0472712574 ـ 01092255676  قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الحادى عشر } ـ المذبحة والأخْدود

كانت الوُجوهُ تدْنو من الموتِ باسمةً له.والموتُ يدْنو منها عابسا لها.حتى يكون اللقاءُ المُنْكرُ الشنيعُ، فإذا عُبوسُ الموْتِ قد استحال إلى ابتسام، حين مسَّ هذه الوجوه الباسمة ـ وذلك حين جُمِعَ النصارى(المسيحيون) رجالا ونساءً وشبابا وشِيبا من كلِ مكان حَيْثُ كانوا يجتمعون للصلاة والدُعاء ـ فَحُشِدَ منهم المئاتُ فعُذِبوا ليعودوا إلى وثنية الإمبراطورية الرومانية وعبادة القَيْصر( الملك) فلما ثبتوا على نصرانيتهم(المسيحية) نُكِلَ بهم أشدّ التنكيل. ثم قُتِّلوا فَعَبَثتْ بهم السُيوفُ والخناجر ولَعِبتْ بهم السهامُ والحِرابُ.

وكان الشابُ الثَّرِىُّ( كِيمون ). فى الصفِّ الأول من الأشراف والنُّبلاء المُتعصِّبين المستمتعين بجمال المنظرِ البشع حتى انتهت المجزرة التى كانت قُرْبانا لإله روما العظيم( جوبيتر ) فتساءل( كيمون ): كيف قَوِيت قلوبُ هؤلاء الضحايا بعد ضعفٍ؟ وكيفَ عزَّتْ بعد ذِلَّة؟ وكيفَ تحمَّلوا هذا الصَّبْرَ الأليم؟!!! ـ : إنه الإيمان ـ فلما عاد إلى قصْرِهِ لم يجد إلى النوم سبيلا!!! ـ ثم عاد يتساءل: ما هذا الإله الذى يعبُدون؟ وأين يكون؟ وما السبيل إليه؟ ثم ألقى بنفسه على سريره عَلَّهُ يجد إلى النوم سبيلا. فرأى وهو بين النوم واليقظة ( رأى جماعة من الفرسان يَعْتلون ـ يركبون ـ صَهَواتِ جِيادٍ عربيةٍ مُجَنَحةٍ تعبُرُُ البحرَ لا يدرى أهى طائرة أم سابحة فإذا هم أربعة. رَجُلان و امرأتان . يشبهون تماثيلَ الآلِهَةِ المَنْصُوبَةِ فى ميادين ومعابدِ روما . فأعلنوا غضَبَهُم على هذه المدينةِ الظالمةِ وأعلنوا براءتهم من وحْشّيَتِها المُتَعصِبَةِ . وحزِنوا على الدماء والأشْلاءِ وأعلنوا أنَّ روما لا تتعَصَبُ للآلهةِ ولكن لقيصر ولسيادتها واستعلائها ثم رَحَلَ الفرسانُ بلا عوْدة ) . فاستيقظ الشابُ فزعا وقَرَرَ الرَحيلَ عن هذه المدينةِ الظالم أهلها. وفى الليلةِ التاليةِ تسَلَلَ من قصرِهِ تحت أستار الظَلام ورحل إلى الخلاء والصحراء بحثا عن الإله الجديد. ( لكنه لم يجدْ إلا آياتِهِ وخَلْقََه ) فآمنَ بِهِ وخافَ منْهُ . ثم وجد وسط خلاِء الصحراء بناءً وحين دنَا منه سمع أصواتا عذبة تُرَتِلُ ترْتيلا عذبا. يصدُرُ عن جماعةٍ من الرُهْبانِ فانْضَمّ إليهم. فقد كان البناءُ دِيراً بَناهُ الرُّهْبانُ فى الصحراء . فرارا بدينهم من الإمبراطور وآلهته. وتعلَّم كيمون دين المسيح من الرُهبان فأصبح من أصحاب الكراماتِ . وظلَّ يتنقل من دِرٍ إلى دِير حتى وصل إلى الشام فتعرَّفَ على رجُلٍ صالح اسمه صالح ونشأتْ بينهما صداقة. فلما ظهرت كراماتُ كيمون بالشام رحلا مع قافلة مُتَّجهة إلى اليمن. لكن القافلةَ عَدَتْ عليهما واتخذتهما بضاعة( عبيدا أو رقيقا للبيع )

وَصَلَتْ القافلة إلى نجران باليمن وباعتهُما إلى رجُلَيْنِ من أشراف اليمن. فأمَّا صالح فقد انتهى أمره فى الفتنة فقد أُحرِقَ فى الأُخْدود(حُفْرة مستطيلة فى الأرض) حَيْثُ أُحرقَ النصارى فى نجران بعد ذلك بأعوام. وأما كيمون فقد أكرْمَ سَيِدُهُ مثواه وأفْرَدَ له حُجْرَة فى داره حيْثُ يعملُ ِلسَيِدِهِ بَيَاضَ النهار ويقوم للصلاة أكثرَ الليل. ورأى سَيِدُهُ أن حُجْرَتَهُ مُضِيئةٌ فى الليل دونَ مِصْباحٍ فسأله سَيِدُهُ. فحدَثَهُ كيمون عن المسيحية(النصرانية).فقال سَيِدُهُ: إننا نعبُدُ نَخْلَةً فقال كيمون:النخلة لا تُعْبَدُ إنما هى نخلة فحَسْب ولو دعَوْتُ الله لأراكم فيها ما تكرهون. فقال سَيِدُهُ : لو فعلت لاتَبعْناك جميعا.ودخلْنا فى دينك، فدعا كيمون . فإذا عاصفة تقتلع النخلة من أصلها فآمن السَّيِدُ للعبد(دخل فى دينه) ودخل اهلُ نجران جميعا فى النصرانية(دين المسيح) ـ ولمَّا ظهرت كراماتُ كيمون هرب إلى الصحراء وعاش فى خيمة وكان الناسُ يترَََّّدُدون عليْهِ لِيُعَلِمَهُمْ . فخاف يهودُ نجران ونَشَبََ الخلافُ فرفع اليهودُ الأمر إلى الملك( زُرْعة بن تُبَع ) الذى رفع شأنَ اليهوديةِ فى اليمن كما فعل أبوه تُبَع.( زُرْعة ـ هو ذو نُواس ـ وهو يوسف) فلما بَلَغَهُ أمْرُ النصرانية فى نجران هاجمهاوحاصرها بجيش كبير.

ثمَّ جَمَعََ أشراف النصرانية(المسيحية) وخيَّرهم بين الموْتِ واليهوديَّة فاختاروا الموت. فأمر المُنادين أن يُؤذِنوا فى المدينة : أنَّ الملك خَيَّرَ  أشْرافكم بين الموت واليهودية فاختاروا الموتَ.فأيكم اختار اليهوديةَ فله أن ينحاز(ينضم) إلى الجيش. فلم ينحز(ينضم) إلى الجيش أحد من أهل نجران وكلهم آثر(فضَّل) الموْتَ ـ وأمر الملك ذو نُواس بن تُبَع فاحتُفِرتْ الأخاديد( الأُخدود شق مستطيل فى الأرض ) وجُمِعَ فيها الحطبُ والخشبُ وأُلْقِىَ فيها الزيت وأُضْرِمتْ فيها النيران ودُفِعَ أهْلُ نجران إليها دفْعا. وأطلق الملك أيْدى اليهود فى أهْل نجران ينالونهم بالقتل والتعذيب وهتك الأعْراض ونهب الأموال والتمثيل بالجُثثِ. فجَرَتْ الدماء وانتشرت الأشلاء وارتفع اللهيب فى السماء بنُفوس الشُهداء.

رأى العجوزُ كيمون ما يحدُثُ فى الأُخْدود وتذكَرَ الماضى البعيد فى روما وأخذ يُقارنُ بين مَشْهَدِ الأمس ومشْهَدِ اليوم. فاندفع إلى النار لينال الشهادة مع الشُهداء فيصل إلى الخُلود. ـ. وقد أُحْرقَ من النَصارى فى هذا اليوم أكثر من عشرين ألفا. **(ولم يكن العجوز كيمون يدرى أن الشرَّ سيُعيد نفسه فى صورة ابتلاء آخر حين يقوم التكفيريون الدواعش بذبح 21 عاملا من نصارى مصر يوم الاثنين 16فبراير2015م ممن لا ذنب لهم إلا أنهم خرجوا لطلب الرزق ولقمة العيش فى ليبيا , فذبحوا على شاطئ مدينة سِرت قرب طرابلس لتمتزج دماؤهم بمياه البحر طالبة للقصاص الذى لم يتأخر حين قال الجيش الغربىُّ كلمته [جيش الكنانة] بضربات جوية ماحقة استهدفت أوكار الدواعش من كلاب أهل النار ـ وقد ظهر على وجوه النصارى السكينة والهدوء وهم يرتلون فى مواجهة السكين!! حيث ألقيت جُثثهم فى مياه البحر المتوسط لتعبر دماؤهم إلى روما ولتذكرنا بالمذبحة القديمة . وقد مضى كيمون وترك لنا مهمة المقارنة بين المشاهد جميعاً)*  ـ وقد ا ستطاع رجُلٌ واحدٌ أن يجِدَّ فى الهرب فنجا ومعه إنجيلٌ قد مسَّته النار وانطلق به عبْر البحر إلى النجاشى بالحبشة مستغيثا.

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الثانى عشر } انتقام النجاشى

حينَ عَلِمَ النَّجَاِشىُّ(ملكُ الحَبََشةِ) بِمَحْرَقةِ الأُخْدودِ غَضِبَ أشدّ الغَضَبِ وأقسم أن يُزِيلَ حُكْمَ(ذى نُوَاس بن تُبَّع) وأن يُذِيقَ حِمْيرَ واليمنَ من صُنوفِ العذابِ والتنكيلِ ألوانا.ـ.وأرْسَلَ النجاشِىُّ ذلكَ العربىَّ النصرانىَّ(المسيحى) الذى هَرَبَ من المَحْرَقَةِ فى الأُخْدود ومعه الإنْجيل الذى مسّتهُ النارُ إلى قيْصر(ملك)اليونان يطلُبُ مَدَدا من السُفُنِ لتنقُلَ جُنْدَ الحبشة إلى أرضِ اليمن.ـ.طلَبا للثأرِ والانتقام من حِمْير واليمنِ وابنِ تُبَع ويهودِ قوْمِهِ.ـ.فأرسلَ القيْصَرُ بِدَوْرِهِ إلى حاكمِ الإسكندرية يأمُرُهُ أن يُدَبِرَ أسْطولا كبيرا لا يقِلُّ عن مائةِ سفينةٍ ويُرْسلَ به إلى النجاشىِّ انتقاما لإخوانهم المسيحيين الذين أُحْرٍقوا فى الأخاديد(جمع أُخْدود).

عَلِمَ أحدُ كبار التُّجار الذين يجوبون البِحارَ بأمْر الأُسْطولِ المطلوب.فعرضَ على حاكم الإسكندرية أن ينهضَ بأمرِ تدبيرالسُّفُنِ وأن يُرِيحَ الدوْلة مما قد تتكلَّف فى سبيله من الجُنْدِ والمال والمشقَّةِ.ـ.قال الحاكم مُبْتَسِمَا: لا أرى فى ذلك بأسا.ـ.فهو يُرِيْحُ الدولة، وينْفَعُكَ فى تجارتك فما أرى أن هذه السُفُنَ ستذهبُ فارغة أو تعودُ فارغةً.ـ.وانَّك ستُحقِقُ من وراء ذلك الربحَ الوفيرَ.ـ.وإنها ستعودُ مُثقلة بخير ما تنتج الهند واليمن والحبشة من ضُروبِ التجارة وعُرُوضِها.ـ.وجهَّز التاجر الكبيرُ أكْثرَ من مائة سفينة حَمَّلها من صنوفِ العُروض مما تزرعُ وتنتجُ مصرُ.ـ. وبعد ستة أشهُر أقلع الأُسطولُ العظيمُ من البحرالأحمر فى طريقه إلى الحبشةِ.فلما بلغ التاجرُبأُسطوله العظيم بلاد الأثيوبيين.ـ.أُسْتُقْبِلَ استقبال الفاتحين الظافرين.،.فقد كانت نارُ الغَضَبِ فى صُدورهم أشدُّ من نار المحرقة، ثم قام التاجر بتصريف تجارته ثم تجهيز السُّفُنِ بعد ذلك كى تُشْحَنَ بالجُنْدِ والسلاح والفِيَلَةِ.. تحت قيادة القائد الأول أرْياط..ونائبه القائد الثانى أبرهة.

عبرت السُفُنُ البحرَ ونزل الجُنْدُ بأرض اليمن بغيْرِ عناء.ـ.فإنَّ الملكَ العربىَّ ما إن رأى كثرة الجُنْدِ والسلاح والأفيال المُرَوِّعَةِ(المُخيْفةِ) حتى وجَّه فرَسَهُ نحْوَ البحرِ فاقتحَمَهُ ليموت غريقا.ـ.وتفرَّقَ جُنْدُ اليمن وأشرافها من الأقيال والأذواء.ـ.وخلُصت لجُنْدِالحبشة الطريق إلى صنعاء. ثم توَجَّهَ الجيشُ إلى نجران ـ فرأى أرياط(القائد الأول) من آثار المَحْرقةِ وأطلالِها ما يُمَزِقُ الأفْئدة ويُذيب النُفوس فانتقم الجيشُ من اليهودِ شرَّ انتقام بما لا تنساه الأيام.ـ. ثم بُنِيَتْ الكنائس وانتشر التعمير وأصبح النصارى آمنين ـ ودخل كثيرٌ من أهْل اليمن فى النصرانية رغْبة أو رهبة ثم عاد الجيشُ إلى صنعاء. وطلب القائد الأول أرياط من التاجر أن يتركَ للجيش ثُلُثَ السفن على أن يُعَوِّضَه بالمال والعُروض.ثم بدأ التاجر الكبير شحن بقية الأسطول بعُروض اليمن من زراعة وصناعة وغيرها من النفائس.ـ.ثم وقع خلاف شديد بين القائدين أرياط وأبرهة.ـ.فالأول يرى الاكتفاء باليمن كمستعمرة حبشية يستغلُّ ثرواتها ويستذلُّ أهلها،ويسخرهم للسادة الفاتحين، وأما الثانى فيرى نشر الدين المسيحى بقوة السلاح فى بلاد اليمن وخارجها.{ عملا بمشورة بعض القسس الذين أخبروه أن نبى اّخر الزمان قد اّن أوان موْلده بمكة} وانضم لكلٍ منهما جانب من الجيش... فوجد أرياط أنه لا سبيل إلا أن يضرب بعض الجيش ببعض.ـ.أو ينتظر أمر النجاشى.ـ

هنا قرر التاجر أن يبقى باليمن، وطلب من شُركائه أن يُكْمِلوا الحملة التجارية، أما هو فباق ليعلمَ نهاية الحملة العسكرية.ـ.ثم وصل رسولُ الملك النجاشى ليبلغ القائدَ الأول أرياط أن النجاشى يكْرَه أن يقتتلَ الجيشان فتُسْفك دماءُ الأبرياء من الجُنْد ويقترحُ على القائدين المُبارزة فأيهما ظفر بِصاحِبِهِ كان الأمْرُ إليه . فلما التقى الخصمان(أرياط و أبرهة) بطش أرياط بِعَدُوِهِ أبْرهة لكن الحَرْبَةَ لم تقتلْه وإنما شَقَّتْ جَبْهَتَهُ وأنْفَهُ وشَفَتَهُ فأسْرَعَ  عبْدٌ من عَبيدِ أبرهة فضرب أرياط من خَلْفِهِ فأرداه قتيلا وفاز أبرهة بالغدر والخيانة .ـ. ثم اجتمع الجيش تحت قيادة { أبرهة.... الأشْـــرَم .... } وهنا وقع فى نفس التاجر أن هذه النتيجة ليست من عمل الإنسان ولا المُصادفة وإنما هى (قضـــــــاءُ اللــــهِ لأمــر يـُــراد)

 قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الثالث عشر ) طيْرٌ أبابيل1

 

علمتْ حِمْيَرُ واليمن أنَّ أبْرَهَة الأشْــرَم قد أطلقَ يدَ العبدِ( الذى غَدَرَ بالقائد أرْياط) فى أعْراضِ أهل اليمنِ وشرفِهم.فغضِبُوا لِشرَفِهم غضْبة الأسد وانْقضُّوا على العبدِ فقتلوهُ ومثَّلوا به وثاروا على أبْرهة الأشْــرم وجيْشِهِ ثوْرة هائلة.ثم جاءتْ الأخبارُ من الحبشةِ أنّ المَلِكَ النجاشِىّ قد أقسمَ أنْ يطأ أرضَ اليمنِ بقدميْْهِ وأن يُرِيقَ دمَ أبْرهة الأشْـــرَم جزاءَ غدْرِهِ بالقائدِ أرياط .ـ. فَغَرِقَ أبْرَهة الأشْــرَم فى الهمِّ والغمِّ وأدْركَ أنَّ غَدْرَهُ بِقائدِهِ وإذلالَهُ لأُمةٍ أبِيَّةٍ كريمةٍ لن يمُرَّ دونَ عِقابٍ عاجِل من النجاشِى وعقابٍ آجِلٍ من الله.ـ.فطلبَ النُّصحَ والمَشورَةَ من التاجِر عَلَّهُ  يَجِدُ مخْرَجا من هذا الكرْبِ.ـ.فنصحه التاجِرُ أنْ يبدأ بما لابُدَّ من الابتداء به. فيُرْضِى أهل اليمنِ ويعتذر لهم. فجمع أبْرَهة الأشْــرَم أشرافَ حِمْيَر واليمن وأثْنى عليهم لما أظهروه من عِزَّةٍ وإباءٍ للضَيْم(رفض للذل والظلم) وانتقام للكرامة. وَوعَدََهُم أن يُصْلِحَ من أمْرِهم وأنْ يستعينَ بمَشورتِهِم. فأثمَرَ الرِّفقُ فى نُفوسِهم واطمأنوا وأظهروا الثقة والطاعة..ثم أشار التاجرُ على الأشْــرمِ أن يلجأ إلى فُنون المكر والحيلةِ.ـ.لِيُحِلَّ المَلِكَ النجاشَّى من قَسَمِهِ.ـ.فافْتَصَدَ(أخرج قطَرات من دَمِهِ) أبْرهة الأشْــرَم ووضَع دَمَهُ فى قارورة(زُجاجة) وملأ جِرابا من تُرابِ اليمن ثم أرْسَلَ الدم والتُرابَ إلى الملك مع رسالة اعتذار قال فيها:: هذا دمى وهذا تُرابٌ من أرض اليمن فأرِقْ دَمِى على تُرابِ اليمن وضَعْهما تحت قدمَيْك لتبَرَّ بقسَمِك.ـ.وإنى أجَدِدُ الطاعة والوفاءَ للنجاشى المُعَظَّم . ولك علىََّ الأ أتصرَّف فى أمْرٍ إلا بِرضاكَ وأمْرك.ـ.

أُعْجِبَ النجاشى بحِيلةِ أبْرهة فرضِىَ عنْهُ وعادتْ الأُمور بينهما كما كانت. {أيقن التاجِرُ أنه يستطيعُ أن يصِلَ بين حُكْم القيْصَر فى مصر والشام وبين حُكْم حُلفائه فى الحبشة واليمن وجزيرة العرب.ـ.لِتُفيدَ تِجارتُهُ من ذلك كُلِّه فى النهاية فتصل(توَصِِّل) بين الهند والحبشة واليمن وجزيرة العرب والشام ومصر حتى يُقْطَعَ الطريقُ على الفُرْسِ أعداء القيصر فى كُلِ سبيل. سياسيا واقتصاديا وعسكريا فأظهَرَ مَزيدا من التَّعاون مع أبرهة الأشـرم. كى تخْلُصَ هذه البلادِ للنصرانية(المسيحية) فى كُلِّ سبيل وعلى كل نحو} . ثم بدأ التاجر مع أبرهة باليمن فأعاد إليها مجْدها القديم فى الزراعة والصناعة. فأقام السُّدود وجَدَّدَ العمارة واجتهد فى نشر النصرانية بالرفق واللين(فذلك أجْدى). ثم أقام كنيسة لا مثيل لها ضخامة وفخامة وجلالا وزُخْرُفا بالذهب والفضَّة والجَوْهَر ومن كُلِ النفائس. وأحْرَقَ فيها البَخور والطِيب وجعل لها القُسُسَ .ـ. وأخذ أبرهة يدعو العرب كى يحُجُّوا إلى كنيسته( القُلَّيْس ).ـ.لكنه وجد كنيسته قد لُطِّخت بالقذر وأُلْقِيَتْ فيها الجِيَفَ وانتُهِكتْ حُرْمَتُها.ـ.وزعم القساوسة أنَّ العرب أصحاب الكعبة هم من فعل ذلك. فهُم يُعَظِمون كعبتهم ويحُجون إليها ويدينون بالولاء لِقُرَيْش التى تقوم على أمر الكعبة وخِدْمَتِها.....{وكان القساوسة يريدون من ذلك تحريض أبرهة على هدم كعبة مكة, وقتل كل طفل يولد فى هذا العام حيث أطل زمان موْلد نبىِّ اّخر الزمان بمكة.فلطخوا القليس بالقذر والجِيَف ليصُب أبْرهة غضبه على مكة وأهلها ويهدم كعبتهم ويقتل مواليدهم}

أقْسَمَ أبْرهةُ الأشْرَم أنْ يهدم الكعبة حَجَرًَا حَجَرًا وأن يُنَكِّلَ بِقُريْش ويَحَْمِلَ العربَ على الحَجِّ إلى كنيسته بالسيْف ويقتل كلَّ طفلٍ يولد بمكة هذا العام[ وفى هذا كلام ] .ـ.وكان أبرهة قدْ نَصَّبَ رجُلا من العربِ ملكا على تهامة لينشُرَ النَّصْرانيةَ فيها فَقُتِلَ مما زادَ من غضبه ورغْبَتِهِ فى الانتقام.....!!!!

أرسل أبْرَهَةُ الأشْــــــرَم بذلك كُلِّهِ إلى النجاشِى واسْتَأذنهُ فى الحرْبِ وهدْمِ الكعبة فأذِنَ له وأمدَّه بالجُنْدِ والفِيَــــــلةِ....

تَهَيَّأ لأبْرَهَة الأشْــــرم جيْشٌ ضخْمٌ عظيمٌ شديد البأس والقوَّة يَضُمُّ عددا هائلا من( المُدَرَّعات الحَيَّة ) الأفيــــال.كما ازداد قوَّة بانضمام عددٍ من أقْيال وأذواء اليمن....!!!! 

 قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الرابع عشر } طيرٌ أبابيل ( 2 )

رغم القوة الهائلة لجيش أبرهة الأشْــَرم ورغْمَ دبَّاباتِهِ الحيَّة(الأفيال) إلاَّ أنَّ جماعة من أقيال اليمن الوثنيين يقودُهم رجُلٌ اسْمُهُ( ذو نََفَر ) هاجموا الجيْشَ عندَ تحَرُّ كه تَعَصُبا للكعبةِ ونُصْرةً لقُرَيْش. لكن أبرهة لم يجد مشَقَّة فى هزيمتهم وأسْر زعيمهم(ذى نَفَر). وانْطَلَقَ الجيْشُ بأفياله الضخمة حتى بلغ تهامة وإذا حىُّّ من أحيائها مُتَحَكِمٌ فى طريق القوافل يُقال له( خثعم ) يُهاجِمُ الجيش لكن الأفيال التى لم يعْرفْها العربُ فى حُروبِهم قهرتْ جُنْده وأسرت زعيمه( نُفَيْل بن حبيب الخثعمى ).ثم واصل الجيش تقدُمه حتى وصل الطائفَ التى تقوم على مُرْتفع من الأرض تُحيطُ بها الحدائقُ والنخيل والكروم.وفيها من أنواع الثمر والفاكِهَةِ كأنها مدينة من مُدُن الساحل الشامى.!!! أو كأنها ابتسامة مُشْرقة جميلة فى وجْهٍ مُظْلِم كئيبٍ حزين. فخضعت للجيش وأمدَّته بالأدِلاءِ ( جمع دليل ) كى يَسْلُك الجيْش أقرب طريق إلى مكة...وحين وصل الجيش مشارفَ مكة وقف للراحةِ والاستعدادِ للهُجوم.وأقبلت القبائلُ تعلنُ طاعتها وتُقدِمُ ثُلُثَ أموالها لتأمن على نفسها. وطلبت من أبرهة أن يترُك الكعبة ولا يمسَّها بسوء...فلم يحفل بهم أبرهة الأشــرم!!! وأمر الجيشَ فأغارَ على ما حول مكة من مال وأنعام. ثم أرسل إلى زعيم مكة( عبد المطلب )يخبِرُهُ أن أبرهة لا يريدُ حربا ولا قتالا وإنما يريدُ هدم الكعبة.فإن تركوه فهم آمنون...فحضر( عبد المطلب ) إلى أبرهة الأشــرم . وكان زعيم مكة رجُلا وسيما جسيما مُهابا ذا جلال... فلما علم أبرهة بمقدمه وعرفَ أنه سيَِدُ قريش وأعظمُ أهلها شرفا وأكرمُهم نفسا وأسخاهُم يدا يطعمُ الناسَ فى السهل ويطعمُ الوحوشَ فى رءوس الجبال وأنه صاحبُ العير(الإبل) التى استوْلى عليها الجيش. أجَلَه أبرهة الأشــرم وهمَّ أن يُجْلِسَهُ معه على سريره.. ثم نزل أبرهة عن سريره وجلس مع عبد المطلب على البساط ... ثم سأل الترجمان زعيم مكة عن حاجته ؟.. فأجابَ عبد المطلب: حاجتى أن ترُدَّ إلىَّ إبِلى وأموالى التى أستولى عليها جيشك... فتعَجَّبَ أبرهة الأشــرم وقال:: لقد أعظمْتُكَ حين رأيتك.. وإنى لاسْتصْغِرُ الآن من شأنك...كنْتُ أظنُ أنك ستطلبُ ألا أهدم الكعبة..(البيت) الذى يمثل دينك ودين آبائك وشرفك وشرف آبائك ... فأجاب الشيخ فى اطمئنان الواثق:: أنا ربُّ الإبل... وأما البيت فإن له ربا سيمنعه ويحميه..!!!! قال أبرهة الأشــرم:: لن يمنعَهُ منى. فقال سَيِدُ قُرَيْش: فأنت وذاك(هذا شأنك)ثم أمر أبرهة بردِ إبل الشيخ ـ لكنَّ الشيْخَ أرسل الإبل هَدْيا للكعبة.!!! ثم عاد عبد المطلب إلى مكة وأمر قُريْشا أن تتفرَّقَ فى شِعاب الجبال..!!! وأمْسَكَ بِحَلَقَةِ باب الكعبة وقال كلاما !!! ـ وخلت مكة من أهلها..!!! 

أمر ابرهة جيشَهُ بالتقدم والهجوم وفى مقدمته أضخمُ الأفيال(الفيل محمود)فانطلق الأسير( نُفيْل بن حبيب الخثعمى ) واقترب من أُذن الفيل وأسرَّ له بكلام.!!!!:{اُبرُكْ محمود وارْجعْ راشداً فإنك فى بلدِ اللــــه الحرام.}ـ وفى هذا كلام ـ  ثم أسْرَعَ هاربا إلى الجبال.فبََرَك الفيلُ ثم أنهضه ساسته(من يقومون على تدريبه) فنهضَ حتى إذا وجَّهُوهُ إلى الكعبةِ بركَ من جديد.!!!فاشتد الجُنْدُ فى ضربه حتى أثخنوه ( آذوه وجرحوه من شدة الضرب ) فلم ينهض ولم يتحرَّك!!!!. فإذا أداروا رأسه نحو الشام أو اليمن نهض ومضى مُهرْوِلا( مُسْرعا )!!! وإذا أداروا رأسه نحو مكة برك ولم يتقدم أمامه إصْبَعا!!! حتى لعِبَ الخوف والهلعُ بِقُلوب الجُنْدِ.ـ.وإذا الجوُ يُظلِمُ شيئا فشيئا!!! وإذا سَحابٌ كثيفٌ قد أقبلَ مسْرعا من ناحية البحر!!!وياهوْلِ ما تبين الجُنْدُ فقد كان سحابا حيَّا!!! يخفُقُ بأجنحته فيبعثُ فى الجيْشِ ذُهولا!!! وكان السحابُ أسرابا من طيْر صِغار(صغير) لها مناقيرُ الطير وأكُفُّ الكلاب!!! فأخذت تحْصِبُ(ترمى بالحَصى) الجيشَ بحجارةٍ دِقاق( دقيقة) كانت تحمِلُها فى مناقيرها وأرْجُلِها(فى حجم بين العَدَسَةِ والحُمُّصَةِ) فلا تَمَسُّ شيئا إلا هشَّمَتْهُ تهْشِيما!!! ولا تمَسُّ رجُلا إلا ألْقَتْهُ صَرِيعا فتحوََّل الجيشُ عن مكة فى هوْلٍ فوْقَ كُلَّ هَوْل!!! وجَدَّ فى الهَرَبِ وأسرابُ الطيْرِ تتْبَعُهُ وتحْصِبُهُ بالحِجارة وتمْلأ الجَوَّ بِصياحٍ مُخيفٍ!!!!ـ.ثم اختفت كما ظهرت!!!!

حَمَلَََ الجُنْدُ قائدهم العظيم!! أبرهة الأشْــــرَم مَريضا هَزيلا بين الموتِ والحياة!!! قدْ مَسَّهُ حَجََرٌ فظهَرَ على جسْمِهِ بلاءٌ عظيم!!!

وأخَذَتْ أجْزاءُ جِسْمِ القائد العظيم تتساقط بصديد مُنْكر مُنْتِن قبيح!!! فأصبحَ أبْرهة الأشْـــــــرَم بين ألم الجِسْم وألم النفْس بالندم والحسْرة!! فلما بَلغَتْ بقية الجيش صنعاء كان الطاغية فى أسْوإ حال بعْدَ أن مسَّهُ الضُّرُّ وأصابه الهُزال الشديد حتى لكأنه فرْخٌ من أفراخ الطير.ـ. وفى النهاية انفجر صَدْرُ أبْرَهة الأشْـــــــرَم عن قلبِهِ انفجــــارا!!!

ويصْدُقُ فى أبرهة الأشرم بعد حوالى ألف وخمسمائة عام ما نزل من قبله فى فرعون من قول الحق سبحانه:{ اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية}ولكن بصورة مختلفة, فيراه أهل اليمن عُتلا ضخما مغروراً يضْعُفُ الحصان عن حمله حين خرج من اليمن فى جيشه الجرار المسلح بالأفيال, ثم يعود مريضا هزيلا يسيل منه  القيح ويفوح منه ريحُ النتن, وقد مسه الضر, محمولا على مَحفة كفرخ هزيل من أفراخ الطير.فالذنب نفس الذنب والجُرْم نفس الجُرْم فكان النكالُ نفسَ النكال .ففرعون نازع اللــــــه الألوهية وأراد أن يقتل نبيا رسولا فى مهدة, وابرهة الأشرم أراد أن يهدم بيت اللــــــه وأن يقتل نبى آخر الزمان فى مهده.[ لقد كان فى قصصهم عِبرة .!!!] 

أخَذ التاجِرُ الذى صاحَبَ الجيشَ يتساءل.ــ.تُرى ما شأنُ هذا البيتِ الذى أحْجَمَ عنه الفيل...ورَجَمَتْهُ طيْرٌ أبابيل...ترْمِى بِحِجارةٍ من سِجيل...فإذا هُم كعصْفٍ مأكول!!!!!!!!!!!حقا إن للبيت ربَّا يحميه ـ!!!ـ مَوْعِدُنا مع اليتيم الذى وُلِدَ فى عام الفيل .ـ. عبــد القدوس عــبد الســلام العبــد. موبايل 01092255676 ت 0472712574

ليس فى الأمر عجب ، فقد كان عبد المطلب ثالثَ ثلاثةٍ فى جزيرة العرب يدينون بالإسلام على شريعة أبى الأنبياء خليل اللــه إبراهيم عليه السلام .ـ. وهم 1ـ عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (جد رسول اللــه . ص) 2ـ العالم الجليل ورقة بن نوفل. بن عم أمنا خديجة بنت خويلد .. 3ـ زيد بن عمرو بن نفيل ( والد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل . المبشر بالجنة ـ مستجاب الدعوة ـ وزوج فاطمة بنت الخطاب . أخت الفاروق عمر بن الخطاب ـ وقصة إسلام عمر معروفة ) . فلا عجب أن يرسل عبد المطلب الإبل هدْياَ للكعبة ـ ثم يمسك بحلقة باب البيت داعياَ رب البيت أن يحمى بيته وأن يعصمه من كيْد أبرهة وقساوسته !!!!

أما الحديث الذى أسرَّ به نُفيْل بن حبيب الخثعمى إلى الفيل. فإنه مع غرابته يتفق مع غرابة عصره . فهو زمن السَّحَرَةِ والعرَّافين والمُنجِّمين .ـ. فقصة فداءِ الذبيح(عبد الله والد الرسول). ص. وقصة ضرب القِداح فى كنز الذهب فى حفر زمزم وقصة السفر إلى كاهنة بنى سعد هُذيْم لتحكم بين عبد المطلب وقريش فى أمر الماء. كلُّ ذلك يشير إلى ذلك الزمن العجيب.... وماذا نقول فى أمر سحرة فرعون الذين سحروا أعْيُنَ الناس واسترهبوهم . وماذا نقول فى سيدنا( نبى الله موسى ) الذى خُيِّل إليْه من سحر السحرة أنَّ حِبالهم تسعى وأوْجس فى نفسه خِيْفة!!! وماذا نقول فى تفريق السحرة بين المرءِ وزوْجه !!! أما فى زماننا فإن المُدرب فى السرك يأمر الأسد فيطيع مثل كلب أليف ، ويأمر الفيل فيرقص مثل راقصة الباليه ..!!.. وأخيرا أسْأل بالعجب كله!!!!!! من علَّم القرد نوْم العازب وعجين الفلاحة !!!!!

      من عجـــائب اليمن فى قديم الزمــــــــــن !!!

الملك { ربيعة بن نضر بن أبى حارثة بن عمرو بن عامر من نسل الملك العظيم تُبَّع }

رأى ربيعةبن نضر [ ملكُ اليمن ] رؤيا هالته وفظِّعَ بها . فلم يدعْ كاهناً ولا ساحراً ولا منجماً إلاَّ جمعه إليه .!!!. فقال لهم: إنى رأيتُ رؤيا هالتنى ( أفزعتنى ) وفظِّعتُ بها، فأخبرونى بتأويلها.. فقالوا له: أُقْصُصْها علينانخبرْك بتأويلها.ـ. قال : إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها.ـ. فإنه لا يعرفُ تأويلها إلاَّ من عرفها قبل أن أخبره بها....      فقال له رجلٌ منهم::: إذن فليبعث الملكُ إلى { شقٍ وسَطِيح } فإنه ليس أحدٌ أعلمَ منهما .ـ. فبعث الملكُ إليهِما . فقدِمَ عليهِ سطيحٌ قبْل شق .. فقال له الملك : إنى رأيتُ رؤيا هالتنى وفُظِّعْتُ بها فأخبرنى بها ، فإنك إن اصبْتها أصبت تأويلها .!!!. 

قال سَطيح للملك : أفعل .ـ. " رأيت حُمَمَه خرجت من ظُلمة فوقعت بأرض تُهَمه فاكلت منها كلَّ ذاتِ جُمْجُمة!!!(( الحُممة. فحْمة من نار سوداء ـ الظلمة. ظلامٌ من جهة البحر [ يريد خروج عسكر الحبشة من أرض السودان ] ـ تُهَمه. الأرض المتصوِّبة نحو البحر ـ كل ذات جُمْجُمة. القصد هو النفس والنسمة ، ويدخل فيه جميع ذوات الأرواح .. )) 

فقال الملك : ما أخطأت منها شيئاً ياسطيح .ـ. فما عندك من تأويلها؟ قال سَطيح ::: أحْلِفُ بما بين الحرَّتين من حنش . لتهبطنَّ أرضكم الحبش . فلتملكنَّ ما بين أبين إلى جرش .!!!. فقال له الملك : وأبيكَ يا سطيح إنَّ هذا لنا لغائظ ٌمُوجع فمتى هو كائن ؟؟؟ أفى زمانى هذا أم بعده ؟؟؟ قال:لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين . ثم يُقتلون ويخرجون منها هاربين !!! قال الملك : ومن يلى من ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟؟؟ قال سطيح : يليه إرَم بن ذى يزن ؟ يخرج عليهم من عدن فلا يترك أحداً منهم باليمن ـ!!!ـ 

قال الملك : أفيدوم ذلك من سُلْطانه أم ينقطع ؟ قال سطيح : لا بل ينقطع . قال: ومن يقطعه ؟ قال سطيح (( نبىٌّ زكى يأتيه الوحىُّ مِنْ قِبَلِ العَلِىّ)) قال : وممن هذا النبى ؟؟؟ قال : رجلٌ من ولد غالب بن فِهْر بن مالك بن النضْر الخ . يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر . قال الملك : وهل للدهر من آخر ؟  قال: نعم ، يومٌ يُجْمعُ فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون ... قال الملك ::: أحقٌ ما تُخْبِرُنى ؟؟ قال ســــــــطيح: نــــــــعم والشــــــفق والغســــــــق والفلـــــــق إذا اتســـــــــق إن ما أنبأتك به لحـــــــــــــــــق .!!!.  

{{ قل أُوحى إلىَّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا* يهدى إلى الرشد فئامنا به * ولن نشرك بربنا أحدا * وأنه تعالى جد ربنا مااتخذ صاحبة ولا ولدا * وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا * وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا * وأنه كان رجال  من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا * وانهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا * وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرسا شديدا وشُهُبا * وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا }} صدق اللـــــه العظيــــم ...        

 قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الخامس عشر } اليتيم

ويصْدُقُ فى أبرهة الأشرم بعد ألوف السنين ما نزل من قبله فى فرعون من قول الحق سبحانه:{ اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية}ولكن بصورة مختلفة, فيراه أهل اليمن عُتلا ضخما مغروراً يضْعُفُ الحصان عن حمله حين خرج من اليمن فى جيشه الجرار المسلح بالأفيال, ثم يعود مريضا هزيلا يسيل منه  القيح ويفوح منه ريحُ النتن, وقد مسه الضر, محمولا على مَحفة كفرخ هزيل من أفراخ الطير.فالذنب نفس الذنب والجُرْم نفس الجُرْم فكان النكالُ نفسَ النكال .ففرعون نازع اللــــــه الألوهية وأراد أن يقتل نبيا رسولا فى مهدة, وابرهة الأشرم أراد أن يهدم بيت اللــــــه وأن يقتل نبى آخر الزمان فى مهده.[ لقد كان فى قصصهم عِبرة .!!!] 

تسامَعَتْ العربُ بهذه الآيةِ الكُبْرى التى أظهرَ اللهُ بها كرامَة هذا البيتِ.ورَفعَ بها مكانة الذين يقومون من حَوْلِه مِنْ قُريْش.ـ.لكن الشيخَ َظل على حُزْنه المُقيم،لأنه يعْلمُ أن انهزامَ الفيل وأصحابِه لم يكن إكْراما لقريش.ـ.وإنما هى آيةٌ أجْراها اللهُ لأمْر يعْلمُهُ!!! ولم يُنْقِذْ اللهُ عبدَ اللهِ من الموتِ ويُفادِهِ(يفتديهِ) بمائة من الإبلِ إكْراما له أو لأبيهِ وإنما أنقذه من الموت وفاداه بالإبل لأمر يُريدُهُ وحكْمةٍ يعْلَمُها!!! وإلا ففيمَ نجا هذا الفتى من الموتِ ليموتَ بعدَ ذلك بقليل؟!!! أليْسَ غريبا أن ينْجُوَ من الموتْ فيتَّخِذَ له زوجا لا يُقيمُ معها إلا وقْتا قصيرا.ثمَّ يُفارقُها مع رفاقِ الرحْلةِ فيعودُ الرفاقُ وهو لا يعودُ؟!!! .ـ.ثم تعْرفُ زوجُهُ بعْدَ أن ارْتحل عنها أنه قدْ حَمَّلَها أمانة مازالت تحْمِلُها بين جَوانِحِها!!! ولعلَّ عبدَ اللهِ لم يوجَدَْ إلا لِيودِعَ هذه الأمانةَ عندَ زوْجه!!! ومن يدْرى؟ لعلَّ آمنة لم توجَدْ إلا لتُؤدِىَ هذه الأمانة للناس؟.ـ.وكأنَّ الموتَ يثأرُ لنفْسِهِ من تِلْكَ الهزيمةِ التى أصابته يوْمَ الفداء!!.ـ.

أما آمنة فقد كانتْ تشْعُرُ بأنَّ الأيامَ قدْ وفَّتْها حَظَّها من السعادةِ والنعيم فى ذلكَ الوقْتِ القصير الذى قَضَتْهُ مع زوْجِها مُنْذُ الفداءِ إلى الرَّحيلِ!!فهِىَ تقْضِى نهارَها صامتة وتقضِى ليلها فى نوْم هادِئٍ حُلْوِ الأحْلام!! وفى ليلةٍ تحسُّ بما تحسُّ به النساءُ حين يدنو منهنَّ المخاضُ. فتأتى إليها نساءُ بنى هاشم. وقدْ رأتْ آمنةُ أنَّ نورا ينبَعِثُ منها فيمْلأ الأرْضَ من حَوْلِها ويُزيلُ الحُجُبَ عن عينيها فترى قُصورَ بٌصْرى من أطرافِ الشام وترى أعناقَ الإبلِ فى أقْصَى الصحراء .ـ. وترى النُّجومَ تَدْنو من الأرضِ وكذلكَ السماء !!! وكانتْ لا تجِدُ ألمَاً كما تَجِدُ النساءُ !!! ثم ترى ويرى النسوة كأنَّ شِهابا انبعث منها فَمَلأ الأرْضَ من حَوْلها نورا فإذا ابنُها قَدْ مسَّ الأرْضَ يتَّقِيها بيديْهِ.!!!. رافعا رأسَهُ إلى السَّماء مُحَدِّقا بِبَصَرِهِ إليْها كأنما يلْتَمِسُ عندها شيئا.!!!. وتُسْرعُ النسْوَة ليُقدَّمْنَ لها وللوليدِ ما يحتاجان إليه فى هذه الأحْوالِ .فإذا هى لا تحتاجُ إلى شىْءٍ وهو لا يحْتاجُ إلى شىْءٍ !!! وإذا هُنَّ يتناولنَ أجْمَلَ صَبِىٍ أشْرَقَ على الدنيا مع الفجْرِ.!!!.

كان شَيْبةُ الحَمْدِ(عبد المطلب) جالِسا فى حِجْرِ إسماعيلَ مع الضَّحى. فإذا البَشِيرُ يُقْبِلُ مُسْرِعا. فيقول:لقد وُلِدَ لك غُلامٌ.فأحسَّ الشيخُ بأنَّ اللهَ قدْ أخْلَفَهُ من فقيدِهِ ورفقَ به فى مُصابه. فيسْأل: أهوَ ابن عبد الله ؟ فيُجيبهُ البشيرُ: نعم . فيسْرِعُ الشيْخُ إلى بيتِ آمنة. فإذا رأى الغُلامَ أنزل اللهُ على قلبِهِ السَّكينةَ وجَلا عنْهُ الحُزْنَ فَيُقَبِلُ الصَّبِىَّ ويقولُ: لأُسَمِّيَنَّهُ مُحمدا. فتقولُ آمنة:: لقدُ أتانى فى النوْم فأمرَنى أن أُسَمِيَهُ أحمدَ . قال الشيخُ :: هو مُحمدٌ وهو أحمدُ !! وما أرى:إلا أنهما بعضُ أسمائهِ... ونحَرَََ الشيْخُ الإبلَ وأطعم الناسَ والوحشَ والطيْرَِ فقدْ كانَ عبدُ المطلب نِعْمَة للناس نِقْمَة على الإبل.!!.

فى هذه الليلةِ رأى وسمع مُسافِرٌ فى الصحراءِ عجبا:: تألقتْ النُجومُ كأنها مصابيحُ تتسابقُ فى السماءِ وحديثٌ بين جماعاتٍ لا أراها : اُنظروا إلى السماءِ إنَّ نُجومَها تدنو من الأرض تكادُ أنْ تحْرِقنا : إنَّ التَّصْعيدَ فى السماءِ لعَسيرٌ .!!. إن السماءَ تهبِطُ إلينا .!!. النَّجــاة النَّجـــاة .!!. إنَّ للغيبِ لعَجَبا...وإنَّ فى الأرضِ لحَدَثا... !! وإنَّ الزَّمان ليستديرُ!! وإنَّا لا ندْرى أشرٌ أُريدَ بمن فى الأرضِ أم أراد بهم ربُّهم رشَدا..!!..إنا نتسامعُ بأنَّ إيوانَ كِسْرَى قدْ اضطربَ ومادتْ بهِ الأرضُ . فسقطتْ شُرُفاتُهُ . وتهدَّمَ بُنْيانُهُ.!!. وإنَّ نار الفُرْسِ قدْ خَبَتْ فجْأة لأول مَرَّةٍ مُنْذُ ألفِ سنةٍ.!!. وبُحَيْرَة ساوَة قدْ جَفَّتْ وما عَهِدْناها إلاَّ غزيرة.!!. النجـــــاةَ النَجـــــاة إنَّ للسماءِ لَخَـــبَرا وإنَّ فى الأرْضِ لعَجَبــــــا.!!!.

كلُّ هذا وعبد المطلب مشغولٌ بحفيده اليتيم...0472712574 ـ 01092255676

 

 

 

 

 

المصدر: على هامش السيرة * د/ طه حسين * إضافات عبد القدوس عبد السلام العبد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 33 مشاهدة
نشرت فى 11 إبريل 2017 بواسطة AboNeza

عدد زيارات الموقع

8,218