0472712574 ـ 01092255676 قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد السادس } موتُ الذبيح
وصل الفتى إلى آمنة فقامت إليه طلْقة الوجه،مشرقة الجبين باسمة الثغرِ لاتشكُّ فى أن حرارة الشوق قد غلبته فعاد إليها. فلمّا داربينهما الحديث علمت بارتحاله مع القافلة. لكنها حافظت على ثباتها وصبرها وبادرته بالقول: وهل عزَّت قريش وأثْرَتْ إلاّ بارتحال الرجال!. إنما عِزُّ قريش وثراؤها ثمرةٌ لجهد الرجال وصبر النساء.. ثم قالت: أنتم تشقون بالرحلة المتَّصِلة ونحن نشقى بالصبر الطويل.
ومع آمنة نسِىَ عبد الله كلَّ شىء، ولم يذكرإلاَّ وجه آمنة الجميلَ، ونفْسَها السمْحةَ وخُلُقَها الرضِىّْ ، وحديثها العذبَ الذى يقع من قلبه موقع الماءِ من غُلَّةِ الصَّادى( العطشان) فنَعِمَ الزوجان بساعاتٍ هنيئة تشفى غليلهما . وتعينهما على تحمُّل فِراق الشُّهور القادمة.
خرج الفتى من عند آمنة ناعم البال. ثم تذكَّر عَرضَ فاطمة بنت مُرّ الخثعمية ّذات المالِ والجمالِ والنفوذ وتذكَّر وعده إياها فسعى إليها كالمسحور ـ فلمّأ أقبلت ونظرت إليه ـ تغيَّر وجهها وقالت ليتك لم تعُدْ وليتك أخلفت موعدك. وطفرت دموعها وهى تقول: إن النورَ والبهاءَ وكلَ ما أشرق فى وجهك وشدَّنى إليك قد اختفى منك وفازت به(بنت وهب) آمنة
بعد التجَهُّزِ للرحيل ودَّعته آمنةُ ثابتة جَلْدة ـ تَرُوضُ نفسها على صبر جميل وفِراقٍ طويل ـ أما( شيْبة الحمد ) عبد المطلب فقد كان كأنه شخصين{ شخصٌ بمكة وشخصٌ مع عبد الله فى القافلة} وأخذ يتذكّرُ الماضى ـ الهاتف.الحفر.الذهب.الماء.النذر.الفداء ـ ثم هذا الرحيل ( وهو الآن يُلِمُّ به خاطرٌ غامض حزين يقتِتُ كبده )
أما آمنة فقد أتاها هاتفٌ يقول: أتعلمين أنك ستصبحين أماً؟ أتعلمين أنك حامل؟ ثم همس كأنه يناجيها أو يُسِرّ إليها سِرّا !!! : اعلمى أنك ستكونين أما لخير من حملت الأرض وأظلّت السماء من الناس .
وتذكَرت أن هذا الهاتف كان يبشرها بذلك قبل زواجها . لكنها ما كانت تُقدّر أن الحمل يسيرٌ إلى هذا الحد ولا تكاد تشعربه ولا تجِدّ له عَرَضَا ولا ألما ولا ِضيقا ولا ِثقلا ... وكانت تحكى ذلك لفاطمة وسمراء وهالة ونتيلة وكانت تنام كأنها فى حُلْمٍ طويل جميل ـ هانئة مطمئنة.
وأذّنَ مؤذن( أعلن) فى مكة بِقُرْبِ مقدم القافلة واستعدّت قريش لاستقبالها وتزينت النسوة لاستقبال الأزواج. وخرج إخوة عبد الله لاستقباله، وانتظر الشيخ . لكن إخوة عبد الله كانوا أسرع من عاد. فقد علموا أن أخاهم قد تخلّفَ مريضا عند أخواله من بنى النجار فى يثرب. قضى الشيخ ساعات فى حيرة سوداء مظلمة . وكان يخاف على آمنة وفاطمة .
عاد إلى الشيخ بصرُه بالأمور وحزمه فى تصريفها فأرسل أكبر أبنائه إلى يثرب ليشهدَ تمريضَ أخيه عن قرْب ( فقد تذكّر الماضى ) ـ أما آمنة فكانت تعانى اللوعة والجزع فى صبرٍ عجيب ثم تقول ياله من جنين ذلك الذى أحمله فى أحشائى إنه ليصرفنى عن الحزن. وإنه ليوقع فى قلبى عزاءً حُلْوا وإنه ليملأ نفسى صبرا جميلا. وأخيرا عاد رسول عبد المطلب من يثرب ليخبر أباه أنه لم يرَ أخاه وإنما رأى قبره فى ناحية من دور بنى النجار.
وعلمت فاطمة بنت مُر الخثعمية بموت عبد الله فقالت: نذرٌ وفداءٌ ورحلة ومرض وموتٌ فى يثرب..... إن للقدر فى هذا الفتى من قريش لسرَّا
أيا هازئا من صنوفِ القدَر ...............بنفِسَــــك تعْنُفُ لا بالقدر
ويا ضاربا صخرةً بالعصا ............... ضربت العصا أم ضربت الحجر؟
قٌطوفٌ من هامش السيرة { المشهد السابع } الملكُ تُبَّع. اسم ولقب
خرج الملك( تُبّع ـ اسم ولقب لكل من حكم اليمن قديما ) من اليمن غازيا فى جيشٍ لم تعرف الأرض مثله عددا وعُدَّة. وبأسا وشِدَّة. فاحتل البلاد. وأذلَّ العباد. وأذعن( خضع) له ـ الحجاز. والشام.ومصر.وإفريقية ـ وأمعن فى المغرب حتى مرّ بعمود هِرَقْل ووصل إلى ساحل البحر المحيط غربا ـ فلما ملَك مغرِب الأرض ـ عاد أدراجه قاصدا الشرق.فهزم الجيوشَ ودكّ العُروشَ وأسر الملوك واسترق السادة.وهو ينتقل من نصرٍ إلى نصر فتُغْريه الحربُ بالحربِ.حتى انتهى إلى أقصى الشرق ووطِئ ساحل البحر المحيط الذى تخرج منه نجومُ الليل إذا كان المساء وشمسُ النهارِ إذا كان الصّباح.فانقلب راجعا إلى اليمن.وكان يتمنى لو أتيح له أن يطأ موْجَ البحر بهذا الجيش كما وطِئ به أكنافَ الأرض.ـ.وفى طريقِ عوْدتِهِ مرّ بمدينة(يثرب) تلك المدينة الصغيرة التى كان قد جعل ابنه أميرا عليها ليشرَف منها على بلاد العرب.فلم يخرج ابنه لاستقباله أو لقائه من قريبٍ أو بعيد.ولم يرَ من حوله استبشارا بمقدمه، ولا إكبارا لمنزله. وإنما رأى حُصونا مغلقة قام عليها جندٌ يتأهبون للقتال.ثم علِمَ أن القوم من( الأوس والخزرج ) قد قتلوا ابنه غيلة (اغتالوه) وأبَوْ أن يتسلّطَ عليهم أحدٌ غير تُبّع. أو أن يسودَ فيهم من ليس منهم ـ فكان الملك تُبَّع شديد اللوْعةِ والحُزن لفقد ابنه الذى كان يراه زينة لملكه وقد اغتاله نفرٌ من(الأوس والخزرج) ـ ضاربين المثل لغيْرهم فى الثورة والتمرُّد. ومع ذلك فقد كان الملك معجبا بشجاعتهم لأنهم لم يرهبوا بأسه ولم يخافوا بطشه. وثبتوا كراما ولم يطلبوا عفوه. غير أنه أقسم لَيُدمِّرنَّ يثربَ وليُسوِّينَّها بالأرض هدما وتحريقا ولَيجْعلنَّ حدائقها من نخيلٍ وشجر صحراء جرداء.
فأمر كتائبه بالزحف لإبادتها.كما أباد دولا عُظْمى وأفناها ـ لكنّ كتائبه لم تَكدْ تتقدّم حتى تأخرت ولم تَكَدْ تهجم حتى ارتدتْ. وإذا هؤلاء النفر من الأوس والخزرج أشدّ بأسا مما كان يظن.رغم أنهم عند مقدمه أول مرة رأوا فيه رجُلا منهم. فلما رأوا بَغْىَ ابنه وظلمه ثاروا للعزة وغضبوا للكرامة. فقتلوا ابنه الطاغية ـ فازداد إعجابا بهم، ثم اشتدّ فى حربهم ولم ينل منهم. وأرسلوا إلى الملك أن حرب الليل ويل وأنهم يضيفون عدوهم فى الليل ويقاتلونه فى النهار. فقال الملك إن قومنا لكرام. وأوقف الحرب ليلا، ظلت الحرب تشتدُّ ما أضاءت الشمس ـ وتتوقف ما أظلم الليل. حتى ملَّ الملك من طول الحرب، ولم ينل من القوم.
أبلغه جُنْدُهُ أن شيخين من الحىِّ المخالف للأوس والخزرج يطلبان لقاء الملك. فلما دخلا عليه لم يركعا ولم يسجدا، وإنما هى تحية فيها الإكبار والإجلال وفيها عزة واثقة وفيها شىء من التواضع والخشوع، فلما أُذن لهما بالكلام قال أحدهما: لم نأتك سفيرين ولا نحمل رسالة فلو عرف القوم لحالوا بيننا وبينك. وقد جئنا ناصحين. فإنك إن حاربت يثرب ما بقى من عمرك فلن تجد إلى قهرها سبيلا!!!!!! واسأل نفسك..<!--<!--<!--<!--ويرجح بعض العلماء أن ذا القرنين هو جد الملك تُبَّع اليمنى المذكور في القرآن الكريم وقد ورد مثل ذلك عن الألوسى وبعض من نقلوا عنه وكلمة ( ذو ) موجودة في تراث اليمن مثل ( ذو نواس ـ سيف بن ذي يزن ) وكلمة الأذواء موجودة في أسماء بعض أهل اليمن مثل ( ذو رُعيْن ـ ذو الشناتر ) وسنذكر ذلك عند الحديث عن أبناء الملك تُبَّع ( وفى هذا كلام )
قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الثامن } تحكيم النار
قال الحَبْران( من بنى يهود ): واسأل نفسك كيف دانت(خضعت) لك الأرضُ وملوكُها؟.وكيف استعصت(امتنعت) عليك مدينة يثرب الصغيرة؟. فقال الملك: لم أجد لذلك جوابا ـ فقال أحد الحَبْرين:إنّ( اللهَ ) يمنعُهم ومدينتَهم(يحميهم) منك لأمرٍ قضاه. قال الملك: وما الله؟ وأين يكون؟ وكيف يشاء؟ وهل لكما أن تدُلانى عليه؟ فعرّفاه بالله وعلماهُ الدينَ اليهودىّ.ثم قرأا صُحُفا من التوْراة. فَلانَ قلبُ الملكِ وكُشِفَ عنه الغطاءُ فقال: علِّمانى علمَكُما وأرشدانى ماذا أصنعُ مع قوْمِكُما. قال الحبران:الرأى أن تترك القوْمَ ويثربَ لأنّ الله قد إدّخرهم و مدينتهم لنصرة نبىٍّ يأتى فى آخر الزمان ويخرج من هذا الصْوْب(الجهة) نجِدُهُ مكتوبا عندنا(وأشارا جهة مكة) ـ يمكُرُ به قوْمُهُ ويكيدون له ويخرجونه فيأوى إلى هذا البلد فيجد فيه النصر والعزة والقوة وينشرُ دينه فيها فيملأ الأرضَ كلها.
ثم أخبراه: أن قوْما من هُذَيْل فى مكة سيُغْرِيانِه بهدم بيتٍ لله فيها.ويزعُمون أنّ فيهِ كُنوزا. وحذّراهُ أن يصدّقهم أو يقتربَ من البيت بسوء.وقالا اذهب إليه فعَظِمهُ وطُفْ به سبْعا وامنح أهله العطف والبرّ. فطلب منهما أن يصحباه ليعلم علمهما. وليكونا وزيرين له.وانصرف الملك بجيشه إلى مكة. وقُرْبَ مكة أقبل قوْمٌ من هُذَيْل وحدث منهم كل ما أخبر به الحبران. فطلب الملك من قوم هُذَيْل أن يتقدموا معه إلى البيت وأن يكونوا أولَ من يعمل فى هدم هذا البيت. فخافوا وفزعوا ثم عذبهم الملك فاعترفوا بالحقيقة..أنّ للبيت حُرْمَةً وأنّ الله يُهْلِكُ كُلَّ من أراده بسوء. فعفا الملك عتهم ليعْفُوَ الله عنه. فاستحسن الحبران عفوَ الملك عنهم. ودخل الملك مكة خاشعا مُنيبا فطاف بالبيت سبعا تعظيما له.ونَحَرَ وأطعم الناس ثم أشار عليه الحبران أن يكسوَ البيتَ حريرا ودِيباجا وأن يُزَيِنَهُ بالذهب والفضة والجوْهر.
ارتحل الملكُ إلى اليمن، وسبقه من يخبرُ الناس أنّ الملكَ تـُبـَّعَ قد صبأ وترك دين اليمن. فتجَهّزَ سادة اليمن وحِمْيَر من ( الأقيال والأذواء ) لردِّ هذا الدين الجديد الذى جاءهم من يثرب. ومنعوا الملك من دخول اليمن. فنصح الحبران الملك أن يختصم( يحتكمَ ) وقومهُ إلى نارهم التى يقدّسونها فاختصموا إليها جميعا. وأقبل الأقيال والأذواء فى عَدَدِهم وعُدَتِهم وزينتهم وسلاحهم وأوثانهم وأصنامهم ـ وأقبل الملك والحبران بمصاحف التوْراة ـ {وكانت نارهم لا تُرى ولا تُحسّ من بعيد} إنها تُجيبُ إذا دُعِيَتْ. وتخرجُ إذا نودِيَتْ. فلما دنوا( اقتربوا) من فم الغار الذى كانت تُقيمُ فيه النار دعوا وأطالوا الدعاء وألحّوا فى النداء ـ وإذا دُخانٌ كثيف يخرجُ من فم الغار كأنه السهم ثم يتسع كثيفا حتى يحجُبَ الشمسَ ويكاد يأخذ الأنفاسَ وحِمْيَر تتقهقر كُلّما ألحّ عليها الدخان ــ والملك والحبران ثابتون لا يجدون ألما ولا ضُرّاً. حتى إذا صوْتٌ يُسْمعُ كأنه فحيحُ الحيّات(الأفاعى) ثمَّ يعْظُمُ. فلما دنا من فوْهة الغار. فإذا زفيرٌ وشهيق ثم لهبٌ يندلعُ من الغار. فيحيط بكلّ شىء ويلتهم كلّ شىء. وحِمْيَرُ جادة فى الهرب وقد تركت أوثانها وأصنامَها وزينتها وسلاحَها والنار تتبعُهم. ثم أخذت النار تتراجع شيئا فشيئا حتى تختفى كأنّ الغار قد أطبق عليها شفتيه ـ
ثم أشرقت الشمسُ وصفا الجوُّ والملك والحبران قائمون فى مكانهم لم يُصبْهُم أذى ولم يمسسهم ضُرّ ـ ثم تثوب( ترجع) حِمْيَرُ إلى عقلها وتذعن(تطيع وتسمع) إلى ملكها ـ هنالك هادت(دخلت فى اليهودية) حمير وآمنت للملك والحبرين. ومنذ ذلك اليوم استقرّ فى بلاد اليمن كتابٌ من كتب السماء .
** كان نور الإيمان الذى أشرق فى قلب الملك تُبَّع قد جعله يدرك أن رب البيت هو رب الناس ورب النار وربُّ كل شىء, وأنه قادر على أن ينصر الحق والدين الذى يدعو قومه من أهل اليمن إليه, وأن يبطل الباطل والوثنية التى هم فيها, , كما أدرك أن وهم النار المقدسة من حِيَل وأكاذيب الدهاقين ( مفردها دهقان وهو من يقوم على خدمة النار فى الوثنية والمجوسية ) المتاجرين بالدين فى كل زمان ,فاحتكم معهم إلى النار التى هى من جند الله تأتمر بأمره الذى لا مردَّ له. فانتصرت النار لدين الملك , وأبطلت الباطل والوثنية التى كانت تُعْبَد من دون الله.وتُغيَّبُ بها عقول الناس من أجل الهِبات والهدايا والقرابين ( مفردها قربان ) فانظر بفهمك هل يبعد وهم النار المقدسة عن وهم حِيَلِ وأكاذيب الجماعات المتاجرة بالدين فى زماننا لتعطيل عقول الناس وتجريدهم من الفهم من أجل ملء جيوبهم بالثروة وبطونهم بالشهوة وأنوفهم بالسُّلْطة من خلال دجلٍ سياسى مخلوطٍ بدجلٍ باسم الدين!؟*(لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب!!)
قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد التاسع } الرِّدَّة
ورث عرشَ حِمْيَر(حسَّان) أكبر أبناء الملك( تُبَّع ) كما ورث عنه التُّقى والوَرَع.وورِث الميلَ القديم للحرب والغزو والفتح.فامتزجت هذه الطباع والميول وأصبحت ميلا واحدا.فدعا الحبرين( وكان مُعظِّما لهما)وقال: يُلِحُّ علىَّ داعٍ قوى فى النوم واليقظة أن جَرِّد نفسك وجيشك لقتال الكافرين ونشر الدين فى الشرق والغرب. ليحكمَ(التوْراةُ) الناسَ جميعا. فعزمتُ أن أستجيبَ له.وأن أخرج بالجيش غازيا فى سبيل الله. ودهش(حسَّان) حين نصَحَهُ الحبران فى إلحاح: ألاَّ يستجيب لهذا الهاتف ثم قالا:أيُها الملك إياكَ والغرور الذى يصيبُ الملوك فيُغْرِيهم بالحرب.قال الملك(حسَّان)كنتُ أنتظر منكُما تشجيعا على المُضِىِّ فى الجهاد لنشر الدين.فإذا أنتما تخذُلانى:فقالا: إن الصوْتَ الذى يُلِحُّ عليك هو صوْتُ الكبرياء لا صوت الطاعة.فيدفعك إلى الحرب باسم الدين ـ إننا نجدُ فيما عندنا من العلم أنَّ اليهوديَّة ليست للناس جميعا ـ ونجدُ مكتوبا عندنا أن الدين الذى سَيبْسُطُ سُلطانه على الأرض فيملؤها عدلا وعزَّا وحُرِّيَّة وكرامة للبشر ويُحقِقُ الأخوّة بين الناس لن يخرج من صنعاء. وإنما سيهبطُ به الوحىُ على رَجُلٍ بمكة من قُريْش.ثم يخرج من يثرب لينتشرَ فى الأرض ـ صرفهما الملك مُعْرِضا عن قوْلهما وبدأ التهيُؤ للحربِ . واندفع الملكُ فى حربه حتى بَلغَ البحرين. وبعُدتْ الشُّقَّة(المسافة) بينه وبين اليمن.( وضاق الأقْيالُ والأذواء) زُعَماء اليمن وقادة الجيش ـ بهذه الحرب الطويلة وثقُلت عليهم فتآمروا مع إخيه (عمرو) إن يقتُله . وعاهدوه على المُلْك إن قتل أخاه وعاد بهم إلى اليمن { وكان عمرو مُتعجِّلا للمُلْكِ سريعا إلى اللهو غير مخلصٍ للدين} ونشط عمرو لقتل أخيه ولم يجد من يُخَوِّفُهُ من هذا الشر ويُحذرُهُ من قتل الرّحِم (قتل أخيه) إلاّ رجُلا واحدا من الأذواء يقال له( ذو رُعَيْن ) خوَّفَهُ من البغى على أخيه وسفك دمِهِ. وذكَّرَهُ بالرّحِم وشرفِ المُلوك. فلما يئس ذو رُعَيْن دفع إليه كتابا مختوما وقال: احفظ لى هذا الكتاب ليكون براءة لى يوْما.
أتمَّ عمرو كَيْدَهُ فأغْمَدَ النصْلَ فى صدر أخيه. وارتقى على جُثَّتِهِ إلى العرش وأسرع عائدا بالجيش إلى صنعاء وأبْطَلَ ما كان أبوه وأخوه قد أقاماه من معالم الدين الجديد.وأراد أن يقتل الحبرين. لكنه علم أنهما هلكا بعد خروج أخيه بالجيش.
لم يستمتع عمرو بالملك ولم يذُقْ لذَّةَ السُّلْطان. فقد لَزِمَهُ الحزْنُ والغَمُّ فلا يفارقه ما ابْيَضََّّ النَّهارُ. ولا يُفارِقُهُ ما اسودَّ الليلُ. وأخذ يشتدُّ ويقسُو فجعل الملك لاينام ليلا ولا يهدأ نهارا. وأحاطه الغمُ بِصًوَرٍ مُفْزِعَةٍ مرَوِّعَةٍ. من حَيَّاتٍ(أفاعى) ذوات رءوسٍ كثيرة يخرج من أفواهها اللهبُ تُسْرِعُ إليه تُرِيْدُ أن تبتلِعه. ومن أنهارٍ من الدم تنحَدِر ولها هديرٌ وزئيرُ تُريدُ أن تُغْرِقَه أو أشباحٍ تُكشِّرُ عن أنيابها وتمدُّ إليه أظافرها الدامية وأثناء ذلك كله يسمع أنينَ أخيه ويرى الدم يتفجّرُ من صدره.فأخذ يستشير الأطباء فلا يجد دواءً ويستعين بالكُهان فلا يَجِدُ عَوْنا.ويَسْألُ العرّافين فلا يجد جوابا.
وأخيرا دخل عليه رجُلٌ حكيمٌ فقال للملك: لأنْبِئنَّكَ (أخبرك) بالحقِّ وإن كان من دونه الموت: إنه واللهِ ما قتل رَجُلٌ أخاه ولا غمس رجلٌ يده فى دم ذى رَحِم إلا سَلَّطَ الله عليه الحُزْنَ والغمَّ والأرَقَ حتى يقضى(يموت) فقال الملك: له انصرف راشدا فلا بأس عليك . إنما السبيلُ على هؤلاء الذين كادوا الكيد ومكروا المكر السيىء بى وبحسان. ثم أمعن فى خاصته ومُشِيِريه قتلا وتمثيلا حتى انتهى إلى آخرهم{ ذى رُعيْن } فلما قُدِّمَ للقتل قال للملك: إنَّ لى عندك براءة . قال الملك: وما ذاك؟ قال ذو رُعَيْن: ذلك الكتاب المختوم الذى دفعْتُهُ إليك : وأخرج الملكُ الكتاب وقرأ فيه بَيْتَيْن.
ألا مَنْ يشْترى سَهَرَا بِنَوْمِ......................سعيدٌ من يَبيتُ قَريرَعين
فأمَّـا حِمْيَرٌ غدَرَتْ وخانت.......................فمعذِرَةُ الإلهِ لذى رُعَيْنِ
قال الملك عمرو : لا بأس عليك نصحتَ وبَرَرْتَ ، وبرِئت ذمَّتُكَ . فليتنى قبلْتُ نُصْحَكَ . فقال ذو رُعَيْن :ولَيْتَ أخاك قَبِلَ نُصْحَ الحَبْرَيْن. أصبح القصر ذات يوم فإذا عمرو مُلْقى على الأرض مُدرّجا بدمائه وقد أُغْمِدَ فى صدره ذلك النصل الذى أغمده فى صدر أخيهِ يوما ....وتفرَّق أمرُ حِمْيَر وعادت إلى شَرِّ ما عُرِفت فى قديم الزمان من الفساد والاضطراب........ فسبحان من له الدَّوام .
قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد العاشر } الطاغية
الأقْيالُ والأذْواءُ هم أكابر حِمْيَر واليمن وأشرافها ـ كان الملك المنتحر عمرو قد أُصهِرَ( تزوج)ابنة قِيلٍ من الأقيال. اسمه ذو الشناتر غليظ القلب سيئ الخُلُقِ مُخادِع شديد المكر.يبدو لك أكرم الناس وأصدقهم وأرحمهم. وهو يحمل بين جنبيهِ صخْرا لا قلبا. انخدع به الملك تُـبَّـع فاختار ابنته تُماضُر زوجا لابنه المنتحر(عمرو قاتل أخيه) وكانت تماضُر بارعة الجمال ذكية القلب شديدة الحنان ـ فأنكرت من زوجها الغدرَ بأخيه لكنها لم تجْرُؤ أن تُظْهِرَ ذلك.فنفرت من زوجها حين خضّب يده بدم أخيه واعتلى العرش على جُثّته.فلمّا سُلِطَتْ عليه شياطين الانتقام وقتل نفسه لم يجد من يبكيه ِسوى تماضُر.وكانت قد أنجبت منه َصبيا لم يبلُغ الرابعة. وكان لزوجها أخٌ لم يبلُغ السابعة.فقامت على تربية الصّبيينِ ومنحتهما من الحبِّ والحنان ما كان يملأ قلبها الرَّحْب الرفيق كأحسنِ ما تكون الأم. ولا تتمنى من الدنيا غير ذلك فلا تريد مُلْكا ولا عَرْشا .لكنّ ذا الشناترِ (والدَها) القاسِى الجشِع كان يُفَِكر فى المُلْكِ لنفسه.غير أنه أظهر المحافظة على العرْشِ لابن الملك المنتحر(الصبى عُمَيْر بن عمرو) فأعلن نفسه وَصِِيَّا على العرش وأعلن حِمايته على الأسرة المالكة( بهذه الوِصاية ). وخدع الجميعَ فأظهر نهجا صالحا فى أول الأمر. لكنّ استبداد الأقيال والأذواء وطُموحَ العُظَماءِ قد أغراه بالشِّدة والبأس.فاندفع إلى الطُّغْيانِ.واصطفى لنفسه من الجُنْدِ والقادة قوْما يسْبِغُ عليهم النعمة والعطاءَ ليكونوا عَوْنا له على غيرهم. فهو يُغْرِى ويُغْوِى ويَمكُرُ ويَكيد ويضرب بمن أطاعه من عصاه. ويبعثُ الخوْفَ والهيْبة والرغْبَة والرجاء. فخضعت له أشرافُ اليمن وحِمْيَر وكان شديدَ الرِفق بمن أطاعه عنيفا شديدَ البأس بمن عصاهُ. فاغتصبَ المُلْكَ لنفسه وتخلَّص من معارضيهِ. وحَبَسَ ابنته والصبيين فى قصربعيد.(هو إلى السجن أقرب).وأقام عليهم حُرّاسا غِلاظا شِدادا. ثم أمْعَنَ فى الناس إذلالاً وفى أعْراضهم انتهاكا.وفى الحُرُماتِ اعتداءًَ . يضرب فئة بفئة حتى أذلَّ اليمنَ وأهلَه.
أصبح قصْرُهُ بيئة للشر والإثم. ثم خطر له خاطرٌ شيطانىٌّ بأن يتخلّصَ من ابنته وسِبْطه(ابن بنته) عُمَيْر والفتى( زُرْعة ) بن الملك الراحل تُبّع بعد أن نَسِىَ أمرهم. فأقدمَ ويا شرّ ما أقدم وعزمَ ويا سُوءْ ما عزم فأمر بقتل ابنته وسِبْطِهِ خنْقا حيثُ هما بالقصر البعيد . وأمر بإحضار الفتى ( زُرْعة )
رأت تُماضُر ابنها يُخْنق بين يديها ورأى( زُرْعةُ) أُمّه التى قامت على تربيته تُخْنَقُ أمامه. فانتظر دوره ، لكنّه حُمِل إلى قصر الملك راغما. فاستقبله الملك ذو الشناتر بأطيب ما يكون الترحيب.وأخذ يؤكد له أنه يُجَهزُِهُ ليكون مَلِكا على بلاده. لكن الفتى أوجس منه خيفة بعد أن قتل ابنته وسِبْطه.وأحسَّ ذو الشناتر ريبة الشاب(زُرْعَة) فأفهمه أنه قتل ابنته وسِبْطَهُ ليجعل المُلْكَ خالصا لابن تبّع. وأنه سيُخْضِعُ له الجُنْدَ والعُظَماء ثم يُسَلِمُهُ مُلْكَ أبيه ويعود واحدامن أتباعه كما كان لأبيه.فأظهر الفتى أمناً بعد خوف.وثقةً بعد شكّ ورِضاً بعد إنكار. هنالك أخذ الشيخ الآثم يُغْريه ويُغْويه 0472712574 ـ 01092255676

