0472712574 ـ 01092255676  متعك الله بالصحة وراحة البال وأبعد عنك كل من ينفث فى عُقد الحبال وأنبت لحم بدنك من كل رزق حلال ـ وتلك الأيام نداولها بين الناس فلا تأس على ما فات ولا تنس ما هو آت والله حسبنا فى كل المُلمات ـ كنانة عبد القدوس عبد السلام

وما الطير إلا نائحٌ يشتكى الضنى ** وآخرُ من فرط السعادة صدَّاح ـــــ
وما العيش إلا دمعة وابتســــــامة ** وما الدهر إلا أمسيات وأصباح ــــ
تمرست بالدنيا فكل الذى بهــــــا ** جراح وأفراح وخسران وأرباح ـــ

 

 قطوف من هامش السيرة { المشهد الأول } باسم الله نستفتح ـ حفر زمزم ــ الذهب ــ عبد القدوس عبد السلام العبد

عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. أبوه من مكة. وأمه سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية من يثرب. مات عنه أبوه فنشأ عند أخواله فى يثرب حتى قارب الشباب فأقبل عمه المطلب فانتزعه من يثرب حيث الحياة السهلة من زراعة وصناعة. وحيث اليهودية تجاور الوثنية. إلى مكة حيث التجارة والأرض التى تُجدب فلا تبتسم لها السماء إلاّ قليلا وحيث رحلات التجارة صيفا وشتاءً. وحيث تجتمع فيها وُفود الحجيج فتمنح مكة الزعامة والريادة.وتنتشر الأصنام حول الكعبة. وحين وصل مع عمه المطلب ظن الناس أن المطلبَ اشترى عبدا. فظنوه كذلك فسُمِّى بذلك. لكن المطلب أخبرهم أنه بن أخيه.

نشأ عبد المطلب فى مكة كما ينشأ شبابها.وتزوج بزوجته الأولى(سمراء)من بنى عامر وأنجب(الحارثَ) أول أبنائه. وبعد وفاة عمه المطلب صارت إليه ( ِرفادة الحاج ) ـ من طعام وماء ـ فكان يجمع الماءَ للحجيج فى أحواض فيجد فى ذلك جهدا وعُسْرا.

وذات ليلة أتاه آتٍ وهو نائم. فقال له: احفر( طيْبة). قال: وما طَيْبة؟ فانصرف عنه الهاتف.فأفاق فى ذعر وعجب وقد استعصى عليه النوم. وفى الليلة الثانية أتاه الهاتف وقال: احفر( بَرَّة) فقال: وما برَّة؟ فانصرف الهاتف.وأفاق عبد المطلب وجِلا مذعورا ـ وفى الليلة الثالثة يأتيه الطائف الهاتف فيقول له: احفر( المضنونة) فيقول: وما المضنونة؟ فينصرف عنه الطيف الهاتف. ثم تشير عليه زوجته سمراء بتقديم الذبائح والقرابين. وفى الليله الرابعة يأتيه الهاتف فيقول: احفر (زمزم) فيقول: وما زمزم؟ فيجيب الطيف الهاتف :{ لا تُنْزح ولا تُذَ م ـ تسقى الحجيج الأعظم ـ وهى بين الفرث والدم ـ عند نقرة الغراب الأعصم } فيقول عبد المطلب: الآن قد وعيت. الآن قد وعيت. فينصرف الطَّيف الهاتف وهو يقول: لله أنتم أيها الناس. لا يكفيكم الوحى ولا تفقهون إلا سجع الكُهَّان.

وفى الصباح تُقْبِل عليه زوجته سمراءُ قائلةً: أيهما أحبُّ إلىّ إشراق وجهك أم إشراق الشمس؟ فيردُّ عليها: لقد طابت الحياةُ ياسمراء. إن هذا الطائفَ طائفُ خير وسعد يأتى بالنعمة والغَيْث. إنه يأمرنى أن أحتفرَ فى فناء المسجدِ بئرا. فلأفْعَلنَّ منذُ اليوم ـ: هَلُمَّ يا حارث خُذْ مِعْوَلا ومِكْتَلا ومسْحاةً واتبع أباك.وأخذ يُرَدِدُ:

لاهُمَّ قدْ لَبَّيْتُ مَنْ دَعانِـى...................وجِئْتُ سَعْىَ المُسْرعِ العَجْلانِ

ثَبْتَ اليَقِيْنِ صـادِقَ الإيمانِ..................يَتْبَعُنى الحـــارثُ غَيْرَ وانِ

جَذْلانَ لمْ يَحْفَلْ بِمـا يُعانِى..................لاهُمَّ فَلْتَصْدُقْ لنا الأمـــانِى

وبدأ عبدُ المطّلب فى الحفر وابنه الحارث ينقل التراب إلى خارج المسجد واستمرّ ذلك حتى كادت الشمس تحرق الأرض . فهجع كل شىءٍ إلاّ عبدَ المطلب وولدَه ـ ثم فجأةً يدعو ابنه فى صوتٍ ملؤه الدهشة والحيْرة والرضاوالإشفاق : هَلُمَّ يا حارث اُنظر هل ترى ماءً ؟ كلاّ ياأبتِ !!! إنما أرى ذهباً وسلاحا .

قُطوف من هامش السيرة { المشهد الثانى } حفر زمزم ـ الماء ـ

كلا ياأبتِ إنما أرى ذهبا وسلاحاً. فيقول عبد المطلب: لم أوعد بذهبٍ ولا سلاح ،وإنما وُعدتُ بالماء لسقى الحجيج . إنَّ وراء هذا الأمر لسرا،وبعد الغذاء استخرج عبد المطلب غزالين من ذهبٍ نقىٍ ثقيل ـ وسيوفا ودروعا من ذهب خالص. ويرتفع صوتهما بالتكبير. فيُقْبِلُ القوم شبابا وشيوخا{ ثم يختلف القوم لمن يكون الكنز } فيقول عبد المطلب: ما ينبغى أن يكون الكنز لأحد حتى نستشير الآلهة، ونسأل الكُهّان ـ فحُمل الكنز إلى الكعبة وبدأ الكاهن يضرب القِداح بين قريشٍ والكعبة فتخرجُ القداح للكعبة ثلاثا. فيقول عبد المطلب: لقد ظهر قضاء الله، وهذا الذهب سيُضْربُ صفائح على باب الكعبة. وأمّا السيوف فستُعلّقُ عليها . وأما الدُّروع فسَتُدّخرُ فى خزائنها . ولكن ذلك كله سُرِقَ بعد ذلك.                                               ثم أخذ ابنه وعادا إلى الحفر بحثا عن الماء. وفى المساء عاد عبد المطلب إلى أهله محزونا مكدودا، فعاتبته سمراء على ترك الذهب للكعبة. فقال لها: لقد أمرنى الطائف أن أحتفر ووعدنى أن أجد الماء لأسقى الحجيج ... وليس الذهب . فإن كنتِ غاضبة فعودى إلى أهلك . فتحوّل غضبها إلى دموعٍ غِلاظ تحدّرتْ على خدّيْها كأنها لؤلؤ العقد خانه النظام . واستمرّ عبد المطلب فى الحفر . وأخيرا ارتفع صوْتُهُ بالتكبير وهو يصيح: هذا طَوىّ إسماعيل. هذه بئر زمزم!! هذه سقاية الحاج . لقد صدق الوعدُ وتحقق الأمل .

وحاول القوم أن يغلبوه على الماء . فقال لقد حفرت بأمر من السماء. وإن الذى أمرنى باستخراج الماء سيحمينى من كيدكم وظلمكم إنكم تستضعفوننى ـ لأننى أبو ولدٍ واحد ـ وإنى أقسم: لأن رزقنى الله من  الولد عشرة ذكورا أراهم بين يدىّ لأُضّحّينّ له بواحد . { فغضبت له وتعصبت لنصرته بنو عبد مناف} فاحتكموا جميعا إلى كاهنة بنى سعد هُذيْم فى مَعان بطريق الشام. فلا يعرفون أبصر منها بمواقع الحكم .

رحل عبد المطلب فى عشرين من بنى عبد مناف وعشرين من قريش مع قافلة الشام فى طريقهم إلى كاهنة بنى سعد هُذَيْم فى معان بطريق الشام. حتى طال بهم السَّفر ونفذ الزاد والماء وأشرفوا على الهلاك. ويئسوا من النجاة. وأدركوا أنهم هالكون. فأجمعوا رأيهم أن يحفر كلٌ منهم لنفسه حُفْرة تكون له قبرا.

فينهض عبد المطلب وهو يقول: ما أعجزكم تُلْقون بأنفسكم إلى الموت وفيكم بقية من قوة وفى إبِلِكم قُدرةٌ على الحركة . لا والله ما أنا بمسلمٍ نفسى للموت. فلعلّ الله أن يجد لكم من هذا الضّيق فرجا . فإذا هو يُكبِّرُ بأعلى صوْته فقد انفجرت عينٌ غزيرة تحت خُفِّ الراحلة  وإذا الماء يفور ـ فينْقع غُلّة الأرض والقوم والإبل ( يروى ظمأهم ) فقالت رُسُلُ قريش لعبد المطلب عُدْ بنا يا شيبة ( وهذه شهرته وهو اسمه عند ولادته ) إلى مكة فإن الذى أسقاك فى هذه الصحراء وأنقذنا من الهلاك هو الذى أسقاك فى مكة . وساق إليك ما تسقى به الحجيج.

أقبل البشير على سمراء بقدوم زوجها ففرحت وحزنت لأنها أدركت أن زوجها يريد كثرة الولد . . وأى نساء قريش تمتنع عليه؟ . . ثم أشرقت شمس الغد على عبد المطلب وهو يسعى إلى عمرو بن عائذ المخزومى ليخطب إليه فاطمة ـ وهى أمُّ جماعة من ولده منهم { عبد الله } الذبيح.. والد الرسول الأعظم ... حبيبى يا رسول الله ...

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الثالث } ـ سمراء وكنز الأحزان ـ

عرفت سمراءُ ألمَ الحُزْنِ منذ اُحتُفِرت زمزم، ومنذُ ظهر حِرْصُ زوجها على كثرة الولد، ومنذ خطب فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومى. فقد أحبها وانصرف إليها، وكَلِفَ بها أكثر مُنْذُ كثُرَ ولد فاطمة من البنين والبنات. ومع ذلك فقد كانت سمراء ذكية بارعة فى إظهار جمالها لزوجها وتعرف كيف تخفى عن زوجها ما يكره، وكيف تلقاه بما يحب*   لكن يوما أقبل يحمل إلى سمراءَ شرَّا ليس فوقه شرّ. وألما ليس بعده ألم. حتى أظلمت حياة  سمراء كلها.  يومٌ مضى بموت ابنها الوحيد(الحارث) فأذاقها مرارة الثكلِ والوحدة. لكن لا شىء يبقى مع الأيام. لا الحب ولا الشباب ولا الجمال. فأذعنت ( خضعت ورضيت ) لحكم القضاء، واحتفظت لنفسها بهذا الكنز الحزين من الذكريات. * وتزوج عبد المطلب بهالة بنت وهيب أحدث زوجاته. ومن قبلها نُتَيْلة. رغبة فى كثرة الولد. وانصرف عن سمراء وتركها لأحزانها وذكرياتها.   وبخاصة بعد أن ذهبت ( غارة بنى أسد ) بأبيها وأخيها وأصبحت أمها وأخواتها  إماءً ( سبايا حرب وخادمات ) فى ديار بنى أسد. ولم ينهض أهلها من بنى عامر للثأر. فغدت سمراء الجميلة عجوزا فانية يتيمة وحيدة

علمت سمراء من جاريتها( ناصعة) أن عبد المطلب الذى عاد من رحلة الشتاء إلى اليمن كأحسن ما يكون شبابا وقوة يُمتحن فى بنيه. فهو محزونٌ بما يجعله أهلا للرثاء والعزاء. ثم ذكّرتها بما نذر به عبد المطلب وأقسم عليه يوم احتفر زمزم. لئن أوتى من الولد عشرة ذكورا..... فقالت سمراء: يراهم بين يديه ليُضحّينَّ بواحد.. يا بؤس هذا اليوم.. لقد عرفت هذا النذر فكان مصدر شقائى كله. عرفت أنه سيكثر من النساء ورأيت كأن مُدْية ( سكين ) التضحية ممدودة إلى عُنُقٍٍٍ قد يكون عُنُقَ ابنى الوحيد. منذُ ذلك اليوم كرهت النساء جميعا. ورأيتُ فى كلٍ واحدةٍ منهن ضُرّة لى ورأيتُ شبح الموت مقيما بهذا البيت. ثم قالت: أتمى حديثك يا ناصعة. قالت الفتاة: لقد ذكر زوجك أمس وهو يتحدث إلى فاطمة نذره هذا وذكر أن أبناءه الذكور بلغوا عشرة أحياء. يراهم بمولد طفله حمزة ـ فأقسم ليُوفينَّ نذره وليُضحّينّ بأحد أبنائه. وليجعلنّهم تسعة منذ اليوم. حتى تُتِمهم له هالة أو نُتَيْلة أو فاطمة أو غيرهنّ ـ عشرة أو تزيد ـ فجزعت كلُّ نسائه وكلُّ بناته على الأبناء والإخوة. { فاطمة. أم الزبير وأبى طالب وعبد الله وغيرهم من بنيها ـ ونُتَيْلة أم العباس ـ وهالة أم حمزة } وثارت لكلِّ امرأة قبيلتها. وألحَّ الناس على الشيخ ـ تأبى كل قبيلة أن تكون التضحية منها ـ وجمع الشيخ بنيه وأنبأهم بنذره فكلّهم أقرّه وكُلّهم أطاعه. وكُلهم ألحَّ عليه لَيُوَفِّينَّ بالنذر ولَيُقَدِّمنّ التضحية .

ثم قالت الفتاة: ثم أقبل الشيخ ببنيه إلى الكعبة مع الصبح ـ فأجال فيهم القداح ـ فخرج على أحبِّ بنيه إليْه وآثرهم عنده ـ فقالت سمراء وقد سالت من عينها دمعتان محرقتان: خرجت القداح على عبد الله !!! ؟ قالت الفتاة : نعم .

  قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الرابع } الفِداء

أخذ الشيخ بيد ابنه يقوده إلى المذبح ـ وفى يده المُدْيَة. ( السكين ) ولكن بناتِه جميعا وأُمُّهُنَ قُمْنَ دون الفتى صائحاتٍ يستصرخن بنى مخزوم. ويستصْرِخْنَ قُريْشا كُلَّها ويمنعن الفتى بحياتهن.                          وأقبلت إحداهُن ضارِعَةً ثائرةً معا فقالت : إذا كان قلبك قد استحال إلى صخرٍ فلا ترِقُّ لابنك الشاب ولا لأُمه العجوز، ولا لأخواته البائسات، وإذا كانت شريعة قريش قدْ قست وجَفَّتْ وغلظتْ ، حتى جعلت للآباء على أبنائهم حقّ الحياة والموْت كأنهم الحيوان ، فَدعْنا نحتكمُ فى هذا الفتى إلى ربِّ هذا البيت . فهو أوسع منك رحْمة وأجدر منك أن يضنّ بهذا الشاب على الضياع . وأن يرْبأ بهذا الدم الزكى أن يُراق . لنحتكم إلى ربّ هذا البيت فى أمر الفتى . لِنُقْرِع ( القداح ) بينه وبين هذه الإبل الكثيرة التى تُسيمُها ( تترُكها ترعى ) فى الحرم . ولنبلُغَنَّ من ذلك ما يرْضى ربَّ هذا البيت .

وكانت الفتاة قد التزمت أخاها تحتضنُه وتُقبِّلُهُ وتغسل وجههُ الناصع بدمعها الغزير وهى تصيح : لأموتنَّ قبل أن تموت! فما زالت قريش بالشيخ وقد تكاثرت عليه ، تُلايِنُهُ حينا وتُخاشِنُهُ حينا. حتى اضطرّتْهُ أن يقبل تحكيم الآلهة .

قالت سمراء : يابؤسا لهذه الحياة !! لايسعد فيها الناس بخيرٍ مهما يكْثُر . كُلّ السعادة . ولا يشقى  فيها الناسُ بشرٍّ مهما يعْظُم . كُلّ الشقاء . أسعيدة أنا بموتِ الحارث أم شقية؟ لو عاش لذُقْتُ الآن ما تذوقه فاطمة من هذا الحُزن اللاذِعِ والخوْفِ المُهْلِكِ ـ ولكنى كنت أُوثر مع ذلك أن يعيش . فقد تُخْطِئه القداح.

أسرعت سمراء وإماؤها ( جواريها ـ خَدَمُها ) إلى المسجد فسمعت أصواتا ثم تبينت فى الأصوات فرحا ورأت على الوجوه بشرا وعرفت أن القداح خرجت على مائة من الإبل وأنّ عبد المطلب يؤذن فى الناس أنه سينحرُ هذه الإبل بين الصفا والمروة ـ وأنها حرامٌ عليه وعلى بنى هاشم. مباحةٌ لغيرهم من الناس والحيوان والطير!

أسرعت سمراء حتى اختلطت بفاطمة ( أم الذبيح ـ عبد الله ) وبناتها وهنّ سائراتً يُحِطْن بالفتى حتى إذا بلغن البيت ـ ألْفَيْن ( وجدْن ) فيه امرأتين تبكيان ـ إحداهما ـ هالة بنت وهيب ( أم حمزة ) والأُخرى بنت عمّها اليتيمة ( آمنة بنت وهب ) .

هنالك أقبلت سمراء هادئةً باسمة إلى الفتاة ـ فكفكفت ـ من دُموعها وضمّتها إليها وقَبّلتْ جبينها ثم التفتت إلى عبد الله وهى تقول:( هلُمّ يا فتى فقبِّل أهْلك ، فمهما تُغْلِ ( تزيد ) لها فى المَهْرِ فلن تبلُغَ هذه الدموع التى ذَرَفَتْها حُزْنا عليك. ) ثم نظرت إلى فاطمة وهى تقول : ( ألا ترين أنها أحقُّ فتيات قُريْش أن تكون له زوجة { زوجا } ! )

الخيرُ والشرُّ فى الدُّنيا أزواجُ                    لذا نتاجُ ولذا نتاجُ  ـ   

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الخامس } الإغراء

هيّأ أبناء عبد المطلب المجلس لأبيهم فى المسجد. غير بعيد من بئره التى كُشِفتْ له. ثم أخذوا يتحدثون عن التجارة والرحلة، وعند الضُّحى حضر عبد الله فقد كان حديث عهدٍ بالزواج. فأجلسه أبوه إلى جواره، فلمّا داعبه إخوته لتأخره قال أبوه: كُلُّنا لزم أهلَه( زوجته) حتى كاد ينسى كلّ شىء. لكن الأيام تنبه الغافل وتوقظ النائم وتذكّرُ الناسى. وإنى أحبُّ أن أُنبِّهَكَ قبل أن تنبهَكَ الأيامُ. وأوقِظُكَ قبل أن توقِظَكَ الأحداث. وخيْرٌ لك أن تترُكَ النعمة لتعودَ إليها بعد حين، من أن تظلَّ حريصا عليها مُغْرَقا فيها، حتى تضيقَ بك وتنفرَ منك وتنصرفَ عنك إلى غير رجعة. وفى الرحلة يا بُنَىّ رياضة على احتمال الصعاب واقتحام العقاب. وما أشكُّ أنك ستترُكُ أهلك(زوجتك) كارهاً. فهيِىء نفسك للرحيل مع العِير( القافلة) واحرص على أن تعود ثريّا. وقد أجمعتُ وإخوتُكَ على أن نَكِلَ إليك ما عندنا من عُروض التِّجارة لتحملها إلى بلاد الروم فتُتاجر لنا فيها وتُقاسمنا أرباحها. والرأىُ أن تحمل معك عُروض أصهارك من بنى زُهرة. حتى تتخذ لك بعد ذلك تجارة تقصرها على نفسك ـ قال ذلك فى لهجة مِلْؤها الحنان المُقْنع والجِدّ الذى لا يحتمل الجِدال. ثم قال: قم يا بنى فأصلح من شأنك وهيىء أهلك لهذا الفِراق. فما أظُنُّ أن آمنة سترضاه أو تستريح إليه.

نهض الفتى مُسْرِعا فى طريقه كأنه السهم. وإذا صوتٌ عذبٌ يأتيه بالغِناء:

يا مُسْــرِعا والناسُ من حَوْلِهِ    ...   يسْـعونَ لم يَأنِ لِغادٍ رواح

يا مُطْرِقاً والأرضُ من حَوْلـه     ...   يَزِيْنُهأ حُسْنُ الوُجوه الصِّباح      

عَرِّجْ عَلَيْنا فأقِم ســــاعةً     ...   فعِنْدنا إن شِئتَ رَوْحٌ وراح

 وإذا بثلاث من الحسان يعرضن عليه الدخول وبعد حوار بينهن وبينه دخل الدار وأغلق من دونه الباب.وأقبلت فاطمة بنت مُرّ الخثعمية وكانت أطولَهن قامة وأوسمَهن وجها وأعذبَهن صوْتا. وكانت على جمالها وحُسْنها ذكيةَ القلب نافذةَ البصيرة ضخمةَ الثروة مُتْرَفَةَ العيش. وكان عبد الله حديثَ مكة كلها منذ همّ أبوه أن يتقرب به إلى الآلهة وفاءً لنذرٍ قديم. ويذكرون هذه الفتاة السعيدةَ التى قُدِّرَ لها أن تكون له زوجا( زوجة). وكانت فاطمة الخثعمية أكثرَالنساء حديثا عن عبد الله وأعظمَهن إعجابا به وأشدّهن شوقا إلى لقائه . رأته يوم الفداء مبتسما للموت لا يبدو عليه الجزَعُ. ورأته بعد أن تم الفداء ورُفِعَ عنه نذيرُ الموت مبتسما للحياة كما كان مبتسما للموت. فوقع الفتى من نفس فاطمة موقع قطرة الندى من الزهرة الغضة عند إشراق الصبح . فأحبته وتمنته. وجزعت عندما علمت أن آمنة بنت وهب قد خُطِبتْ إليه. فقد كانت تشتاق إلى عبد الله كما تشتاق الزهرة إلى قطرة الندى حين يشتد عليها هجير الشمس ـ تحدّثت إليه وثحدّث إليها وأخيرا عرضت عليه الزواج. وقالت: إنى لأجد شيئا فى قلبى يدفعنى إليك وعرضت عليه ثروة أبيها لتُريحه من عناء السفر والترحال. إذا تزوجها ـ فطلب مهلةً من الوقت( ساعات) كى يخبر أباه الذى لايشك فى ترحيبه( لما كان لبنى خثعم من مكانة) ويخبر آمنة التى لا يحب أن يؤلمها. وهنا قالت له: لقد خلت لنا الدار. ونأى عنا الرقيب وقد وهبْتُ لك نفْسى. فهَبْ لى نفْسك ولنقضِهِ يوما سعيدا { فقد كانت فاطمة بنت مُر الخثعمية تعلم أن نوراً فى صُلبه يتلألأ فى وجهه } ـ هنالك ارتدّ الفتى عنها وأخذه الخوف وهو يقول :                               

 أما الحرامُ فالممـــاتُ دونَهْ    ...    والحِلُّ لا حَــلَّ فأسْـتَبينهْ

                        فكيف بالأمر الذى تنْويْنَهْ

 فقالت: إنى لأعرفُ فيكَ نُسُكَ أبيك. فوعدها أن يعود فى المساء ليخطبها ـ فقالت: لقد صبرتُ أياما وأياما ـ فما يمنعُنى أن أصبرَ بعض يوم .

0472712274 ـ 01092255676

 

المصدر: على هامش السيرة*د/ طه حسين* إضافات عبد القدوس عبد السلام العبد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 107 مشاهدة
نشرت فى 10 إبريل 2017 بواسطة AboNeza

عدد زيارات الموقع

8,218