القذر!!! وظلَّ يُوَاثِبُهُ لينزفَ أكثر!!! وأقطاى يقول: يا ملعون اثبت لى!! فيجيبه قطز:: يا زوج الأميرة اثبت لنفسك!! حتى نزف أقطاى ونهِكَتْهُ المُوَاثبة!!! فوَقعَ كالجَمَلِ البارك!!!!!!!!!!!!! وهنا ظهرت شجرة الدر فنادته : يا مغرور دع بنت الملوك تنفعك!!!!! فأجابها بقوْلِهِ : يا خائنة!!! ولم يقل شيئا بعدها !
وعلم بيبرس وجماعته من مماليك أقطاى الجمدار فركِبوا إلى قلعة الجبل فى سبعمائة فارس يتقدمهم بيبرس!!! فوقفوا تحت القلعة.. يطلبون تسليم زعيمهم ـ فما راعَهُم إلاَّ رأس أقطاى قد رمى به المعز إليهم ـ وناداهم قائلا : اُنْجُوا بأنفُسِكُم قبل أن ينالَكُم ما نال رئيسَكم فأسْقِطَ فى يدِ بيبرس وجماعته!!! فانطلقوا هاربين وتفرقوا خارجين من القاهرة!! إلى. الكرك.ودمشق وبلاد الغور بالأردن والبلقاء والقدس ـ وجعل بيبرس من ذلك اليوم يقول::: لقد فعلهـــــا صـــــديقى واللــــــه ليكونن من قتـــــــلاى! عبد القدوس عبد السلام العبد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الثانى والعشردرون *
بين الصليب والتتار(المغول)حلم فى الأرض ودعوة فى السماء وقتل فى الحمام وثأر بالقباقيب.
تخلَّصَ الملكُ المُعِزُّ أيبك من بقيَّةِ المماليك البحرية قتْلاً وحبْسا!واستراحَ الناسُ مِنْ بغْيِهم وفسادِهِم.وعرفَ الناس فضل سيْف الدين قطز الذى قتل الطاغية أقطاى الجمدار!فأحبُّوه وأُعْجِبوا بشجاعته وبُطولته.وعرف الملك المعز لمملوكِهِ البطل فضْلَه عليه وعلى مُلْكِهِ.فزادَ فى تقْريبهِ وترْقِيَتِهِ.حتى أعْتقه وقلَّدَهُ أكبر مَنْصب فى الدَّوْلَةِ!!وهو مَنْصب نائب السلْطَنَةِ!فزاد قطز إخْلاصا له وتفانياً فى خِدْمَتِهِ..ولم تنسَ الملكة شجرة الدُّرِّ فضله عليها،فبَرَّتْ لهُ بِوَعْدِها وأنْعَمَتْ عليه بجُـــــلْنار.وتولَّى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام عقْدَ تزْويجها له!!! وقامت الملكة بنفسها فزيَّنتها وزفَّتْها إلى نائب السَّلْطَنَةِ سيْف الدين قطز!! وأقيم العُرْسُ السعيدُ فى قلعة الجبل!! حيث جلس الملك والملكة لاستقبال وُفودِ الضُّيوفِ لإسْعادِ العروسين!ـ! وانْتصَفَ الليْلُ، وهَدأ كُلُّ شَىْءٍ، وخلا الحبيبان السَّعيدان، فطابَ اللِّقاءُ، وسادَ الصَّفاءُ، وسالت دُمُوعُ الفرَح، وتحدَّثَ القلْبُ إلى القلْبِ، ولذَّتْ الشَّكْوَى!!! وَرَقَّتْ النَّجْوَى، وتذكَّرَ الحبيبـــــان ذُنوبَ الزَّمـان، ثم غُفِرتْ له دفعة واحدة!!!!! وتحقق حُلْمٌ فى الأرْض!ـ! وأُجيبتْ دعْوَةٌ فى السَّمــــاءِ!ـ! انطلقت من فم رَجُل صالِح!!! واطمأنت رُوحا امْرأتين غرقتا فى نهر السَّنْدِ كانتا تتمنيان أن تريا مثل هذا اليوْم!!ـ!ـ!! حتى تنفس الصُّبْحُ. فهَبَّ العروسان مذعورَيْن يخشيان أن يكونَ ما كانا فيه رُؤيا فى مَنام والْتمَسَ أحَدُهُما الآخرَ!! فإذا همــــا متجــــاوران!
وعادت الأيامُ سِيْرَتها الأوْلى.!.فأصبح الملكُ المعز لدين الله أيبك يرى أمْرَهُ مرْدوداً إلى شجرة الدُّرِّ! وأمْرُها ليس له رَدُّ! فاسْتثقلَ سُلْطَةَ الملكة ونفوذَها عليه! وتشبُّثها بما تدَّعِيهِ من حقها فى الاستئثار بالسُّلْطةِ دُونَهُ. إذ ترْفع من تشاءُ، وتضَعُ من تشاءُ!!! وكان أيبك قد انقطع زمنا عن زوْجته القديمة أُمُّ ابنه علىِّ، فعاد إليها وجعل يفكِّرُ فى مُسْتقْبل ابنه ـ فاستوْحشت شجرة الدر منه!!! وغارت من ضرتها عليْهِ!!! كما غارت منه على سُلْطتها المُهدَّدَةِ بالزَّوال.. فلم تتعوَّدْ شجرة الدر الاسْتسْلام أو التفريط فى حق!!! فألزمت أيبك بطلاق زوْجته أمِّ علىٍّ. وأخذت تُدْنِى إليها مَنْ لا يميلُ إليه أيبك من المماليك الصالحية!! وتُقْصِى مماليكَه وأشياعَهُ. فتعاظمَ نُفوذُها واستبدَّت بأمور المملكةِ. فلا تُطْلعُ أيبك عليها!! واشتدت الوحْشة بينهما حتى خشِيَها أيبك على نفْسِـــــه! وعاد إلى أم على! فاسْتعَرَتْ الحرب بينهما من وراء ستار!!! وأصبح كلُّ منهما يُفكِّرُ فى التَّخَلُّص من الآخر!!!!! وكشَّرَ الشَّــــرُّ عن أنيابه! ولم يبقَ للوفاق بينهما من سبيل!!!
وانْتقلتْ جلنار مع زوْجها الأمير سيف الدين قطز نائب السلطنة إلى قصر آخر خارج القلعة!!! وقد احتار قطز بينهما! فلكلٍّ منهما فضل عليه وعلى زوجته جلنار...ـ.. وعلمت شجرة الدر بعزم أيبك على إنْزالها من القلعة إلى دار الوزارة..ـ.. فعزمت على أن تسْبِقه بالكيْدِ !! فبعثت إليه من أقنعه بأنها ندِمت على ما كان منها فى حقه.. وأنها اشتاقت إلى مصالحته. ونزلت عن إلْزامها إياه بتطليق أُمِّ ولده!!! وأنها ما فعلت ذلك إلاَّ غيرةً ودلالا !!! فرَقَّ لها الملكُ المُعِزُّ حتى بكى ! وغلبه الحنينُ إليها والشوْقُ إلى سالِفِ عهدِها ! فقال لرسولها::: إنه سَيُصالِحُها ويبيتُ عندها تلك الليلة!!!!!!!!!!. ولما علم قطز حذَّرَ أستاذه من كيدِ الملكة، وأكَّدَ له أنها تنوى به الشرَّ... فلم يجد من أستاذه أذناً صاغية!!!!!!!!!!!. فقال قطز فى نفسه:::::[ لِيَقْضِى اللهُ أمْراً كان مفعولا ]. وقُضِىَ الأمْرُ حقا، وقُتِلَ الملك المُعزُّ فى الحَمَّـــــــــام ليلا!!! بأيْدِى جماعة من خدم شجرة الدر!!! وأشيع أن الملك المعز مات فجأة فى الليل!! فانطلق مماليك المعز إلى الدور السلطانية، وقبضوا على الخدم والحريم حتى أقروا بما جرى فقبضوا على شجـــــــــرة الدر واعتقلوها بأحد أبراج القلعة!! ونُصِّبَ نور الدين علىٌّ ابن الملك المعز أيبك سُلْطانا بقلعة الجبل!!! ولُقِّبَ بالملك المنصور ،، وكان عُمرُهُ خمسَ عشرة سنة ـ وأُقيم الأمير سيف الدين قظز نائب السلطنة ـ وصِيَّا على حالِهِ ـ وصار مديرَ دوْلة الملك الصغير ـ وكان أوَّل ما فعل الملكُ المنصور ( الملك الصغير ) أن أمَرَ فحُمِلتْ شـــــــــــجرة الدُّرِّ إلى أُمِّهِ فأمرت جـــــواريها فضَرَبْنها بالقبـــــــــــــــــاقِيب حتى ماتت!!!!!!!!!!! فأُلقِيَتْ من سور القلعة إلى الخندق !!! ثم وُوْريَتْ التُّرابَ بعد أيَّام ،، وأُسْدِل السِّتارُ على الملكة العظيمة المُجـــــــاهدة شـــــجرة الدر صاحبة( زوْجة) الملك الصالح نجم الدين أيوب ( أُم خـــــليل ) فسبحان مَنْ له الدَّوام يُغَيِّرُ ولا يتغيَّرُ! عبد القدوس عبد السلام العبد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الثالث والعشرون *
قطز بين جبار وصديق
بعد مَصْرَع أقطاى الجمدار اسْتقرَّ بيبرس وجماعتُهُ فى دمشق،عند الملك الناصر عماد الدين إسماعيل.ولما تعاهد الناصر مع المعز أيبك غادروا إلى الكرك عند الملك المغيث.فحَرَّضوه على غزو مصر بعد مصْرع المعز أيبك! فأرسل المُغيثُ مع بيبرس جيْشا من ستمائة فارس!فتصدَّى لهم سيْفُ الدين قطز وهزمهم بالصالحية قرب القاهرة.فخشِى بيبرس أن يتَّهِمَهُ المغيث بالغدر به. فطلب الأمانَ من الملك الناصر وعاد بجماعته إلى دمشق! ـ ودار الزمان دَوْرَتَهُ ـ وأطلَّ خطرُ التتار برَأسِهِ من جديد فى صورة جَبَّار الأرْض هــــــولاكو حفيد جنكيزخان!!! يتهدَّدُ بلادَ الإسلام! فعصفوا بالدوْلة الإسماعيلية فى فارس! ثم زحفوا على بغداد عام 1258م فقتلوا الخليفة العباسِى أشنع قِتْلةٍ [فأغْرقوه فى برمل من البُراز]! ثم مَضُوا يسْفِكُونَ الدِّماءَ. ويهْتِكونَ الأعْراضَ! ونشروا الخرابَ نَهْباً وهدْما للدور والمساجد! واألْقوا خزائنَ الكتبِ النفيسة فى نهر دجلة! حتى جعلوا منها جِسْرًا تمُرُّ عليه خُيولُهُم!!! واسْتمَرُّوا على ذلك أربعين يوْماً! ثم أمَرَ هـــــولاكو بِعَدِّ القتْلَى فبلغوا ملْيونَىْ نَفْس مُسْلِمَةٍ!!! واهتزَّ العالمُ الإسْلامِىُّ من أقصاهُ إلى أقْصاه لِهذهِ الفاجعةِ!!! وكان ذلك امتحاناً من الله لِقُلوب مُلوك وأُمراءِ المسلمين. فمنهم من ثبت على دينه ويقينه. ومنهم من والَىَ أولئك البغاة خَوْفاً على ما فى يدِهِ من متاع زائل!!! فهذا الأمير بدْرُ الدين لؤلؤ صاحب الْمُوْصِل يُعِينُ التتارَ على إخْوانه المسلمين فى أربيل بالعراق!!!وهذا الملكُ الناصرعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق سَلِيْلُ البطل( الناصر صلاح الدين الأيُّوبى بطل حطين 1187م) ـ وسَمِيُّهُ ـ (المُسَمَّى باسمه) يُرْسِلُ ابنه الملكَ العزيزَ بالهدايا إلى طاغيةِ التتار يَسْتنْصِرُهُ على مماليكِ مصـــــر!!!!! ولكنَّ فى مصــــرَ[ التى قهرت الصليبَ بفارسكور، وسجنت لِويسَ التاسعَ فى دار ابن لُقْمان بالمنصورة، وأعادته إلى بلادِهِ بِخُفَّىْ حُنَيْن] رجُلاً كأنما أعدَّهُ جَبَّارُ السَّمـــــاءِ لِلِِقاءِ جَبَّار الأرْض! ومَنْ أصْلحُ لجِهادِ التتار مِنْ زَوجْ جِهـــاد( جلنار) الذى كان كلُّ همِّهِ فى الحياةِ أنْ يعيشَ حتى ينتقمَ منهم لأسْرتِهما المجيدة.ـ.وهذا حَظُّ نفسه. وحتى ينْتصِفَ منهم للإسلام وهذا حظُّ دينه ومِلَّتِهِ!!ـ!!؟
وسَمِعَ نائب السلطنة محمــــود(قطز) بِفاجعة بغداد ونكبتها، وبتحفُّز جبَّــــار الأرض هـــــولاكو للانقضاض على سائر بلاد الإسلام حتى ثارتْ شُجونُهُ!!! وتمثلت له ذِكْريات خالِهِ جلال الدين وجدِّهِ خوارزم شاه وجهادهما ضِدَّ طاغية التتار جنكيزخان.!.حتى أيقن أنَّ دوْرَهُ العظيمَ قد جاء.!.لينْتصِفَ حفيــــدُ خوارزم شاه مِنْ حفيدِ جنكيـزخان. وأنَّ رُؤيا النبـــــــــــــىِّ(ص) قد بدأتْ تتحققُ ـ أليس هو اليوْم حاكمَ مصــــر ومُدَبِّرَ دَوْلِتهَا ومصَرِّفَ أُمُورها! وليس لِسُلْطانِها الصَّغيرِ إلاَّ الاسم.ـ.؟وكثر اللاجئون إلى مصر من العراق وديار بكر والشام!!!وأخذوا يحدِّثون الناس بِفظائع التتار وأفاعيلهم المنكرةِ التى تخلع القلوبَ!وأنهم لا يُغْلبون!فلم يشُك الناسُ أنهم آتون إلى مصر لا محالة!!!! فعزم بعضُ الناس على الرحيل عن مصر إلى الحجاز واليمن، وعرضوا أملاكهم للبيع بأبحس الأثمان!!! وكان على نائب السلطنة( قطز) أن يبذلَ جهودا عظيمة لطمأنة الناس وتسكين خواطرهم.ـ.وأنهم بعزَّةِ الإسلام أقْوى من أولئك التتار الوثنيين! وأجدر أن يثبتوا للبأس! ولجأ إلى شيخه ابن عبد السلام طالبا النُّصحَ والمشورة.ـ.وقد أظهرت الأحداث ضعف الملك الصغير وعجزه وفساده.ـ.فأمَرَهُ الشيخُ أن يخلعه ليجمع كلمة المسلمين لِدفْع غائلة التتار عن بلاد الإسلام!!! وكان عزيزا على قطز أن يخلع ابن أستاذه وَوَلِىَ نعْمَتِهِ!!! وكان عليه أن يختارَ بين الوفاءِ لأُستاذه وَوَلِىِ نِعْمَتِهِ،وبين والوفـــــاءِ لِمِصْرَ الباقية ودين اللـــــــــه! فقبض على الملك الصغير المنصور ابن المعز أيبك وأخيه وأمِّهِماواعتقلهم فى بُرْج القلعة، وأعْلن نفسه سلْطانا على مصر وجلس على سرير الملك وتلقب بالملك المُظَفَّر.ـ.فاعترض بعض الأمراءِ والمماليك وفى مُقَدِّمَتِهم الأميران[ علم الدين سنجر العتمى و سيف الدين بهادر] وكان التتار قد بدءوا التحرُّك جهة الشام، فخشى المماليكُ أن ينْضَمَّ الملك الناصر صاحب دمشق إلى التتار ويستعدِيَهُم على مصر!!!وقد فعلها فعلا!!! فانضموا جميعا تحت لِواء قطز الملك المُظَفَّر!! فوعدهم قطز أن يُعيدَ إليْهم الأمْر فى حكم مصر!! إذا انهزم التتار ليختاروا مِنْ بينهم مَنْ يروْنه صالِحاً لِحُكْم مصر!!! ويُعْفونه من هذه التبعةِ العظيمة، ويتحَمَّل هو المسئولية أمام الله.ـ
وعلم رُكْن الدين بيبرس البندقدارى أن خَصْمه قطز قد أعْلن نفسه سلطانا على مصر،، ففكَّرَ فى مصالحة عدُوِّه وصديقه القديم!!فبعث إليه يعترفُ به سلطانا، ويُعَظِّمُ شأنه،، ويطلب السماحَ له بالعوْدَةِ إلى مصر مع جماعته ليشُدَّ من أزْرهِ فى قتال التتار !! فلما قرأ قطز كتاب بيبرس بكى وقال: الحمد لله قد عاد صديقى القديم إلَىَّ!!! وكتب إليه كتابا رقيقا يسأله القُدُومَ وَوَعَدَهُ بالوُعودِ الجميلةِ له ولجماعته.ـ.فلما اقترب بيبرس من القاهرة ركب الملك المُظَفَّرُ قطز للقائه تكْريماً له!!! فعانقه واسْتقبله استقبالا حسناً!!!!!! وأنْزله بدار الوزارة ، وأقْطعَهُ قصبة قليوب(ارض زراعية) وأعمالها( ما حولها) ليُفيضَ عليه ، وأخذ يُقَرِّبُهُ ويستشيرُهُ فى أُمورهِ.ـ.وكانت بطانة قطز تحذِّ رُهُ من مَكْرِ بيبرس!!! فيقول::: ليس لِى أنْ أحْرمَ المسلمين فضْلَ بأسِهِ وشجاعته!!!!!!!!! غير أن بيبرس سرعان ماعاد سِيرَتهُ الأولىَ !.! فبدأ يجتنعُ بالمماليك الصالحيةِ،، ويُدَبِّرُ فى الخفاءِ مَكِيدَة للقبض على الملك المُظفَّر سيف الدين قطز واعتقاله. وحُلول بيبرس البندقدارى محلَّه! !فدوام الحال من المحال.ـ. وسبحان من له الدوام![ وتلك الأيام نداولها بين الناس].عبد القدوس عبد السلام العبد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الرابع والعشرون *
بين الصليب والتتار ( المغول ) قطز بين كيد بيبرس ورُسُل التتار
أفْتى الشيخُ المُجاهِدُ العزُّ ابن عبد السلام الذى لا يخْشى فى الحق لومة لائم، بوُّجوبِ أخذِ أمْوال الأمراءِ وأمْلاكِهِم حتى يُساوُوا عامَّة الناس فى ملابِسهم ونفقاتِهم.ـ.وحينئذٍ يجوزُ الأخْذُ من أمْوال الناس.ـ.أمَّا قبل ذلك فلا يجوز! وذلك لتجهيز الجيش عُدَّةً وعَدَدًا وَمئونة!!! ورأى قطز أن هذه الفُتْيَا ستُثيْرُ الأمراءَ والمماليكَ وتُشْعِلُ فى البلادِ فتْنة يصعُبُ إطْفاءُ نارها!! فبعث إلى الشيخ وشرح له ذلك..وتلطَّفَ معه فى القوْل.فقال الشيخ: لا أرْحِعُ فى فتْواىَ لِرأىِ ملكٍ أو سلطان!!وقد عاهدتُ اللــــهَ أنْ أقوم بالعدْل والنظر فى مصلحة المسلمين! فبكى الملك المُظفَّر قطز! وقبَّلَ رأسَ الشيخ قائلاً: بارَكَ اللـــهُ لنا ولِمِصْرَ فيك!ـ! إنَّ الإسْلام ليفتخرُ بعالِم مثْلِك! واستشار الملكُ قطزُ بيبرسَ فى هذا الأمْرِ فخَوَّفَهُ بيبرس من غضبِ الأمراءِ وعِصْيانهم وثوْرَتِهم فى هذا الوقْتِ العصيبِ.ـ.وهو يقصد بذلك أن يخرُجَ قطزعن طاعةِ الشيخ فيثورَ الناس عليه! لكن بيبرس لمَحَ الشَّكَّ فى عين قطز! فتراجَعَ قائلاً: سأكون أوَّلَ من ينزلُ عن أمْلاكِهِ لِبيْتِ المال! وهو يقصدُ بذلك أيْضا أن يثورَ الأمراءُ والمماليكُ على الملك المُظفَّرِ ويخلعوه وَيُوَلوا بيبرس مكانه!!وكان بيبرس قد اجتمع بهم سِرَّاً وحرَّضَهم على ذلك!! وأدرك قطز ما يُدَبِّرُهُ بيبرس فى الخفاءِ. فخلا به وقال له:اتَّقِ اللـــهَ يا بيبرس فى دينك ووطنك.. فحاول بيبرس الإنكارَ! فبدره قطز قائلا: لا تنكر ذلك بالقوْل يا بيبرس. ولكن أنْكِرْهُ بفعلك.ـ. واعلم أنى لو أردتُ قتلك لما أعْجَزَنى ذلك!! ولكنى أضِنُّ على بطل مِثْلِكَ أنْ يُقْتَلَ فى غيْر سبيل اللــــه!ـ! وأريدُ أن أسْتبْقِيَكَ لِيوْم مع أعْداءِ اللــه مشهود! فهدأ بيبرس وقال: أعاهدك بشرفى ودينى أننى أقاتل معك أعْداءَ الإسلام التتارَ حتى تنتصرَ عليهم أو أقتل دونك!ـ! أما الأمراءُ فشأنُك وشأنُهُم لا أعينك عليهم ولا أعينهم عليك.. فقال قطز:: حَسْبِى هذا منك.ـ.واستطاع قطز أن يُدبِّرَ حيلة حَبَسَ بها الأمراءَ والمماليك بقاعة العواميد بالقلعة. وأمر فِرْقة من رجاله الأشداء المخلصين فكبسوا بيوتَهم وكسروا خزائنهم وحملوا ما فيها من الذهب والفضة والجواهر إلى بيت المال!! ثم أخلى سبيل المماليك وقبض على أمرائهم!! وكان أولُ مال دخل بيت المال صندوقَ الجواهر الخاص بالأميرة جهــــــاد(جلنار) زوجة الملك محمـــــود( قطز) ثم أمر قطز بأخذ زكاة أموال الناس وأجر عقارات الدولة المؤجرة، حتى يستكمل إعداد الجيش..سلاحا.وذخيرة.خيلا.وبغالا.ومجانيق.ورجالا مُدربين(من الجنودِ والمتطوعين الذين استجابوا لنداء الشيخ المجاهد.ومئونة وعتادا إلخ.....
وأخيراً جاءَ رُسُلُ التتار(المغــول) إلى مصــــر..وكانوا بِضْعَة عشرَ رَجُلاً يرْأسُهم خمسة من كِِبارهِم يُحْسِنون اللسانَ العربِى،ومعهم صبىٌّ مُراهق!! وكان فيهم رجال مَخْصوصون للتجسُّسِ!!! وقد جاءوا بكِتابٍ من جبـَّـــــار الأرْض هــــــولاكو. إلى الملك المُظفر قظز. فأمَرَ قطز بِحُسْنِ اسْتِقْبالِهم. ورتَّبَ جماعة من عسكره لِخِدْمَتِهِم!!!وصُحْبَتِهِم إلى كل مكان أوْ مَوْضعٍ يُحِبُّون الذهابَ إليْه!!!!! وقدعجبوا لهذه الحُرِّيَّةِ التى أعْطِيَتْ لهم...إلاَّ واحــــــداً من رؤسائهم الخمْسةِ.أمرالملكُ قطز أوَّل ما قدِموا فعُزِلَ عن أصْحابهِ، واعْتُقِلَ فى بُرْج من أبراج القلعة، فلم يسْألْ الباقون عنه لانشغالهم فى تعَرُّفِ قُوَى الدِّفاع والاطلاع على حُصُون المدينةِ، وأسْوارها وأبْوابها.إلخ، حتى إذا قضوا من ذلك ما أحَبوا أمر بهم الملك المظفر سيف الدين قطز، فاعتُقلوا فى بُرْج آخر!! أما الصَّبى التترى فكان يتسللُ إلى القصور السلطانية فى غفلة من الحراس!! حتى عُثِرَ عليهِ يوْما عند الحريم قد أحاطت به جوارى القصر! يتعجَّبْنَ من خِلْقته وشكْلِهِ!! وهو يخاطبهن بكلماتٍ عربيةٍ مُكَسَّرةٍ! فقُبِضَ عليْهِ وسِيْقَ إلى الملك المطفر قطز... فأمر باعتقاله وحْده!!!!
واستشارالملكُ المُظفَّرُ سيفُ الدين قطز الأُمراءَ فيما يُجيبُ به التتارَ فأشار مُعْظمهم أنْ يُرْسِلوا إلى جبَّــــــار الأرض هــــــولاكو جوابا لطيفاً يتقون به شرَّهُ، ويخْطِبون بهِ وُدَّهُ، وأن يدْفعوا له جزْية كُلَّ سنةٍ لِئلا يهْجُم على مصـــــر فيُهْلِكَ الحرْثَ والنسْلَ!!!!!!! فغضِبَ الملكُ واحْمَرَّ وجْهُهُ حتى كاد الدَّمُ ينبثق منه!! وجعل يقولُ: إنَّ اللـــــــه تعالى يقول فى كتابه العزيز[ حتى يُعْطوا الجِزْية عن يدٍ وهم صاغرون] وانتم تُريدون منا أنْ نعْكِسََ الآية ونقول:( حتى تعْطوا الجزْية عن يدٍ وأنتم صاغرون ) ثم قام إلى كبير الجماعة فاخْتَطفَ سيْفه وكسَرَهُ على رُكْبتِهِ وألْقاه فى وجْهِهِ وقال:( إنَّ السيف الذى يجْبُنُ حامِلُهُ عن القتال لخليْقٌ أنْ يُكْسَرَ هكذا ويُلْقىَ فى وجْهِ صاحبِهِ ).
وأمَرَ الملك المُظفَّرُ سيْفُ الدين قطز بِعرْض وفدِ التتــــار بين الناس. الرجال والنساءِ والصِّبْيان لمُشاهَدَتِهِم، فى موْكِبٍ عظيم!!! وقدْ أُرْكِبوا على جِمال وشُدُّوا على أقتابها ( أسْنام الجمال ) بالحِبال، وَوُجوهُهُم إلى أذْنابها ( ذُيولها ) ماعدا الرسول المُفْردِ المعزول وحده!!! فقد قُيِّدَ وحُمِل على مَحَفَّةٍ لِيُشاهِدَ ما يُفْعلُ بِأصْحابه!!! ما خلا الصبى التترى فقد أمر السلطان باسْتبْقائهِ ليجعله من مماليكه!!! وخرج الموْكِبُ بالطبول من القلعة! والناسُ من حوْلِهِ يصيحون ويضحكون ويُصفِّقون.لهْواً ومَرَحًا!!! حتى وصلوا إلى سُوق الخيْل. تحْتَ القلعةِ فقتلوا أحدَ الرُّسُل!ـ!ولما بلغوا ظاهر باب زُوَيْلة قتلوا الثانى!ـ!وقتلوا الثالثَ بِظاهر باب النصر!ـ!والرابعَ بالريْدانية!ـ!ثم أُنْزِلَ الباقون فقُتِلوا دفْعة واحدة!ـ! وعُلِّقت رُءُوسُ الجميع على بابِ زُوَيْلة!!!!!!!! عبد القدوس عبد السلام العبد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الخامس والعشرون *
بين الصليب والتتار ( المغول ) الوعد الصادق وبداية النهاية
أُقيم استعْراضٌ عظيمٌ للجيش المصرى فى ميْدان الرَّيْدانيَّةِ.حيْثُ اسْتعْرَضَ السلطانُ قطزُ كل فِرَقَ الجيش وأسْلِحته وتجهيزاته.بحضور الجماهير التى تهْتِفُ بِحياةِ السلطان. ثم انصرف الملك إلى قلعة الجبل.فأمَرَ بالصَّبِى التترىِّ فأُحْضِر إليْه.وأمر بالرسول التترىِّ فأُطْلِقَ بين يديْه.وقال له:[ أخْبِرْ موْلاك اللعِيْن بما شاهدتَهُ من بعْضِ قُوَّتنا. وقُلْ لهُ: إنَّ رجالَ مِصْــــرَ ليْسوا كمن شاهدتهم مِنَ الرِّجال قبلنا!!! وقُلْ لِمَوْلاك: أننا اسْتبْقيْنا هذا الصَّبِىَّ عِنْدَنا لنجْعلَهُ ملكا عليْكُم فى بِلادِكم عِنْدما نكْسرُكُم ونُمَزِّقُكُم كُلَّ مُمَزَّق]. ثم أمر وزيره يعقوب ابن عبد الرفيع فسلَّم الرسول التترىَّ جواباً مختوما لهـــولاكو. وأمر جماعة من الجند أن يحرسوه ويوصلوه إلى الحدود.!. وهكذا قطع الملك المظفر قطز أمل أولئك الأمراء المُتخاذلين المُشاغبين فى مُسالمةِ هـــولاكو.!.ووضعهم أمام الأمر الواقع،ثم أرْسل إلى ملوك وأمراء الشام، فحذرهم من التخاذل فى قتال التتار، أو التسليم لهــولاكو، وطمأنهم بأن اعترف لهم بأن بلاد الشام لِمُلوكِها وليس له أى مطمع فيها... لكن مثلَه ومثلَهم ومثلَ التتار كمن اشتعلت النار فى بيت جاره الأدْنى، فعليه أن يسعى لإطْفائها، وليس لِجاره أن يقول له: لا شأن لك بدارى!!!!!وقد لجأ إلى مصــــــر كثير من ملوك وأمراء الشام بجنودهم حين اشتدت هجمات التتار على بلاد الشام..فأحسن السلطان قطز استقبالهم، وجعل كلا منهم أميرا على من معه من الجند، وضم إليْهم عددا من جنود مصـــــر وجعلهم تحت قيادته لتقويته.. ولحق آخرون ممن كتب اللـــــــــــهُ عليهم الذل فى الدنيا والآخرةِ بهـــولاكو، فأعانوه على قتال المسلمين!!! واستطاع السلطان قطز أن يحقق فى شهور ما تعجزعن تحقيقه العُصْبة أولو القوة فى سنين. فضاعف قوة الجيش عددا وعُدة.وخلقه خلقا جديدا،جعله يتوَقدُ حماسة للقتال.وحنينا وشوْقا للجهادِ فى سبيل اللــــــــــه، وأنْزل السكينة والطمأنينة فى قلوب الناس، وجعلهم على ثقةٍ ويقينٍ بأن مصـر ستُفْلِحُ بِحوْل اللــــــــــــهِ فى ردِّ غارات التتار بل وطردهم من بلاد الشام. كما أفْلحت من قبلُ فى ردِّ الصليبيين على أعقابهم!!!...... وكانت زوجته وحبيبته السلطانة جــــلنارتشُدُّ من أزره فى كل ذلك، وتُشاطِرُهُ همومه وتمسح بيدها الرقيقة شكواه كلما ضاق صدره من عناد وتخاذل بعض الأمراء والمماليك!!! فتملأ قلبه ثقة وعزماً فيزداد يقينُهُ ويتضاعفُ إيمانُهُ!!! وهى تقول له: إنى سأخرج معك إلى الميْدان لأرى مَصارعَ التتار بعيْنى فيُشْفَى بِذلك صدْرى!! فيقول باسِمًا أما تخافينَ الأسْرَ؟ فتقول: أما تذكرُ أنى كنت أسبقك بجوادى؟أنا ابنة جلال الدين.لا يصلون إلىَّ وجوادِى معى ينجو بى...فيضحكان ويتعانقان!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! ثم يجدُّ الجِدُّ وتردُ الأنباءُ بوصول التتار إلى غزة وبلد الخليل..فينشرون الخراب بقتل الرجال وسَبْى النِساءِ والصبيان ونهب الأسْواق وسلْب الأموال وذلك بعد حلول شهر رمضان.
ويُنادَى للجهادِ فى القاهرة وسائر البلاد المصـــرية.ويتزعَّمُ الدعْوة للجهاد شيخ المجاهدين العز ابن عبد السلام وكتائبُهُ. وأحسَّ الناسُ كأنهم فى عهدٍ من عهودِ الإسلام الأولى!!!حين كان الصحابةُ الكِرام يُلَبُّون دعوة الرسول العظيم!!! فينفروا خِفافاً وثِقالا، يبتغون إحْدى الحُسْنيين، النصرَ أو الشهادة، حتى يجعلوا كلمةَ الذين كفروا السُّفْلىَ ، وكلِمَةُ الله هِىَ العُلْيا..... وأمر الملك المظفر بتحرُّكِ الجيش حتى نزل بالصالحية. وأمسى الليل والصالية مدينة كبيرة من المضارب والخيام يتوسطها المُخَيَّمُ السلطانى، وفيه مع السلطان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى والوزيران يعقوب ابن عبد الرفيع والأتابك أقطاى المُسْتعرب.. وعلى مقربة منه مضارب ملوك الشام اللاجئين إلى مصــــــر.. فيتشاور مع الجميع فى خططه.ويتلقى آراءهم الصائبة بالقبول والاسْتِحْسان ـ ثم يأمر الجميعَ بأن يأخُذوا قِسْطا من الراحة والنوْم ويقول: إنكم ربما لا تذوقون النوْمَ غداً أو مساء غدٍ!!! مع يقظةِ الحُرَّاس على مسافةٍ أمام الجيش جهة الشام.. ولما كان الهزيعُ الأخير من الليل(الثلث) هبَّ السلطان وامر الجيش بالسُّرَى( السيْرُ ليلا) وسبقهم الأميرُ بيبرس ليتعرَّفَ أخبار التتار ـ حتى وصل بِفِرْقته إلى غزة وبها طلائع التتار فناوشهم القتال فانهزموا إذ ظنوا أنَّ وراءه جيشا عظيما وتركوا له غزة!!! فدخلها بيبرس بِجَمْعِهِ(جماعته)حتى وافاه السلطان بالعساكر فأقام فيها يوْما يُريحُ الجيش ويدبر الخططَ.وهناك وافته السلطانةجهـــــاد(جلنار) راكبةً جوادها وهىَ بملابس الفرسان وعليها قناع من الحرير الأسْوَدِ مسْدولاً على وجْهِها لوْلاهُ ما تميَّزتُ عن الفِرْسان!ـ! وتصحبها جاريتان حبشيتان على بغلتيهما،، وحوْلها جماعة من العبيد السود يحرُسونها.ـ.وكان الفرنج بِعكا فخَشِىَ قطز غدرَهُم فبعث إليهم رُسُلا، ثم سار إليهم بطريق الساحل،فخرجوا إليه مُعْلِنين الحِياد ـ بعد أن رأوا انهزام التتار فى غزة. وكانوا من قبلُ قد اتفقوا مع التتار على مهاجمة مؤخرة الجيش المصرى!!!!!فرجعوا عن ذلك!!!!!وأبقى السلطان حامياتٍ من عسكره على الحُصون القائمة على منافذِ عكا، ليضمن بقاء الفرنج على الحياد.فوافقوا مُكْرَهِين...وعاد السلطان قطز من عكا، ووقف خطيباً فى الأمراءِ والجُنْدِ، يُحرِّضُهُم على الصدق فى الجهاد، لتحرير الشام ونُصْرة الإسلام. وحذرهم عُقوبة اللــــــــــه وغضبه ـ ثم دعا الأمير بيبرس، وأمره أن يسير بكتيبته لتكون طليعة له!! فصدعَ(أطاع) بيبرس بالأمر وسار بكتيبتهِ حتى لقِىَ طلائع التتار.. فكتبَ إلى السلطان يعْلِمُهُ بذلك.. وأخذ بيبرس يناوش التتار ويُشاغِلُهم! حتى وافاه السلطان عند عين جـــــــالوت1260م فنزل بعساكره فى الغور(المُنْخَفَض) ولمَّا رأى التتار طلائعَ الجيش المصرىِّ لزموا مواقعهم ينتظرون تكامُلَ جُموعِهِم المُقْبِلةِ... وكان الجيش المصرى يُردِّدُ نشيدَ الجهادِ مُنْذُ خُروجه.
نمْضِى إلى التتار # بالأبْيَض البتَّا ر# والأسل الحرار# نطلُبُهُم بالثار
للـه والمُخْتار # وشرفِ الدِّيار# نطرحهم فى النار# وغضبِ الجبار
نمضى إلى التتار #بالعسكر الجرار# كالأسْدِالضوارى# تعصِفُ بالفُجَّار
كالريح كالإعْصار# كالمائج الهَدَّار# نغْرقُهُم فى النار# وغضبِ الجبار
عبد القدوس عبد السلام العبد
!

