أين الحكماء
بقلم . شحات خلف الله عثمان كاتب ومُحام
قديماً كنا نلتمس الحكمة من أفواة السابقين ونقتفى أثرها بقدر إستطاعتنا وكان لكبار السن قُدسية خاصة فى نفوس الجميع فقد جالدوا الدنيا وجالادتهم وزرعت فيهم الدروس والعبر التى يتناقلها الأجيال تلو الأجيال .
وكان كبار القوم ذوى هيبة وحضور قوى بين الجميع ولا أقصد هنا بكبار القوم الأكثر جاهاً أو سلطاناً بل الأكثر مصداقية ومن أهل الرآى السديد فى مختلف المواقف وكانت كلمتهم كالسيف المسلط على الرقاب الذى لا تُـرد قراراته ولا يُطعن عليها بين الأفراد .
منذ فترة أُذيع مسلسل عن شيخ العرب همام وذئاب الجبل وأكاد أُجزم أن الجميع تابع هذه المسلسلات ورأى كيف كان يتصرف يحى الفخرانى و حمدى غيث فى المواقف والخصومات التى تُعرض عليه وكيف كان الإنصياع للقرار ونُصرة المظلوم حتى إن كان الظالم من ذوى رحمه أو المحظيين لديه وهى ثقافة أصبحت فى زمننا المعاصر ثقافة باليه لا مكان لها الإ فى مُخيلات كاتبى القصص والسيناريوهات التلفزيونية للأسف !
هذه الحروف ربما تُصادف الواقع فى كثير من المجتمعات العربية مما يدعو الى الحسرة والحنين الى وجود الكبير الحكيم الذى يقوم بإعادة بلورة القيم الأصيلة فى المجتمعات .
كنت قد تناولت فى مقال سابق تم نشرة ورقيا فى صحيفة شعراء النيل بعنوان المصالحات الثأرية وتحدثت فيه عن دور اللجان الشعبية التى تقوم بالإصلاح بين الناس المتخاصمة ومدى الزامية القرارات التى تنبثق عنها وبينت أن دورها يكاد أن يكون معدوما فى أغلب الإحوال .
وعندما تدبرت فى ظاهرة ضياع الحكماء فى المجتمعات العربية وجدت أن الفهم الخاطئ للثورات العربية التى عَصفت بمجتماعتنا كالرماد فى يوماً شديد الرياح والفهم الخاطئ للحريات جعل دور كبار السن يتقزم ويقل تأثيرة فى محيط الأسر والعائلات والقبائل وبالتالى الدول .
فقد أصبح جيل الشباب لا يكن للكبير إحتراماً أو توقيراً وأصبح الرجولة فى عرف الكثيرين هو التمرد وعدم تقدير كبار السن .
لقد وصلنا لحال أصبح فيها الأبناء لا يكنون لأبائهم ادنى ذرات الإحترام الإ من رحم ربى حتى لا يكون التعميم منهجا .
وبطبيعة الحال إنعكست هذه التصرفات الى خارج محيط الأسرة وأصبح التمرد هو العنوان السائد فى المعاملات بين البشر دون رادع أو مرجعية تقول توقف هناك خطوط حمراء يجب عدم تجاوزها .
ويبقى السؤال الحائر فى صدرى أين الحكماء الذين يستطيعون إعادة زمام الأمور الى نصابها وبتر الفتن فى مهدها قبل انغماسها فى المجتمعات وتغلغلها حتى تصبح إراقة الدماء أيسر من شرب المياة وقت الإفطار .
هنا أعول على المثقفين وحاملى الشهادات العلمية الرفيعة وأستنهض فيهم اظهار معنى الحريات والرجولة ونبذ العصبيات والفرقه وحل الخلافات بين البشر بإعمال المنطق وأستلهام روح الحكمة ممن سبقونا وغرس قيمهم فى نفوس الشباب .


