شرع المصنف بذكر الحرية وإطلاقاتها العصرية واللغوية والشرعية ثم ثنّى بذكر مراحل الخطاب السياسي الثلاثة : المنزل والمؤوّل والمبدّل .
المرحلة الأولى مرحلة الخطاب السياسي المنزل .
امتد هذا الخطاب النبوي إلى عام 73 هـ ودرست معالمه باندراس حكم ابن الزبير .
تميزت هذه المرحلة بأمور :
1-ضرورة الدولة للدين ، وأنه لا دين لا بدولة :
قال تعالى " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة" وقال " وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض".
ولا يمكن تفسير اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة قبل أن يواري التراب جسد النبي صلى الله عليه وسلم للبحث عن خليفة لرسول الله إلا بأنه دليل وتأكيد على أهمية الإمامة والخلافة فكان من ثمارها أن قطف أبو بكر رؤوس المرتدين ومانعي الزكاة قبل أن يعم هذا البلاء .
2-ضرورة إقامة السلطة، وأنه لا دولة بلا إمام .
وهي ضرورة بالإجماع لحراسة الدين وسياسة الدنيا كما نص الماوردي ، وهو إجماع الصحابة كما قاله الشهرستاني وابن خلدون، وركن كما قال القرطبي، وإنما ذهب الأصم لجوازها إذا تناصف المسلمون فيما بينهم وأقاموا الحدود !
وأجر الحاكم العادل أعظم أجرا من جميع الأنام بالإجماع كما قال العز ابن عبد السلام، ويكفي أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله .
وإنما النهي عن طلبها في حق الضعيف أو لمن طلبها للجاه .
3-ضرورة عقد البيعة ، فلا إمام بلا عقد .
لم يدخل النبي المدينة بثورة أو انقلاب والإمامة ليست تفويضا أو توريثا بل هي عقد وتراض، فهي عقد وكالة بين الأمة وهي الأصيل والإمام وهو الوكيل، فللأمة عزله إذا خالف ما عاهدهم عليه .
وترشيح أبي بكر لعمر للخلافة من بعده تبِعه بيعة الصحابة له و"لو قدّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما" ومثله عثمان كما نص على الأمرين ابن تيمية ، ولم يصر معاوية خليفة إلا بعد عام الجماعة واجتماع الأمة عليه .
قال أبو يعلى " الإمامة لا تنعقد للمعهود له بنفس العقد وإنما تنعقد بعقد المسلمين ".
وهو عقد اجتماعي يتخلى فيه الأفراد عن بعض حرياتهم مقابل تنظيم شؤونهم .
4-وأنه لا عقد بيعة إلا برضى الأمة واختيارها .
وليس التجارة بأولى منها "عن تراض منكم"، وإذا كان "لا إكراه في الدين" فلا إكراه في الإمامة وهو الصحيح مع أن الماوردي ذكر خلافا في اشتراط رضا أهل الحل والعقد عن المعود له .
ولما خرج ذو النفس الزكية على أبي جعفر استفتُي مالك فقال : إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، كذلك يزيد غصب الناس على بيعته إضافة إلى ما صدر منه مما يوجب فسخه فكان خروج الحسين عليه كما ذكر ذلك ابن الجوزي .
وكان عمر لا يتردد في عزل أمرائه إذا اشتكي منهم الناس ولو كان الحق مع الأمراء، وعزل الحسن نفسه، وقال أبو بكر "إذا زغت فقوّموني".
5-ولا رضى بلا شورى بين المسلمين في أمر الإمامة وشؤون الأمة .
قال عمر :الإمارة شورى بين المسلمين، وهي واجبة بالآية كما رجح ذلك الجصاص والرازي وابن عطية، وهي تتضمن : اختيار الإمام ، ومشاركته الرأي .
وقال عمر : من تأمّر منكم على غير مشورة المسلمين فاضربوا عنقه .
ولما انحصر الأمر بين عثمان وعلي في أمر الخلافة أخذ عبد الرحمن بن عوف رأي ربات الخدود والصغار حتى اجتمع أمرهم على عثمان .
-ولهم أن يتشرطوا عليه ، كما اشتُرط على عثمان أن يسير بسيرة أبي بكروعمر ، واشتُرط على علي القصاص من قتلة عثمان .
وقد سأل عثمان الصحابة في ترك الخلافة لما حوصر فنهاه ابن عمر خشية أن لا تكون فتنة، وهذا هو السبب، لا حرصه عليها .
قال عمر بن الخطاب لأصحاب الشورى : تشاوروا في أمركم فإن كان اثنان واثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة واثنان فخذوا رأي الأكثر . وهذا يُجوز مبدأ إعادة التصويت في الاختيار ، وتراث ابن عمر وفقهه في الشورى طافح .
6- لا شورى بلا حرية
لم يُخرج النبي صلى الله عليه وسلم مَن قال " ليخرجن الأعز منها الأذل" ولم يطرد من قال "قسمة ما أريد بها وجه الله" بل سايرهم فكانوا بين ظهراني المسلمين ، واعترض عمر قائلا "علامَ نعطي الدنية في ديننا" ثم اعترض على قتال مانعي الزكاة، واعترض بلال عليه في مسالة الوقف حتى قال "اللهم اكفني بلالا" كل هذا يؤكد على مبدأ حرية المعارضة .
وانضم عمار بن ياسر إلى معارضة عثمان، وتوسط علي للوفد المصري للتفاوض مع عثمان ، وطالب الوفد بالإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري ، فأثنى عثمان عليهم قائلا : ما رأيت ركبا خيرا من هؤلاء الركب والله إن قالوا إلا حقا وإن سألوا إلا حقا .
غير أن العلاقة تكدّرت لما ظهر لهم أمر رسالة –كتبها مروان بن الحكم- تحرض على قتلهم، فتسور المحراب عليه شرارهم وقتلوه ، إلا أنه كان فيهم مَن هم مِن أهل الصلاح ، ولو كانت منحرفة في الأصل ما جعلهم علي من جنده كالأشتر النخعي ومحمد بن أبي بكر وما توسط لهم عند عثمان .
ثم تطوّر مفهوم المعارضة وأخذ منحى ءاخر عندما طالب طلحة والزبير وعائشة بالقصاص من القتلة –حيث شرطوا ذلك في بيعتهم- وذهبوا إلى البصرة ، وأراد علي التأني قائلا "كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم" غير أنهم اجتهدوا على معالجة القتلة قائلين " نقضي الذي علينا ولا نؤخره"، وهذا يؤكد على أن عجز الإمام عن القيام بالواجب لا يُسقطه عن الأمة .
ولا يمكن الادعاء بأنهم خالفوا أصلا من أصول الإسلام، وقد ندم علي على مقاتلتهم، وكان الحسن قد نهاه عن ذلك .
ثم رضي علي ومعاوية بالحكمين : أبي موسى وعمرو بن العاص مما يؤكد على تجذر الحزبية السياسية وقابلية المجتمع المسلم للتعددية ، وما قول الأنصار "منا أمير ومنكم أمير" وفي رواية " نختار رجلا من المهاجرين فإذا مات اخترنا رجلا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلا من المهاجرين " إلا دليل ءاخر وشاهد على مبدأ تداول السلمي للسلطة " فيكون أجدر أن يُشفِق القرشي إذا زاغ أن ينقض عليه الأنصاري " وكذلك العكس كما قالوا .
وإنما امتنع أبو بكر خشية الفتنة لأن العرب لا تجتمع إلا على هذا الحي من قريش، ولو كان في المسألة نص بالقرشية لما تردد الصحابة وما ترك سعد البيعة، وقد شكك ابن حجر في دعوى الإجماع على القرشية مما رُوي عن عمر أنه أراد استخلاف معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، ورُوي أنه أرادها لأبي عبيدة بن الجراح، وقالت عائشة " لو كان زيد حيا لاستخلفه رسول الله "، وبايع فقهاءُ العراق -ومنهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير- ابنَ الأشعث وهو من كندة، فلم يكن هذا الاشتراط ظاهرا في هذه القرون حتى جاء العصر العباسي كما ذكر ذلك ابن كثير .
وكان الخوارج يطعنون في علي وهو قائم فيهم خطيبا غير أن مذهبه أن لا يبدأهم بقتال ولا يمنعهم من المسجد ما داموا يذكرون الله فيه ولا من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدي المسلمين وهذا هو مذهب عمر بن عبد العزيز ، فإن سفكوا الدم الحرام أو قطعوا السبيل قوتلوا .
بل قال علي عنهم : إن خالفوا إماما عادلا فقاتلوهم ، وإن خالفوا إماما جائرا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالا ، وقيل له : أكفار هم ؟ قال من الكفر فرّوا ! فقيل أمنافقون؟ قال المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا ، قيل ما هم ؟ قال قوم بغوا علينا ، ونهى عن سبّهم . وهذا ما استقر عليه رأي جمهور الفقهاء وهو قول أبي حنيفة والشافعي كما ذكر ذلك ابن قدامة .
وسئل مالك أيضا عن قتال الخوارج فقال إن كان الإمام مثل عمر بن العزيز فقاتل معه وإن كان جائرا مثل هؤلاء فلا ، أو كما قال .
وإذا كان النبي سكت عن المنافقين فكيف بالخوارج؟ فأي حرية فكرية وسياسية هذه .
7-وأن الحاكمية والطاعة المطلقة لله ورسوله .
في قول تعالى " يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "
قال أولي ولم يقل "ولي الأمر" دلالة على أن المراد هم أهل الحل والعقد ، وفيه دلالة على إمكانية حدوث التنازع وعلى وجوب رد التنازع إلى الله ورسوله، وقوله "منكم" دلالة على أنه يُمثّلكم لا يمثل بعضهم ، وأن عدم تكرار الفعل عند أولي الأمر دليل على أن طاعتهم إنما تكون في حالة يوافقون فيها طاعة الله ورسوله .
*قيدت السنة الطاعة للسلطة بثلاثة قيود :
أ-إقامة الصلاة لحديث "ما أقاموا فيكم الصلاة" فتركُ إقامتها ومحاربة شعائرها مجوز للخروج .. سواء قيل تركها كفر أم فسوق .
ب-إقامة الكتاب لحديث " ما أقام فيكم كتاب الله " فمن ترك كتاب الله وعطّل حكمه جوّز منازعته .. سواء قيل تركه كفر أم غير كفر .
ج-عدم ظهور الكفر البواح، فإن ظهر نازعناه سواء استحله أم لم يستحله .
وتنكير الكفر في قوله "كفرا بواحا" يدخل فيه المعاصي والبدعة المكفّرة ، قال النووي المراد بالكفر هنا المعاصي ، وهذا إذا أمكن بلا إفساد .
ومذهب السلف من أئمة الجور على اثنين :
مذهب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة وأحمد بن حنبل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون باللسان إن قدر عليه وإلا فبالقلب ، ولا يكون باليد والسيف .
القول الآخر والذي عليه علي ومن معه وعمّار وأم المؤمنين أن سل السيف واجب إذا لم يتغير المنكر إلا به وهو قول من قاتل الحجاج كابن جبير وعطاء والحسن وغيرهم .
ذكر ابن حزم أن الخروج على البغاة مذهب للسلف قديم قالت به طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة والزيدية والخوارج ، وقال به أبو حنيفة والشافعي ومالك وداود إما نطقا بالفتوى أو فعلا بالسيف .
-وفرق ابن حجر بين خروج الخوارج ، وخروج البغاة ، وخروج أهل الحق ، ومثال الأخير الحسين وجماعة ابن الأشعث .
-ولم يفرق الفقهاء في باب الجنايات والقصاص والدعاوى والقضاء بين حاكم ومحكوم !
8- تحقيق مبدأي العدل والمساواة .
العدل في القضاء "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" ، والمساواة في العطاء "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" .
وكان النبي يعطي العزب حظا واحدا والآهل المتزوج حظين .
ثم استطرد المصنف في ذكر روائع التأمينات المالية الاجتماعية التي كان يصرفها عمر بن الخطاب وأصحاب هذا العصر مما لا مثيل له في أي قرن ولن يكون له مثيل ، يقول عمر : لئن بقيت لألحقن أسفل الناس بأعلاهم ، ولئن عشت لأرامل العراق لأدعنهم لا يفتقرون إلى أمير بعدي .
ورسّخ مبدأ "من أين لك هذا؟" وكان يضاعف العقوبة على أهل بيته إذا وقعوا فيما نهى الناسَ عنه، وحرمهم من الولايات في حياته وبعد وفاته .
وذكر كيف ساوى أبو بكر في النفقة بين الناس فاستنكر الصحابة ذلك من أن لبعضهم فضلا وسابقة ، فقال أبو بكر : أما ما ذكرتم من السوابق والفضل فأجره على الله وأما هذا فمعاش .. الأسوة فيه خير من الأثرة ، وفاضل عمر في النفقة أولا ثم رجع إلى المساواة وكذلك علي ، بل أجرى عمر أرزاقا على عجوز يهودي ومن هو في مثله ، وأجرى علي مخصصات على من خرجوا عليه .
يلخص سياسة هذه المرحلة ابن تيمية فيقول : ليس لولاة الأموال أن يقتسموها بحسب أهوائهم كما يقتسم المالكُ ملكه ، وإنما هم أمناء ونواب ووكلاء .
9-حماية الحقوق والحريات الإنسانية الفردية والاجتماعية وصيانتها .
أ-حق الإنسان في الحياة.
"ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق" " .. من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ".
لم تعرف الدولة الإسلامية حينها أي قتل سياسي أو تعذيب لمن يعارض السلطة .
أراد رجل قتل عثمان –لأن عاملَه في اليمن ظلمه- فقُبض عليه فسأل عثمان عن حكمه فلم يفت أحد بقتله فأطلقه ولم يضربه سوطا واحدا .
وأراد ابن أبي السرح أمير مصر لعثمان قتل المعارضة وهم عمار وأصحابه . وأشار على عثمان بذلك فقال له عثمان : بئس الرأي رأيت . وقال علي : لا أقتل من لم يقتلني .
ب- حق الإنسان في الحرية .
في الحديث "لا يقل أحدكم عبدي .. بل غلامي" قال الخطابي كره المضاهاة في الاسم لئلا يدخل في معنى الشرك .
وأول حركة تحررية فعلها عمر ، حيث عتق كل من استُرق في الجاهلية من العرب فأصبح العرب قاطبة أحرارا ، وحرّم الشرع الاسترقاق بالبيع أو الدَين، وجعل من مصاريف الزكاة "وفي الرقاب" ، بل حرّم حبس المعسر "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" وعليه الإجماع .
-ولغير المسلم أن يحتكم لشريعته قال تعالى "فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " .
وحرية الانتماء الفكري والسياسي ونقد السلطة فلم يعترض عثمان ولا علي على الخوارج ما لم يخرجوا على الدولة .. هذا قضائيا ، والمقصود ليس لنا عليهم سبيل ، أما إفتاء فنقول مذهب الخوارج حرام يجب البعد عنه والتحذير منه .
كذلك حرية التصرف في المال لحديث " لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس" رواه أحمد وصححه الألباني .
بل له الحق في الدفاع عنه والقتال دونه لأحاديث كثيرة "من قتل دون ماله فهو شهيد" بل جوز النبي قتال من يريد أخذ مالك بغير حق فإن قُتلت فأنت شهيد ، وإن قَتلت فلا تؤاخذ بذلك ، حتى وإن كان الغاصب سلطانا فقد استشهد بحديث " من قتل دون ماله" عبدُ الله بن عمرو بن العاص لما دنا أمير مكة والطائف عنبسة بن أبي سفيان من حائط عبد الله ، فخرج عليه عبد الله بسلاحه ، مع أن معاوية هو الذي بعث عنبسة .
ولم نجد الله فرق في اقتتال طائفتين إن كان في أحدهما سلطانا ! ، وذهب بعض العلماء لاستثناء السلطان كما نص ابن حزم .
ولما أجلى عمُ أبي جعفر نصارى جبل لبنان أنكر الأوزاعي عليه أخذ العامة بجرم الخاصة ولم يجوز فعله هذا إلا أن يتمالئوا ، وكذا استعظم الفقهاء إجلاء الوليد بن عبد الملك نصارى قبرص إلى الشام فلما ردهم يزيد بن عبد الملك استحسنوا صنيعه .
10-وجوب الجهاد في سبيل الله .
وهو ءاخر أصول الخطاب السياسي الشرعي المنزل ، وهو فرض كفاية فإن نزل العدو بساحة المسلمين تعين عليهم دفعه ولا يشترط له شيء بل يدفع حسب الإمكان كما قال ابن تيمية ، ولرسوخ هذا الأصل لم يطرأ عليه تغير في المرحلة الثانية .
المرحلة الثانية :
الخطاب السياسي الشرعي المؤول من عام 73 إلى 1350 .
عندما تحول الحكم من خلافة إلى ملك عضوض كالأنظمة الملكية الوراثية أو جبري كالأنظمة العسكرية .
عند أحمد وصححه الألباني " أول من يغير سنتي رجل من بني أمية" قال الألباني لعل المراد بالحديث تغير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثيا ، قال الشيخ حاكم : وهذا هو الظاهر .
أبرز ملامحه :
1-مصادرة حق الأمة في اختيار الإمام وتحول الحكم من شورى إلى مغالبة .
فبعد أن كان خطاب الراشدي "ولّيت عليكم ولست بخيركم" أصبح الخطاب الأموي والعباسي "من أحق بهذا الأمر منا؟ من ينازعنا؟"
يقول المطيري : كان القول بالنص على الإمامة هو أول وهن دخل على الخطاب السياسي .
-وأصبح قياسُ عهدِ أبي بكر لعمر من بعده قياسَ عهد غيره لابنه مع عدم مراعاة الفروق بين أبي بكر وعمر من عدم القرابة بينهما وأن الترشيح إنما جاء بعد الاستشارة والرضا من غير إكراه أو إلزام ، وأنه خشي من تكرار جدل السقيفة ، وقد خرج لتوه من الحروب الداخلية وشرع في تجييش الجيوش إلى الروم !
ولما أراد معاوية رضي الله عنه أن يعهد لابنه يزيد عام -56- قطع خطبتَه عبدُ الرحمن بن أبي بكر وقال : والله لتردن هذا الأمر شورى بين المسلمين أو لنعيدنها جذعة –أي الحرب- ثم خرج ، ولما قال مروان بن الحكم "سنة أبي بكر الراشدة المهدية" قال عبد الرحمن : بل سنة هرقل وقيصر .
وقد أرادها معاوية ملكية شورية دستورية .. الخلافة ليزيد والحل والعقد لكبار الصحابة فرد عليه ابن عمر بأن من كان قبلك لهم أبناء خير ابنك ولم يفعلوا ذلك .
ويُعتذر لمعاوية رضي الله عنه بما كان يقوله : إني خفت أن أدع الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع .
غير أن الفتنة حصلت فخرج العراق مع الحسين ، والمدينة مع عبد الله بن حنظلة ، ومكة مع عبد الله بن الزبير .
فقُتل الحسين رضي الله عنه عام -61-، واستبيحت المدينة وقتل يوم الحرّة 700 من حملة القرآن وفيهم صحابة ، ولم يقدر جيشُ يزيد على ابن الزبير .
-تبدل أمر الشورى فبعد أن كانت حق الأمة في اختيار الإمام وأن لا يقطع أمرا دونها .. اختُرلت لتصبح مشاركة الأمة الإمام في الرأي .. ثم استشارة أهل الحق والعقد دون التزام برأيهم .. ثم هي غير واجبة بل مستحبة !
-اشترط ابن عمر وابن عباس دخول الأمة كلها ، واشترط ابن الزبير والحسين وابن أبي بكر : الرضا ، والقول الثالث لا بد إجماع أهل الحل والعقد ، والرابع : رؤوس الناس ، والخامس جمهور أهل الحل والعقد ، والسادس المعتبر عقد من حضر جلسة المبايعة لا أهل البلاد النائية حتى لو كان العاقد واحدا وهو قول أكثر الشافعية وقول الأشعرية .
غير أن طريقة الاستيلاء هي التي بقيت معمولا بها ، بل زاد عبد الملك بن مروان بدعة التغلب بالسيف ثم زاد ببدعة أخرى فسن بيعتين لولديه الوليد وسليمان ، ولما ردّ سعيد بن المسيب هذا وقال لا بيعتين في بيعة جلده عبد الملك وآذاه .
لقد أجمع الصحابة على أن الإمامة إنما تكون بعقد البيعة بعد الشورى والرضا من الأمة ، وأنه يجوز الاستخلاف بشرط الشورى والرضا بمن اختاره الإمام ، قال ابن حزم : لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث .
-فلما جاء قاضي القضاة في الدولة العباسية الماوردي عبّر عن الفقه العباسي ووظف النصوص من حيث لا يشعر في خدمة الواقع في كتابه الأحكام السلطانية .. كما يقول حاكم المطيري .
فوَجدت نظرية الاستخلاف تأويلا كما وجدت نظرية الاستيلاء ذلك، لكن أجازها العلماء مع اتفاقهم على حرمتها .
قال القرطبي المالكي : قيل إن ذلك –أي الاستيلاء- يكون طريقا إلا أن ما كان خلافا أصبح إجماعا .
يقول حاكم المطيري : ما يُخشى من تفرق المسلمين بالشورى خير من وحدتهم مع الاستبداد على المدى البعيد، وهذا ما تحقق اليوم .
لم يتصد الصحابة للانحراف الفكري لدى الخوارج كما تصدوا للانحراف السياسي في الإمامة لخطورته .
وأما حديث " من مات وليس في عنقه بيعة " فقال الإمام أحمد هو الإمام الذي يجمع عليه المسلمون كلهم يقول هذا إمام ، أما إذا لم يجمعوا فهو زمن فتنة ولذا اعتزل ابن عمر وقال "والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة " فلم يبايع معاوية إلا بعد عام الجماعة ، ولم يبايع ابن الزبير لمزاحمة مروان له ، وتأخر في مبايعة يزيد حتى بايعته الأمصار .
وقد حاول عمر ابن عبد العزيز إرجاع الأمر شورى ، فاشترط رضا الناس لإمامته ، غير أن الإصلاح لم يدم لعدم من يعاونه ، وكان معاوية بن يزيد ويزيد بن الوليد ممن يرى ضرورة رد الأمر شورى .
2-مصادرة حق الأمة في المشاركة في الرأي والشورى .
وهذا من أبرز ملامحها باستثناء عمر ابن عبد العزيز حيث كان له مجلس شورى عندما كان واليا على المدينة، وكذا الخليفة الناصر لدين الله الأموي –ت350- ، ومثله يوسف بن تاشفين –ت537- ولعلماء الأندلس نصوص قوية في هذا فقد أوجب الإمام خويزمنداد الشورى بل قال ابن عطية الأندلسي المفسر بعزل الإمام الذي لا يستشير أهل العلم ، وكما يتضح من الأمثلة السابقة فإن هذه البدعة ظهرت في المشرق قبل المغرب، وكان من نتائج مصادرة هذا الحق أن نشأ "العادل المستبد" .
3-غياب دور الأمة في الرقابة على بيت المال .
وصار خطاب السلطة "المال مالنا والفيء فيئنا من شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه" .
4-تراجع دور الأمة في مواجهة الظلم والانحراف .
كان العلماء يقولون لم تخرج خارجة خير من أصحاب الحرّة -61- والجماجم -81- غير أن لهذه الهزيمة أثر كبير في الفكر السياسي حيث شاع القول بالإرجاء والجبر من جهة ، ووجوب السمع والطاعة للإمام الجائر وإن كان مثل الحجاج من جهة أخرى .
وكان الحسن البصري ممن تأثر بهذا فكان لا يرى الخروج ويقول إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ورأى الناس أنها عقوبة من الله حيث قُتل فيها خلق كثير من العلماء .
قال الشافعي : ظهر الإرجاء بعد هزيمة القراء .
وشاع الزهد والتصوف واعتزال السياسة خاصة في البصرة، وظهرت حركات كثيرة من آل البيت تدعو للخروج على بني أمية .
-ثم جاءت دولة بني العباس .. يقول حاكم : وبهذا ثبت بطلان نظرية الحسن أنه ما أفلح قوم خرجوا على إمامهم قط، وظهر الفرق بين حركات التغيير الارتجالية دون تخطيط كابن الأشعث ودعوة بني العباس التي ظلت سرية 30 سنة منظمة لها قيادات وفروع ..
-وفي هذه الفترة رفض بعض العلماء تولي القضاء كأبي حنيفة لأنهم يرون الأئمة أئمة جور ومثله أبو سفيان الثوري ، ومع أن القاضي له استقلالية إلا أن الأئمة يريدون إضفاء الشرعية على حكمهم .
مسألة : فسخ عقد الإمامية بالفسق والجور .
وهي خلافية والجمهور تنفسخ إذا طرأ الفسق بعد انبرام العقد لأن لو جوزنا أن يكون فاسقا لأدى إلى إبطال ما أُقيم لأجله من إقام الحدود واستيفاء الحقوق .. ألا ترى أنا لا نعقدها لفاسق ابتداء ؟
وقال ءاخرون لا ينخلع إلا بالكفر أو ترك إقامة الصلاة أو ترك شيء من الشريعة .. ذكر ذلك القرطبي .
ولم يذكر الماوردي خلافا في الانفساخ إذا فسق فسقا يخرج به عن العدالة .. ثم ما لبث الخطاب أن دخل مرحلة التأويل حيث ادعى ابنُ مجاهد البصري شيخُ الباقلاني إجماعَ الأمة على حرمة الخروج على أئمة الجور .. فشنع ابن حزم كثيرا عليه مستدلا بيوم الحرة والجماجم ، ثم ادعاها القاضي عياض ثم النووي قائلا : وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ، وضعّف الوجه المخالف وغلطه .
فتحولت المسألة من قضية اجتهادية إلى إجماعية قطعية ومن مسألة فقهية إلى قضية عقائدية ، وأشار إلى هذا ابن تيمية في منهاج السنة، ونص عليه ابن ابي العز في شرحه.
فضاع الحق بين ادعاء المصلحة وادعاء أنه من مقتضيات النص حتى سقطت دولة الإسلام على يد التتر عام -656- ثم الأندلس ثم سقطنا في وحل الاستعمار الحديث ، لقد نظر أصحاب الفقه إلى المسألة من زاوية واحدة، ولو قيل بالوجوب وبقي الحفاظ على الخطاب المنزل لربما جاء الخليفة .
مسألة : أسباب شيوع الخطاب المؤول
أ-النظرة الجزئية لأحداث التاريخ كقول ابن القيم : "الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساس كل شر وفتنة إلى آخرالدهر" ولم ينظروا إلى الإيجابيات، فعهد ابن الزبير كان خيرا من عهد يزيد، وعهد العباسيين –في الجملة- خير من عهد الأمويين، وكذا صلاح الدين خير من الفاطميين ، ودولة محمد بن سعود مع محمد بن عبد الوهاب خير من العصر الذي قبله، وهكذا الغرب بثوراتهم، وكذا ثورة إيران بعد عهد الشاة .
ولو لم يكن للخروج فائدة البتة لما أذن الشارع في بعض الحالات "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" و"إلا أن تروا كفرا بواحا" .
ب-خلط بين الخروج لمواجهة السلطة الباغية ورفعة الأمة وبين الخروج العقائدي الذي يكفر المسلمين ويستحل دمائهم .
قتال من خرج على الشريعة هو الذين ورد في الأحاديث كقتال الخوارج والمرتدين، أما من لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك كما نص ابن تيمية .
ثم ذكر ابن تيمية خلطهم بين قتالهم من خرج على طاعة إمام معين وإن كان هذا الخارج مثله أو قريبا منه في اتباع السنة..
وخلطهم بين تسويتهم الخارجين عن طاعة ملك معين وبين المرتدين أو الخوارج المستحلين ، ونتج عن ذلك الدخول في أهواء الملوك والتعصب لهم كتعصب الأتباع لبعض أهل العلم .
أكثر الفقهاء قديما يحرمون مقاتلة من كان على شاكلة الحسين والزبير وإن كانوا لا يرون الخروج، حتى وإن كانوا بغاة فإن على الإمام ابتداء أن يدعوهم إلى الصلح فإن أبوا وقاتلوا قوتل مع الإمام .
ج-شيوع أنه "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شره منه " وتعليق أنس رضي الله عنه عليه .
هذا الحديث حمله الحسن على الأغلب ، وقيل المراد تفضيل مجموع ذلك العصر على هذا العصر، وفسره ابن مسعود بذهاب العلماء، واستدل ابن حبان بأن الحديث ليس على عمومه بأحاديث المهدي وأنه يملأ الأرض عدلا، غير أن كلام أنس هو الذي شاع فخشي الناس من التغيير والتاريخ أثبت عكس هذا كما مر من أمثلة وكما كانت عليه نهاية الدولة العباسية من شر وما كانت عليه بداية الدولة العثمانية من خير .
د-شيوع أحاديث اعتزال الفتن " عليك بخاصة نفسك".
وكان الحسن داعية إلى هذا ويقول "تركوا لكم دينكم فاتركوا لهم دنياهم" وأدت هذه الفلسفة إلى اعتقاد إمكانية إقامة الدين دون الدنيا مما مهّد هذا الخطاب إلى تغلغل العلمانية فيما بعد .
هـ- شيوع روح الجبر والإرجاء بشيوع مذهب الأشاعرة المتضمن لهما .
فبالجبر استسلموا لقضاء الله ما دام أن الإنسان كالريشة في مهب الريح، وبالإرجاء وهو أنه لا يكفر المرء إلا بالجحود أو الاستحلال فأمعن الحكام في فسقهم وشهواتهم ما دام أنهم مسلمون مُطاعون .
والخلط بين الإرادة الكونية والشريعة وأن الملوك الظلمة عقاب من الله !
و- الغلو في طاعة الخلفاء ، وزعم بعضهم أن الله يغفر لهم ذنوبهم مهما فعلوا .
وتقبيل الأرض بين أيديهم حتى أصبحت المحافظة على الإمام غاية بعد أن كانت وسيلة، وصار حكم الإمامة تعبديا محضا بعد أن كان مصلحيا معللا .
*ثم ذكر مسألة الخلاف في تصرف الإمام وهل هي ولاية أو وكالة ؟
في الخطاب المؤول شاع القول بالولاية بعد أن لم يكن خلاف في مرحلة الخطاب المنزل أنه وكيل ، وإذا كان وليا فهو مثل الأب لا يمكن عزله ولا أن يعزل نفسه ! إذن نعقدها للمتغلب لأنه ولي لا وكيل !
ومن نظر في نصوص علي وعمر علم أن طاعته مقرونة بطاعة الله، يقول عمر "اسمعوا وأطيعوا ما عدل فيكم" فرُبط حينها بالأمة ولم تُربط به، ثم علل السلف السمع والطاعة بخشية ضياع المسلمين وتعطل الجهاد والحكم بما أنزل الله فهو ليس حكما تعبديا بل مصلحيا معللا والحكم يدور مع علته وجودا وعدما !
وأما زيادة "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك" فقد ضعفها الوادعي والألباني ، وصار أصلا مع أنه يمكن حمله على ما ينتج من تطبيق الشريعة من ضرب أو أن يحكم القاضي لخصمك ببينة .
الواقع يفرض فهمه ولهذا رد الإمام أحمد زيادة "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" من حديث "يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون" ، وهي عند مسلم وابن حبان وقال ابن منده : هذا حديث صحيح .
وهنا يكمن الفرق بين النصوص الصالحة لكل زمان ونصوص العلماء التي ليست كذلك .
كان أبو حنيفة يوجب الخروج على بني عباس لأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وكان إسحاق الفزاري ينكر ذلك لأنه شق عصا المسلمين، وجمع بينهم المحققون بغلبة الظن ورجحان المصلحة على المفسدة وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان كما ذكر المعلمي .
*ومع استقرار رأي العلماء على عدم الخروج إلا أن العلماء لم يتوقفوا عن الخروج بصورة جماعية للإنكار كما حدث عام -464- حيث خرج فقهاء الحنابلة يتقدمهم الشريف أبو جعفر والشافعية يتقدمهم الشيرازي إلى دار الخلافة لإزالة المنكرات، وكذلك فعل ابن تيمية مع أتباعه في الشام كإخراجه المزي من السجن وإقامته الحدود على بعض الجناة ووقوفه في وجه السلطان الناصر بن قلاوون لما أراد قتل الفقهاء .
ومثله الأزهر عام -1794- على المماليك لانتشار الظلم فأغلقوا الجامع والسوق وتزعمهم شيخ الأزهر الشرقاوي وغيره حتى رضخ المماليك لمطالبهم .
ومع وجود العدل في مرحلة الخطاب المؤول إلا أنه لم يكن كفيلا بنهضة الأمة، ولم نصل إلى ما وصل إليه الغرب حينها من إبادات لحفاظ الخطاب المؤول على الحد الأدنى من الحريات والحقوق واستقلال السلطة القضائية والتشريعية .
*ومن مراحل هذا الخطاب ظهور المستبدل العادل، حيث لم تتم تصفية المعارضة ما لم تستخدم السلطة .
ففي العهد الأموي : يقول عبد الملك بن مروان "إنا لنحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر".
ومجمل الخلفاء في هذه المرحلة كانوا على قد كبير من العدل والفضل وعلى رأسهم عمر بن عبد العزيز الذي رد أموال بني أمية إلى بيت المال ، وكذلك سيرة سليمان بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك .
وكذلك في العصر العباسي : حيث العدل والاستبداد ونشر العلم والفضل، وكانت فيه محاولة إصلاح للمأمون حيث عقد البيعة لعلي الرضا غير أن المنية وافت الأخير ، ولولا فتنة خلق القرآن لكان المأمون أجل خلفاء بني العباس .
ثم ذكر المصنف نبذا من سير هؤلاء الخلفاء العطرة ليدلل على شيوع العدالة والنظام الاجتماعي .. إلى زمن الراضي بن المعتضد فكان ءاخر خليفة ينفرد بتدبير الدولة .
وبعدها أصبح التدبير بيد الوزراء وضعفت الخلافة فظهر البويهيون وكان عماد الدولة وركن الدولة على جانب كبير من الفضل والعدل وكذلك الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي أول خلفاء الأندلس ثم دولة ابن ابي عامر وولداه ، وكذلك من الملوك سبكتكين وابنه محمود، ومحمد بن سلجوق بن طغرلبك، وكذلك المعتمد بن عباد ، ويوسف بن تاشفين، وتميم بن باديس ملك أفريقيا .. واستطرد في ذكر أفاضل الملوك والقضاة والوزراء مما يؤكد على أن تاريخنا ليس كما تُصوره مقررات المدارس قتل ودماء وأن النظام الاجتماعي لم نعرفه إلا من الغرب !
وأدى نظام فصل الرئاسة عن الوزارة إلى استمرار خلافة بني العباس سبعة قرون، إذ لم يَحتج أحد لإسقاطها لتنازلها عن كثير من الصلاحيات !
ثم ظهر الملك العادل نور الدين زنكي ثم صلاح الدين، وعز الدين أيبك أول المماليك ، ثم قطر وبيبرس ..
وهكذا ظلت الدولة للمماليك والخلافة للعباسيين حتى مجيء الخلافة العثمانية بقيادة سليم الأول لتقوم أول خلافة ليست من قريش .
*صلاحيات الخليفة والأمير وواجبات كل منهما :
حافظ الخطاب المؤول على وجوب إقامة الشريعة وحماية الأمة والملة، وذكر الماوردي عشرة أشياء تجب على السلطان إذا فعلها كان له حقان : النصر والطاعة ، والذي يُغير ذلك شيئان : نقص في عدالته أو في بدنه ..
وذكر الماوردي الأمور المناطة بالأمير والوزير والفرق بين إمارة الاستيلاء والاستكفاء إلى ءاخر ذلك مما هو مذكور في كتابه الأحكام السلطانية .
*تقييد تصرفات الإمام وضوابطه :
ليس للإمام عزل القاضي الأصلح، وإذا كان يحجر على الولي إذا تصرف لغير المصلحة فكيف بالولي والقاضي، بل حتى ذكر بعضهم أنهم معزولون عما ليس فيه مصلحة ولا مفسدة .
*الضمانات العدلية في هذه المرحلة :
1-حظر الحبس أو تعذيب المتهم ماديا أو معنويا ما لم تثبت إدانته .
قال أبو يوسف في كتابه الخراج : " ولا يقام عليه حد إلا ببينة عادلة أو بإقرار من غير تهديد من الوالي له ".
وأتي أبو هريرة –وهو يومئذ أمير- بسارق فقال له أسرقت؟ قل لا .
2-رجوع المقر شبهة تدرأ عنه الحد ، كما نص عليها أبو يوسف .
3-الإنفاق على السجناء وتوفير ما يحتاجون .
وإذا كنا أُمرنا بالإحسان إلى أسرى المشركين فكيف برجل مسلم أخطأ أو أذنب .
وأول من أجرى عليهم ذلك علي بن أبي طالب ثم تبعه الخلفاء .
وهذا الذي حال دون طغيان الظلمة مقارنة بالغرب .. إلى أن سقط العالم الإسلامي في وحل الاستعمار وصار الحاكم نائبا للمستعمر .
ذكر حاكم المطيري إجماع الفقهاء على أن كل دار تكون فيها الشوكة للمسلمين وتحكمهم الشريعة أنها دار إسلام، ولا كبير خلاف بينهم أنها دار كفر إذا لم تحكم بالشريعة وإن كانت الغلبة فيها للمسلمين .
المرحلة الثالثة / مرحلة الخطاب المبدّل
والتي قللت من ثالوث الخلافة –الشريعة – الجهاد وجعلتها من المحظورات وجاء كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" مشرعا لهذا الحظر .
وأشار ابن تيمية إلى ظهور مثل هذه الظاهرة نتيجة ضعف العلماء وجهل الأمراء خاصة في العراق حيث أصبحت للحرب ولاية غير ولاية الشرع يقال لها سياسية فإن نُهوا أو أمروا قيل هذه سياسة فضاعت حدود وحقوق !
ويقول حاكم : ليس المقصود هنا تعطيل الشرع وإنما ما لم يرد فيه نص شرعي .
*حركة محمد بن عبد الوهاب :
تجاوز الشيخ إشكالية السلطة فبايعه أتباعه وعاهدوه على العمل ثم اجتمع مع الأمير محمد بن سعود واستعد الأمير لنصرته ..
وقد دار جدل حول الخطاب المنزل الذي أراد ابن عبد الوهاب إحياءه وجواز الجهاد وإقامة الحدود دون الإمام أو نائبه ، فبين الشيخ أن الأئمة مجمعون من كل مذهب أن من تغلب على بلد فله حكم الإمام في جميع الأشياء ، والناس من زمن الإمام أحمد لم يجتمعوا على إمام واحد، ولم يُذكر أن أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم .
فاتُهم بالخروج على السلطان العثماني ولمزه ابن عابدين في حاشيته بأنه خارجي وذلك نتيجة الخلط بين الخروج السياسي والعقائدي .
فقد أكد فهم الشيخ ومن معه أن المخاطب بالأحكام الشرعية هم المسلمون جميعا وهم المسئولون عن إقامة الواجب عند عجز الإمام ، وأن إقامة الدين من غير دولة إقامة قاصرة .
إلا أن التجديد وقف عند قيام دولة نجد 1158 مع أن الشيخ توفي 1206 وعاصر ثلاثة أمراء : محمد بن سعود ، عبد العزيز بن سعود، سعود بن عبد العزيز ، وكان بيد الشيخ الأمر والنهي ولا يصدر عبد العزيز ولا ولده إلا عن رأيه .
ولما فتح الرياض عام -1187- فوض الشيخُ الأمير في تصريف الشؤون وتفرغ للعلم والدعوة، فلم يتجاوز إصلاحه إلى الدولة والسياسة ولعل الظروف الخارجية والداخلية حالت دون ذلك .
*حركة جمال الدين الأفغاني .
يقول عنه مالك بن نبي : موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة . واتفق أرباب النظر أنه مبدأ الحركة الفكرية في مصر وسائر الشرق الأدنى عندما قدم مصر كما يقول شكيب أرسلان.
شاهد ثورات دموية في بلاده ورأى استبداد المستعمر الغربي بعينه فرام الإصلاح السياسي والفكري من غير أن يقصد إلى إصلاح الإنسان نفسه إلى أن نفاه توفيق باشا فذهب إلى الهند ثم إيران ولما ذهب إلى إستنبول فُرضت عليه إقامة جبرية ومات في ظروف غامضة .
ويؤكد مالك بن نبي وشكيب ارسلان ومحمود شاكر والكواكبي وغيرهم أن الأفغاني رائد نهضة فكرية وكان يوصف "بالجامعة الإسلامية" وما تأثيره على محمد عبده ورشيد رضا وابن باديس عنا ببعيد .
*العالم الإسلامي بين الانحلال والاحتلال
أدرك الأفغاني خطورة الاستبداد السياسي ونصح السلطان عبد الحميد الثاني بضرورة التلاحم مع إيران لمواجهة الاستعمار، ونقل الشيخ حاكم نقولات كثيرة للأفغاني من كتابه "خاطرات" وكان النموذج الياباني ماثلا أمامه في الإصلاح وهو الاستفادة من علوم الغرب مع الحفاظ على الهوية الخاصة .
-لم يثمر سعي الأفغاني بخلاف سعي محمد بن عبد الوهاب، بل إن الأخير حقق ما لم يحققه أي مصلح من ءاخر الدولة العباسية إلى يومنا هذا .
-وقد وقع البنا فيما وقع فيه الأفغاني من حسن الظن بالسلطة ربيبة الاستعمار حتى طلب من الملك فاروق أن يعلن الخلافة ليبايعه ومن معه .
-تحالف الاستعمار والاستبداد السياسي الممثل بشاه إيران وخديوي مصر وملك أفغانستان للقضاء على الأفغاني وأخمدت ناره كما قضي على الدعوة الوهابية من قبل حتى ظهرت من جديد عام 1925 .
*إسقاط الخلافة وفصل الإسلام عن الدولة :
ومع أن علي عبد الرازق تراجع عن كتابه الذي سبق ذكره واعترف بأنه مدفوع إلا أن الواقع كان كذلك وكان للخديوي غرض من هذا الكتاب لإسقاط الدولة العثمانية وتسويغ القوانين الوضعية .
وللشيخ مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية رد على الكتاب السابق بعنوان "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين" وذكر فيه أن أول فصل في مصر حصل حين ألغي منصب شيخ الإسلام من الوزارة بعد أن كانت قراراتها لا تخرج إلا بموافقته، وكذلك في تركيا تم فصل المحاكم الجزائية ثم التجارية .
وقد حكم الشيخ مصطفى صبري على هذه الحكومات بالردة وأنها دار كفر بل جعل هذه الحكومات أشد وأبغض من الاستعمار لأنها تعتبر نفسها منها وتكون سببا في ردة كثير ممن يؤمن بها .
ومن العجب أن يكون للمراغي شيخ الأزهر سهم في ترسيخ العلمانية حين يقول : إن في إمكان أي حكومة إسلامية أن تخرج عن دينها فتصبح حكومة لا دينية، وليس في هذا مانع أن يبقى الشعب على إسلامه كما هو الحال في تركيا الجديدة.
وكأن الدين لازم للشعب فقط وكأنه يقول ما دام الكفر محصورا في الحكومة فلا مانع أن تفعل مصر ما فعلت تركيا .
وذكر الشيخ مصطفى أن مسألة الفصل لا ترمي إلى إبعاد كل منهما عن الآخر بل إلى ما هو أبعد من ذلك فهي ثورة حكومية على دين الشعب .
وكذا تصدى الشيخ أحمد شاكر لهذا الأمر وقال إن من زعم أن الدين عبادة فقط فقد خرج من الإسلام جملة وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم .
وكذلك كان سيد قطب ونقل الشيخ حاكم نقولات له من كتابه "الإسلام والرأس مالية" ومحاولاته لإرجاع الخطاب المنزل .
ثم تحدث المصنف عن تراجع دور الحركات الإسلامية من المواجهة إلى التحالف مع السلطة بهدف التغيير من الداخل فكانت السلطة هي المستفيدة واستثمرت الإسلاميين لتُوقف موجة الشيوعية والليبرالية ، بل صارت تعلن تلك الحركات أنها لا تسعى إلى تغيير السلطة ولا النظام وهذا إفلاس سياسي وفكري .
وذكر جهد الشيخ أحمد شاكر وسعيه لمواجهة هذا التبديل وموائمة القانون مع الشرع ودعوته للتحام القانوني مع عالم الشرع بل هدد أنه في حال لم يُستجب لما يقول سيسلك السبيل الدستوري السلمي ويصاولهم في الانتخابات ويحتكم إلى الأمة ونفي بوعدنا للأمة في تحكيم الشريعة .
ونقل فتوى اللجنة الدائمة بجواز انخراط المسلم في الأحزاب العلمانية إن كان صاحب حجة ومؤثرا بشرط أن لا يلتزم بمبادئهم .
يقول الشيخ حاكم : فاجتمع في الخطاب السياسي المعاصر أسوأ ما في الخطاب المبدل من إقصاء الخلافة والشريعة والجهاد، وأسوأ ما في المؤول من عدم وجوب الشورى وحرمة الخروج على السلطة مهما بلغ انحرافها ، واستُدعي خطاب "سترون بعدي أثرة فاصبروا" بدل أن يستدعى خطاب "إلا أن تروا كفرا بواحا" !
انتهى الطَوفان .
هذا وقد رد سليمان الخراشي بمقالة عنوانها "نظرات" لم ترْقَ إلى المستوى العلمي والبحثي الذي في هذا الكتاب غير أنه خطاب للسلفيين المحافظيين أو العباسيين كما يصفهم البعض، فرد الشيخ حاكم عليه ولا أظن أنه ترك شيئا في رسالة الخراشي إلا أجاب عليه بالحجة الناصعة .
وأفضل من رد الخراشي رد القسم العلمي بموقع الدرر السنية غير أنه أحسن في تصيّد المبالغات أو التجاوزات ولم يحسن الرد عليها ، فمثلا كلام المصنف هنا عن خضوع العلماء لفهم الواقع -ولم ينج من هذا ابن القيم وابن تيمية وابن حنبل والحسن والماوردي- وهذا اتهام ! لكن أين الجواب على ما أثاره المصنف ؟ بل اكتفى الرد بذكر فضائل العلماء !
داود العتيبي
2013/10/11
@DAWOOD2002
https://www.facebook.com/syedalkwtirdawoodlotaibi

