وا إسلاماه * المشهد السادس والعشرون *

بين الصليب والتتار(المغول) ها قد سبقتك إلى الجنةلا تقل:واحبيبتاه قل:وا إسلاماه!      

كان السلطان قطز قد خيَّم بِجيْشِهِ الجرَّار فى الغور بعين جالوت وقضَى ليلة المعركة(ليلة25 رمضان 658هـ 3 سبتمبرم1260م) فى ترتيب مواقع جيشه، ومراجعة خططه..ذاكراً اًلله . تالياً كتابه.راجياً نصْره المُبين.. وكان هـــولاكو قد رحل من حلب فى طريقه إلى بلاده حين علم بوفاة أخيه منكوخان ملك التتار..وأناب عنه قائده الكبيرـ كتبغا ـ لكنه علم بمسير سلطان مصر إليه وهو فى بلاد فارس. فأقام بها ينتظرُ ما تُسْفِرُ عنه الحوادثُ. وفى الصباح تراءى الجمعان. فتهيَّبَ كِلاهُما لِقاءَ الآخَر لِعِلْمِهِ بِأنها ستكون معْركة مَصِير!! وقد كان التتارُ ينتظرون وُصولَ قائدهم الكبير كتبغا.. أما قطز فقد انتظر وقت[[ صلاة الجمعة]] ليُباشِروا قتالَ أعدائهم وخُطباءُ المسلمين على المنابر يدعون لهم بالنصر والتأييدِ!! ووصل كتبغا قبل الزوال بساعة. فرتَّبَ جنودَهُ وساقهم للقاءِ المسلمين. وكان الملك المظفر قطز قد رتبَ جيشه فى مواقعه..فجعل الأمير بيبرس على مَيْسَرَتِهِ. والأمير بهادر المُعَزِّى على ميمنتِهِ. وكان هو على القلبِ وحَوْلهُ جماعة من أبطاله ومماليكه.. وبينهم الصَّبىُّ التترىُّ!!!!!!!! وكانَ قدْ وكَّلَ به مَنْ علَّمهُ فرائضَ الدين! وكان يُنادِيه بملك التتار! وبدأتْ المَوْقِعة الكُبْرَى.. فكانتْ سِهامُ التتار تمْرُقُ فى صُفوفِ المسلمين فتجْرحُ وتقتُلُ فيهم .. فلما اشتدَّ ذلك.. أمَرَ السلطانُ بالهُجوم فانْدَفعَ المسلمون إلى الأمام حتى تصافحت الصُّفوفُ الأماميَّة فى الفريقين بالسيوفِ!!! وحَمِىَ القتلُ!! وكان المسلِمون ظاهرين(منتصرين) إلى ذلك الحين.!. وقد انشرحَ صدر السلطان حين رأى جُنْدَ اللــــــهِ يهْجمون على التتار غير هيَّابين.ـ.ـ.وكانت المُفاجأة.ـ.ـ فقد استأذنَ الصبىُّ التترىُّ السلطانَ قطز أن يتقدَّمَ للقتال!!! فابتسمَ له السلطانُ وقال::: تقدَّمْ يا ملك التتار!!! فشقَّ الصَّبِىُّ صُفوفَ المسلمين أمامه ثم اندفع فى صُفوفِ التتار يضربُ بِسيْفِهِ يميناً ويساراً!!!!! فيقتلُ أربعة أو خمسة،، ثم يخلُصُ منهم عائداً إلى صفوف المسلمين. حتى يقفَ فى موْضعه الأول على يسار السلطان! فيحييه السلطانُ قطز ويقول::(( مرْحَى يا ملك التتار!! )) وقد تكرر هذا الفعلُ من الصبىِّ،،، فصار المسلمون يوسعون له السبيل إذا ذهبَ منطلقا كالسهم إلى صفوف التتار، وإذا كرَّ راجعًا إليهم!!! مُتعجبين من شجاعته وفُروسِيَّتهِ !! ويصيحون به:: احْمِلْ عليهم يا ملك التتار... مرْحَى يا ملك التتار!!!       

ولكنَّ الحقيقة أنَّ الصَّبِىَّ كان يهْمِسُ لِقُوْمِهِ التتار كُلَّمــــــا خاض صفوفهم. ويعْلِمُهم بموْقِع السلطان فى القلب لِيَتْبَعَهُ فرْسانُهُم وهو ينهزم إلى مركز السلطان. فيُيَسِّر عليهم قتله!!!!!!!

وكانت السلطانةُ جــــــــلنار( جهـــــــــاد ) قد جعلت همَّها حماية زوجها من الغِيْلةِ!!! فجعلت تلاحظه مِنْ تلٍّ مُرْتفع خلْفَ السلطان!!! وتُراقبُ من حوْله . فوسوس لها خاطرُها! من جهة هذا  الصَّبىِّ التترىِّ !!! وعجبت كيف يخوضُ صفوف التتار ثم يخلُصُ منها سالماً !!!!! وإذا بالصبى التترى يحملُ على التتار ثم يرْتدُّ سريعاً وخلْفَهُ خمسةُ فرْسان من التتار اندفعوا كالسَّهْم إلى جهة السلطان!!!!! وفوجئ السلطانُ ودهش وفوجئ مَنْ حوْلَهُ مِنَ الرجال فاضطربوا !! لكن السلطان تلقَّاهم بسيْفِهِ فجندل منهم ثلاثةً!!! وإذا بالمملوك التترىِّ قدْ رمَى السلطان بِسهْمٍ مِنْ خلْفِهِ!!! فأخْطأهُ وأصاب الفرسَ.ـ. فترجَّل(نزل عن الفرس) السلطانُ . وقصده الفارسان التتريان فجعل يحيصُ عنهما (يميل ويبتعد) ثم قصد السلطان أحدَهما فضرب قوائم فرسه فوقعت به وكاد الفارس التترىُّ الآخرُ يعلو السلطان بسيْفه لو لم يبرز له فارس مُلَثَّمٌ شغَلَهُ عن ذلك!!!!! فاختلفا ضربتين بالسيف( ضرب كلٌّ منهما الآخر ) فخرَّا ( سَقطا ) صريعين !!!!! وصاح الفارسُ المُلَثَّمُ:::::{{ صّنْ نفسك( حافظ على حياتك ) يا سلطان المسلمين! ها قد ســــــبقتك إلى الجنـــــة}}.. وكان هذا الفارسُ المُلثمُ قبل ذلك قد أطار رأس الصبىِّ التترىِّ!

وتجمع فرسان الحرس السلطانى، وسدُّوا الثغرة الأمامية وتكاثفوا فيها دون السلطان... وتذكّر السلطان صوْتَ الفارس الملثم فارتاب فى أمره فقصد إليه. وكشف عن وجهه فإذا الســــــلطانة جُــــــلْنار تجــــــــود بنفســــــها!!! فهاله الأمرُ وحملها وهو لا يعقلُ ما يفعلُ !!! وبعث إلى بيبرس لِيَحُلَّ محله فى القلب.. وعاد منطلقا إلى المُخيَّم . وقال لأتابكه أقطاى::: علىَّ بالطبيب والجاريتين الحبشيتين.. وأرقدها على فِراشِهِ، وجعل يُقبِّلُ جَبينَها والدمـــــــوع تنهمر من عينيه. وهو يقول::{{ وا  زوجتـــــــاه..وا حبيبتـــــــاه}} فأحست به ورفعت طرْفها( عينها ) إليه وقالت له بصوتٍ ضعيفٍ متقطع وهى تجود بروحها::{{ لا تقُلْ وا حبيبتـــــاه قلْ وا إســــلاماه}} وما لبثت أن لفظت الرُّوحَ بين يديْه حين حضرت الجاريتان الحبشيتان مُرْتاعتين( خائفتين) ومن خلفهما الطبيبُ.. فطبَعَ الســــلطان على جبينهــــــا القُبْلة الأخيرة ومسح دُموعَهُ ونهض تاركا زوجته الشهيدة وعاد إلى ساحة القتال!!

عبد القدوس عبد السلام العبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                  وا إسلاماه * المشهد السابع والعشرون *

بين الصليب والتتار(المغول) عين جالوت*الجمعة 25 رمضان 658هـ 1260م *صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده*                

شاع فى عسْكَر المسلمين خبرُ مصْرع السلطانة جــلنار، وخالطهم من ذلك أسَفٌ وَوُجومٌ.وشاع فيهم أنَّ السلطانَ احْتملها إلى المُخَيَّم وترك مكانه للأمير بيبرس.فلما رأوهُ عاد إلى مَحَلِّهِ صاحوا حميعا:اللـــهُ أكبرـ وتمثَّلت لهم بُطولة السلطانة الصريعة.فشعروا بِهوان أنفسهم عليهم وحملوا على التتار مُسْتَبْسِلين.ولما رأى التتارُ ذلك.وكانوا قد فرحوا بغيابِ السلطان.وظنَّ كثيرٌ منهم أنه قُتِلَ.اشتدَّتْ حَمِيَّتُهم أيْضاً واسْتماتوا فى الهُجوم!فاضطربت مَيْمَنَةُ المسلمين التى عليها الأمير بهادر! حتى صار صفُّ المسلمين خطاً مائلاً!!! مُقدِّمُهُ الميْسَرة وعليْها بيبرس. ومُؤخَّرُهُ الميْمَنة التى انْكشفتْ حتى تعرَّضَ القلبُ لِهجَماتِ التتار الحاميةِ!وقد أدْرَكوا أنَّ فيهِ السلطان..فانْدَفعوا لاخْتِراقِهِ وضغطوا عليهِ حتى تقهقر قليلاً. فكاد يُوازى المَيْمَنَة المُنْكشِفة..وصارالصَّفُّ بذلك أشْبهَ بضِلْعَيْن لِزاوية مُنْفرجة. وهُنا تقدَّمَ السلطان قليلا إلى الأمام فكشفَ عن خوْذتِهِ وألْقىَ بها إلى الأرْض!!!وصرخَ بأعْلىَ صَوْتِهِ ثلاثاً::: وا إســــــــلاماه وحمل بِنفْسِهِ وبمن معه حملة صادِقة. وتردَّدَ صَوْتُهُ فى أرْجاءِ الغُور(المُنخفض) فردَّدَ العسكرُ معه:وا إسْـــــــــلاماه وحملوا على التتار حملة عنيفة.جعلت ميمنة المسلمين تتقدم وتمنع التتار من تطويق المسلمين. ولمح السلطانُ قطزُ كتبغـــا قائد التتار وكان مُسْتبْسِلا وهو يضرب بسيْفيْن!!!وكُلَّما عُقِرَ جوادُهُ اسْتبْدل به جواداً آخر! وكان بيبرس يحُضُّ رجاله على القتال ولا يدعُ لهم مجالا للتقهقر(التراجُع) مهما اشتدَّ بهم الضَّغْطُ. فكأنما كانوا مُقيَّدِين بسِلْسِلَةٍ طرَفاها فى يده!!! فثبتوا ثباتَ الرواسى(الجبال) وكثُرَ القتل فى الجانبين حتى أنهم ليطئون بحوافر خيولهم على جثث قتلاهم!!! وكان بيبرس شديدَ الحذر كأنما ينظرُ بألفِ عين وكان يتخيَّرُ أبْطال العدو الأشِدَّاءَ فيفْجَؤهم بضرباتٍ قاضية، ورُبَّما أطار رُءُوسَهُم فكانت جِيادهم تثِبُ بأجسادٍ لا رءوس لها!!!!! فلما سَمِعَ بيبرس صَرْخَة الملك المُظفر: وا إسْـــــــــلاماه ورأى القلب يتقدَّمُ. أدْرَكَ بِفِطْنَتِهِ أن السلطان يُريد أن يُطوِّقَ مَيْسَرَة التتار ويفصلَها عن قلبِهم إذ رآه يندفع بشطر من القلب فاخترق به صفوفهم رأى الفرْصة سانحة حينئذٍ ليقوم بحركة تطويق لميْمنة التتار وقلبهم حتى يَحْصُرَهُم بين مَيْسَرَتِهِ وبين الشطر الآخر من قلبِ المسلمين فأمر رجاله بالتقهقر قليلا ليندفعَ العدو إلى الأمام، والانتشار غربا ثم التقدم إلى الأمام بشكل هِلالىٍّ ينتهى طرَفُهُ الشمالىُّ بخطٍ مائل إلى الغربِ!!! وكان الملك المُظفر قطزُ يقاتلُ قتالَ المُسْتميتِ حاسِرَ(كاشِفَ) الرأس وقد احمرَّ وجْهُهُ وانْتفشَ شعْرُهُ فصار كأنه جَمْرَة من اللهبِ يعلوها إعصارٌ من الدُخان الأسْوَدِ!!!!! يضربُ بسيْفِهِ ذات اليمين وذات الشمال!!!!!.وكلما اعْوَجَّ سيْفُهُ التمَسَ غيْرَهُ وهو يُرَدِّدُ اللـــــــــــهُ أكْبَر...فكان بيبرس يُشْفِقُ عليه.!. ولا يشُكُّ أنه يتعرضُ للشهادة. وأنه عمَّا قليل سيُصابُ.!.وهنا عزم أبطال المسلمين على وقاية سلطانهم بأنفُسِهِم ما استطاعوا.!. فكانوا يتقدمون معه مُحيطين به فى نِصْفِ دائرةٍ .. وبصُر السلطانُ المُظفر بِسَهْم يُصَوَّبُ نحْوَهُ، فشدَّ عِنانَ جَوَادِهِ، فوَثبَ الجَوادُ قائما على رجْليْهِ فنشبَ السهْمُ فى صدْر الجوادِ!!!!!. ونزل عنه السلطان ومسح عَرَقهُ وهو يقول:::فى سبيل الله أيها الرفيقُ العزيز !!! واستمرَّ يُقاتلُ راجلا( على رجْليْهِ)!

وأراد بعضُ أصْحابه أن ينزل عن فرسه،فأبى السلطان عليه ذلك وقال له: اثبُتْ مكانك ما كُنْتُ لأمْنع المسلمين الانتفاعَ بك فى هذا الوقتِ! وبقِىَ يُقاتلُ راجلا(على رجْليْهِ)! حتى جِىء له بِفرَس من الجنائب(الاحتياطى)..وتوَغلَ بشَطْر(نصف. أو بعض) من جيْشهِ بين قلب العدو وميْسَرَتِهِ وبعث إلى الأمير بهادرُ قائدِ المَيْمَنةِ بِعَزْمِهِ على تطويق ميْسَرَةِ العدو. فأمرَ الأميرُ بهادر رجاله بالانتشار شرْقاً فى اتجاه الشمال. وأخذَ السلطان المُظفَّر يُوَسِّعُ مجال اخْتِراقِهِ فى صُفوفِ التتار لِيُقيمَ بَرْزخا(حاجزًا) قويَّاً بين ميْسَرَةِ العدوِّ وسائر جيْشِهِ!!!!! فلم يزلْ البرْزَخُ يتَّسِعُ بما يندفِعُ فيه من صُفوفِ المسلمين...وكان القتال أحْمَى ما يكونُ فى جانبَىْ البرْزَخِ فيما يلِى القلبَ حيْثُ كان كبيرُ التتار قائدُهُم كتبغــــــا قد اسْتكْلَبَ(اسْتمات)فى القتال.!.فلما رأى الملكَ المُظفرَ انْدَفعَ إليْهِ بأشدِّ رجالِهِ يُريْدُ اختراقَ البرْزخ إليهِ.!.فحاول أبْطالُ المسلمين أن يَحُولوا بيْنهُ وبين الملك المظفر.. فيقول لهم السلطانُ::: دَعُونِى له ليس له قاتل غيرى،أريدُ أن أقتُله بيدى!! فأسْرَعَ الأميرُ البطلُ جمال الدين أقوش الشمْسِى. وكان يُقاتلُ إلى جانبِ السلطان فأبْصَرَ فُرْجَةً( ثغْرَةً )فاقتحمها إلى قائد التتار كتبغـــا.وصاح: يُخاطبُ السلطانَ المظفرَ:أنا يَدُكَ!!لقد قتلتُ عدُوَّ اللــــــــــهِ بِيَدِكَ!!! وأهْوَى بسيفهِ على عاتق الطاغيةِ فأبانها( قطعها ) وضربه كتبغـــا بيدهِ الأخْرَى فصَرَعَهُ من على فرسه! ولكن الأميرَ البطلَ جمالَ الدين أقوش الشمسى كان قدْ زَجَّ ( دفع ) بِرُمْحِهِ فى عُنُق الطاغيةِ كتبغا فلما هَوَى(سقط) أقوشُ مِنْ فرَِسِهِ هوَى الطاغية معه ورُمْحُ أقوش ناشِبٌ فى حَلْقِهِ وأقوش قابضٌ على الرُّمْح بيده!!! وكبَّرَ أقـــــوش وسيوف العدوِّ تتعاوَرُهُ( تُمَزِّقهُ ) من كل جانب.!.فَكَبَّرَ السلطانُ  وكبَّرَ المسلمون وقد عرفوا أنَّ كتبغا قد هـَــــــلكَ ... فكبَّرَ المســــــلمون بِصَوْتٍ واحـــــــدٍ ألْقىَ الرُّعْبَ فى قُلوبِ التتار فازْدَادَ هَلعُهُم واختلَّتْ صُفوفُهُم.!.وأخذوا يتقهقرون.!. وأمر السلطانُ المُظفرُ قطزُ جنودَ البَرْزخ وصفوفَ الميمنةِ أنْ يُكْمِلوا التطويقَ، فانْحَصَرَ جيشُ التتار وحِيْلَ بينهم وبين الفِرار.!.!.!. فأوْقعَ بهم المسلمون مقتلة وأفْنوهم ضرْبا بالسيوفِ وطعناً بالرِّماح حتى امْتلأ الغـُــــــــورُ( المُنْخفض) بِجُثثِهم بعْد أن سحقهم المســــــلمون !!! وغنِموا منهم مغانم عظيمة لم يُرَ مثلُها فى حُروبِ ذلك العهدِ.!.

وخَرَّ السلطانُ المظفر محمــــــودُ ابن ممدود(قطز) ســــاجدا لربه شاكراً أنْعُمَهُ . وأطال السُّجُــــــــودَ ، ثم رفع رأسه والدُّموع تتحدَّرُ على لِحْيَتِهِ حتى ســـــــلَّمَ من صَــــــلاتِهِ فامْتطى(ركِبَ) جوادَهُ وخطب المسلمين قائلاً::: إن لِسانى يعجز عن شُكْركُم . وإنَّ اللـــــــــــــــهَ وحده قادرٌ على أن يجْزيكم الجزاءَ الأوْفىَ ... لقد صدقتم اللــــــــــــــهَ الجهادَ فى سبيلهِ فنصَرَ قليلَكُم على كثير عَدوِّكُم .!.     عبد القدوس عبد السلام العبد 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

             وا إسلاماه * المشهد الثامن والعشرون *

بين الصليب والتتار (المغول) انفجار الحزن.لا يتم شىء إلا لحقه النقصان

وصل السلطانُ المظفرُ قطزفى خُطْبَةِ النصرإلى قوْلِه:ألا ترَحَّمُوا على إخْوانكم، الذين عَلِمَ اللهُ ما فى قلوبهم من الإيمان والخير.فاختارَ لهم الشهادة والجنة،واختار لكم النصر والحياة الكريمة.لتعودوا للجهادِ فى سبيله،وما عند اللهِ خيرٌ وأبْقىَ..وترحَّموا على أمَةِ الله سلطانتكم،فقد صدقت اللهَ ما عاهدتهُ عليهِ،وآثرَتْ ما عند الله على ما عند عبْدِهِ قطز.!.وهنا أدْركته الرِّقَّةُ فبكىَ وعلا نحيبُهُ.فبكى المسلمون جميعاً،وتعالت أصواتهم:بالنَّحِيبِ وهم يقولون:(يرْحَمُها الله يرحمها الله)ثم تلا السلطان قوْله تعالى:[[ ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا.بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون..]]..وفرَغَ السلطانُ لمحاكمة الأسْرَى من المسلمين، الذين انضموا إلى التتار. فمن وجد له عذراً من جهل أو إكْراه استتابه(جعله يتوب) وضمه إلى جيشه، بعد أن أعْلمَهُ أن حُكْمه القتل. لكنه آثر العفوَ عنه لِما يتوسَّمُ فيه من الخير.ومن لم يجد له عذراً أمر بضرب عُنُقِهِ!! ثم قتل بيده الملكَ الأيوبى الذى انضم إلى التتار وقاتل إخْوانه المسلمين!! ثم تحرَّك إلى طبَريَّة فأرسل إلى أهل دمشق، كما أرسل إلى الشيخ المجاهد ابن الزعيم(مَوْلاهُ القديم) الذى كان مُخْتبئاً فى بعض ضواحى دمشق. وكان يُراسِلُ الملكَ المُظفر بكلِّ أخْبار التتار وأمراء الشام. فيسْترشِدُ بها فى حملته على بلاد الشام...ووصل قطز إلى ظاهر دمشق(مدخلها) فوافاه الشيخُ ابن الزعيم فتعانقا وبكيا طويلا!!! وعَيَّد(قضى يوم العيد)فى هذا المكان وذبح الذبائح وصلى العيد وابن الزعيم يؤم المسلمين وأطعم الناس. وتذكَّرا الإمام المجاهد عز الدين ابن عبد السلام. ثم دخل دمشق. وأرسل بيبرس لِمُطاردة التتار فمزق حاميتهم فى حِمْص .وكانت وقعة حمص آخر أمر التتار ببلاد الشام!

ولما بلغ هولاكو وهو ببلاد فارس انهزام عسكره، وقتْل نائبه كتبغا، قتلَ كلَّ من لحق به من ملوك وأمراء الشام وأولادهم فلقوا جزاء خيانتهم بيدِ مَنْ مالئوه(تعاونوا معه) على إخوانهم المسلمين!!! الا واحداً عشقته زوجة هولاكو فشفعت له عند زوجها فعاش طليق امْرأة كافرة! ورحل هولاكو إلى بلاده تُشيِّعُهُ لعنة اللـــهِ ولعناتُ المسلمين!

وأكمل المُظفر قطز تدبير بلاد الشام، وجعلها بيد من اصطفاهم من ملوكها وأمرائها كما وعدهم من قبل، وممن حسُنت توْبته........ فرجع إلى نفسه وتذكَّرَ مُصابه فانفجر ما كان حبيساً فى نفسه من الحزن على حبيبته الشهيدة جهــــــــــاد.(جلنار) وتذكَّرَها تقول له: لا تقلْ وا حبيبتاه. قلْ وا إســــــــــلاماه!!! فكانت هذه الكلمة مفتاح النصر بإذن اللـــــــــــــــــه!!! فسالت دموعه حتى تقرَّحت جُفونه، وأظلمت الدنيا فى عينيه! وضاقت عليه الأرض بما رحُبت! وضاقت عليه نفســـــــه!!! وتذكَّر مَصْرَعَهَا منذ احْتملها إلى المُعَسْكَر إلى أنْ تركها للطبيبِ والجاريتين الحبشيتين لتجهيزها للدفن!!!!! وتذكَّر أنها لن تعود إلى مصــــر.ولن تشاطره أفْراح النصـــر. وأنه سيأوى إلى قلعة الجبل وحيـــداً لا أنيس له. يتقلب بين الحاسدين وطمع الطامعين..وقد ضعفت نفسه وخارت عزيمته على كبح جماح الأمراء والمماليك وغرامهم بالخلاف وتكالبهم على السلطة والجاه!!! وشغفهم بالفساد والنهب لخيرات البلاد، واكتناز الذهب والفضة والجواهر! غافلين عن مصالح البلاد. غير آبهين(مهتمين) لما يتهددها من الأخطار، حتى تحُلَ بها كارثة قد تكون أعظمَ من كارثة التتار.ورأى كيف أنهم لم يخرجوا معه لقتال التتار إلا بالإكْراه والقسر(الشِّدة)!! وقد كان له فى الدنيا أمل يُهَوِّنُ عليه كل ما يلْقى من المتاعب. فأيْن ذلك الأمل اليوْم؟؟؟ لقد انطوى إلى الأبد. أين جـــــلنار التى كانت تشاطره همومَهُ وآلامَه، وتمْســــــح بيدها الرقيقة شكْواه وتطرد عن نفسه البأسَ وتنعش فى قلبه الأمل؟؟؟ أين جـــــــلنار التى كان يشهدُ فيها بقيَّة أهْله الذين نكبهم(قتلهم وأفناهم) التتار؟؟؟؟؟ ما أحْقر هذه الدنيا التى كتب اللــــــــــهُ عليها ألاَّ يتم فيها شىءٌ إلاَّ لحقه النقصان!!!!!

وهكذا أصبح الملك المظفر يائسا من الحياة!ـ!يسْتثقلُ ظِلَّها ويسْتطيلُ أمَدَها. ويَوَدُّ لو اسْتطاع فحاز(جمع وأخذ وقضى) ما بقى له فيها من الأيام مرْحلة واحدة إلى حيْثُ يلْقىَ حبيبته الشهيدة، فى مقعد صِدْق عند مليك مُقْتدر!! ولكن الملكَ الذى هزم التتارَ وحمى الإسلام فى عين جالوت. فأضافها إلى أخواتها الكبرى ـ بدر وأحد والقادسية واليرموك وحطين وفارسكور ـ لم يكن لينسى إذا هو عافَ( كَرِهَ وأبْغَضَ) الحُكْمَ وضاق ذرْعا بالحياةِ أنْ ينظُرَ للإسلام وأهْلِهِ فيختار من بين المسلمين رجُلاً قويا يعْهَدُ إليهِ بِحُكْمِهِم. ويبْرأ إلى اللـهِ من تبِعَتِهِم.. فما ملأ عينه منهم إلا صديقه القديمُ وعدُوُّه العنيدُ ونصيرُه فى جهاد التتار الأميرُ رُكْنُ الدين بيبرس البندقدارى! وقد رآه ـ على ما فيه من الخديعة والمكر ـ أقْوّمَهم جميعا بالأمر وقْدَرَهم أن يسوق الناسَ بعصاه ويحملهم على ما فيه استقامة أمورهم، ودوامُ قوَّتهم وعِزَّتِهم وبقاءُ هيْبَةِ الإسلام فى صُدور أعْدائه! فعزم على أنْ ينزلَ له عن الحُكْم ويتخلَّىَ له عن عرش مِصْـرَ عاصمةِ المسلمين وملاذِهِم. ومظهر قوَّتِهم، وسُلْطانِهم غى ذلك الحين.!. لكنه رأى أن يكتم هذا الأمرَ عن الناس حتى يعود إلى مصـر. عبد القدوس عبد السلام العبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

           وا إسلاماه * المشهد التاسع والعشرون *

بين الصليب والتتار (المغول) شكرأً قربتمونى من زوجتى جلنار!

رأى الملك المظفر قطز أن يكتمَ أمْرَ تنازُلِهِ عن الحُكْم لِصديقهِ القديم وعدُوِّهِ اللدود. رُكْن الدين بيبرس البُنْدقدارى حتى يعودَ إلى مصرَ..خوْفاً من الفتنة، وخشية انتقاض الأمراءِ والمماليكِ واختلافهم..فالمماليكُ من تلاميذِ المعز أيْبَك يَرَوْنَ أنفسهم أوْلىَ بالحُظْوَةِ(القرْبِ من الثروة والحكم) عند الملك المظفر قطز لِما بينهم وبينه مِنْ صِلَةِ الخِشْداشيَّة فهم جميعا من المُعَزِّيَّةِ(تلاميذ المعز أيبك) وقد نقموا على قطز حين ساوى بينهم وبين المماليك الصالحيَّة ـ تلاميذ الملك الصالح نجم الدين أيوب ـ وكان المُعزِّيَّة يروْن أنَّ قطزاً قد هضم حقهم فى السيادةِ على غيرهم. وأرادوا أن يُكْرهوهُ على تغيير ذلك بالقوَّةِ!! لكنهم خشوا أن يتشيَّعَ الصالِحِيَّةُ للسلطان قطز! فأرْجَئوا ذلك إلى فُرْصةٍ مُلائمة.!.أما بيبرس فكان قد سأل السلطان أن يُعْطِيَهُ ِنيابة حِلب(ينوب عنه فى الحكم) التى أعْطاها قطز لأحد مُلوك الشام كما وَعَدَ.!. فغضب بيبرس،واتهم الملك المظفرَ بأنه يحْسُدُهُ لما أظهر من بطولاتٍ فى حرب التتار ومُطاردتهم إلى أقاصى البلادِ!! وكان قطز يعرف جيداً أطماعَ بيبرس التى لا حدَّ لها.!. فما طلب حلب إلا ليضم إليْها بلادَ الشام كلها، ثم يُنازعُ الملكَ المُظفرَ عرشَ مِصْرَ!!! ويعرف كيْفَ حرَّضَ الأمراءَ والمماليكَ على عدم التنازل عن أموالهم لِتمْويل الجيْش.!.!.ولم يكن بيبرس يعْرف حتى هذه اللحظة نِيَّة السلطان المظفر قطز فى التنازل له عن قلعةِ الجبل.!. فشايَعَ المماليك الصالِحِيَّة فأوْغروا صدره على السلطان(بُغْضاً وحِقْدا)..وجاء بيبرس إلى السلطان المظفر مُعاتبا، وهو يكتم غيظه. لِحرْمانه من نيابة حلب، وهو صاحب البلاء الأكْبر فى الجهاد ضد التتار! فقال الملك المظفر: [ إنى لا أنْكِرُ فضلك  وبلاءك فى الجهادِ] ـ ولكنى أعرف طمَعَكَ الذى لا يقنع ونهَمَكَ الذى لا يشبع!!! ـ فأجاب بيبرس فى حِدَّةٍ:[ وأنا أعرف ماذا أصْنع!]فضحك السلطانُ وقال له::: هأنت يا صديقى قد أظهرت عِصْيانى وأنا بعدُ عِنْدك!!! فكيف لو بَعُدَتْ بىَ الدارُ عنك؟! ومن يدْرى يا صديقى بيبرس؟ لعلك تكون يوْماً سُلطاناً على المسلمين!!! فقال بيبرس :: باللهِ عليك لا تجمعْ علىَّ بين المنْع والسُّخْرية.. فقال قطز::: إنى لا أسْخرُ منك، فأنت حقاً  جديرٌ بأن تكون سلطاناً للمسلمين! واللـــــــــــهُ أعْلمُ حيثُ يجعلُ ولايته!!! ثم قال: أصْغ إلىَّ جيِّداً يا بيبرس ـ إنى ما منعتك حلب أو دمشق إلاَّ لِحاجتى إلي مِثلك فى مِصْــــــــر! بعدما نزل بى من المُصيبة بفقد السلطانةِ. ولا آمن على نفسى أن يغلبنى الحزنُ فيشغلنى عن القيام بواجبى ـ واعْلم بأنى مُحْتفظ  لك بخير من حلب ودمشق ـ فقال بيبرس : وما ذاك؟ فقال قطز:[ يا صديقى إنها قلعة الجبل .. قلعة ال...] وهنا وقف السلطان ولم يتم كلمته .. ثم استأنف حديثه قائلاً : انصرف يا صديقى راشداً مطمئناً فليس لك عندى إلاَّ الخير!!

وعاد بيبرس إلى جماعته من المماليك، وحكى لهم كلَّ ما دار بينه وبين السلطان.. حتى إذا انتهى إلى قول السلطان ـ إنها قلعة الجبل.. ـ حتى قالوا: حَسْبُك. قد صرَّحَ السلطان بما يُضْمِرُ لك.. إنه يعْنِى أنك ستلقىَ مَصْرَعَكَ هناكَ كما لقِىَ صاحِبُكَ أقطاى الجمدار!. فقال بيبرس ـ وقد اشتدَّ حِنْقهُ(غضبه وغيْظه) واحْمَرَّتْ عيناهُ! :[ قلعة الجبل!! لا واللهِ لألْحِقنَّهُ بِزوْجَتِهِ التى يبكيها قبل أن ترى عيْنُهُ قلْعة الجبل!] ثم بدأت خطة المؤآمرة.! فأخذوا يتشاورون كيف؟ وأين؟ ومتى؟ يقتلون السلطان؟؟؟ واتفق رأيهم على أن يترصدوه فى طريقه راجعا إلى مصر!!! حتى إذا أمكنتهم منه غِرَّة تعــــــــاوَرُوهُ(مزَّفوه) بسيوفهم.ـ. واخْتاروا معهم اثنين من المُعَزيَّة(تلاميذ المُعِز أيبك)الحاقدين على السلطان الحاسدين له.. وهما..الأمير سيْف الدين بهادر. والأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار..ـ..وفرغ الملك المظفر من ترتيب أحوال بلاد الشام..فرَدَّ المظالم، وأعاد لابن الزعيم ما صادر التتار من أملاكه وما صادر الملك الصالح إسماعيل..وأحسن إلى صديقه القديم الحاج على الفرَّاش..وأجرى راتباً لموسى ابن الشيخ غانم المقدسى بعد أن فقد ثروته..وزار قبرَ زوْجة الشيخ غانم وترحَّمَ عليهما!

وقفل الملك المظفر راجعاً إلى مصـر.ـ.وسبقه بعضُ أمرائه ومُعاونيه، ليُعِدُّوا القصرَ لاستقبال الملك..وفى الطريق رأى الملك أرنباً برِّياً فلم يملك نفسه! فاندفع بِجوادِهِ وراءَ الأرْنبِ..وقد خيِّلَ إليْهِ إذ ذاك أنَّ جُـلنار تسوقه معه على جوادها الصغير! كما كانا يفعلان  فى بلادِ الهنـد! فما راعَهُ(أدهشه أو أفْزعه) إلاَّ بيبرس ومعه ستة من الأمراءِ! فقال أنتم أيْضاً تحبون صيْدَ الأرانب مِثْلِى؟ فأجابَ بيبرس : إنك تعلمُ يا خوند(زميل الجيش) أنى لا أحب صيْدَ الأرانبَ، ولكننا خشينا عليك، فلحقنا بك! فقال السلطان: شكراً لكم لا خوْفَ علىَّ من عدوِّ هنـا! فبَدَرَهُ بيبرس: أريدُ أنْ تمُنَّ علىَّ بتلك الأسيرة التترية التى حدَّثْتُكَ عنها أمس فإنها تُعْجِبُنى . فابتسم السلطان وقال: خذها لك إن شئت.فشكره بيبرس وترجَّلَ عن فرسه ودنا من السلطان ليُقبِّلَ يدَهُ.ـ.فمدَّ السلطان يدَهُ فقبضَ عليها بيبرس بشِدَّةٍ! وكانت تلك إشأرة بينه وبين جماعته الأمراء.. فحَمَلَ أحدُهم على السلطان فضرب عاتقه بالسيف.. وتعلَّقَ به آخر فألْقاه عن فرسه! ورماه ثالث بسهم فى صدره!!! ـ والسلطان لا يُبْدِى أىَّ حركة للمُقاومة! وإنما كان يقول: حسْبىَ اللـــــــهُ ونعْمَ الوكيل! أتقتلنى يا صديقى بيبرس وأنا أريد أن أوليَكَ سلطاناً مكانى ؟! فلما سمع ذلك بيبرس منعهم من الإجْهاز عليه. فصاحوا به إنه أراد أن يخدعك . دعْنا نتمُّ قتله.!. فأبى بيبرس. وكان يريد أن يستوْضِحَ السلطانَ كلمته الأخيرَة ـ وكان السلطان قد أغْمىَ عليه إذ ذاك  ـ ثم أفاق وقد حضر جماعة من فرسانه يريدون البطش ببيبرس ومن معه... فما راعهم إلا صوت السلطان :: دعوا بيبرس لا تقتلوه إنه سلطانكم ـ قد وليته عليكم فأطيعوه ـ فقال فرسان السلطان إنهم قتلوك فلن نتركهم.. قال السلطان:: ما قتلنى غيرُ سلطانكم بيبرس، وقد سامحته فاسمعوا له وأطيعوا.!.فألْقى بيبرس سيفه على الأرض ودنا من السلطان وأهْوَى عليه يُقبِّلُ رأسَه ويديْه! وهو يقول: ويْلٌ لى لقد قتلتُ سلطانَ المسلمين ! قتلت هازم التتار! قتلت صديقى الكريم ! وهنا أخذ مماليك السلطان يمسحون الدم بمناديلهم وثيابهم!! والسلطان يردد الشهادتين! ـ وقال لبيبرس لقد عفوْتُ عنك وعنهم جميعا! شُكْراً لكُم جميعاً قرَّبْتُمونى من زوْجتى جــــــــلنار. عبد القدوس عبد السلام العبد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                    وا إسلاماه * المشهد الثلاثون *

     بين الصليب والتتار(المغول) الخاتمة. محمود بن ممدود(قطز)

                * فى مقع صدق عند مليك مقتدر*

شكراً لكم قرَّبْتُمونى من زَوْجتى جلنار.. قالها الملك المظفر وهو يُعالِجُ سَكَراتِ الموْتِ..ثم قال: تعالَ يا بيبرس.فاقترب بيبرس من السلطان.فنظر إليه كمن ينظر نظرة الوداع فقال:[أتسْتحِلُّ دَمِى يا بيبرس] فقال بيبرس والدموع فى عينيه: كلا ياصديقى وإنما خشِيتُ أن تقتُلنى فاتَّقيْتُ ذلك! فقال السلطان: الحمد للــهِ إذ لم تسْتحِل دمى.! وإنما شطَّ بِكَ الظَّنُّ.!.قاتِلْ أعْداءَ الإسْلام يا بيبرس. هذه وصِيَّتى لك، ويغْفِرُ اللــه لك خطيئتكَ! وصَرَفَ السلطان نظرَهُ عن بيبرس إلى الســـــماءِ وتنهَدَ من أعْماق قلبه كأنما انتزعها من روحِهِ انتِزاعا:[ وا حبيبتــــاه وا إسْـــــلاماه]]وخفقَ رأسُـــهُ خفْقة لفظ على أثرهـا روحَهُ فحَمَلهُ مماليكُهُ إلى حيْثُ دَفَنوه مبكياً عليـه. وحزن الناسُ فى مصـر على السلطان المظفر قطز فبكوه بعيونهم وقلوبهم! ثم خشوا بأس بيبرس فكفَّتْ عيونهم عن بُكاء المُظفر قُطز وظلَّتْ قلوبهم تبكيه!ـ! أما الشيـخ عز الدين ابن عبد السلام فقد بكى تلميـذه وانْتحَبَ وكان مما قاله فيه:[رحم اللــــــه شبابه.لوعاش لجَدَّدَ شباب الإسلام] واختار بيبرس لنفسه لقب الملك القاهر فخوَّفوه شؤمَ لقبهِ فعدل عنه وتلقبَ بالملك الظاهر.

وحاول بيبرس أن يرْضِىَ الناسَ فأبطلَ ما عليهم من ضرائب لِبَيْتِ المال. وما أبْطلَ ما عليهم من ضرائب لنفسه وأمرائه ومماليكه!ـ! غير أنه والحقُ يُقال: قاتل أعداء الإسلام من الصليبيين والتتار حتى أذلَّهم.. ونهض بمصر وأعْلى كلمتها. حتى جعلها فى عهده امبراطورية عظيمة باذِخة(غنية)

وذات يوم جلس الملك الظاهر بيبرس يُقلِّبُ أوْراق الملك الراحل المظفر قطز فعثر على كتابٍ هــــــــذا نصُّه! ـ إلى ولدى الأعز الأجل الملك المظفر قطز:

تلقيْتُ كتابك جواب التهنئة باعتلائك عرش مصر، تذكر فيه عزمك على الرجوع إلى اسمك الأول، الذى سماك به أبوك الأمير ممدود وإشهاره، ثم عدولك عن ذلك خشية أن ينتقضَ عليك المماليك إذا علموا بأصلك، وتستشيرنى فى ذلك، فالرأى عندى ما رأيتَ، وليس العبرة بالأسماء ولكن بالخلال والأعمال، والله يعلم أنك محمــــــود ابن ممدود ابن أخت السلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه. وإن التى تحت عصمتك هى ابنة خالك جلال الدين، فحسبك هذا من ربك، والناس يعلمون أنك مملوك علت به همته وكفايته وصلاحه، حتى صار من أعظم ملوك المسلمين وأعدلهم، وحسبك هذا من الناس.

والسلام منى، ومن خادمك الأمين الحاج على الفراش، عليك وعلى شيخنا الإمام عز الدين ابن عبد السلام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                        من خادمك المطيع ـ ابن الزعيم

فلما قرأ  الملك الظاهر بيبرس هذا الكتابَ تدحرجت دمعتان كبيرتان على خديه حتى توارتا فى لحيته.. وجعل يقول بصوتٍ لا يسمعه غيرُه:[ رحمة الله عليك يا صديقى قطز!.! لشدما أتعبنى اقتفاءُ أثرك.ـ.وما أرانى بعد الجهد الطويل أبْلُغ بعضَ ما بلغت.]      عبد القدوس عبد السلام العبد موبايل 01092255676 ت 0472712574

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 187 مشاهدة
نشرت فى 15 إبريل 2017 بواسطة AboNeza

عدد زيارات الموقع

8,218