من إنجاز الطلبة :

         - فتحاني يونس                                - سلمان عبد المطلب

     -  SALMAN  ABDE LMOTALIB            -FATHANI YOUNES

 

 

 

المقدمة:

      منذ العصر الحجري القديم كان للجنس البشري بعض التأثيرات على البيئة، فمحاولة الإنسان توليد النار كانت تترك أثارا سيئة على البيئة، و مع تقدم الزمن أدت صناعة الأدوات في العصر الحديدي إلى شحذ المعادن (Grinding machine métal grinding)إلى رقائق صغيرة، أي محاولة تصنيع المعادن وإخراج الخبث منها لتشكيلها إلى صور يمكن استخدامها في الحياة اليومية، ونتج عن ذلك تراكمات طفيفة من المواد الملوثة للبيئة التي من السهل انتشارها بدون ترك تأثيرًا كبيرًا،لكن مع تقدم البشرية أصبحت النفايات البشرية قد تلوث مصادر المياه أو الأنهار إلى حد ما.ولكن في الغالب ساد التوقع أن هذه التأثيرات يمكن أن تتضاءل في عالم الطبيعة.وقد زادت الحضارات المتقدمة الأولى لبلاد ما بين النهرين، في مصر، الهند، الصين، بلاد فارس، اليونان وروما من استخدام المياه لتصنيع السلع ،مما زاد من إنشاء المعادن المقلدة لإشعال نيران الحطب ولأغراض أكثر تفصيلا (على سبيل المثال، السباحة، والتدفئة). اتضح أن تشكيل المعادن هو السبب الرئيسي في خلق مستويات التلوث الهوائية. ومن المحتمل أن تكون العصور المظلمة الأوروبية في أوائل العصور الوسطى قد اعتقدت أن من الممكن الحد من انتشار التلوث على نطاق واسع، في النشاط الصناعي الضار. و مع ازدياد النمو السكاني قرب نهاية العصور الوسطى وتركزه أكثر داخل المدن، مما خلق تجاويف للتلوث بسهولة واضحة،في بعض الأماكن حيث كان من الممكن التعرف على مستويات تلوث الهواء على أنها مسائل تتعلق بالصحة،و قد كان التلوث لتعفني أو التسمم من مصدر مياه الشرب النظيفة مهلكًا بسهولة شديدة، و مفهوم التلوث لم يكن مفهوما جيدا في تلك الفترة.[1]

   والتلوث كما جاء في معجم المصطلحات البيئية هو كل إفساد مباشر للخصائص العضوية أو الحرارية أو البيولوجية و الإشعاعية لأي جزء من البيئة [2]، يفهم من هذا التعريف أن التلوث البيئي هو كل تغيير كمي أو نوعي يؤثر على مكونات البيئة الطبيعية ، الحية و غير الحية ، بحيث يؤدي لإخلال توازنها .

     وقد عرفت منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية لأوروبا التلوث على أنه :"إدخال الإنسان، مباشرة ، أو بطريق غير مباشر ،لمواد أو لطاقة في البيئة ، و الذي يستتبع نتائج ضارة ، على نحو يعرض الصحة الإنسانية للخطر ، ويضر بالموارد الحيوية ، و بالنظم البيئية ، وينال من قيم التمتع بالبيئة ، أو يعوق الاستخدامات الأخرى المشروعة للوسط[3]".

   أما المشرع المغربي فقد عرف لنا تلوث البيئة من خلال المادة 3 الفقرة 17 من قانون البيئة كما يلي:" تلوث البيئة: كل تأثير أو تغيير مباشر أو غير مباشر للبيئة ناتج عن أي عمل أو نشاط بشري أو عامل طبيعي من شأنه أن يلحق ضررا بالصحة والنظافة العمومية وأمن وراحة الأفراد، أو يشكل خطرا على الوسط الطبيعي والممتلكات والقيم وعلى الاستعمالات المشروعة للبيئة"[4].

     ولتحديد تلوث البيئة البحرية، لابد أولا من تعريف تلوث المياه عموماً، و لا خلاف في أن تلوث المياه يقصد به :"إحداث تلف أو إفساد لنوعية المياه ، مما يؤدي إلى حدوث خلل في نظامها الإيكولوجي بصورة ضارة و مؤذية عند استعمالها ،أو فقدانها الكثير من قيمتها الاقتصادية ، و بصفة خاصة مواردها من الأسماك ، و الأحياء المائية"، أو هو "تدنيس مجاري الماء من أنهار وبحار ومحيطات إضافة إلى مياه الأمطار و الآبار و المياه الجوفية ، مما يجعل من هذه المياه غير صالحة للإنسان أو الحيوان أو النبات أو الأحياء التي تعيش في المسطحات المائية "[5]، و التلوث قد يكون طبيعيا أو كميائيا أو حراريا أو بيولوجيا .

    -التلوث الطبيعي : هو التلوث الذي يغير خصائص الماء من حيث رائحته و مذاقه، مما يجعله غير صالح للاستعمال الآدمي.

     - التلوث الكميائي : و هو التلوث الذي يكسب الماء تأثير سام نتيجة لوجود الملوثات الكميائية الخطرة فيه مثل : الرصاص و مركباته، و الزئبق، أو الزرنيج أو المبيدات الحشرية و غيرها .

    - التلوث الحراري : و هو التلوث المؤدي إلى رفع درجة حرارة المياه فيعرض بذلك حياة الكائنات الحية و النباتات و بعض العناصر الأخرى للخطر، ويحدث ذلك نتيجة لتسريب و تفريغ بعض الملوثات الصناعية و المياه الحارة المستخدمة في التبريد في المصانع و المحطات الخاصة بتوليد الكهرباء، كما قد يؤدي التلوث لأكسدة بعض المواد المعدنية الملقاة في المياه فتسبب اكتساب المياه خواصاً سامة.

  - التلوث البيولوجي : و هو التلوث الذي يؤدي إلى تغيير طبيعة المياه و نوعيتها و تؤثر في سلامة استخدامها نتيجة لوجود مكروبات مسببة للأمراض،أو الطفيليات  الضارة في المياه.

      و تختلف البيئة البحرية عن غيرها من البيئات الأخرى، إذ تتميز بوجود الكائنات الحية، والنباتات البحرية و الشواطئ و الطيور البحرية وحركة الأمواج وطاهرة المد و الجزر ، وغير ذلك من العوامل المؤثرة على مياه المحيطات و البحار ، و على حيات الكائنات التي تعيش فيها، و هو ما يفاقم من خطورة التلوث عند وقوعه، ويساهم في انتشاره و صعوبة السيطرة عليه .

     و بالرجوع إلى اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون البحار لسنة 1982 ، نجدها تعرف لنا معنى التلوث البحري وذلك من خلال المادة الأولى من الاتفاقية (البند الأول الفقرة 4) على أنه :"يعني تلوث البيئة البحرية،إدخال الإنسان في البيئة البحرية بما في ذلك مصاب الأنهار بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، مواد أو طاقة ، تنجم عنها أو يحتمل أن تنجم عنها أثار مؤذية، مثل الإضرار بالموارد و الحياة البحرية، و تعريض الصحة البشرية للأخطار ، و إعاقة الأنشطة البحرية، بما في ذلك صيد الأسماك ، وغيره من أوجه الاستخدام المشروعة للبحار، والحط من نوعية و قابلية مياه البحر للاستعمال و الإقلال من الترويج"[6].    

    و في الواقع فقد تعددت مصادر تلوث البيئة البحرية، بتعدد الأنشطة الإنسانية، فقد ينشأ هذا التلوث من جراء أنشطة تجري في البر أو في قاع البحار، أو في الجو أو من خلاله، أو كنتيجة لإغراق النفايات أو التخلص منها في البحر، غير أنه يظل أبرز مصدر لتلويث البيئة البحرية "و الأكثر انتشارا" هو استعمال البحر كوسيلة للنقل و التنقل بواسطة السفن كما يؤكد ذلك فقيه قانون البيئة ألكسندر شارل كيس [7]، وقد ذهب الدارسين ممن تناولوا موضوع تلوث البيئة البحرية،إلى تصنيف مصادر التلوث تبعا لطبيعة المادة الملوثة، فتعرضوا لتلوث البيئة البحرية بالمواد النفطية أو التلويث بالمواد المشعة و ما إلى ذلك، في حين ذهب أغلبهم إلى تناول أسباب تلوث البيئة البحرية من خلال نوع النشاط المسبب للتلوث، و نظرا لشمولية الموضوع و اتساعه، فضلنا أن نتطرق إلى مختلف الجهود الدولية لحماية البيئة البحرية من التلوث بغض النظر عن أسبابه وطبيعة المادة الملوثة، و انطلاقا مما سبق ما هي إذا أهم قواعد حماية البيئة البحرية ؟وما هي أهم المبادئ الدولية  المستأنس بها في هذا المجال ؟

   هذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال التصميم التالي:

v          المبحث الأول: قواعد حماية البيئة البحرية.

·       المطلب الأول: حماية البيئة البحرية المرتبطة بنوع الملوثات.

·       المطلب الثاني: حماية البيئة البحرية المرتبطة بالنطاق الجغرافي.

v               المبحث الثاني: حماية البيئة البحرية في إطار المبادئ الدولية.

·       المطلب الأول: المبادئ التقليدية لحماية البيئة البحرية.

·       المطلب الثاني: المبادئ الجديدة لحماية البيئة البحرية.

 

v          المبحث الأول: قواعد حماية البيئة البحرية.

بدأ القانون الدولي منذ وقت بعيد نسبياً ، في الاهتمام بمشاكل التلوث بشكل عام ، و التلوث البحري على وجه الخصوص ، وقد شملت قواعد حماية البيئة البحرية ، جميع أنواع التلوث ، و مختلف صوره و أشكاله ، كما شملت المناطق البحرية المختلفة ، و تتوخى هذه القواعد تحقيق هدفين رئيسيين هما :

     - الهدف الأول: وقاية البيئة البحرية من التلوث.

  و لتحقيق هذا الهدف تعمل هذه القواعد على استباق التلوث البحري و الحيلولة دون وقوعه ، و ذلك قبل حدوث التلوث بفترة كافية ، عن طريق إرساء ، و اتخاذ الإجراءات المناسبة الكفيلة بتأمين القيام بالنشاطات المختلفة ، و  التأكد من أنها لا تشكل أية خطورة على البيئة البحرية ، في أي جزء منها ، كما تضع معايير السلامة للبيئة البحرية ، و للنشاطات المختلفة ، التي يمكن أن تمارس فيها ، كما تحظر هذه القواعد ، بعض التصرفات و الأنشطة و المشاريع ، التي يمكن أو من المحتمل أن تؤدي إلى تلويث البيئة البحرية و التأثير عليها، و يمكن أن توقف هذه القواعد بعض النشاطات و المشاريع القائمة ، إذا تبث بأن لها تأثير سلبي مباشر أو غير مباشر على البيئة البحرية ، في المدى القريب أو البعيد[8] ، و تتناول هذه القواعد أيضا سبل الوقاية من التلوث من المصادر المختلفة ، قبل أن ينتقل التلوث إلى البيئة البحرية.

     - الهدف الثاني: علاج البيئة البحرية من التلوث و مخاطره.

     و لبلوغ هذا الهدف فلابد أولاً أن تعمل هذه القواعد على حماية البيئة البحرية فور وقوع حوادث التلوث البحري مباشرة،و ذلك بالحيلولة دون انتشار التلوث إلى مناطق البيئة البحرية المجاورة لموقع الحادث، عن طريق اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتلافي الأضرار الناتجة عن الحوادث البحرية المختلفة،ووضع السبل و الإمكانات و الوسائل الكفيلة بمحاصرة أي حادث ، في متناول الجهات المسؤولة و المختصة، لتمكينها من السيطرة على التلوث، و تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن،و ثانياً،تحدد هذه القواعد الإجراءات الكفيلة بمعالجة مشاكل التلوث ، خلال و بعد الحوادث و الكوارث البحرية ، أو خلال و بعد حدوث التلوث البحري لأي سبب من الأسباب و من أي مصدر من المصادر[9] ، ولكي يتحقق الهدفان الرئيسيان السابقان (الوقائي و العلاجي) تتضافر و تتكامل مجموعة من القواعد و الإجراءات القانونية، التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية لحماية البيئة البحرية، منها ما ارتبط بنوع الملوثات التي تصيب البيئة البحرية ، ومنها ما ارتبط بالنطاق الجغرافي الذي تحكمه أو يمتد تأثيرها إليه.

       إذا فما هي هذه القواعد التي تضمنتها الاتفاقيات الدولية، والتي تهدف لحماية البيئة البحرية و على مستوى نوع الملوثات، و كذلك على مستوى النطاق الجغرافي.

   هذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال هذا المبحث، وذلك وفق التصميم التالي:

·       المطلب الأول: حماية البيئة البحرية المرتبطة بنوع الملوثات.

·       المطلب الثاني: حماية البيئة البحرية المرتبطة بالنطاق الجغرافي.

 

·       المطلب الأول: حماية البيئة البحرية المرتبطة بنوع الملوثات.

      تتعرض البيئة التي هي بيت الإنسان و سائر الكائنات الحية، لأخطار عديدة ، بدأت بعد الثورة الصناعية و الزراعية و تهافت الدول على تحقيق أكبر و أسرع معدل لنموها الاقتصادي و الاجتماعي ، و تتفاقم تلك الأخطار يوما بعد يوم بسبب الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية للبيئة، و تعرض البيئة للملوثات الكميائية و الفيزيائية الناتجة عن العمليات الصناعية و النفايات السامة و الصلبة و السائلة و الغازية ، إذ يهدد البيئة العالمية بعناصرها الثلاثة ، التربة ، الماء و الهواء، لذلك سنحصر نطاق التلوث البحري في الملوثات لتالية :

                                     الفقرة الأولى: قواعد الحماية من التلوث من المصادر الأرض

                                     الفقرة الثانية: التلوث الزيتي (النفطي).

                                     الفقرة الثالثة: الحماية البحرية من التلوث بالإغراق.

                                        الفقرة الرابعة: حماية البيئة البحرية من التلوث الإشعاعي.

 

          الفقرة الأولى: قواعد الحماية من التلوث من المصادر الأرضية .

    يعد التلوث من المصادر البرية من أقدم مصادر التلوث البحري، بل و أكبرها حجماً، من حيث المساهمة في تلويث البيئة البحرية، حيث يبلغ حجم الملوثات البرية في البيئة البحرية ما يقرب من 77% من حجم جميع الملوثات التي تدخلها[10].

   و لعل أهم الاتفاقيات المبرمة لحماية البيئة من التلوث من المصادر البرية ، اتفاقية باريس لسنة 1974، واتفاقية برشلونة لسنة 1976، و برتوكول أثينا لسنة 1980[11].

     و إذا كانت اتفاقية باريس و برتوكول أثينا، قد تم إبرامها لمواجهة التلوث البحري من مصادر أرضية، بينما كانت اتفاقية برشلونة عامة و شاملة [12]، إلا أنها جميعها تتناول حماية البيئة البحرية من مصادر برية، و اتخذت بعض الإجراءات تتمثل بحظر تصريف الملوثات من مصادر برية في البيئة البحرية، كما وضعت المعايير و الاحتياطات التي يجب اتخاذها لمكافحة التلوث، وقد تعهدت أطراف اتفاقية باريس بموجب المادة 13 باتخاذ الإجراءات الملائمة لمكافحة التلوث من مصادر برية و العمل على إزالة و تخفيض التلوث من هذه المصادر[13].

   و تعد مياه الصرف الصحي و القمامة ، من أكثر الملوثات الأرضية و أوسعها انتشاراً، و هي المخلفات التي تلقى في المجاري المائية و تحتوي الفضلات البشرية و القمامة الصلبة الناتجة عن سلع الاستهلاك ، و مواد التعبئة و غيرها من القمامة اليومية ، ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أغلبية الشواطئ المجاورة للمراكز السكانية تمتلئ بالفضلات البلاستيكية[14]، التي تجرف من البحار أو من الأنهار ، أو تلقى من السفن أو القاذورات أو تلك المخلفات التي يدفنها مقاولو القمامة المخالفون ، أو يتركها مستخدمو الشواطئ.

                                <!--

   و كما هو معروف يفضل دائماً معالجة مياه الصرف الصحي ، معالجة ابتدائية قبل إلقائها في البحار ، وذلك بإزالة ما بها من فضلات و مواد صلبة ن وكذلك يفضل إلقاء هذه المياه بعيداً عن الشواطئ بواسطة أنابيب خاصة، وتمتد داخل البحر لمسافات كبيرة تصل نحو 10km بعيداً عن الشاطئ لتصب هذه المخلفات في عمق لا يقل عن خمسين متر تحت سطح البحر[15]

   كما يعد كذلك التلوث الحراري أحد أشكال التلوث الأرضي الناتج عن الصرف الصحي ، و قد فطن كثير من الدول إلى خطورته على حيات الكائنات البحرية ، فأصدرت بعض التشريعات ، التي تحدد درجة حرارة مياه الصرف الساخنة قبل إلقائها في المجاري المائية ، و ألزمت بها المصانع و محطات القوى ( المادة 11 من اتفاقية باريس)، وبهذا نجد أن أغلب هذه الوحدات الصناعية بها أبراج تبريد ضخمة تستخدمها في خفض درجة حرارة المياه ، كما أن بعض محطات القوى النووية ، قد أنشأت بحيرات صناعية خاصة بها ، تستعملها في دورة مياه التبريد[16].

   و تدخل أيضاً ضمن الملوثات الأرضية ،طائفة واسعة من الملوثات الصناعية و الكيميائية ، فاستخدام العديد من المواد الكيماوية في الأغراض المختلفة أصبح جزءاً من الحياة اليومية، و زاد بدرجة كبيرة ، و يصاحب هذا الاستخدام مشكلة التخلص من النفايات الكيماوية المتخلفة عن صناعة بعض المواد ، وتوجد ملايين الأطنان من السموم ، و المواد الضارة الأخرى، تزيد من مشاكل التلوث البيئي كل عام ، و التخلص من هذه النفايات الضارة أصبح مشكلة بحد ذاتها.

    الفقرة الثانية: التلوث الزيتي (النفطي).

     اعتادت السفن أن تلجأ إلى التخلص من الفضلات و مياه الصرف الصحي، و النفايات المضرة و السلع الفاسدة في البحر، ما تلجأ إلى طرح فضلات الزيت و مشتقات النفط و غيرها من المواد الملوثة الناتجة عن تشغيل محركاتها الضخمة في مياه البحر، و هو ما يسبب أضراراً أكيدة بالبيئة البحرية،و تزايد حدة و حجم هذه الأضرار عندما تعمد السفن السهريجية، ولاسيما ناقلات المواد النفطية إلى إلقاء مياه الاتزان ، أي الصابورة ، ballast ، و تنظيف صهاريجها في عرض البحر ،و هو ما يشكل تلويثا دائماً و خطيراً للبحار ، فخلال رحلة العودة من ميناء لتفريغ إلى ميناء الشحن ،حيث تكون السفن غير محملة (فارغة) ، فإنها لا تستطيع الإبحار دون موازنة نقلها، لهذا تكون مجبرة لحفظ توازنها ، أن تضع المياه في خزاناتها بنسب تتراوح من 30% إلى  50% من حمولتها ، وتسمى هذه المياه، بمياه الاتزان أو الموازنة أو بمياه الصابورة،water ballast-ballat[17]، إلى جانب هذا التلوث الدائم و العمدي للبحار و الناجم عن التشغيل الاعتيادي للسفن ، و الذي يعرف بالتلوث التشغيلي la pollution opérationnelle[18] ، نجد أيضاً التلوث العارض أو التلوث الطارئ la pollution accidentelle   الناتج بالخصوص عن حوادث الملاحة البحرية ، فكثيراً ما تتعرض السفن لحالات التصادم أو الجنوح ، إما بسبب سوء الأحوال الجوية و الظروف الطبيعية ، أو بسبب خطأ في الإرشاد في القيادة، أومن جراء أعطاب لحقت بالسفينة أو غير ذلك من الأسباب ، وغالباً ما تؤدي هذه الحوادث البحرية إلى تسرب كميات كبيرة من المواد المضرة و الخطيرة إلى البحر ، مثل المواد المشعة و الكيماوية ، و في معظم الأحوال المواد النفطية ، فتسرب هذه الأخيرة إما من الصهاريج أو من عنابر الوقود إلى مياه البحر ، يؤدي إلى تكون بقع نفطية سوداء على سطح البحر ، مشكلة ما يعرف بالمد الأسود ، و فمثل هذه الحالة تتعرض سلامة البيئة البحرية لأخطار كبيرة تهدد التوازن البيولوجي للبحر، والأنشطة الاقتصادية المرتبطة به[19].

    <!--

   و إذا كانت قد صدرت العديد من التشريعات الوطنية لحماية البيئة البحرية من التلوث النفطي إلا أنها لم تكن مؤثرة و فاعلة، بينما تأخرت الجهود الدولية، و الإقليمية، حتى أصبح التلوث النفطي مشكلة واقعة و متفاقمة تهدد الجميع، و قد تنبهت دول و شعوب العالم لخطورة التلوث النفطي بعد حادثة سفينة تيوري كانيون سنة 1967[20]، وبسببها شعرت دول العالم بضرورة تضافر الجهود من أجل مواجهة ظاهرة تلوث البيئة البحرية بالزيت، وفي هذا السبيل أثمرت الجهود الدولية في عام 1969 ، عن عقد برتوكول اختياري خاص بين ملاك و مستأجري الناقلات البترولية بشأن المسؤولية عن التلوث بالزيت ، ولقد عرف هذا الاتفاق باسم " توفا لوب Tovalop  " ، و قد حظيت هذه الاتفاقية بترحيب عالمي ، إذ صادقت عليها 66 دولة كما قامت 44 دولة بالمصادقة على اتفاقية الصندوق ، ورغم ذلك رفضت الولايات المتحدة الأمريكية التصديق على هاتين الاتفاقيتين بحجة أن المبالغ التعويضية المتاحة بمقتضى أحكامها لاتقدم الحماية الكافية للمضرورين في حوادث التلوث البحري بالزيت[21] .            

    الفقرة الثالثة: الحماية البحرية من التلوث بالإغراق.

    يعد هذا النوع من أنواع التلوث الخطيرة، بل أخطرها على الإطلاق كما يذهب إلى ذلك بعض الفقه، إذ أن ما يتم إغراقه هو عبارة عن ك مواد سامة ، أو مؤدية أو ضارة كما تتوفر في فعل الإغراق ، النية المبيتة و الإرادة و التصميم المسبق في تلويث البيئة البحرية ، أي أن الفعل عمدياً ، مما سوغ القول ، بأن التلوث بالإغراق ينطوي في جميع الأحوال على جريمة دولية لتوافر الركنين المعنوي و المادي ، و هو ما يستدعي بذل الجهود المكثفة من اجل منعه بكل وسيلة من الوسائل ،والتخلص النهائي من أضراره على المستويين الإقليمي و الدولي [22]، ونظراً لخطورة التلوث عن طريق الإغراق ، فقد ألزمت اتفاقية جنيف لسنة 1958 الخاصة بالبحر العالي ، كل دولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لنع تلوث البحار عن طريق إغراق النفايات المشعة ، و الالتزام بجميع القواعد و اللوائح التي تضعها المنظمات الدولية المختصة ، كما ألزمت جميع الدول بالتعاون مع هذه المنظمات لمنع تلوث البحار و الهواء الذي يعلوها ، نتيجة لأي نشاط يستخدم المواد المشعة أو أي طاقة ضارة [23] .

    الفقرة الرابعة: حماية البيئة البحرية من التلوث الإشعاعي.

     تنطوي خطورة هذا النوع من الملوثات من خطورة الطاقة النووية ، و ما تسببه من أضرار بالغة الخطورة على الأحياء البحرية ، والبيئة البحرية و كذلك الأضرار التي تنتقل للبشر جراء استعمالهم للبيئة البحرية في النشاطات لمختلفة، مثل السباحة  أو في النشاط التجاري أو اعتمادهم على الثروات الحية في التغذية و استخلاص العقاقير أو الأغراض التجارية ، و غير ذلك من أوجه النشاطات المختلفة[24] .

   و في هذا المجال ، أبرمت اتفاقية جنيف الخاصة بالبحر العالي سنة 1958، و معاهدة باريس 1960 و معاهدة فيينا لعام 1963 الخاصة بالمسؤولية عن الأضرار النووية ، و اتفاقية موسكو لسنة 1963 ، الخاصة بالحظر الجزئي للتجارب النووية ، و اتفاقية بروكسيل الخاصة بالمسؤولية المدنية في مجال النقل البحري للمواد النووية لسنة 1971، و التي تناولت التلوث و أثاره الناجمة عن إلقاء الفضلات النووية في البحر ، و توجد العديد من الاتفاقيات الدولية بهذا الشأن و التي تظهر مدى اهتمام القانون الدولي بأضرار استخدام الطاقة النووية و عزم المجتمع الدولي على وضع حد لهذه الأضرار عن طريق القانون الدولي و الأجهزة الدولية [25] .

 

 

·        المطلب الثاني: حماية البيئة البحرية المرتبطة بالنطاق الجغرافي.

  من خلال هذا المطلب سنحاول الوقوف  على أهم قواعد حماية البيئة البحرية من التلوث على كل من المستوى الوطني ، و الإقليمي، و الدولي ، وذلك وفق الشكل التالي:

- الفقرة الأولى: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الوطني.

- الفقرة الثانية: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الإقليمي.

- الفقرة الثالثة: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الدولي.

 

- الفقرة الأولى: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الوطني.

 يتوفر المغرب على واجهتين بحريتين، ويبلغ طول سواحله 3400 كلم بل و يفوق المساحة الإجمالية لمجالاته البحرية مساحة إقليمه البري ، حيث تتجاوز مليون كلم مربع[26] ، وهي مجالات غنية بالثروات السمكية ، و يشكل استغلال هذه الأخيرة إحدى دعائم الاقتصاد الوطني و احدى المرتكزات أمنه الغذائي، غير أن انفتاح المغرب على واجهتين بحريتين ، المتوسطية و الأطلسية ، و موقعه على مضيق جبل طارق ، يجعل مجالاته البحرية معرضة للتلوث[27] ، و يجعل الوسط البيئي البحري يعاني من وضعية بيئية هشة، و تعزى هذه الحالة إلى حركة الملاحة الكثيفة التي تشهدها سواحله و ما يترتب عنها من أخطار التلوث نتيجة احتمال وقوع حوادث بحرية ، أو نتيجة تنظيف صهاريج السفن البترولية، أو رمي الزيوت و مواد ضارة أخرى مباشرة إلى البحر ، كما تظهر ذلك الوقائع و تؤكده الدراسات و التقارير العلمية [28]، ففي أواخر شهر دجنبر من سنة 1989 ستعرف السواحل الأطلسية المغربية انفجار خزانات الناقلة الإيرانية خرج5المتوجهة إلى ميناء روتردام بهولندا، التي كانت محملة ب 284000 طن من النفط الخام ، وقد أدى هذا الانفجار إلى عطب السفينة و اشتعال النيران فيها ، و بدأت تتسرب إلى البحر 200 طن من النفط في الساعة من فتحة في هيكلها بلغ قياسها 20متر في الطول و 10 أمتار في العرض ، و كانت الحصيلة تسرب ما يفوق 70ألف طن من المواد الملوثة إلى المياه المغربية[29] .

    كذلك يمكن الرجوع إلى القلق الذي خلقه رسو الغواصة النووية البريطانية "تريلس"في ميناء جبل طارق سنة 2000      و ردود الفعل المغربية[30]، كما تجدر الإشارة كذلك إلى التخوف الذي أثاره الحادث الذي تعرضت له ناقلة النفط القبرسية "كاستور" بتاريخ 31 دجنبر 200 قبالة السواحل المتوسطية المغربية (على بعد 25كلم من ميناء الناظور) والتي كانت محملة ب 29545 طن من البنزين قادمة من نيجيريا و متجهة نحو رومانيا [31] .

<!--

   و في مواجهة هذه الوضعية فإن المغرب يعاني من نقص تشريعي في ميدان حماية البيئة البحرية من التلوث الصادر عن السفن، و التلوث البحري بصفة عامة، بحيث نجد أنه خصص لحماية البيئة البحرية فقط فصلا ، و ذلك من خلال الباب الثالث من القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة[32]، إضافة لبعض الإتفاقيات التي وقع عليها في هذا المجال ، من أبرزها اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط من التلوث لسنة 1976. و كذلك اتفاقية لندن لسنة 1962 ، بشأن حماية تلوث مياه البحر بالمحروقات ، التي إنضم إلها سنة 1969[33]، من هنا تبدو أهمية ملائمة منظومته القانونية مع قواعد القانون الدولي ، و الإفادة و الاستفادة من الحلول التي بلورها المجهود الدولي في هذا الميدان[34].

 

- الفقرة الثانية: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الإقليمي.

     إن التعاون الإقليمي في مجال حماية البيئة البحرية وسيلة لضمان الالتزام ، و تجاوز العجز الفردي للدول ، بل إن التعاون الدولي ، سواء على المستوى الإقليمي ، أو على المستوى العالمي ، يعد ضماناً أكيداً لتنفيذ و تطبيق الالتزام الدولي بحماية البيئة البحرية ، فيما لو قدر لدول أن تستخدم هذا المنهج على النحو الذي رسمته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار [35]، كما أن تكريس المنهج الإقليمي لضمان حماية البيئة البحرية من أخطار التلوث التي تهددها ، يجد تشجيعاً دائماً من المنظمة الاستشارية البحرية الحكومية (EMCO ) ، وبرنامج الأمم المتحدة لشؤون البيئة UNEP) (، وكذلك بهدف حماية مناطق بحرية محددة ، و تتجه أغلب تلك الاتفاقيات لحماية البحار المغلقة و شبه المغلقة[36].

    في هذا الصدد يمكن أن نتناول بعض الاتفاقيات بإنجاز بما يسلط الضوء على الجهود الإقليمية في مجال حماية البيئة البحرية ، مثل :

  -اتفاقية بون لسنة 1969 ، لحماية بحر الشمال من التلوث بالزيت –البترول- ، و التي وقعتها كل من فرنسا، ألمانيا الاتحادية و بريطانيا، و هولندا، و النرويج، و السويد و بلجيكا، و الدنمارك، وتهدف ّإلى وضع نظام مشترك لوقاية مياه بحر الشمال[37] ، و كما هو واضح ، فقد اهتمت الاتفاقية بالحماية من نوع واحد من أنواع التلوث و في منطقة محددة[38] .

   - اتفاقية أوسلو لسنة 1971 الخاصة بمنع التلوث البحري بالإغراق من السفن و الطائرات –المغرب كان طرفا في هذه الاتفاقية- و التي يمتد نطاق سريانها ليشمل منطقة شمال الأطلسي و بعض مناطق المحيطات القطبية ، و تسري الاتفاقية على جميع السفن التي تحمل مواد بقصد إغراقها في أقاليم الدول الأطراف ، كما أنها تسري على السفن و الطائرات المسجلة في الدول الواقعة في تلك المناطق[39].

       ومن الاتفاقيات الشاملة، اتفاقية برشلونة لسنة 1976،الخاصة بحماية البحر الأبيض المتوسط من التلوث،حيث تعد هذه الاتفاقية حسب بعض الفقه، انعكاسا واقعيا لفكرة الإقليمية و تطبيقاً ناجحا لدورها الوظيفي في حماية البيئة البحرية، حيث أنها من أوسع الاتفاقيات الإقليمية شمولا و تفصيلا، و قد ألحق بها بروتوكولان، أحدهما خاص بمنع التلوث الناجم عن الإغراق من السف و الطائرات والأخر بالتعاون في أحوال الطوارئ لمكافحة التلوث الناجم عن البترول و عن المواد الأخرى[40].

     - الفقرة الثالثة: قواعد حماية البيئة البحرية على المستوى الدولي.

    قبل التطرق لهذه القواعد ، تجدر الإشارة إلى أنه لا خلاف بأن الالتزام الدولي بحماية البيئة البحرية من التلوث لم يكن وليد اتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار ، و إنما كان قد استقر في ضمير المجتمع الدولي كمبدأ عام متعارف عليه على المستويين ، الدولي و الإقليمي ، وكذا في نطاق التشريعات الوطنية ، و قد جاءت اتفاقية الأمم المتحدة فنظمت هذا الالتزام ، وحددت مضمونه دون أن تتدخل لتغيير أساسه القانوني، حيث أفردت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 الجزء الثاني عشر منها لقواعد حماية البيئة البحرية ، و تعمل هذه القواعد على حماية البيئة البحرية على المستوى الدولي[41].

    و كما هو معروف لم تلق حماية البيئة البحرية الاهتمام الذي تستحقه إبان مؤثمر قانون البحار عام 1958 ، و لم تشر اتفاقيات جنيف إلى هذا الموضوع إلا بإقتضاب  من خلال مقتضى المادتين 24-25، وذلك عكس اتفاقية قانون البحار لسنة 1982، التي تمثل القاعدة الشاملة و المتماسكة ، و التي تعبر إلى أقصى حد عن الرغبة في أن تحقق الدول مبادئ و توصيات مؤثمر استوكهلم، و تؤدي إلى رقابة أكثر فاعلية للحد من التلوث البحري[42] ، فوفقا لهذه الاتفاقية ، لم تعد البحار كما كانت في السابق مكونة من منطقتين فقط ، منطقة البحر الإقليمي ، وبعدها مباشرة منطقة أعالي البحار ، إذ تم توزيعها بين الدول بشكل إنفرادي (البحر الإقليمي ، المنطقة الاقتصادية ،الجرف القاري)، و بشكل جماعي(المنطقة الدولية)، وأصبحت بالتالي منطقة أعالي البحار ، و المنطقة الدولية[43] تبتدئ بعد الحدود الخارجية للمناطق الاقتصادية، أو بعد حدود الجرف القاري للدول الساحلية ، بالنسبة للمنطقة الدولية لقاع البحر ، وما تحت القاع ، و بالتالي أمكن القول أنه بعد امتداد 200 ميلاً بحري تبتدئ المناطق الخاضعة للنظام الدوليfile:///C:/Documents%20and%20Settings/Ad

المصدر: ماستر قانون البحار و الساحل 2010-2011 يونس فتحاني
0 تصويتات / 2236 مشاهدة
نشرت فى 27 أكتوبر 2011 بواسطة younes2010

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

21,682