وا إسلاماه * المشهد السادس عشر *

       بين الصليب والتتار(المغول)هزيمة الصليب واختفاء الفرس

                      عبد القدوس عبد السلام العبد

أقْبَلت طلائع الجيش المصـــرى، فنَدَبَ الصالحُ إسماعيل جُيوشه للقتال ووضع جيْشَ الصليبِ عن مَيْمَنتِهِ، وعساكِرَ حِمْص وحَلَب عن ميسرته، وجيشَ دمشق فى القلب، وكان هو على قِيادته!!!ولما تواجَهَ الجمْعان لم يشُك الصالحُ إسماعيل وحلفاؤه الفِرنْج أنَّ النصْر سيكون لهم لكثرتهم، وقِلَّةِ جيش مصــــر بعد انهزام الناصر داود.ـ.ورأى المصـــريون أنهم تأخروا وأضاعوا الفُرْصة بعد انهزام الناصر داود.فضعف رجاؤهم فى النصر.ـ. لكنهم ثبتوا ليُشاغِلوا عدُوَّهم رَيْثما يأتيهم المَدَدُ.ـ.والتحم القتال وكادَ المصـــريون ينهزمون..وإذا بِصَوْتٍ يرْتفع من صُفوف الشاميين بين القلبِ والميْسَرةِ!!: يا اهْل الشام حَىْ على النصر حَىْ على الشَّرفِ. فما شكَّ عساكرُ الشام أنه يُحَرِّضُهم على قتال المصــــريين فتحمسوا له! وإذا بالصوْتِ يرْتفعُ ثانيا!: يا أهْل الشام اتقوا اللهَ فى أنْفُسِكُم.لا تُعَرَّضوها لِغَضَبِ الله.ـ.إنَّ أهل مصــــر إنما جاءوا لِيُقاتلوا أعداءكم الصليبيين.وأنتم تُقاتلون إخوانكم المسلمين! فقاتلوا جميعا أعداء الله وأعْداءَ الشام ومصــــر. قاتلوا الصليبيين.ـ.ولم يكد قظـز يُتِمُّ كلمته حتى مَرَقَ(انْطلق) من صفوفِ الشاميين وتبِعَتْهُ جماعتُه إلى صفوفِ المصــــريين!!! فما لَبِثَ الشـــــاميون أن تسللوا من صُفوفهم فى القلبِ والميْسَرةِ وانحازوا إلى المصـــريين،حتى لم يبقَ مع الصالح إسماعيل إلاَّ شِرْذِمة قليلة من حُثالة جيشه!!!وقد ظنَّ المصــريون أول الأمْرِ أنها خُدْعةٌ يُرادُ بها تطويقَهم. فتقهقروا قليلا ريثما يتبيَّنون حقيقة الأمْر..لكن قطـُـــــــزا أدْرَكَ ما ساوَرَ المصـــريين من الشك فتدارَكَ الموْقِفَ إذ دفع جواده إلى ميْسَرَتهم تلقاء الصـــليبيين وأشار للشـــــامِيين فتبِعوه فأخذ يقاتلُ الفِرنْجَ..!..وعندئذٍ تحقق المصريون مِنَ الأمْر، فجمعوا صفوفهم، وتقدَّموا جنبا إلى جنب مع إخْوانهم الشاميين فأوْقعوا بالفِرنْـــــج وقتلوا عددا كبيرا..!..وانهزم جيش الملك الصالح عماد الدين إســـماعيل،ولحِق مع من بقِىَ حيَّا من رجاله بدمشق..وعاد المصــــريون إلى بلادهم مُنْتصِريين.وساقوا اسـْـرى الفرنج معهم..وتفرَّقَ إخْوانهم الشــــــاميون فمنهم من سار معهم إلى مصـــــر ومنهم من لحِقَ بغزَّة التابعةِ لمصـــر ومنهم من لحِقَ بالكرك عند الناصر داود!!!أما قُطُـــز فقد التمَسَه المصريون (بحثوا عنه) عقِب انتهاءِ المعركةِ ليحتفلوا به ويعرفوا له فضلَ ما صنع كما فعلوا بغيْره من إخوانهم الشــــاميين. لكنهم لم يجدوه، فظنوا أنه قتل.. فبحثوا عنه فى القتلى فلم يقفوا له على اثر!! وقد سألوا الشاميين عنه، فلم يعرفْهُ منهم أحدٌ!! حتى النفر الذين انحازوا معه فى البداية قالوا: لا نعْرفه!! وقد صدقوا!! لأن الشيخ ابن الزعيم قال لهم:[ إنكم ستسمعون رجُلا من أنصارنا المخلصين يصْرُخُ داعيا للانحياز فاتبعوه] ولم يُسَمِ لهم ذلك الرجل( لم يذكُر اسمه ).!.

واخْتلفَتْ آراء القوْم فيه! فمِنْ قائل:إنه روح من أرْواح المجاهدين الأولين. ومِنْ قائل:إنه روح صلاح الدين الأيوبى.إلا أولئك النفر الذين بعثهم ابن الزعيم.لكنهم كتموا اتفاقهم مع ابن الزعيم عن الناس جميعا. لئلا يصل خبرُهُ إلى الملك الصالح إسماعيل..فيبطش بصاحبهم.فتركوا القوْمَ يهيمون ما شاءوا فى أوْدِيَةِ الظنون! ـ أما قطز فقد أخذ يطْوى الأرضَ طيا حتى وصل إلى الكركِ. فقصد قصر الملك الناصر داود، فبشَّره بانهزام الصالح إسماعيل وأحْلافه الفِرنج.فأكْرمه الناصر داود وأجزلَ له العطاء، وهول لا يعْلمُ عنه شيئا!! إلا أنه أحد الشــاميين الذين انحازوا إلى المصــريين. فبعثوه بشيرا بالنصر ـ وأخيرا انطلق قطـــز إلى دمشق ليستأذن سيده ابن الزعيم فى التوَجُّهِ إلى مصــــر!!!وفرح ابن الزعيم برُجوع قطـز سالِما، وأثنى عليه. فعرض عليه قطز ميْله إلى الرحيل إلى مصــــر، ليلْتحِقَ بخدمة الملك الصــــالح نجم الدن أيُّوب. لعله يستطيعُ أن يقومَ بعمل يُرْضِى الله ويخدُمُ الإسلامَ تحت راية شيْخِهِ عز الدين ابن عبد السلام. وطلب منه أن يرسل معه من يبيعُهُ لسلطان مصــــر فينتظم فى سلك مماليكه!!! فلم يصْعُبْ على ابن الزعيم أنْ يفهم مُرادَهُ ـ فقد تذكَّرَ رؤياهُ العظيمة، ودعْوَة الشيخ ابن عبد السلام له بتحقيق الحلم وجمع الشَّمْل بالحبيبة بنت الخال جلنار(جهــــــــــــاد)..فودَّعَه ابن الزعيم بدموعه، وسيَّر معه خادمه الحاج على الفراش لِيُرافِقه فى الطريق ويبيعه فى مصــــــر للملك الصالح نجم الدين أيوب، وليس لِغَيْره!! وأنْ يُقَدِّمَ ثمنه هديَّة لصديقه الشيخ عز الدين ابن عبد السلام.ـ. وألْقَى قطز نظرته الأخيرة على قصر المرحوم الشيخ غانم المقدسى وتذكَّر ذِكْرياته مع جلنار.ـ. كما ألقى نظرته الأخيرة على قصر ابن الزعيم وبيت الشيخ ابن عبد السلام... ونظرة على دمشق كلها ، ثم أخذ يردد :: ما أقصـــــاك علينا يا دمشق.. وما أدناك منا يا مصــــــــر!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                         وا إسلاماه * السابع عشر *

             بين الصليب والتتار(المغول) الوردة وأسرار القلوب

                        عبد القدوس عبد السلام العبد

بِيْعَ قطز إلى/ الملك الصالح نجم الدين أيوب، فوَهَبَه الملك بِدَوْره/ لِعِز الدين أيبك الصًّالحِى أحدُ أمَرائه المُقرَّبين، فما لبِثَ أنْ اعْتمَدَ عليه واصْطفاهُ لِما وَجَدَ فيه من إخْلاصِِ وأمانةِ وشجاعة وصِدْق.ـ.وكان أيبك كغيره من أُمراءِ المماليك مَعْنِيًا باصْطِناع الرِّجال الأُمَناء والأتْباع المخلصين وشراء ولائهم، ليتقوَّى على مُنافسيه فى السُّلْطة ومُنازعيهِ فى الحُظْوَة لدَى موْلاهُم الملك الصالح، الذى كان أيضا يسْتكْثِرُ من المماليك، وبَنىَ لهم القصورَ فى جزيرة الروْضة، وآثرَهُم بالمناصب والرُّتب،ليتقوَّى بِعَصَبيتِهِم له على مُنازِعِيهِ المُلْكَ من إخوانه وأبناءِ عُمُومَتِهِ من الأمَراء الأيوبيين. وكذلك فعل مماليكه نسْجاً على مِنْواله!!!فاستكثروا من المماليك ليكونوا لهم قُوَّةً على مَنْ سِواهم من الأمراء.ـ.واصطلحوا على تسْمِية مماليك كل أمير( خشْداشِيَّة ) وكل منهم خِشْداش أخيه( أى زميله ) كنوْع من النسب المُصْطنَع!! ومنذُ وطِئَ قطز أرضَ مصـــر بدأ يفكر فى طريقة للبحث عن حبيبتـــــه جُــــــلْنار.ـ.فتارة يبحث عن أصدقاء الشيخ/ غانم المقدسى، وتارة يغْشى سُوْقَ الرقيق، ليسْأل النخَّاسين. وذات يوْم مرَّ به شيخٌ قد اشتعل رأسه شَيْبا. فأدْهشه أن وقف الشيخ يتفرَّسُ فيه ثم دعاهُ باسْمِهِ! فتعجَّب قطز وبقى حائرا ـ فقال الشيخ: أنسيتنى ياقطز؟.فقال قطز:لا أذكر أنى أعْرفك. فمن أنت؟ فتأوَّه الشيخ قائلا:أما تذكر جبلَ الأكْراد وسوق الرقيق بحلب؟. فتذكَّر قطز النخاسَ الذى اشتراه من لصوص جبل الأكْراد. وباعه فى حلب،فصافحه بحرارة وشوْق،وداربينهما حديث طويل، عرف منه قطز أن بيبرس القبجاقى الأشقر الأزْرق العينين خِشْداشٌ تحت إمْرته خمسون فارسا،عند أستاذه أيبك..فقال قطز:لكنى لم أره فى خشداشية أستاذى أيبك،فقال النخاس: فسلْ أستاذك عنه. سلْه عن/ رُكْن الدين بيبرس البُنْدُقْدارى، يدُلُّك عليه،ثم أرْدف النخاس:إذا شئت أن ترانى فسلْ عنى/ موسى شاكر العطار فى سوق العطارين.ـ.فاستوْقفه/ قطز قائلا::معذرة لقد حدَّثْتنى عن رفيقى بيبرس،ولم تُحدِّثْنى عن رفيقتى/ جُـــــــلْنار،أما تعرف أين هى؟؟فقال النخاس، إنى قد أعرف الغِلْمان،أما الجوارى فتحجُبُهُن عَنِّى القصورُ.ألم تكن معك عند الوجيه الدمشقى/ الشيخ غانم المقدسى؟ فتنهَّد قطز:بَلىَ.لكنهم باعوها بعد وفاته لِرَجُل من مصــــر.ثم ودَّعَ النخاسَ.وعاد قطز إلى أستاذه فسأله عن رُكْن الدين بيبرس البُنْدُقْدارى.ـ.فقال الأمير أيبك:دَعْكَ منه فإنه من جماعة/ فارس الدين أقطاى الجمدار،( خصْم أيبك اللدود )

واصَلَ قطز بحْثه عن بيبرس،حتى وَجَدَهُ فى جماعة من كبار مماليك الصالحية المُتَشَيِّعِين لأقْطاى الجمدار.وحين لقيه مدَّ قطز يده ليُصافِحَهُ، فأنكره/ بيبرس بِلَهْجَةٍ خَشِنة:من أنت ياهذا؟ فقال قطز: أنا رفيقك يابيبرس. وذكَّرَهُ بِحَلَب والحلْوى والطعام، فعانقه بيبرس مُرَحِّبا، ثم سأله:أين أختك تلك الصغيرة التى كانت معنا؟وَزَفَرَ قطز: جـــــلنارـ أجل أين هى؟ فتنهَّدَ قطز: إنها بنت خالى، وقد بيعت لرجل من مصـــر.ثم خانته دُموعُهُ.ـ.فقال بيبرس:ماذا ياقطز؟أتُحِبُّها؟ فأجابه قطز:نعم، أما رأيتها هُنا أو سَمِعْتَ بها قط؟ ـ إنى لم أسمع باسم جـــلنار هنا وحاول التسرية عنه.ودار بينهما حديث.ـ.فقال قطز إنى فى خدمة أستاذى عز الدين أيْبك.. واتفقا على الإبقاءِ على الصداقة بينهما.رغم ما بين أستاذيهما من العداوة. وهكذا توطَّدَتْ الصداقة بينهما، على تبايُن المِزاج والأخلاق.وتفاوُت الرُّتبة. ولِثِقَةِ عز الدين أيبك بتابعه قطز، أصبح يبْعَثهُ برسائله الخاصة إلى السلطان.ـ.فصار قطز يترَدَّدُ على قلعة الجبل، حتى أصبح قطز معروفا عند رجال القصر السلطانى وَحَرَسِهِ وموْضِعَ ثِقَتِهِم!!فكان ينطلق فى دهاليز القصر وممراته دون حارس أو رقيب.ـ.وذات يوْم كان مارا بالدهْليز المُطِلِّ على مقْصــــورة الملكةِ شجرة الدُّرِّ زوْجة السلطان.. إذ ـ  بِوَرْدَةٍ  ـ تسقُطُ أمامَهُ فى الدهليز!! وَهَمَّ بالتقاطها، لكنه خشى ذلك فتركها مُرْتجِفاً لِما عَلِم من شِدَّةِ غيرةِ السلطان على حريمه وإمائه.ـ.وتكرر ذلك للمرة الثانثة وهو لا يلتقط الوردة ولا ينظرُ إلى المقصورة.ـ.وعجب قطز وأخذ يفكِّرُ فى الأمْر مَلِيَّا فتحققَ أنه مقصود بها.ـ.وأنها لم تقع مُصادفة،وبقى قطز أياماً يفكِّرُ فى أمْرـ الوردة ـ حتى جاء اليوْم المُنْتظر..فذهبَ إلى قلعة الجبل بِقلبٍ خافِق يُنازعُهُ الخَوْفُ والرجاءُ.ـ.وتلعب به الهَواجسُ(الظنون والمخاوف)فلما وقعت الوردة أمامه للمَرَّةِ الثالثة التقطها سريعا ورماها فى جيب قميصه دون أن يرفع بصره إلى المقصورة!!!وحين خلا بنفسه فى غُرْفَتِهِ أخْرج الوردَةَ ونظر إليها كأنه يستنطِقُها سِرَّها.ـ.وتذكَّر الماضى البعيد حين سقط عن جَوَاِدِه وأصابته الجراح وحين أفاق. ليجد جــــــــهاد بجوار سريره وفى يدها باقة من الورد.ـ.فجالَ بخاطِرهِ أنَّ الفاعل رُبّما يكون حبيبته وتوْءَم رُوحِهِ بنت خاله جــــــــــــهاد(جلنار)قد ساقتها الأقْدار فجعلتها من جَوارى القصْر!! فأخذ ينظر إلى الوردة، ويبتسمُ ابتسامة حزينة.ـ.وأخذ يُقَبِّلُ الوردة. ثم أخذ يسأل نفسه: أيُمْكِنُ أن تطْوىَ هذهِ القلعةِ الشامِخَةِ بين جُدْرانِها أمَليْهِ العظيميْن اللذين يحْلُمُ بِهِما طول حياته[ مُلْكُ مصْــــــرَ وجـــــــلنار ]

أخذ قطز يُحَدِّثُ نفسه: احترس ياقطز فإنك فى مأوى الأســـد!!!!! وفى الغدِ كان قطز فى طريقه إلى قلعة الجبل,ـ,وعزم أن يسْترقَ النَّظرَ إلى المقصورةِ(النافذة) ـ ووقعت الوردة الرابعة ـ فرفع بصره فرآهــــا وعرفهــــــا وابتسمت له فابتسم لها، ثم اختفت ، فانطلق فى سبيله ومضَى!!!!!.نكمل إن شاء الله.ـ.

وقد يجمـــع الله الشتيتين بعدما.#.يظُنان كُلَّ الظن ألا تلاقيـــــا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                   وا إسلاماه* المشهد الثامن عشر *

       بين الصليب والتتلر(المغول) موت السلطان وحملة الصليب

                     عبد القدوس عبد السلام العبد

دَوامُ الحال من المُحال!فسبحان مَنْ لهُ الدَّوام.فقد تغَيَّرَت الأحْوال!واخْتلفَ الشيْخُ مع السلطان!فعزل نفسه من القضاءِ!واعْتَزَل الناس إلاَّ يوْم الجمعة حين يخطب على مِنْبَر جامع عمرو! وعَلِمَت الوُّشاةُ بما بين الحبيبين فأفْشَيْن السِّرَّ لِشجَرَةِ الدُّرِّ،التى تَوَعَّدَتْ جُلْنار بأن ترفعَ أمْرها إلى السلطان إذا هِىَ عادتْ لِما نُهِيَتْ عنه.وبعثت الملِكَة إلى أيبك بما كان من مملوكه وأوْصَته أن يتَّخِذَ رسولا غيْرَهَ إلى قلْعة الجبل. حِفْظا لِحُرْمة السلطان الغَيُور واتِّقاءً لِغَضَبِهِ. فَصَدَعَ بأمْرها،وتلَطَّفَ مع مَمْلوكِهِ العزيز عليْه الأثير عِنْدَهُ فعاتبه عِتاباً جميلاً على ما كان منه.ـ.واشتاق قطز أنْ يرَى شيْخه لِيَبُثَّه ما فى قلبه، فزاره سِراً،ففرح به الشيخ،ولكنه نصحه ألاَّ يعود لِئَلاَّ يتغيَّر عليه أستاذه أيبك!ووعده بأنه سيدعو الله له فى سِرِّهِ،وأوْصاه بالصبر حتى يجعلَ اللهُ لهُ مخْرَجًَا فيجمع شمْلَهُ بِحبيْبته.ـ.وعاد قطز من عند الشيخ بقلبٍ راضٍ ونفسٍ مُطْمَئِنة..وهكذا حِيْلَ بين الحبيبين!! ـ ومرَّت السنون. وأخذ الملك الصالح نجم الدين أيوب يُجَرِّدُ الحمْلة تلْوَ الحمْلةِ، ليفْتحَ بلادَ الشام ويضمَها إلى سُلْطانه..فاستوْلى على غزة والسواحل.والقدس ثم سَلِمَتْ له دمشقُ وهرب عدوُّهُ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل إلى حلب حيْثُ استجارَ بِصاحبها الملك الناصر فأجاره!!.ـ.وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب شُعْلةً من النشاطِ لا يهْدأ ولا يستريحُ!! توْسِعَةً لِمُلْكِهِ وتنظيما وتجميلاً وعُمْراناً.ـ.فبَنَىَ القصورَ والقلاعَ والجوامعَ والمدارسَ!! وعَمَّرَ ما لم يُعَمِّرْ أحدٌ من سَلَفِهِ!!!! حتى وَهَنَتْ قُوَّتُهُ وساءت صِحَّتُه!! فانتقل إلى دمشق ليسْتشْفِىَ بِهَوائها!! عملاً بنصِيْحَةِ أطِبَّائه.ـ.حتى يبْرَأ من عِلَّتِهِ.ـ.وانتقلت معه الملكة شجرة الدُّرِّ وحاشِيَتُها وَوَصِيفاتها وفيهن جُـــلْنار الحبيبة.فتمزَّق قلْبُ قطز لِفِراق حبيبته بعد أن نأت(بعُدت) بها الدار عن مصر وتذكَّر الأيامَ الخوالى(فى قصر الشيخ غانم المقدسى حين ترعرع الحب).

وشعر الصليبيون بالخطر الذى يتهدد إماراتِهِم بالشام، فانْتهَزُوا فُرْصَةَ إقامَةِ الصالح نجم الدين أيوب بدمشق بعيدا عن مصر. لِيُغِيْروا عليْها بِسُفُنِهم من البحر. وكاتبوا لويس التاسع ملك فرنْسا. فأبْحر إلى الشرق يقود بنفسه حملة صليبية كبيرةً، بأساطيل وجيوش عظيمة لِمُهاجَمَةِ مصر. وهنا خرج الشيخ المُجاهِد عِزُّ الدين ابن عبد السلام من عُزْلَتِهِ ـ فتزعَّمَ حركة الدَّعْوَةِ إلى الجهادِ فى سبيل الله.ـ.وَحَضَّ الأُمراءَ على التَّجهُّز لِمُلاقاةِ الصليبيين المعتدين.ودفْعِهم عن بلادِ الإسلام.ـ. ونَسِىَ الشيخ المُجاهد ما بينه وبين السلطان من خُصومةٍ...فكتب إليْه أنْ يُسْرعَ بالرجوع إلى مصـــــــر لِئلا تُفْتَح بلادُ المسلمين وسلطانهم لاهٍ باستشفائه!!!!!!!!!!فقال فى كتابه[[ إنَّ الإسْلامَ فى خطر. وصِحَّة السلطان فى خطر. والإسلامَ باقٍ. والسلطانَ فانٍ فى الفانين. فلْينْظُرْ السلطانُ أيَّهُمَا يؤثِرُ.]] فلما قرأ السلطانُ كتابَ الشيخ بكى!!وعجَّلَ بالرحيل. فعاد إلى مصر محمولا على مَحفَّة لشِدَّةِ مَرَضِهِ!! ولم يقصد القاهرة ، بل نزل فوْراً بأشْمون طناح(أشمون الرِّمال) ليكونَ على قُرْبٍ من خطٍ الدفاع..ولم يسْترحْ السلطانُ من عناءِ السفر!! بل شَرَعَ(بدأ) فشحن دمياط بالأسلحة والأقْوات(الطعام) استعداداً للدفاع ـ ثم سيَّر السلطان العساكرَ إلى دمياط، وجعل على قيادتها قائدَه الأميرَ فخر الدين ابن شيخ الشيوخ...

وأقْبلت أساطيل الفرنج، تحمل جموعهم العظيمة، بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع.ـ.وانضمت إليهم سُفُنُ الفرنج من ساحل الشام كله.ـ.وأرسل ملك الفرنج إلى السلطان كتابا كله وعِيد وتهديد.ـ.فلما قُرِئ الكتابُ على الملك الصالح نجم الدين أيوب، اغروْرقت عيْناه بالموع! لاجزعاً ، بل أسفاً وحَسْرَةً!!!!!!!!! على أن يَحُولَ مرضُهُ دون ما تشتهى نَفْسُهُ من كمال الجهادِ ليدْفَعَ هذا الخطبَ العظيم بنفسهِ عن مصـــر وبلادِ الإســلام. وما لبث الفرنجُ أنْ أنزلوا جيوشهم فى البر، وضُربت لِمَلِكِهم خيْمةٌ حمراء..وجرت مناوشاتٌ بينهم وبين المسلمين..ووقع القائد فخر الدين فى خطإٍ قاتلٍ!!! إذ سحب العساكر ليلاً من دمياط..فارتاع(خاف) أهُلها، فتركوا ديارهم وخرجوا كأنما يُسْحبون على وجوههم ليلا هاربين إلى أشمون.بما معهم من الأطفال والنساء،حتى صارت دمياط خاوية، فدخلها الفرنج فى الصباح،واستولوا على ما يها من السلاح آلات الحرب،والعُدد والأقوات والذخائر والأموال،والأمْتِعةِ غنيمة باردة.ـ.وبلغ السلطان الخبر،فغضِب وحزن حزناً شديدا..وقال للأمير فخر الدين:( وَيْلكم أما قدرتم أن تقفوا ساعة بين يدى الفرنج؟؟)وأمر بالرحيل إلى المنصورة..فأمر بتجديد الأبنية وإقامة الأسواق وإصلاح الجسور على بحر النيل.ـ. وأقبلت الرجال المقاتلة،والمجاهدون المتطوعون الذين لبوا دعوة الشيخ المجاهد، وجاءت جُموع العُرْبان،فأخذوا يشنون الغارات على الفرنج..ـ..لكن العِلة قد اشتدت على السلطان..ـ..وأحسَّ دنوَّ الأجَل..ـ..فما أذْهَلَهُ ذلك عن التفكير فى مصلحة الدين والوطن!!! فأوْصَى زوْجته شجرة الدُّرِّ ومن يثق بهم من رجاله أن يكتموا موْته إذا بلغ الكتابُ أجله(مات).لِئلا تضْطرب قلوب المسلمين،وتذهب ريْحُهُم!!!!!وأمْضى(وقَّعَ باسْمِهِ)عشرة آلاف إمْضاء على ورق خالٍ(لم يكتب فيه شيئا) ليستعان بها فى المكاتبات، على كتمان موْته، حتى يقدم(يحْضر) ابنه وولِىُّ عهْدِهِ توران شاه، من حصن كيفا...ـ..وأسلم الملك الصالح نجم الدين أيوب رُوحَهُ إلى الله ، وهو يذكُرُهُ سبحانه ويسْأله أن ينصر عباده المسلمين، وأن يحْمِىَ بَيْضَة دينه(مصــــــر) وما عنده إلا زوْجَتُهُ وطبيبه!!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                      وا إسلاماه * المشهد التاسع عشر *

               بين الصليب والتتار(المغول)النصر والأسر والحب

                         عبد القدوس عبد السلام العبد

حفِظت شجرة الدُّرِّ وصِيَّة زوجِها الحبيب رغْم حزْنِها.فرسمت خطة لاستقدام الأُمراءِ لِمُبايَعَةِ الأمير توران شاه ملكا بعد أبيه الملك الصالح، والأمير فخر الدين قائدا عامَّاً للجيش.وذلك حسب رغبةِ الملكِ المريض!وأخذت تُدَبِّرُ الأُمورَ وتُصْدِرُ الأوامِرَ!لكن الخبرَ تسرَّبَ إلى الفرنج!!!فتقدموا من دمياط إلى فارسكور ثم إلى شرمساح والبَرَمون!واقتربوا من معسكر المسلمين!فنزلوا تجاه المنصورة.لايفصلهم عنها سوى بحر أشمون(البحر الصغير)فتحصَّنوا ونصبوا المجانيق يرمون بها معسكر المسلمين!وعسْكَرَ معظمُ جيش مصر فى البر الشرقى،ورابط جماعة من الأُمراء والمماليك فى البر الغربى(طلخة)ومنهم الأيوبيون من أولادِ الناصر داود وإخوتِهُِ.ودار القتال برًا وبحْرًا.فقتلوا وأسروا من الفرنج بشتى الحِيَل.فيُدْخِلُ أحد المُتطوعين من رجال الشيخ رأسه فى نصف بطيخه ويغوص قرب الشاطئ فإذا مدَّ أحد الفرنج يده سحبه المصرى وسبح به إلى الشاطئ الآخر أسيرا.واستمر الحال كذلك قرابة شهرين،وإذا ببعض الخونةِ والمنافقين من المسلمين يدلُّ الفرنج على مخائض فى البحر الأصْفر(أماكن قليلة العمق) فعبر الفرنجُ إلى برِّ المسلمين يقودهم بطلهم[الكند دار توا] أحد إخوة ملك فرنسا الثلاثة الذين قدموا معه.فاندفع نحو المعسكر الإسلامى وفاجأ الأميرَ فخر الدين القائد العام.الذى ثبت مع المماليك فى القتال.لكن المفاجأة كانت كبيرة فقُتِل ألأمير فخر الدين قائد الجيش!فتحمَّس الفرنج وانتشروا فى أزقَّة المنصورة.يقودهم(الكند دار توا) لكن السكان أمطروهم بالحجارة والسهام! واندفع الكند دار توا بفرقته يقتحم معسكرَ المسلمين!حتى وصل إلى الباب الخارجى للقصر السلطانى لا يفصله عن القصر سوى فناءٍ واسع!وأدرك الحرس السلطانى أنهم لا قبل لهم بهذا العددالهائل من الفرنج.فاستغاثوا بالمماليكِ الصالحيةِ لشدةِ المفاجأةِ،وسمعَ المماليكُ الصالحية نساءَ القصر قد رفعن أصواتهن بالصراخ والعويل!وكان الفرنج قد انتشروا فى الفِناءِ! وإذا عز الدين أيبك ومماليكه يقودهم البطل قطز قد سبقوا الفرنج من الباب الخلفى للقصر فجعلوا يقاتلون دون الباب الداخلى للقصر وانضم إليهم البطل بيبرس الذى صرخ فى الفرنج فافزعهم وحمل هو وجماعته على الفرنج حملة صادقة فرَّقت جمعهم.!.أما البطل قطز فقد جعل هَمَّهُ أن يُشاغِلَ ـ الكند دار توا ـ بطلَ الفرنج فيُضاربُهُ بالسيْفِ واشتدت المبارزةُ. فيكاد الكند دار توا أن يسقط عن جواده، فيعود قطز لِمُناوَشَتِهِ فيبتعد به عن باب القصر شيئاً فشيئاً واستطاع بذلك أن يشغل الكند دار توا عن الاتصال بجُنْدِهِ ولم يكن أحد من جنده ليجْسُرَ(يجْرُؤ)على مساعدته ضد مبارزة الشاب قطز!!!!! وظلا يتواثبان وهما يبتعدان عن باب القصر.وحاول الكند دار توا الهرب من قطز فلقيه بيبرس فأهْوى الكند عليه بضرْبة قويةٍ كادت تفلق رأسَه فاتقاها بيبرس بسيفه فانْكَسَرَ سيْف بيبرس، ورفع الكند يمينَهُ بالسيفِ ليضربَ بيبرس الضرْبة القاضية! فعاجَلَهُ بطلُنا قطـُــــــــــــــزُ بِضَرْبَةٍ أطَنَتْ( قطعت ) يَمِيْنَهُ من ساعدها فهَوَتْ على الأرْض وسَيْفُها فى قبْضَتِها!!!!!!! ثم طعنه قطـــز بالحرْبة فى عُنُقِهِ فخرج لِسانُ الحرْبة من حَلْقِهِ!!!!!!!!وهَوَى الكند صريعاً فكبَّر قطز وكبَّرَ بيبَـــــْرس وكبَّرَ المســـــلمون فى أثرهما..

وذُهِلَ الصليبيون الفِرنْجُ لمصْرع قائدهم الكند دار توا ،فاسْتوْلَى عليهم الرُّعْبُ وتفرقوا هاربين، فحاصَرهم الأمَراءُ والمَماليكُ وحالوا بينهم وبين النَّجاة! ووضَعَ المسلمون فيهم السيْفَ فأبادوهم! وامتلأ الفِناءُ الرحبُ بِجُثَثِ مَنْ حَصَدَهُم الفَناءُ!!!!! وكانت نِساءُ القصر قد كَفَفْنَ عن الصِّيَاح فحَبَسْن أنفاسهُنَّ ينْظُرنَ من شُرُفاتِ القصْر إلى المعْرَكَةِ الدَّائرةِ فى الفِناءِ..وقد وَضَعْنَ أيْدِيَهُنَّ على ترائبهنَّ(صُدورهِنَّ) مشفقين(خائفين) أن تقعَ الدائرةُ على حُماتِهِنَّ..وكانت الملكة شجرة الدُّرِّ واقفةً بينهنَّ رابِضَة الجَأش(ثابتة القلب) تنظر إلى قِراع الأبطال( ضرْب السُّيوفِ) وتصاوُلِ الفِرْسان،كأنها تنظُرُ إلى خَيْلِ السِّباق فى الميْدان!!!حتى سَرَتْ الطُّمأنينة منها إلى مَنْ حوْلها مِنْ وصائفها وَجَوَاريها! فنسين أنهن فى خطر وأن مصيرهن بين كفَّتى القَدَر ـ وفيهنَّ وَصِيْفَـــــة حَسْنـــــاءُ قد وقفت كالتمثال بِجِوار الملكةِ وقد علقت( تعلَّقتْ ) عيْنــــاها بذلك المملوك الشـَّــاب يُوَاثِبُ ذلك الأســــدَ الهائجَ ويُراوِغُهُ وينْتحِى به ( يبْتعِدُ ) بعيدا عن القصر!!! فكُلَّما أهْوَى الكنْدُ بِسَيْفِهِ عليْهِ كظمتْ نفسها، ووضعتْ يَمِيْنَهَا على رأسِــــها، فإذا حاصَ(ابتعد) الشابُّ عنها أرْسَلَتْ يدَهـَـــا وتنفَّسَتْ الصعداءَ!!!ولما تكرر هذا الفِعْلُ من جُـــــلْنار لحظتْ الملكة ذلك منها!!! فساءلت الملكة نفْسَها: أيَكونُ هذا الشابُّ المُواثِبُ(المُحارب) الجرىْء هو ذلك المملوك الذى كان عز الدين أيبك يبْعَثهُ إلى القصر فما عفت(تركت)عيْنُهُ عن مُغازلة جُـــلنار؟ وتغامزت الوصيفات بينهن لغيْرتهن، من هذه التى تبْرعُهن جَمَالاً! وتفوقهنَّ حُظْوَةً لدَى سيِّدتِهِنَّ.ـ. لكنها غيْرَةُ النساءِ!!! 

وكان ملك فرنسا فى ميدان القتال بشمال المنصورة، بعد أن نام أخوه نوْمَتَهُ الأبَدِيَّة بيدِ قطز..فحاول الاستيلاءَ على تلِّ جديلة الذى نَصَبَ عليْهِ المصريون مجانيقهم( جَمْع منجنيق وهو آلة رمى فى الحرب ) وابْراجَهُم وجمعوا قَوَّاتِهم وعُدَدِهِم ـ وأراد لويس التاسع أن يستكمل بناءَ القنطرة( جِسْرعلى النيل )جنوب البحر الصغير.فحمل المسلمون حمْلة صادقة على الفرنج فانْهزموا ولاذوا(احتموا)بتلِّ جديلة. وما كان التلُّ ليعصمهم لو لم يحجز الليلُ بين الفريقين!!! وقدِم السلطان توران شاه من حِصْن كيفا ليخلُفَ أباه.الملك الصالح نجم الدين أيوب.ففرح المسلمون وقوِيَتْ شوْكتهم وكانت الميْرة(الطعام) تصِلُ إلى الفرنج من معسكرهم بدمياط فى بحر النيل. فقطع المصريون الطريق عليها، وأخذوا الفرنج أخْذاً وبيلا! وغنِموا اثنتين وخمسين سفينة مشحونة بالأرْزاق والأقْوات، وقتلوا ألْفا أو يزيد من الفرنج!! وما أن انقطع المَدَدُ من دمياط عن الفرنج حتى أذاقهم الله لِباسَ الجُوْع والخوْفِ!! فضاقت عليهم الأرض، وضاقت بهم أنفُسُهُم وبلغت قُلوبُهُم الحناجرَ. فأحْرقوا مراكِبَهُم بأنفسهم، ثم خربوا بيوتهم بأيْدِيهم وأيدِى المؤمنين!!! ورحلوا يُريدون دمياط. فتبِعَهم الأبطال الذين أنجبتهم أرْضُ مصـــــر!! حتى إذا بلغ الفرنج فارسكور لقِيهم الموْتُ من كل مكان.. وأحاط بهم المسلمون، فأعْملوا فيهم سيوفهم وَأوْسَعوهم قتلا وأسْرا !!! والتجأ مَلِكُهُم لويس التاسع إلى تل المِنْيَة( مِنْيَة عبد الله ) وقال: سآوى إلى جبل يعْصِمُنى من الموْتِ. قال المسلمون: لا عاصم اليوْم من أمر الله إلاَّ من رحم!!! ـ وتمَّ بين لويس وبين المصريين الأمان( شروط لوقف القتال) فكان من المُعْتقلين!!!!!! وَقِيْلَ يا أرْضُ ابْلعِى أشلاءك. وياسماءَ الموْتِ أقلِعِى وغِيْضَ الدم. وقضِىَ الأمْرُ.. واسْتوَتْ سفينة الإسلام على جودىِّ النصــــــــر وقيل بُعْدا للقوْم الظالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                     وا إسلاماه * المشهد العشرون *

     بين الصليب والتتار(المغول) قتل أمير وفداء أسير ووعد بزواج

                      عبد القدوس عبد السلام العبد

احْتفلت القاهرة بنصر الله.وكفر توران شاه نعْمَة الله.وأنْكَرَ فضْلَ الأبطال الذين حَموا بَيْضَةَ الدين(مصر)وَشَفُوا صُدُورَ المؤمنين!!فأبْعَدَ الأمراءَ والمماليك،والأكابر من أهْل الحَلِّ والعقْدِ مِمَّنْ كانوا عَوْناً لأبيه.وقرَّبَ جماعَتَهُ الذين قَدِموا معه من حِصْنِ كِيفا.وخصَّهُم بالمَناصِبِ والرُّتَبِ،واحْتجَبَ عن الناس وانْهمك فى الشرابِ واللهْوِ.ولم يحفظ جميلَ زوْجَةِ أبيه(شجرة الدُّرِّ).فطالبَها بما عنْدَها وما ليس عندها من الأمْوال والجواهر وتوَعَّدَها بالقتل!فغضِبَ لها أُمَراءُ ومماليك أبيه(الملك الصالح) فعزموا على قتْلِهِ!وما هى إلاَّ أيَّام حتى قُتِلَ بِيَدِ مَوَالِى أبيه فى سماطة الممدود بِفارسكور بين سَمْعِ الناس وبَصَرِهِم فما أجاره مُجِير لِتنكُّر الناس له وبُغْضِهِم لِحُكْمِهِ!!وجلست شجرة الدر ملِكَةً على مصر بإجْماع أُمراءِ المماليكِ الصالِحِيَّةِ،واتِّفاق أعْيانِ الدولةِ وأهلِ المَشورَةِ.ونُقِشَ اسمها على سَكَّةِ النُّقود.وردَّدَتْ المَنابِرُ الدُّعاءَ لأُم خليل المُسْتعْصِمِيَّةِ صاحبةِ الملك الصالح.ـ.وكان لويس التاسع فى المنصورة مُقَيَّداً بقيْدٍ من حديد!فاعْتُقِلَ فى دار القاضى فخر الدين إبراهيم ابن لقمان.وقام عليه الطواشِى صبيح المعظمى.كما اعتقل أخواهُ شارلِس و ألفونْس مع غيْرهما من كِبار الأسْرى!وتم الاتفاق على تسليم دمياط للمصريين فخفق عليها عَلَمُ مصر. وعادت كلمة التوْحيد ترنُّ على مآذنها...وفَدَى لويس التاسع نفسه بأربعمائة ألف دينار،فانطلق إلى زوجته(مرغريت)الوالِهَةِ(العاشقة)بدمياط،يندُبُ لها سوء الحظِّ ونَكَدّ الطالع،فتلومه مِرْجريْت على إلقائه بيده إلى التَّهْلُكَةِ!فيقول لها: اسْكُتِى لا تجْمَعِى علىَّ عذابَ القوْم ومرارة اللوْم..ودعينا نَنْجُ بأنْفُسِنا وبمن بَقِىَ معنا إلى بلادنا..وشهدت دمياط بين الدَّمْع والابتسام إقلاعَ آخر سفينة من سُفُنِ لويس التاسع وقوْمه، تحملهم عن البلاد التى أرقدوا فى ثراها الأُلوفَ من أبطالهم وجنودهم،بأيْدى أبنائها المسلمين!وصاح شاعر مصـــر فى أُذُن الملك الخائب لويس:

اتيْتَ مصــــرَ تبْتَغِى مُلْكَهــا..#..تحْسـَــبُ أنَّ الزَّمْرَ يا طبْلُ ريح

فَسَـــاقكَ الْحِــينُ إلى أدْهَـمٍ..#..ضــاقَ بهِ عن ناظريْكَ الفَسِـيح

وكُلَّ أصْحــــابكَ أوْدَّعْتــهُم..#..بِحُسْــنِ تَدْبيرك بَطْنَ الضَّــريح

ألْهَمَــكَ اللـهُ إلى مِثْـــلِهَا..#..لعَلَّ عيسـَــى مِنْكُمو يسْــتريح

دارُ ابن لُقْمـــان على حالِهَا..#..والقيْـدُ باقٍ والطَّوَاشِــى صبـيح!!

ـ قَوِىَ نُفوذُ عز الدين أيبك فى الدولة،وعَظُمَ شأنُهُ عنْدَ شجرة الدُّرِّ لِحُسْن بَلائِهِ فى الدفاع عن القصر السلطانى بالمنصورة مع تلميذه قطز،حتى جاء بيبرس وغيرُهُ مِنَ المماليك لنجدته فملئوا ساحة القصر بجثث الفرنج!فقرَّبَتْهُ منها،وانتخبه الأمراءُ والمماليك مُقدَّما عليهم.يدينون له بالطاعة.ويعترفون له بالسَّبْق.رغْمَ مُنافسة الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار وتلميذه رُكْن الدين بيبرس البندقدارى! وأحسنت شجرة الدر تدبير الملك بمعاونة أتابكها(وزيرها)عز الدين أيبك وغيره من مماليك زوجها وقادَتِهِ.لكن قتل توران شاه أطمع أمراء الشام وبخاصة أمير حلب الملك الناصر فاستوْلى على دمشق،وأعلن أنه سينتقم من شجرة الدر لقتل نسيبه توران شاه واعتبر نفسه وارثا للبيت الأيوبى.فاضطربت أحوال شجرة الدر فى مصر،وانقسم المماليك عليها.ومما زاد فى حَرَجَها إنكار الخليفة العباسى فى بغداد أن تتولى امرأة ملك مصر.وكتب يقول:إن كانت الرجال قد عُدِمَتْ فى مصر فأعْلمونا حتى نبعث إليْكم رَجُلا! فخلعت الملكة نفسها.ونزلت عن العرش لأتابكها ومُقدم عسكرها عز الدين أيبك.فوافقها معظم الأمراء والمماليك. وحلفوا له بالولاء والطاعة.ولقَّبوه بالملك المُعِز.وأركبوه إلى قلعة الجبل حتى أجلسوه على العرش.واستتبَّ له الأمر سريعا!!لقوة تأثير شجرة الدر على الأمراء والمماليك!!غير أن فارس الدين أقطاى وتلميذه ركن الدين بيبرس عادا إلى سيرتهما الأولى فى الشقاق والمنافسة.وطلبا توْلية أمير من البيت الأيوبى، لأبطال حُجَّةِ الملك الناصر الذى يعتبر نفسه وارثا للبيت الأيوبى! فاتفق المماليك على تولية صبى من بنى أيوب!عمره ست سنين فأقاموه شريكا لعز الدين أيبك.على أن يقوم أيبك فعليا بتدبير شئون الدوْلة!!لكن أقطاى رأى أن الأمر مازال بيد أيبك فازداد بغْضا وكيْدا!ولم يخفَ ذلك عن أيبك. فشغله بأن جعل له قيادة الممالك البَحرية وسيَّرَهُ لقتال الملك الناصر صاحب دمشق.فسار إليه أقطاى فى ألف فارس وقابله فى غزة وهزمه ثم عاد أقوى مما كان!!لكن أيبك كان مطمئنا إلى قوَّة رُكْنِهِ مُتمثلا فى شجرة الدر فقد كانت القوة الحقيقية فى مصر بيد شجرة الدر من وراءِ ستار!! فالمماليك يأتمرون بأمرها! ويعلمون ميْلها لأيبك الذى يطيعها ولا يعصى لها أمرا..فرأت أن تجعل على المُلكِ رجُلا من صنائعها تختبئُ وراءه لكوْنِها أنْثى!وكانت تبين لهم أنه مأمون عليهم ويصون مقامهم.لأنه لا يميل إلى الشراسة والاستبداد ـ وليس له ما يخيفهم من القوة كأقطاى المتغطرس!! وكان أيبك يعلم هذا منها!! فيتقى إغضابها،ويبالغُ فى استرضائها ولا يقطع أمْرا دونها لما يعرفه من حبها للسلطة...فوق أنه كان يميلُ إليها ويحبها.فلم يجد حَرَجا فى احتمال سيادتها عليه! وتحكمها فيه! وخضوعه لها!وذُلِّه بين يديها!! بل كان الرَّجلُ يجِدُ لذة فى كل ذلك!!! رغم حيائه واحتشامه!!!! ولم يصعُب على شجرة الدر الخبيرة بالرجال أن تتبين حُبَّهُ الخَفِىّ لها!! فقد شعرت به وأضْمرتْ مثله!!!! لكنها  لم تستسلمْ لحُبِّها وقلْبِهَا، حتى لا يحملها قلبُها على التضحية بما جُبِلتْ عليه من شهوة الحُكْم وحُبِّ السيطرةِ والسلطان!!!!!!!!!!

كان قطز مُخْلِصا لأُستاذِهِ أيبك. وكان يعلمُ قوة مُنافِسيهِ، لكثرةِ ما يجمعون من خشداشيَّةٍ ومماليك.وبخاصة الأمير فارس الدين أقطاى الجَمَدار وتلميذه رُكن الدين بيبرس البُنْدُقدارى.. ورأى أنَّ الضمان الوحيد لبقاءِ أُستاذِهِ فى الحُكْم هُوَ أن يتزوَّجَ من شجرة الدر!!! وقد عَرَفَ ميْلَهُ إليْها وغرامه بها! فدَخلَ عليه يوْما وقال:إن سَيِّدِى كثيرُ الاختلافِ إلى السلطانة(الذِّهاب)وإن الناسَ يقولون إنه سيتزوجها..ومملوكه الوفى يعْتِبُ عليه أن يجْهَلَ ما يعرفه الناس عن سيِّدِهِ!!فنظر إليه أيبك باهتمام كأنما لذَّ له أنْ يسمعَ. وقال:لا تُصَدِّق ما يقولون. وطال الحديث بينهما.ـ.حتى قالها قطز صريحةً:إن سيدى يرغبُ فيها فلماذا لا يطلبُ يدها؟؟ورأى أيبك ألاَّ فائدة من إخفاءِ الحقيقة.فقال: ومن يضمن لى أنها ترضانى؟إنى مملوك زوْجها. فقال قطز: وهل كانت إلاَّ جارية مملوكة!!ثم أرْدف إنه لا يتزوجها إلاَّ أنت أو أقطاى.وقد سمعت من بيبرس أنه قد خاطبها فى ذلك.فغضب أيبك.وقال: يمنعنى الحياءُ أن أخاطبها فى ذلك!.ـ.فقال قطز: إن شاء سيدى أعارنى قلبَه واعرْته لِسانى!فقال أيبك: تريد أن أبعثك إليها لتبوحَ لها بما فى صدرى؟ فماذا أنت قائل لها؟؟ فردَّ قطز: دعْ هذا للموقف يُمْلِ عَلَىَّ ما يقتضيه. وأيْقِنْ أن لِسانِى لن يعثُرَ فى شىءٍ لا يرْضيك..فداعبَهُ أيبك بِقَوْلِه: قد عرفتك يا قطز. إنما تريد أن ترى وصيفتها جُــــــلْنار.!. فابتسم قطز: ليس هذا بسِرٍّ عليك.ـ.ولقد دعتنى السلطانة حين ارتقت أريكة الملك. فأثنت على صنيعى توْمَ قتلتُ الكند دار توا... ثم قالت: أتحبُّ هذه الوصيفة؟؟؟ فنظرتُ فإذا جُـــــــلْنار واقفة دونى!!! فأذْهَلنِى ذلك عن جوابها!!! فما راعنى(أدهشنى) إلاَّ صوتُ الملكةِ:وتريد أن أزوِّجَكَهَا؟؟؟؟؟ فقلتُ: لا أرْفُضُ نعمة السلطانةِ.. قالت:: متى تريد ذلك؟؟؟ فقلتُ خيْرُ البِرِّ عاجله..ـ.. فابتسمت السلطانة وقالت::: لا حتى ينقضى الحُزْنُ على السلطان .ـ. فمتى ينقضى هذا الحزن؟؟؟؟؟

 

المصدر: كتاب وا إسلاماه للأديب الأستاذ/ على أحمد با كثير * إضافات عبد القدوس عبد السلام العبد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 69 مشاهدة
نشرت فى 14 إبريل 2017 بواسطة AboNeza

عدد زيارات الموقع

8,218