قل أن تخلو فرقة مغالية من فرقة مغالية مقابلة لها وعلى الضد منها وهذا معروف في باب العقيدة .. فأهل السنة وسط بين القدرية والجبرية والخوراج والمعتزلة كما هو معلوم من معتقد أهل السنة والجماعة .
وقل مثله في سائر شؤون العلم والفكر والبحث .. من متساهل إلى متشدد إلى وسطي . سواء أكان ذلك في علم الشرع أو غيره .
بل حتى الصفات الشخصية والأخلاق الجبلية كذلك بل حتى السائرون إلى الله والطائعون فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات .. وكأن هذه سنة من سنن الله التي فطر الناس عليها .
ثم إنه لا يغني عنك زعمك الوسطية أنك صحيح الرأي مصيب في المنهج ، فأنا مثلا كاتب المقالة هذه أزعم أني وسطي بين الغلاة الجهادية والغلاة الجامية وقد أكون في حقيقة الحال غير وسطي تماما بل مغال في وسطيتي أو أنني أنحو إلى جانب أحد الغلاة وأميل إليهم حتى صرت أقرب إليهم من الغلاة الآخرين ، فتكون وسطيتي هذه مفتقرة إلى تصويب وتقويم أيضا ، ومن هنا ينشأ عندنا غلاة الجهاد ومن يميل إليهم وغلاة الجامية ومن يميل إليهم ، ووسط بينهم وسطا حقيقيا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
ثم إن الوسطية هذه المزعومة قد تكون انحرافا من حيث لا يشعر صاحبها ، فقد يكون الحق إلى جانب الطائفة التي نظن أنها مغالية ! فالليبرالي الذي يعيش في ديار الإسلام نجد لسان حاله ومقاله أنه غير مسلم تماما وغير ليبرالي غربي تماما ، فهو يصلي ويصوم ولكنه يشمئز من اللحية ويزعم أن تطبيق الشريعة رجعية .. فهذه الوسطية المزعومة كُفْرٌ في ظاهرها كما ترى !
فالوسطية الشرعية هي التي نزل بها كتاب الله وجاء ت بها السنة فالوسطية موافقتهما موافقة صحيحة سليمة من العيوب والأسقام والأوهام وهذا هو الوسط المعترف به ، لا الوقوف بين القولين والأخذ من كل مسألة بطرف فهذه وسطية رياضية لا شرعية ، كأن يزعم داعية أن المرأة غير مطالبة بالحجاب والجلباب والخمار ولا بالتعري والتهتك وإنما يكفيها بنطال وقيمص ساتر وغطاء للرأس .. كما هو الإسلام الأمريكي المعروض في قنواتنا !
نعم إن ترجحت الأدلة في الأقوال الثلاثة – الحرمة والإباحة والجواز- وتساوت قوة دلالاتها فقد يجوز الأخذ بالإباحة مثلا كوسط بين الأقوال وتخفيفا على السائل ، ولا يعني أن الإباحة رفق بآخذها بل قد يكون الأخذ بالوجوب أو التحريم هو الأرفق بالعابد والسائل .. وكلها مسالك شرعية دقيقة لا يفصل فيها إلا من له باع في العلم !
الموضوع :
ويبدو من خلال مناقشة ومعرفة حال غلاة الجهاد -أو التكفيريين في بعض الأنماط- وغلاة الطاعة -أو الجامية والمداخلة كما يُوصَفون -: تشابه كبير يستحق منا دراسة متسفيضة وتتبعا دقيقا لا تغني عنها إلماحة يسيرة يكتبها كاتب ..
فمن وجوه الشبه : تشكل الأفكار من ردّات الفعل ، فالسجون والاضطهاد وتغييب الشريعة للمطالبين بالعدل والحق أفرز لدينا صنفا غالى وجفى عن الجادة فكفّر خصمه وكل من يعاونه أو يسير في فلكه ونظر إلى مجتمعه نظرة إقصائية ، فإذا ما جئت تنصحه وتحثه على اللين قال : جئناكم بالذبح !
ومن نتاج هذا الغلو نشأ غلو آخر لا ينفك عنه ألا وهي الجامية فاختاروا الطريق المضاد والسلمية السلمية وأصبحوا يُنزلون أحاديث طاعة ولاة الأمر وما ورد في شأنهم على حكام هذا الزمان الذين هم أبعد الناس عن ما ورد في تلك الأحاديث ، وأصبحوا يُخرّجون لأخطاء الولاة ويلتمسون لهم الأعذار .
فتشابه غلوهم وتماثل تطرفهم .
ومن أوجه الشبه :
التفنن في تصنيف الناس وإخراج الأوصاف التي تنفر الناس منهم وتمييزهم بدقة واحتراف عبر نهج انتهجوه وميزان وضعوه ، وإن كان غلاة الطاعة يفسقون ويبدعون ويفرون من التكفير فرار الغزال لكنهم فروا من حرج ليقعوا في حرج آخر ألا وهو التبديع ، فهم أورع الناس في التكفير وأكثرهم تساهلا في التبديع !
ومنها : الغلظة على المؤمنين والرفق بالكافرين أو الغلظة عليهم جميعا حتى لا نظلم بعضهم .
فتجد الجامي ورعا في الحكام وحاشيته من الفسقة والفاجرين بينما هو خرّاج ولاّج في أعراض الدعاة إلى الله ، وهكذا اليوم نرى "داعش" مثلا يتقربون إلى الله بدم المجاهد المرابط على الثغور أكثر مما يتقربون إليه بدم النصيري ! أو يساوون دم المجاهد المسلم بدم النصيري !
ومنها : التقعر في الألفاظ والسجع الأقرب إلى سجع الكهان لتنميق الحجة وتسويق البضاعة ، وكُتب غلاة الطاعة تشهد ، وإصدارات غلاة الجهاد لا تُكذّب .
ومنها : تصدير الأغرار وتقديم الأسوأ خلقا : فعلى قدر إثخانك وتكفيرك وعضلاتك تقدم عند غلاة الجهاد وعلى قدر تبديعك وتصنيفك وطول لسانك تقدم عند غلاة الطاعة .
ومنها : الزهد في علوم الآلة والخوض في علوم الغاية من غير تأهيل ولا تأصيل فأصبح لدينا منهج استدلالي مشوّه .
ومنها : الاقتصار على ما كَتبه الشيوخ أو ما أصدرته منتديات الجهاد من غير ثني للركب على أهل العلم فاستنسر العصفور وظن أنه بطلا .. بل تعدى الأمر إلى التزهيد في العلماء والشيوخ والزعم بأن السلف رجال وهم رجال ،، وبدعاوى باطلة كالتلبس بالسلفية أو اتّباع السنة وعدم التعصب والتمذهب .. فوقعوا مما فروا منه بل أسوأ .
ومنها : السابقة الجاهلية ، فكثير من كلا الصنفين كان غارقا في المعاصي والملاهي فاهتدى إلى أحد هذين المنهجين القاسيين فصادف طبعا فيه وحياة عاشها .. فزاد عليها من قسوته وغلظته ، فإذا تصدّر هذا بعد حين فوا مصيبتاه .
ومنها : الجزم في المسائل الخلافية ، وهذا ناشئ من الجهل أيضا ، فيعقد الولاء والبراء على مسائل اجتهادية أو قابلة للاجتهاد ، أو أن الحق معه لكن المخالف لا يستحق هذا الكم الهائل من الردود والغلظة !
ومنها : الانشغال بسفاسف الأمور وترك المهمات والعظائم ، وكذلك المسائل الفرعية الفقهية وترك المسائل الأصلية الاعتقادية ، فمثلا تجد غلاة الطاعة قتلوا مسالة تحريك الإصبع في الصلاة بحثا بينما لا تجد لهم اهتماما في باب المعاملات أو السياسة الشرعية أو ما سوى باب الطهارة والفقه من بلوغ المرام !
وكذلك عند غلاة الجهاد فهم لا يقرأون إلا في باب الولاء والبراء والاعتقاد ثم لا يأخذونه إلا من شيخ أو شيخين ..
ومنها : الانشقاقات الداخلية وما يتبعها من ردود بالغة في الخصومة ، فبالأمس كان فلان شيخه واليوم "رويبضة" ، وذلك لأن شيخه ربّاه على هذا وعلمه الجرأة على غيره ، فلما اشتد ساعده رمى شيخه .
وكذلك عن عند غلاة الجهاد فمُنظر الجهاد و"شيخ الموحدين "بالأمس أمسى اليوم جبانا ، ومتساهلا في العقيدة أو على ضلال .
لذلك تجد الشيخ من كلتا الطائفتين يخشى أتباعه وتلاميذه أكثر من خشيته لأعدائه أصالة ، فيحابيهم ويجاملهم ويرقع لهم خشية أن يتركوه ويحرقوه كما حرقوا غيره من شيوخ "المنهج" !
ومنها : الحزبية المقيتة مع أنهم أكثر الناس فرارا منها كما يزعمون .. إلا أنهم نصبوا راية الولاء والبراء على جماعتهم وشيخهم، فنقدُ شيخهم كنقد العلماء ونقد العلماء نقدٌ للصحابة وهكذا يتسلسل مسلسل غلوهم في شيوخهم !
ومنها : التلاعب الأمني بهم واستثمار الطرفين أو أحدهما لأسباب استخباراتية ، فالأرضية التي انطلقوا منها خصبة لهذا التلاعب فحيث الغلو وحب الانتقام من الطرف المقابل مع الحب الشديد لمن يوافقهم والبغض الأكيد لمن يخالفهم .. يساعد على ظروف الاختراق والتلاعب .
فغلاة الطاعة يُستثمرون لتأييد الطغاة الحاكميين وتثبث عروشهم وحض الناس على مجاوزة أخطائهم ، وغلاة الجهاد يُستثمرون في عمليات قتالية تستهدف الأبرياء أو المسلمين لطلب الدعم الدولي أو توجيه البوصلة نحو تشويه الإسلام أو تحريك الأجهزة الأمنية الراكدة .
فقد استثمرت الأنظمة الأمنية هجوم غلاة الطاعة على الإخوان المسلمين لمعاونتهم في التصفية والانقلاب الأخير في مصر وغيرها .
وكذلك نرى داعش اليوم تقدم للنظام النصيري فضلا عظيما بطعنها في ظهور المجاهدين وتصفيتهم بحركات استخباراتية بالغة الدقة .
ومنها : العيش في كوكب غير الأرض ، وهذا ليس من باب المجاز ، ولكن المتابع لأحوالهم أو كتابتهم يشعر هذا منهم ويفهم هذا من قولهم ، فتجد بعض الجامية السعودية مثلا يمدح ويُخرج للحاكم وكأنه ما زال في عهد الملك عبد العزيز ! مع أن الفارق الزمني والاجتماعي والشخصي والديني هائل !! .. ففقه الواقع والدعوة يكاد يكون معدوما .
ومنها : الوجوه العابسة والهيئات الباسرة وكأن غلظ الوجه من صحة "المنهج" ، وكأن الشماغ والثوب سنة نبوية عند غلاة الطاعة وكأن السواد سنة نبوية عند غلاة الجهاد .. مع المبالغة في تقصير الثوب إلى حد يلفت الأنظار ويثير تساؤل الناس ويُصيّره أضحوكة للناظرين ..
وقُل عند الأخيرين أيضا : المغالاة في إطالة الشعور وإظهارها للناس ولبس الثوب الأفغاني في بلد لا يَعرف أهله هذا اللباس .. فيكون بينهم كالشاذ والغريب .. فإذا نصحته بلباس شرعي لا يخالف ضوابط الشريعة ويقبله عرف الناس قال لك "طوبى للغرباء" !
ومنها : حالات كثيرة يرجع فيها إلى الصواب أحدهم ولكن بعد أن يكبر سنه ويكثر علمه وينضج عقله فيُظهر الأسفَ والندم على ضياع عمره على هذا الغلو .. ولكن بعد أن ينشئ جيلا كاملا ذا جفاء .. والنتيجة؟ حاد الشيخ عن المنهج !
ومنها : عدم البحبوحة في البحث والمناظرة والجدال والصداقة .. فإن لم تكن على منهجه فلست صديقا له ولا جليسا .. ثم ينصح أصدقائك بالبعد عنك وتجافيك والتحذير من سماع كلامك .. والأمر أهون من هذا بكثير .
-ولا يعني ما سبق ذكره تشابهما إلى حد التوأمة بل هما أبعد اثنين وأقرب اثنين فالتشابه بينهم كبير جدا والخلاف بينهم أيضا كبير في مسائل السياسة الشرعية والدعوة والمنهج !
التشابه بينهما يعتاز بحثا علميا ، وإنما هذه إشارات !

