0472712574 ـ 01092255676  قُطوفٌُُُُُُُُُُُ من هامش السيرة { المشهد السادس عشر } الحاضِنةُ (بركة ـ أُم أَيمن)

ورثَ اليتيمُ عن أبيهِ الفقيد(عبد الله) الأمَةَ الحبشيَّة( بَرََكَة).مع خَمْسَةِِ جِمَالٍ أوَارِك( تَرْعَى وتأكُلُ من شَجَرِ الأرَاك) وقَطِيْعٍ من الغَنَم.ـ.وشَهِدتْ الأمَةُ الحبشيَّةُ مَوْلِدَ اليتيم مَعَ مَنْ شهِدْنَ مِنَ النساء.ـ.وَرَأتْ العَجائبَ التى رافقتْ موْلِدَهُ..فابْتهَجَ قَلْبُها الحَزِينُ(الذى أحْزَنَهُ الرِّقُ).ثم لا تكادُ تَرَى هذا الوَليْدَ حتَّى يُلْقِى اللهُ حُبَّهُ فى قَلْبِها.وحتى يَعْطِفَها اللهُ عليْهِ.فيكونَ لها قُرَّةَ عيْن، وحتى يُصْبِحَ وجْهُهُ المُضِىْء ابتسامةً فى حَياتِها المُظْلِمَةِ. فَتُؤثِرُهُ من المَحَبَّةِ والبِرِّ والحنانِ والرَّفْقِ من الكُنُوزِ التى تحْتَويها قُلوبُ النَّساءِ ـ حتَّى إذا حضرت المُرْضِعَةُ  وانتزعَتَْ اليتيمَ من أحْضانها ومن أحْضانِ أُمِّهِ (آمِنة).لِيَعِيشَ فى البادِية ( مُدَّةَ ) الرََّضاع فارَقتْ الأمُّ الحاضِنة(بَرَكَة) صَفِيَّها الوليدَ اليتيمَ زمَنا.كما فارقتهُ أُمُّهُ آمِنَةُ.ـ.كان اليتيمُ لا يزورُ أمَّه ولا حاضِنَته إلا لِماما (قليلا). ثم يعودُ الصَّبِىُّ الناشئ من البادِيةِ إلى مكة. فيُقيم إقامة مِلؤها الرحْمَةُ والعطْفُ بين هذه القُلوبِ الكريمةِ التى تُحِبُّهُ وتحنو عليْهِ.ـ.قلبِ أُمِّهِ آمنة ـ وقلبِ حاضِنَتِهِ بَرَكَة ـ وقلْبِ جَدِّهِ الشيْخِ الوقور.ـ.ثم ترْحَلُ أُمُّ الطِّفْل اليتيم به لِتُزِيرَهُ أخْوَالهُ من بنى النجار( يقومُ بِزيارةِ أخْواله)فترْحلُ الحاضنةُ معها. وينْعَمُ الطفل بحنان هذين القلبين الكريمين،فيرى الأرْضَ التى قُدِّرَ له أن يُقيمَ فيها حَيَّا ومَيِّتا ـ وقدْ سَبََقهُ أبوهُ إلى زيارتها فَدُفِنَ فيها ـ ورأى الطفلُ قبرَ أبيهِ ولعِبَ مع أطفال شاءَ اللهُ أن يكونوا لهُ أنْصارا ِحينَ يَجِدُّ الجِدُّ ويبْلُغُ الكِتابُ أجَلَهُ، وحِينَ يتِمُّ فى الأرْضِ ما قُدِّرَ لها فى السماءِ .!!!!.

ثم يعودُ الصغيرُ من زيارة الأرْضِ المَوْعودًةِ بينَ أُ مَيّْهِ الكريمتين لكنَّ قضاءَ اللهِ يجِبُ أنْ ينْفُذَ وحِكْمَةُ اللهِ يجِبُ أنْ تَبْلُغَ فلا يكادُ الطفْلُ يبْعُدُ عن يثرِبَ حتى تَمْرَضَ أُمُّهُ كما مَرِضَ أبوهُ (قبْلَ أنْ يَصِلَ اليتيمُ إلى الدُّنيا). ولا يكادُ الطفْلُ يصِلُ إلى الأبْواءِ (قرْيَةٌ بين مكة والمدينة)حتى ينْزِعَ الموْتُ منه أُمَهُ كما نزَعَ مِنْهُ أباهُ.ـ.وكذلك أُدِيَتْ الأمانَةُ إلى الأرْضِ.ـ.وذهَبَ عبْدُ الله وذهبَتْ آمِنة بعْدَ أنْ أدَّيا الأمانة.ـ.وأصْبَحَ الطفلُ يتيمَ الأبَوَيْنِ.ـ.وخَلُصَ الطفل لِحاضِنَتِهِ كما خَلُصتْ له وعادتْ بهِ إلى جَدِّهِ وأعْمامِهِ وحيدا فريدا ليْسَ لهُ من يرْعاهُ إلا قلبُها العظيمُ الكريمُ ـ فأصْبحيتْ له أُما وَرَعَتْهُ صَبِيَّا وشابا ـ فإذا تزوَّجَ بأُمنا خَدِيْجة ـ أعْتَقَ أمَّهُ الحاضِنة وردَّ لها حقَّها الكاملَ فى حياةٍ حُرَّةٍ كريمةٍ ـ فتَزَوَّجَتْ بزوْجٍ من يثْرب كان مُقيما بمكة. ثم رَحَلتْ مع زوْجِها إلى يثْرِب حتى إذا ماتَ زوْجُها عادتْ إلى ابنها الأول (مُحَمَّد) ـ ومعها ابنها الثانى.أيمن.(إنها أُمَّ أيْمَن) فعاشت فى كَنَفِ(رعايةِ)ابنها (محمد) ومعها ابنها أيْمن بن عُبَيْد ـ فلما أتم الله نِعْمَتَهُ على اليتيم واخْتاره رسولا للعالمين آمنت به. ولم ينْسَ أُمَّهُ ( أُم أيْمن ) وكان يقول عنها:: إنها بقِيَّةُ أهل بيتى ـ ثم يقول لأصْحابه من سَرَّهُ أن يتزَوَّجَ امرأةً من أهلِ الجنَّة فليتزوَّجْ أم أيمن ـ فتزوجها مولاهُ زيد بن حارثة . .. .

ثم تهاجرُ إلى يثربَ صائمةً فى صُحبةِ صديقين يُحبهُما المؤمنون الجوع والظمأ ـ وفى الطريق توشِكُ أُم أيمن على الموتِ فى الصحراء من شدة الحَر والظمأ والتعَبِ .ـ. فإذا رشاءٌ أبيض( حَبْل ) ينْزل إليها من السماءِ وقد عُلقَتْ فيه دلوٌ مُلِئتْ ماءً فشربتْ شرْبةً لا تظمأ بعدها أبدا ـ لقد سقاها اللهُ ماء الخُلودِ .ـ.

وتبلغُ أم أيمن المدينة فيلقاها ابنها رسولُ اللهِ(ص) بِحَفاوَةٍ وعطفٍ وتلقاهُ بِحُبٍ سمْحٍ وعطْفٍ باسِم.ـ. وفى الحربِ تطوفُ فى أُحُد تسقى الجرْحى . كما شهِدتْ خيْبر مع ابنها وحضرتْ يوم حُنَيْن حيْثُ اسْتشهِدَ ابنها أيْمن . فتُقَدِمُ دمَه وروحه إلى الله ورسوله.فيَرْزُقها الله ابنها أسامة الذى أحبه الرسولُ(ص) واختاره قائدا لجيش من جيوش المسلمين وهو مازال شابا ناشئا..

ثم تُفْتَحُ أبْواب السماءِ وتُقِبِلُ الملائكة أفْواجا لتحْمِلَ إلى النَبى روحَ الله ورحْمَتِهِ وتُبَشِرُهُ بِجِوار الله ، فتصْعدُ نفسه الكريمة مع الصِّديقين والشُهداء والصالين وأصفياء الله وأنبيائه.. فتبكى ام أيمن لانقطاع الوحى من السماء.... وتشهد أم أيمن خلافة أبى بكر وعمر فتبكى موت عمر لضعف الإسلام.... وتستقبْل أمُ أيمن خلافة عثمان. ثم يسْعَى إليهاالمَلَكُ ويقْبِضُ نفْسَها الكريمة حيْثُ تسْعَدُ بِجِوار ابنها الكريم( الرسول النبى اليتيم).

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد السابع عشر } المَراضِع

أقبلَ المَراضِعُ( جمع مُرْضع )وأزواجُهُنَّ من بادِيَةِ بنى سعد بن بكر إلى مكة. يلتمسون الرُّضَعاءَ أبناءَ السادَةِ والمُتْرَفين(الأغنياء)فى قُرَيْش ويبتغون بذلك فَضْلَ مالٍ ونافِلة(عطاء وزيادة)من نعيم. وأخذنَ يعْرضْنَ أنفُسَهُنَّ على دُور الأغنياءِ، وأهلِ الثراءِ ومنازل السادةِ وأصحابِ الشرَفِ. وما هى إلاَّ طَوْفَةٌ فى الضُّحَى على بعض المنازلِ والدور حتى وجَدَتْ كُلُّ واحدةٍ مِنهُنَّ َرضِيعا من أُسْرَةٍِ كريمةٍ مُوسَِرةٍِ. فامتلأتْ يَدُها بالمال ونفسُها بالأمَلِ والأمْنِ على قُوتِ عِيالِها. إلاَّ حَليْمة بنت أبى ذؤيْب(السعدية). فإنها عادتْ إلى زَوْجِها كئيبة مَحْزونة لا تحملُ إلاَّ ابنها الهزيلَ النحيلَ الذى يصيحُ فى غيرِ انقطاع لِشِدَّةِ ما مَسَّهُ من الظمَإ والجُوع.ـ.فكانَ زوْجُها أكثرَ منها حُزْنا أن ترْجِعَ بغير رَضِيْع..فقالتْ حَليْمَة لم أجدْ سِوَى رَضيْعٍ يتيم ليْسَ لهُ أبٌ يرْعاهُ فَصَدَدْتُ عنْهُ كبقِيَّةِ المُرْضعاتِ.ـ.(فهو إلى أُمِّهِ وجَدِّهِ) وما لإرْضاعِ اليتامَى والمساكين أقْبلنا مِنْ دِيارِ بنى سعد.ـ.وهَمَّت المراضِعُ بالعوْدَةِ إلى الدِّيارـ فحزنت حليمة إن ترْجِعَ بِغيْر رَضيْع. وقالت لَعَلِى أخْطَأتُ حينَ أعْرَضْتُ عن هذا اليتيم.وإنَّ قَلْبى لَيَعْطِفُنى عليه وأشْعُرُ كأنه يَدْعونى . فقال زوْجُها:: اذْهَبى إلى يَتيمِكِ فخُذِيْه فإنى أكْرَهُ أن يرْحَلَ القوْمُ ونَبْقى .ـ. فعادت حليمةُ إلى آمِنة وأخَذتْ ترْجوها، وآمِنَةُ تمْتنِعُ فقد آذاها إعْراضُ المَرَاضِعِ عن اليتيم.ـ.وأخيراً أسْرَعَتْ حَلِيْمة إلى اليتيم ترْفَعُهُ وتُدْنيْهِ من صَدْرها فإذا الطفلُ يلْتَمِسُ الثَّدْىَ كأنما كان مِنْهُ على مِيْعاد!!!! وتجِدُ حليمة مِنْ لبنها ما لم تجِد من قبل بما يكْفى الطِّفْلَيْن وأكثر

استجابت لها آمنةُ بعد أن رأت من حُبَّها للطفل ومن إقْبال الطفل عليها. وقالتْ آمنة لحليمة::إنى لأرْجو أن تَجِدى مِنْهُ خيرا كثيرا فلقد حَمَلْتُهُ فما وَجَدْتُ لهُ ثقلا وما أحْسَسْتُ مما يُحس النساءُ من آلام الحمل والولادة ولولا موْتُ أبيه لكانت أشْهُرُ حملِهِ أسْعَدَ أيامى .ـ.وعنْدَ ولادَتِهِ غَمَرَنى بَحْرٌ مِنَ النور كُلُّهُ رحْمَة وبِرٌ ورِضْوان.ـ.وعادت حليمة باليتيم وما إن رَآهُ زوْجُها حتى قال: ما رأيْتُ قبلَ اليوم وجْها يفيضُ مِنْهُ الِبشْرُ مثل هذا الصَّبى . وإنى لأرْجو أن يكونَ هذا الطفلُ بَشِيْرَ خَيْر .ـ.  

ويجْرى اللبَنُ فى ضِرْع الشَّارف(الناقةـ أُنثى الجمل)فيشربُ الزوجُ وتشْرَبُ حليمة وكان ضِرْعُ الناقة قد جف. وهذه أولُ بَرََكاتِ اليتيم فقد كان اليتيمُ لهما نَسْمَة مُباركة.ـ.ثم تُسْرعُ الأتان(أنثى الِحمار)بحليمة والطفلين وتُسْرِعُ الشارفُ(أنثى البَعير)بالزوج ـ وكانتا قبْلُ ضعيفتين هزيلتين ـ كأنما تُطْوَى لهما الأرضُ طيْا ـ فتصِلَ حليمة وزوجُها إلى الدِيار قبْلِ الرَّكْبِ الذى سبقهما فى المَسِيْر .ـ.وتواصل حليمة حياتها فى دِيار بنى سعد المُجْدِبَةِ لكن الخيرَ يشملُ هذه الأرضَ التى لم تعرف إلاَّ الجدبَ وقِلَّة الماء، وكْثرُة البُؤسُ والشقاء فأغنامُ حليمة وزوجها تسمنُ ويكثُرُ لبنها ـ وحليمة تُرْضِعُ الطفلين ويفيضَ لبنها .ـ. ثم تعودُ حليمة إلى آمنة بالطفل ابن العامين وكأنه ابن أربع .ـ. ثم تبكى وتتوسل إلى آمنة أن تَرُدَّ الطفل معها إلى البادية لينشأ هناك حيْثُ الهواء النقى فلا مرض ولا وباء.

وتعودُ حليمة بالطفل إلى البادِيةِ راضيةً . وتبْقَى آمنة فى مكة محْزونةً لِفِراقِهِ وتنظُرُ (بَرَكَةُ) إلى حليمة حاسِدَةً . وتنْظُرُ إلى آمنة لائمة . فلم تَعُدْ تُطِيْقُ صَبْرا على فِــــــراق ابنهــــــا محمـــــــد... فماذا عن شــــأن جمــــاعة الزُّوار الذين هبطوا من الســـماء فشـــقوا صدره وغســـلوه بالثلج لا بالمـــــاء. لقاؤنا مع زُوَّار من الســــماء

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد الثامن عشر } زُوَّارٌ من السماء ( 1 )

قال مَكْحُول الأزْدِى البَصْرِى: حَدَّثَنِى شَدَّاد بن أوْس قال: بينما نحنُ جُلوسٌ عند رسول الله( ص ) إذ أقبلَ شَيْخٌ من بنى عامر، وهو مِدْرَةُ( كبيرُ ) قَوْمِهِ وسَيِّدُهُم،شيْخٌ كبيرٌ يتوَكأ على عَصَاً، فَمَثُل(حضَرَ) بين يَدَىْ النَّبِى( ص) قائماً،وَنَسَبَهُ إلى جَدِّهِ فقال:يابنَ عبد الُمطلب،إنى أُنْبِئتُ(أُخْبِرْتُ) أنك تزعُمُ أنك رسولُ الله إلى الناس،أرْسلكَ بما أرْسل بِهِ إبْراهيمَ وموسى وعيسى وغيْرَهُم مِنَ الأنْبْياءِ.ألا وإنَّكَ فَوَّهْتَ بِعَظيم!!! وإنما كانت الأنْبِياءُ والخُلَفاءُ فى بيتين من بَنِى إسرائيل،وأنت ممن يَعْبُدُ هذه الحجارةَ والأوْثان. فمالك وللنُبُوَّةِ؟؟ولكن لِكُلَّ قوْلٍ حقيقة فأنْبِئْنِى بِحَقِيقَةِ قوْلِك وبَدْءِ شأنِك.قال: فأعْجِبَ النبى(ص)بمَسْألته،ثُمَّ قال:((يا أخا بنى عامر إنَّ لهذا الحديثِ الذى تسْألُنى عنه نبأ ومَجْلِسًَا،فاجْلس))فثنى رِجْليْهِ ثم بَرَكَ كما يبْرُكُ البَعِيرُ.ـ.فاستقبله النبىُّ(ص)بالحديث فقال:((يا أخا بَنِى عامر! إن حقيقة قوْلِى وَبدْءَ شأنى أنى دَعْوَةُ أبى إبراهيم وبُشْرَى أخى عيسى بن مَرْيَم،وأنى كُنْتُ بِكْرَ أُمِّى ، ثم إنَّ أمى رأت فى المنام أنَّ الذى فى بطنها نور.قالتْ: فجَعَلْتُ أتبع بَصَرِى النورَ، والنورُ يسْبِقُ بَصَرِى،أضاءتْ مشارقُ الأرْضِ ومغاربُها.ثم إنها ولدتنى فنشأتُ.فلما أنْ نشأتُ بَغَّضَتْ إلَىَّ أوْثانَ قريش وبُغِّضَ إلَىَّ الشِّعْرُ.وكُنْتُ مُسْتَرْضَعا فى بنى لَيْث بن بكر.فبينا (فبينما) أنا ذاتَ يَوْم مُنْتَبِذ من أهْلى فى بَطْنِ وادٍ مع أتْرابٍ لِى(فى مثل عُمْرى) من الصِّبْيان نتقاذف بيننا بالجَلَّة(البَعْر) إذ أتانا رَهْطٌ(جماعة)ثلاثة معهم طَستٌ من ذهب مُلِئ ثلْجا، فأخذونى من بين أصحابى،فخرج أصحابى هُرَّابا حتى انتهوا إلى شفير الوادى ،ثم أقبلَ علىَّ الرهط(جماعة الصبيان)فقالوا:ما أربكم(حاجتكم) إلى هذا الغلام فإنه ليس منا،هذابن سيد قريش وهو مُسْترْضَعٌ فينا من غلام يتيم ليس له أب؟ فماذا يردُّ عليكم قتلُهُ؟ وماذا تُصيْبون من ذلك؟ ولكن إن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أيُّنا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه،ودعوا هذا الغُلامَ فإنه يتيم.

فلما رأى الصبيانُ القوْمَ لا يحيرون إليهم جوابا(لا يُجيبونهم)،انطلقوا هُرَّابا مُسْرِعين إلى الحَىِّ يؤذِنُونَهُم(يُخْبِرونهم) ويسْتصرخونهم على القوْم. فعَمَدَ أحدُهُم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شقَّ ما بين مَفْرقَ صَدْرى إلى مُنْتهى عانتى( أسفل بطنى ) وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مَسَّا،ثم أخرجَ أحْشاء بطنى ، ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها. ثم قام الثانى منهم فقال لصاحبه تَنَحَّ(ابتعد) فنَحَّاهُ عنى، ثم أدْخَلَ يده فى جَوْفى فأخرج قلبى، وأنا أنْظُرُ إليه، فصَدَعَهُ(شَقَّهُ)، ثم أخرج منه مُضْغَةً سَوْداء فرمى بها، ثم قال بيده( أهْوَى بها ) يَمْنة(جهة اليمين) كأنه يتناول شيئا، فإذا أنا بِخاتم فى يده من نور يحار(يتحير)الناظرون دونه، فختم به قلبى فامتلأ نورا ، وذلك نورُ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثم أعاده مكانه، فوَجَدْتُ برْدَ ذلك الخاتم فى قلْبى دهْرا ( زَمَنا ). ثم قال الثالث لصاحبه:تنحَّ. فتَنَحَّى عنى(ابتعد) فأمَرَّ بيده ما بين مَفْرقَ صَدْرى إلى مُنْتهى عانتى( أسفل بطنى ) فالتأم ذلك الشق بإذن الله . ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا لطيفا!!!!! ثم قال للأول الذى شقَّ بطنى :: ـ ماذا قال للأول ؟ نكمل إن شاء الله .

قُطوفٌ من هامش السِّيرة { المشهد التاسع عشر } زُوَّار من السماء( 2 )

ثم قال للأول الذى شقَّ بطنى:زِنْهُ بعشرةٍ من أُمتهِ، فوَزَنونى بهم فَرَجَحْتُهُم. ثم قال: زِنْهُ بمائةٍ من أُمَّتِهِ فوَزنونى بهم فَرَجَحْتهم. ثم قال: زِنْهُ بألفٍ من أُمَّتِهِ، فَوَزَنونى بهم فَرَجَحْتُهُم. فقال: دَعُوْه، فَلَوْ وَزَنْتُموه بأُمتِهِ كُلَّها لرجَحَهُم. قال: ثم ضَمُونى إلى صُدُورهِم، وقَبَّلوا رأسى وما بين عَيْنَىَّ. ثم قالوا: يا حبيبُ! لا تُرَعْ!(تخاف) إنك لوْ تدْرى ما يُرادُ بك مِنَ الخَيْرِ لقَرَّتْ عَيْناكَ. قال فبينا(بينما) نحْنُ كذلك إذ أنا بالحَىِّ (بنى سعد) قدْ جاءوا بِحَذافِيرهِم(جميعا)، وإذا أُمى(حليمة ـ الظِّئرـ المرضعة) أمَامَ الحَىِّ تهْتِفُ بأعلى صَوْْتِها وتقول: يا ضعيفاه!!! فانكبوا علىَّ فقبَّلوا رَأسى وما بين عَيْنَىَّ، فقالوا: حبَّذا أنت من ضَعِيْف!!! ثم قالتْ ظِئرى( مُرْضعتى ): يا وَحِيداه!!! فانكبوا علىَّ فضمونى إلى صُدورهم وقَبَّلوا رأسى وما بين عيْنَىَّ، ثم قالوا: حبذا أنت من وَحِيْد!!! وما أنت بِوَحيد!!! إنَّ اللهَ معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض... ثم قالت ظِئرى(أُمى حليمة) يا يتيماه!!! اسْتُضْعِفْتَ من بين أصْحابك فُقُتِلْتَ لِضَعْفِك!!! فانكبوا علىََّ فضمونى إلى صُدورهم وقُبَّلوا رأسى وما بين عيْنىَّ وقالوا :: حَبَّذا أنت من يتيم!! ما أكْرَمَكَ على الله!! لو تعْلمُ ما يُراد بِكَ من الخيْر! فوصلوا بى إلى شفِيْر الوادى(حافَّة). فلما بَصُرتْ بى أُمى (ظِئرى حليمة)، قالت: يا بُنَىََّ ألا أراكَ حيَّا بعدُ !!! فجاءت حتى انكبت علىَّ وضمَّتْنِى إلى صَدْرها . فوالذى نفْسِى بيده إنى لَفِى حِجْرها وقدْ ضَمَّتْنِى إليها. وإنَّ يَدِى فى يَدِ بعضِهِم، فجعلْتُ ألْتَفِتُ إليْهم ، وظننتُ أن القوْمَ يُبْصِرونهم، فإذا هم لا يُبْصِرونهم . يقولُ بعْضُ القوْم: إنَّ هذا الغُلامَ قدْ أصابه لَمَمٌ( نَََوْع من الجُنون ) أو طائفٌ من الجِن،فانْطلِقوا به إلى كاهننا حتى يَنْظرَ إليه وَيُداويه. فقُلْتُ : يا هذا، ما بى شيء مما تذْكُر؛ إنَّ إرادتى سَليْمَة وفؤادى صحيح ليْسَ به قَلَبَة(ألم أو عِلَّة . مرض) فقال أبى( وهو زوج حليمة):ألا ترَوْنَ كلامَه كلامَ صَحِيح!! إنى لأرجوا ألاَّ يكون بابنى بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بى إلى الكاهن، فاحتملونى حتى ذهبوا بى إليه. فلما قَصُّوا عليه قِصَّتى قال: اسكُتوا حتى أسْمَعَ من الغُلام  فَإنه أعْلَمُ بأمره منكم. فسألنى فاقتصَصْتُ عليه أمْرى مابين أوَّلِهِ وآخِرهِ . فلما سمع قوْلى وَثبَ إلىَّ وضَمَّنِى إلى صَدْرهِ، ثم نادى بأعْلى صَوْته::يا للعرب!! يا للعرب!! اقْتُلوا هذا الغُلامَ واقتُلونى معه!!!!! فواللاتِ والعُزَّى لإن تركْتُموه وأدْرَكَ لَيُذِلَّنَّ دينكم ولَيُسَفِّهَنَّ عُقولكم وعُقولَ آبائكم، وَلَيُخلِفَنَّ أمْرَكُم وَلَيأتِيَنَّكُم بِدِينٍ لم تسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَط....فعَمِدَتْ أُمى(ظِئرى.حليمة) فانتزعتنى من حِجْرهِ وقالت:: لأنت اعْتهُ وأجَنُّ من ابنى هذا !!! فلوْ عَلِمْتُ أنَّ هذا يكون من قَوْلِكَ ما أتيتك به، فاطْلُبْ لنفسِكَ من يقْتُلُكَ فإنَّا غيْرُ قاتِلى هذا الغُلام. . .

ثم احتملونى فأدُّونى إلى أهْلى فأصْبَحْتُ مُفَزَّعا مما فُعِلَ بى ، وأصبح أثرُ الشَّقِّ ما بين صدْرى إلى منتهى عانتى(أسفل بطنى) كأنه الشِّراك... فذلك حقيقةُ قوْلى وبدء شأنى يا أخا بنى عامر )) فقال العامِرىّ:: أشهدُ بالله الذى لا إله غيره إنَّ أمْرَكَ حقٌّ...فأنبِئنى بأشياء أسْألك عنها.. فماذا سأل العامرىّ .ـ. نكمل إن شاء الله .

يا مَنْ إليْكَ تضَرُّعِى ورَجائى .................وإليْكَ أمْرُ الخَلْقِ فى العَلْياءِ 

يَسِّرْ بِفَضْلِكَ كُلَّ أمْرٍ مُعْسِـرٍ.................وامْحُ الذُّنوبَ بِرَحْمَةٍ ورضاءِ

قُطوفٌ من هامش السيرة { المشهد العشرون } العامِرىُّ يسْألُ الرسولَ

قال العامِرىّ: أشْهدُ بالله الذى لا إله غيرُه إنَّ أمْركَ حقٌ. فأنبئنى بأشياء أسْألكَ عنها.قال الرسول(ص): ـ سَلْ عَنْك ـ وكان النَّبِىُّ(ص) قبْلَ ذلك يقولُ للسائل: سَلْ عما شِئت وعما بدا لك ، فقال للعامِرىِّ يومئذ:((سَلْ عنْك)) لأنها لُغَةُ بنى عامر، فَكَلَّمَهُ بما عَلِم ـ فقال له العامِرىّ: أخبرنى يابن عبد المُطلب ما يزيدُ فى العلْم؟ قال النبىُّ صلى الله عليه وسلَّم :التَّعَلُّم. قال: فأخبِرْنِى ما يَدُلُّ على العِلْم ؟ قال النبىّ(ص): السؤال قال: فأخْبِرْنِى ماذا يزيدُ فى الشرِّ؟ قال: التمادى. قال: فأخْبِرْنى هَلْ ينْفَعُُ البِِرُّ بعد الفُجور؟ قال :(( نَعَم : التَّوْبةُ تغْسِلُ الحَوْبَة(الإثم) ، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئاتِ ، وإذا ذكر العبدُ ربَّه عِنْدَ الرَّخاءِ أغاثه عِنْدَ البلاءِ.)) قال العامِرِىُّ: وكيْفَ ذلك يابنَ عبد المُطلب؟ قال: (( ذلك بأنَّ الله يقول: لا وعِزَّتى وجلالى لا أجْمَعُ لِعبْدِى أمْنيْن ، ولا أجْمَعُ له أبدا خَوْفَيْن: إنْ هو خافَنى فى الدنيا أمِنَنِى يوْم أجْمَعُ فيه عِبادى عِنْدِى فى حظيْرَةِ القُدْسِ فيدومُ له أمْنُهُ، ولا أمْحَقُهُ فِيمَن أمْحَق(أُهْلِك). وإنْ هُوَ أمِنَنِى فى الدُّنْيا خافنى يوْمَ أجْمَعُ فيهِ عِبادى لمِيقاتِ يوْمٍ مَعْلوم فيَدومُ له خَوْفُهُ.)) قال:يابن عبد المطلب، أخْبِرْنى إلامَ تَدْعُو ؟ قال:(( أدْعو إلى عِبادَةِ اللهِ وحْدَهُ لا شَريكَ له، وأنْ تَخْلَعَ الأنْدادَ وتكفُرَ باللاتِ والعُزَّى، وتُقِرَ بما جاءَ من اللهِ مِنْ كِتابٍ أو رسول، وتُصلِىَ الصلواتِ الخمْسَ بحقائقِهِن، وتصومَ شهْرا مِنَ السنةِ، وتُؤدِىَ زكاةَ مالِك يُطَهِّرُكَ الله بها ويَطِيْب لك مالك، وتَحُجَّ البيتَ إذا وجدتَ إليْهِ سبيلا، وتغْتَسِلَ مِنَ الجنابة، وتؤمِنَ بالموْتِ وبالبعْثِ بعْدَ الموْتِ، وبالجنَّةِ والنار.)) قال: يابنَ عبد المطلب، فإذا فعَلْتُ ذلك فما لى ؟ قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم:(( جنَّاتُ عدْن تجْرى من تحتها الأنهارُ خالدين فيها وذلك جزاءُ مَنْ تزكَّى.)) قال: يابنَ عبد المطلب، هل مع هذا من الدُّنيا شىْء فإنه يُعْجِبُنى الوَطاءةُ(النِّعْمة) مِنَ العيْش؟ قال النبى صلى الله عليه وسلم:(( نَعَمْ النَّصْرُ والتمكينُ فى البلاد.))

قُلْتُ لِمُحَدِّثِى: إنَّ هذا النبأ لعَجيْب !!! فمَنْ لِهذا الشيخ العامرىّ بما كان يعْلم من أمْر إبراهيم وموسى وعيسى وغيْرهم مِنَ الأنبياء؟ قال: كان كثيرٌ من هؤلاء العرب يلْقون اليهودَ ويلْقون النَّصارَى ، فيعلمون منهم عِلْمَ الأنبياء، وينتهون إلى نُفور من ديْنهم القديم فى غير اطمئنان إلى يهودية اليهود ونصرانية النَّصارى، فأخْرجَهم الله بالإسلام من حيْرَتِهم تلك.

قُلْتُ لِمُحَدِّثِى : فكيف انتهى (وصل) حديثُ مَكْحُول الأزْدِىّ البصرىّ إلى أهل الشام؟ قال: أما عَلِمْتَ أنَّ شدَّادَ بن أوْس سكن فلسطين وأنفق شطْرا طويلا من حياته فى بيت المقدس يُعَلِّمُ الناسَ ويُحَدِّثُهُم، فقدْ وعَدَهُ بذلك النبىّ صلى الله عليه وسلم؟ فقدْ تحدَّثوا أنََّ شدَّاد بن أوْس كان عنْدَ رسول الله صلى الله عليه وآلِهِ وسلَّم وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ( عنْدَ المَوْتِ ) فقال: ما لك يا شدَّادُ؟ قال: ضاقتْ بِىَ الدُّنْيا. فقالَ(( ليْسَ عليك ـ لا تحْزَنْ ـ، إنَّ الشام سَيُفْتَحُ ، وبيتُ المقْدِس سَيفْتَحُ، وتكونُ أنت وولَدُكَ مِنْ بعْدُ أئِمَّةً فيهم إنْ شاءَ اللهُ تعالى)) ...

تمَّ الكلامُ ورَبُّنا المحمـــودُ...........ولهُ المَكارمُ والعُلا والجُــــودُ

وعلى النَّبِىِّ محمدٍ صـلواتُهُ.............ما ناحَ قِمْرِىُّ وأوْرقَََ عُــــودُ

المصدر: على هامش السيرة*د/ طه حسين * إضافات عبد القدوس عبد السلام العبد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 11 إبريل 2017 بواسطة AboNeza

عدد زيارات الموقع

8,218