<!--
ماستر قانون البحار و الساحل
2010-2011
عرض بعنوان :
دور العرف كمصدر من مصادر القانون الدولي للبحار
من إنجاز الطلبة :
- فتحاني يونس
- الداودي عثمان
- عسال يونس
تحت اشراف: د/ كودان ادريس
تقديم
تعريف العرف:
لغة هو تواتر القيام بسلوك معين , والعرف الدولي مجموعة من القواعد القانونية التي نشأت في المجتمع الدولي نتيجة اعتياد الدول الإلتزام بها في تصرافتها مع غيرها في حالات معينة لشعورها بوجوب إتباعها بوصفها إكتسبت صفة الإلزام القانوني.
والقاعدة العرفية غير مكتوبة ولا يمكن إثبات وجودها إلا باستقراء السوابق , وأغلب القواعد العرفية ذات الصفة العامية تثبت بواسطة العرف .
ويتكون العرف الدولي بتكرار الأعمال المماثلة من دول مختلفة في أمر من الأمور لكي يكتسب صفة الإلزام , ويجب توفر الركن المادي فيه وهو التكرار والعادة وأيضا الركن المعنوي الذي يتمثل في رسوخه لدى الدول في شكل عقيدة ثابتة بالسير على العادة واعتباره واجبا قانونا .
ويمكن إثبات القاعدة القانونية بواسطة العرف فقد تنشأ بين دولتين فقط , ومع انضمام دول أخرى تنتشر تلك الأعراف وتصبح قاعدة قانونية ويمكن للقاعدة القانونية أن تختفي بواسطة العرف إما بالتغاضي عنها أو إهمالها وإما بإقرار قاعدة قانونية جديدة , ومن مزايا العرف أن قواعده مرنة قابلة للنمو والتطور وسد الحاجات الجديدة ومن عيوبه أنه ليس واضحا دائما وتطوره يكون بطيئا لا يجاري تابع الأحداث العالمية .
والعرف من حيث صفته الإلزامية وحسب النظرية الإرادية تستمد القاعدة العرفية فوتها الإلزامية من إرادة الدول ورضاهم بالخضوع لها ودلك من خلال الإستاد لحكم محكمة العدل الولية في قضية برشلونة
كما أن قواعد العرف الدولي يفرضها الضمير القانوني الجماعي للأسرة الدولية وهي لازمة لتنظيم الحياة , ونظرا لأهمية العرف تم تدوينه وصياغته في اتفاقيات دولية مع تطويره بما يتلاءم مع الظروف الجديدة للمجتمع الدولي ويترتب عن هذه العملية ثلاث آثار :
أثر كاشف : يتم الإعلان عن وجود قاعدة عرفية دولية .
أثر مقرر : يتم الإعتراف والإقرار بميلاد قاعدة عرفية مكتملة العناصر .
أثر منشئ : أي أنه ينشئ قاعدة دولية جديدة .
وعليه يمكن الحديث عن هذا الموضوع من خلال طرح التساؤلات الآتية :
ما هي مكانة العرف في القانون البحري وقانون البحار ، و ما هي أهم الأعراف التي نشأت عبر العصور كتشريع ينظم مختلف العلاقات البحرية ، وما هو الدور الذي لعبته هذه الأعراف والعادات في بلورة تصور جماعي موحد ساهم في وضع اتفاقيات منظمة لقانون البحار ، وأين تتجلى أهم تطبيقات هذا العرف من خلال إتفاقية 1982 لقانون البحار .
وبالتالي سنتطرق للحديث عن هذه الإشكاليات من خلال التصميم التالي :
-المبحث الأول: العرف في القانون البحري.
المطلب الأول: التطور التاريخي للعرف.
المطلب الثاني: أهم الأعراف التاريخية في القانون البحري.
-المبحث الثاني: الأهمية المحورية للعرف في صياغة قواعد قانون البحار .
المطلب الأول : دور العرف في صياغة إتفاقيات قانون البحار .
المطلب الثاني : تطبيقات العرف من خلال إتفاقية 1982
المبحث الأول : التطور التاريخي للعرف
نشأ قانون البحار بصورته الأولى من خلال مجموعة من الأعراف والعادات البحرية التي ترسخت وأصبحت ذات صفة إلزامية للتجار والملاحين على السواء , واكتسبت بعد ذلك طابعا دوليا , وسنسعى من خلال هذا المبحث للوقوف على أهم المحطات التاريخية التي مر منها العرف البحري " مطلب أول " ثم سنستعرض أهم الأعراف البحرية من خلال " مطلب ثاني "
المطلب الأول : التطور التاريخي للعرف .
منذ أقدم عصور التاريخ عنى الشتغلون في البحار بخلق قواعد جرت بها معاملاتهم وتبلورت واستقرت حتى صارت أقوى من النصوص المكتوبة , ولم يسهم الفقهاء والعلماء في هذا الإنشاء بقر ما أسهم الملاحون والبحارة والتجار وقضاة المحاكم البحرية أو قناصل البحر في إقامة هذا الصرح من العادات البحرية التي أخذت بها الدول الملاحية الكبرى فصارت عرفا بينها , وهذا العرف هو المصدر الأول والأهم لقانون البحار الدولي , وقد أكد القاضي الأمريكي "مارشال " في حكم مشهور أصدرته المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية , أن العرف الذي يجري بين الشعوب والعادات التي تستقر يشكلان قاعدة قانونية .
ويستمد القانون البحري مصدره ومادته الأولى من العرف البحري والعادات البحرية الجيدة التي احتفظت رغم قدمها على أصالتها دون تغيير أو تبديل , ويرجع السبب في ذلك إلى أن التغييرات التقنية التي لحقت الإستغلال التجاري للسفن وفن الملاحة البحرية لم يؤثر بشكل كبير على مخاطر البحرالشئ الذي يحملنا على القول بأن استمرارية القوة الإلزامية لهذه الأعراف عبر العصور إقتضتها حكمة الأمم البحرة ونباهتها ومن هذا المنطلق فإن العادات والأعراف البحرية تعتبر قانونا بحريا موحدا خاصا برجال البحر الشيء الذي جعل مجموع العادات البحرية تكتب بلغة عامية في الوقت الذي كان فيه الجميع يحسن اللغة القانونية العامة .
ولعبت الحضارات في مختلف العصور دورا فعالا في عالم البحروذلك من خلال العدد الهائل من العادات والعراف والتقاليد البحرية التي تعتبر وبدون منازع مصادر تاريخية للقانون البحري الحديث والتي قامت بدور الوسيط بين مختلف الحضارات المتعاقبة على شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الحضارات التالية :
الفينيقيون /القرن 11قبل الميلاد .
يعتبر الفينيقيون أول من أولى عناية خاصة بالمادة البحرية وأول من ساهم في تخطيط الأبعاد الأولى لحض البحر الأبيض المتوسط , نظرا للأهمية التي كانت تعطى للأسطول التجاري وضخامة حجم المبادلات التجارية البحرية مع الأمم الأجنبية وكذلك أهمية المراكز الملاحية المستقلة التي كانت موجودة على طول الساحل الفينيقي , كل هذه المعطيات ساعدت على ظهور بوادر أولى للقانون البحري الدولي وتوحيد العادات والأعراف البحرية وخاصة ظهور إحدى النظم البحرية وهو" نظام الرمي إلى البحر" باعتباره الجد المباشر لنظام الخسارات المشتركة .
اليونان / القرن 6 قبل الميلاد .
كان اليونان بحكم تطلعهم إلى البحر وقربهم من بحر إيجة ومختلف الجزر المجاورة لها كجزيرة صقلية وكيت ورودس من أمهر الملاحين وأكثرهم حنكة وركوبت لمخاطر البحر والملاحة البحربة , وإنطلاقا من هذا الأساس شعر اليونان بضرورة سن تنظيم بحري ملائم الشيء الذي أدى في النهاية إلى وضع "نظام الرهن الحيازي البحري " هو عبارة عن أسلوب للتأمين البحري والذي تمت تسميته " قرض المخاطرة الجسيمة أو قرض المخاطرة إلى حين الرجوع من الرحلة " والذي لازالت بعض التشربعات تتبناه ومنها التشريع المغربي المؤرخ في 31 مارس 1919 .
الرومان /القرن 4 قبل الميلاد .
بالرجوع للأدلة التاريخية نجد بأن الرومان لم يهتموا كثيرا بالتجارة البحرية الشيء الذي أدى إلى عدم اهتمامهم بضع نظام قانوني للملاحة البحرية لكنهم عملوا على ابتكار نظام "receptum " الذي يقضي بتشديد مسؤولية الناقل البحري بالمقارنة مع مسؤولية باقي مقاولي النقل وكدلك إقرار "مبدأ جواز نيابة الربان عن مالك السفينة في التصرفات القانونية .
مع تراكم الأعراف والعادات البحرية إتجه المنتظم الدولي نحو إحتواء هذا الثرات البحري من خلال تقنينه نظرا لما له من قيمة عملية محلية ودولية وتتجلى هذه الأهمية بالخصوص في :
إمكانية العرف البحري إلغاء النصوص التشريعية ذات الطبيعة الإلزامية .
إمكانية العرف البحري حمل المشرع الدولي على التدخل إما لتقرير وتبني هذا العرف وإما على نبذه ومخالفته وكمثال على ذلك الإتفاقيات الدولية بالنسبة لعدد نسخ سند الشحن والسندات الشبيهة وعجز وضياع الطريق .
إمكانية العرف تكميل المقتضيات القانونية في حالة سكوت المشرع أو في حالة إحالته الصريحة مصدرا احتياطيا رسميا كما هو الشأن لعجز الطريق .
ومع ذلك فإن هناك صعوبات تترتب عن هذه الأعراف لكونها قواعد غير مكتوبة قد لا تعلم بها بعض الأطراف وصعوبة إثباتها وبالتالي لا نقول فقط بتطبيق نص الفصل 476 ق ل ع الذي يقضي بأنه "يجب على من يتمسك بالعادة أن يثبت وجودها " بل وأيضا ضرورة إستصدار القاضي المختص شهادة بوجود العادة أو العرف المتمسك به عند الهيآت المهنية البحرية نظرا لما لهذه العادة أو العرف من قوة إلزامية داخل الأوساط البحرية .
المطلب الثاني : الأعراف التاريخية في القانون البحري .
تتكون هذه المصادر التاريخية من مجموع العادات والأعراف البحرية البحرية التي إجتازت القرون والأزمات دون تغيير والتي زادت وضوحا بعد تدوينها في العصر الوسيط لا فقط لتمكين المشتغلين بقطاع الملاحة البحرية من الإلمام بها خصوصا وأنها كتبت بلغة عامية بسيطة بل والأكثر من هذا فإن هذه المدونات لا تزال تحظى باحترام العديد من المحاكم , ومن هذه الأعراف نجد :
قواعد أوليريون :
هي مجموعة من العادات والأغراف البحرية التي كانت سائدة في الموانيء الغربية المطلة على المحيط الأطلسي في القرن 12 والتي امتد مفعولها إلى سائر الموانيء الواقعة في بحر البلطيق وفي بحر الشمال .
قنصلية البحر :
وهي مجموعة من العادات والأعراف البحرية التي كانت سائدة في البحر الأبيض المتوسط وخاصة عاى طول السواحل الكطلانية , وكانت تشكل بحق القانون البحري المطبق آنذاك من طرف الأمم المبحرة داخل البحر الأبيض المتوسط نظرا لما تمتاز به قواعده من روح العدل والمساواة .
مرشد البحر :
وهو عبارة عن مؤلف فقهي يشكل نقطة إلتقاء بين القانون المتوسطي "قنصلية البحر " والقانون الأطلسي "قواعد أوليريون " وهو أول مجموعة فرنسية اهتمت بالعادات المتعلقة بالتأمين .
القانون النظامي :
وهو عبارة عن مجموعة أنظمة مستوحاة من العادات البحرية و التي تم وضعها من طرف السلطات البلدية وبل الحرفية في غالب الأمر , وهذه المنظمات الحرفية نشأت في الشرق العربي في القرن التاسع للميلاد على يد حركةالقرامطة وهي حركة دينية شيعية إستوردها الملك لويس التاسع في القرن 13 لضبط المهن الحرة والقضاء على أعمال الغش , أما عن أهم هذه الأنظمة فيمكن أ، نذكر , أنظمة المدن الإيطالية التجارية , ونظام الجامعة التحافية التي كانت تنضوي تحته المدن التجارية ,والذي شمل فيما بعد مدن بحر البلطيق والبلاد المنخفضة وبعض مدن نهرالراين ,وأنظمة الرحلات التجارية لإنجلترا وأنظمة تحالف لندن التي استوحت جل مقتضياتها من الأنظمة المحلية لمدن فالنسيا وبلباووه .
الأمر الملكي :
أو مدونة البحرية لسنة 1681 وقد جاءت كأول تقنين رسمي لمادة القانون البحري والذي كان يطبق في كل الأقاليم الفرنسية ,مما أدى إلى إلغاء كل العادات والأعراف البحرية السابقة , وقد جمعت هذه المدونة كل الأعراف والعادات التي تنظم البحر والملاحة البحرية , وبالتالي كل القواعد المتعلقة بالقانون العام والخاص .
وعليه ونظرا لهذه الأهمية الخاصة لهذه المدونة والسلطة المعنوية الكبيرة التي أدت إلى شروحات وتعاليق فقهية مطولة ,كما أن العديد من الدول إستخدمتها كنموذج لتشريعاتها البحرية الوطنية .
المبحث الثاني: الأهمية المحورية للعرف في صياغة قواعد قانون البحار
إن علاقة الإتفاقيات المتعلقة بقانون البحار و بين القواعد العرفية و العادات البحرية جد معقدة ، فالاتفاقيات الدولية لاتقتصر فقط على تدوين القواعد العرفية الموجودة بل تعمل على تطويرها أيضاُ،و بالتالي على تطوير قواعد القانون الدولي ،خاصة في المجال البحري ، لكن ومع ذلك فإن القواعد العرفية لم تعرف تغييراُ جذريا ، ومن هذا المنطلق فإن للعرف دوراُ أساسياُ في صياغة هذه القواعد المنظمة للبحار.
وعليه نقوم بتقسيم هذا المبحث لمطلبين ، نتناول في الاول دور العرف في بلورة قانون موحد خاص بالبحار . وفي المطلب الثاني نتحدث من خلاله على أهم تجليات هذا العرف ، من حيث تطبيقه فيما يخص إتفاقية 1982 لقانون البحار.
المطلب الأول : دور العرف في صياغة اتفاقيات قانون البحار.
يعتبر العرف الأهم تاريخيا بين مصادر القانون الدولي للبحار ، فقد كان لسلو الدول البحرية أثر رئيس في تطر هذا القانون،وذلك عن طريق النشوء التدريجي لعدد كبير من القواعد العرفية.
إلا أن تطور المجتمع الدولي و اندماج الدول النامية في هذا التطور ، بالخصوص بعد الحرب العالمية الثانية، دفع بتدوين تلك القواعد العرفية إلى الأمام ، بحيث لم يعد بغمكان الدول النامية القبول بالقواعد العرفية لقانون البحار التي نشأت في احضان الدول البحرية الكبرى التي أصبحت مصالحها تتعارض مع مصالح الدول النامية.لكن و بالرغم من هذا التطور ، فقد ظل العرف يحتل مركزا مرموقاُ بين مصادر القانون الدولي للبحار. كما ان التطورات الحديثة ادت لنشوء قواعد عرفية جديدة. و لهذا السبب نجد ان محكمة العدل الدولية لم تغفل العرف في قرارتهاالاخيرة في ميدان قانون البحار، فقد أشارت إلى العرف في قضية الجرف القاري لبحر الشمال و في قضية المصائد النرويجية .
إن المنشأ التاريخي العرفي لقانون البحار غير معروف بشكل دقيق . إلا أنه يمكن القول : إن البدايات العرفية لهذا القانون تعود إلى قانون رودس في القرن الثالث قبل الميلاد ، رغم أن اهل الصين و الهند و بلاد مابين النهرين و الفراعنة عرفوا الملاحة في البحار قبل ذلك التاريخ بكثير. ولابد ان تكون قد نشأت لتلك الملاحة قواعد عرفية أقدم مما أشرنا إليه بكثير .
لقد أخذت الأعراف الدولية بالقانون الدولي للبحار بالنمو التدريجي متأثرة إلى حد بعيد بالقوانين التي كانت تشرعها المدن و الدول البحرية لتنظيم شؤونها البحرية. و رغم أن هذه القوانين هي أعمال قانونية انفرادية لا قيمة لها على النطاق الدولي ، إلا أن تأثيرها على نشوء القواعد العرفية كان واضحاُ جدا ، فالعمل ألإنفرادي المتكرر و المتطابق و الذي لا يلاقي أية معارضة رسمية من دول معينة ينتهي بإنشاء العنصر الخارجي أو المادي للعرف الدولي ، و أحدث مثل يمكن إراده في هذا الخصوص هو التصريحان اللذان أصدرهما الرئيس الامريكي ترومان حول الثروات الحية للبحار و حول الموارد المعدنية لقاع و باطن قاع البحار، فقد شجع هذان التصريحان دول أمريكا اللاتينية على إصدار عدد من التشريعات الوطنية لمد سيادتها بشكل إنفرادي على مساحات من البحار المجاورة لسواحلها، ثم انتقلت هذه الحركة إلى أفريقيا و أسيا ، ما أنشأ قواعد عرفية حول الجرف القاري و حول الثروات الحية في تلك البحار ، ثم نشوء قاعدة 200 ميل بحري فيما بعد ،و معلوم أن حركة التدوين التي مر بها قانون البحار عبر قرون كانت ولا تزال تستمد مادتها الرئيسية من القواعد العرفية الكثيرة التي كانت تحكم هذا الفرع من القانون ، حتى أن لجنة القانون الدولي ، التي كلفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعداد مشاريع اتفاقيات قانون البحار التي أقرت عام 1958 ، كانت تقوم بتدوين و تطوير قواعد قانون البحار العرفية ، و أضافت إليها ما فرضه التقدم العلمي و القانوني في هذا المجال ، و هذا ما فعلته أيضا لجنة الاستخدامات السلمية لقيعان البحار و المحيطات التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 1967 ، و ما قام به مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار .
و على الرغم من أن الدول حاولت أن تعالج كل مواضيع قانون البحار في اتفاقية قانون البحار لعام 1982 ، إلا أنها شعرت ، في نفس الوقت ، أن ذلك غير ممكن التحقيق . لذا أشارت في الديباجة و في عدد من موادها إلى الإحالة على "قواعد و مبادئ القانون الدولي العمومي" أو على " القواعد و المعايير و الممارسات الدولية المقبولة عموماً " ، و هي تهدف بذلك إلى سد النقص المحتمل في الإتفاقية من القواعد و المبادئ ، و من المؤكد أن المقصود هو تلك القواعد التي وصلت في قبول الدول لها إلى درجة القانون الوضعي ، و يمكن اعتبار القواعد و المعايير "المقبولة عموماُ" بمثابة عرف ، استنادا إلى تعريف النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية للعرف في المادة 38/1/ب. صحيح أن العرف لايأخذ الشكل المكتوب ، و أن هذه القواعد و المعايير لها هذا الشكل ، إلا أنه يمكن إعتبار الموافقة العامة أو الضمنية على هذه القواعد و المعايير حالة شبيهة بالعرف ، و هكذا ، و رغم سعة و شمولية الاتفاقية الجديدة بقي العرف الدولي يلعب دوراُ تكميلياُ في مجال القانون الدولي للبحار.
المطلب الثاني : أهم تطبيقات العرف من خلال اتفاقية القانون الدولي للبحار لسنة 1982 .
كما ذكرنا سابقاُ فقد لعب العرف دوراُ كبيراُ في صياغة أحكام القانون الدولي للبحار ، إذ يعد مصدراُ أساسياُ للقانون الدولي للبحار ، و يظهر هذا الدور الأساسي للعرف من خلال مجموعة من الأحكام الواردة في اتفاقية قانون البحار ، تتجلى في مبدأ حرية أعالي البحار ، و حق المرور البريء ، و الخلجان التاريخية .
بالنسبة لمبدأ حرية اعالي البحار المنصوص عليه في إتفاقية القانون الدولي للبحار من خلال المادة 87 ، فإنه يعتبر قاعدة عرفية قديمة ، يعود الفضل في ظهورها إلى مجموعة من الفقهاء في القرن 18 و على رأسهم "بينكر شوك" حيث قاموا بالتفريق بين البحر الإقليمي و أعالي البحار ، منادين بحرية أعالي البحار ، و أخذت الدول تخفف بعد ذلك تدريجياُ من المغالاة في دعواها السيادة على البحار ، بحيث تبين لهنا أن مصلحتها المشتركة تقضي ان تكون الملاحة بها حرة من كل قيد ، و لم ينتصف القرن 19 م حتى كان مبدأ حرية البحار قد استقر و أصبح قاعدة عرفية مسلم بها عالمياُ من خلا المادة 87 من اتفاقية 1982 لقانون البحار.
و إلى جانب البدأ العرفي المعروف بحرية أعالي البحار نجد مجموعة من القواعد العرفية التي إستقر المجتمع الدولي على العمل بها قبل أن يتم تقنينها في كل من إتفاقية 1958 بخصوص أعالي البحار و اتفاقية 1982 ، و تتجلى في حذر الاتجار بالرقيق ، فبالرغم من أن هذه الظاهرة الت بالزوال مع أوائل القرن العشرين إلا أنها لازالت محرمة و منصوص عليها من خلال المادة 99 من اتفاقية قانون البحار 1982 ، إلى جانب حذر الاتجار بالرقيق نجد تجريم أعمال القرصنة التي تتم بأعالي البحار ، فقداستقر العرف الدولي على تخويل الدول حق إلقاء القبض على سفن القراصنة سواء كانت في أعالي البحار أو خارج المياه الإقليمية لها ، و من ثم إلقاء القبض على القراصنة و محاكمتهم و عقابهم ، و ظل هذا الحق العرفي مستقراُ إلا أن تم التنصيص عليه أيضا من خلال أو بموجب إتفاقية جنيف لأعالي البحار تم إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1987 .
نجد أيضاُ من بين أهم تطبيقات القواعد العرفية تنصيص اتفاقية قانون البحار على ما يسمى "بالخلجان التاريخية" حيث نجد بعض الخلجان بالرغم من اتساع مدخلها عن 24 ميلاُ بحريا فالقانون الدولي البحري يضفي عليها وصف خليج وطني ، وتخضع للقواعد وطنية و محكومة بقواعد القانون الدولي العرفي وفقاُ لاستثناءات المادة 10 من اتفاقية 1982 ، فقد جرى العرف الدولي على الإعتراف بسيادة الدولة على الخليج لإعتبارات تاريخية و قانونية و استناداُ إلى وضع يد الدولة الساحلية عليها لمدة طويلة ، ، دون إعتراض من الدول الأخرى، ومن هذه الخلجان التاريخية ، خليج كروفيل في فرنسا ، و خليج بريستول بإنجلترا ، و خليج هدسون في كندا ، و خليج دي لابلاتة بالأرجنتين ، و خليج سرت بليبيا و هو بطول 300 ميل و عرض 100 ميل ، لكنه خليج داخلي تاريخي ، كما يؤكد ذلك الفقهاء الدوليون و على رأسهم روسو الفرنسي ، حتى بعد منازعة الولايات المتحدة الأمريكية ليبيا عليه.
ويعد أيضأ مبدأ حرية المرور البريء من بين أهم القواعد العرفية و التي تم تدوينها و تقنينها من خلال الاتفاقيات الدولية لقانون البحار ، فقد استقر العرف الدولي على أن تكون البحار الإقليمية مفتوحة للمرور البريء لمراكب جميع الدول، و تأيد هذا العرف بالنص عليه في بعض المعاهدات الكبرى التي أبرمت بعد الحرب العالمية الأولى ، كإتفاقية برشلونة للنقل و المرور المبرمة غام 1921 ، ثم تدعم هذا العرف بتدوين جميع الأحكام المتصلة به في اتفاقية البحر الإقليمي التي أقرها مؤتمر جنيف 1958 ، و أيضا من خلال اتفاقية 1982 .
لائحة المراجع المعتمدة :
- د/محمد الحاج حمود : القانون الدولي للبحار ، دار الثقافة للنشر و التوزيع ، عمان 2011.
- د/ ابراهيم محمد الدغمة : القانون الدولي الجديد للبحار ، دار النهضة العربية ، القاهرة 1983.
- د/ محمد حافظ غانم : مبادئ القانون الدولي العام ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1967.
- د فريد الحاثمي ، الوسيط في القانون البحري المغربي ، الجزء الأول السفينة و أشخاص الملاحة البحرية ، دار النشر المغرية ، الدار البيضاء، 2000.
- د/ المختار بكور : الوجيز في القانون البحري ، مكتبة دار الأمان ، الرباط ، 1997.
-H.Caminos : »les sources du droit de la mer » in Traité de Nouveau Droit de la mer, Paris .Economica . brylant. Bruxelles .1985, p 54.


ساحة النقاش