وقال ابن عثيمين : هؤلاء الذين يضعون تشريعات مخالفة لم يضعوها إلا وهم يعتقدون أنها الأصلح إذ معلوم بالضرورة أن الإنسان لا يعدل عن شيء إلا رغبة عنه .

وقال : هناك فرق بين التشريع العام والمسألة المعينة ، التشريع العام من القسم الأول لأنه لم يشرع إلا ويعتقد أنه الأصلح .

ثم تكلم ابن عثيمين عن الحكم بمسألة معينة : فإن حكم فيها لاعتقاده أن غير حكم الله أصلح أو جائز فقد كفر كفرا أكبر، وإن حكَم بغير ما أنزل الله لقصد الإضرار بالمحكوم عليه أو نفع المحكوم له فهذا ظالم، وإن حكم بذلك لهوى في نفسه أو مصلحة فهو فاسق .

فالشيخ جعل الحكم في قضية معينة كالتشريع العام إن اعتقد الحاكم مساواتها بالحكم الشرعي أو جوازها أو أفضليتها فضلا عن استحلالها .
نختم بفتوى محمد بن إبراهيم إذ يقول : لو قال من حكم القوانين الوضعية أنا أعتقد أن ذلك باطل فلا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة !

القسم الثالث : طاعة المبدلين لشرع الله مع العلم أنهم مبدلون
يقول المحمود : وهذا موطن زلت فيه أقدام فكفر بعضهم المجتمعات المسلمة إلا من حارب أو أعلن المفاصلة ، غير أن كلام ابن تيمية مشهور عن الأتباع .. فمن اتبع التحليل مع علمه أن الله حرمه فقد كفر ، ومن اتبع غير معتقد بالحل ولكن اتبع فقد عصى .

قال المحمود فالأتباع لا يكفرون إلا بشروط :

أن يتبعوا على التبديل مع العلم بأن ذلك مُبدل ، ووجود ما يدل على الرضى والقبول، ولا يقال إن حكمهم مثل الحاكم الذي جعل ذلك تشريعا عاما ، لاحتمال الهوى أو الجهل أو الإكراه .

والأصل في عموم المسلمين الإسلام لا يخرج منه أحد إلا بالدليل القاطع، وحكمهم يشبه حكم القاضي أو الحاكم في مسألة واحدة بغير ما أنزل الله .. فإن فعل ذلك مستحلا – مع علمه بأنه مخالف للشرع- كفر وإلا فقد فسق .

وقد فصل الشيخ ابن عثيمين في حال الأتباع فقال ما ملخصه :

إن اتبع مع كُره لحكم الله وعدم رضى به فهذا كفر أكبر قال الله "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم" ولا تُحبط الأعمال إلا بالكفر .

وإن اتبع لهوى نفسه مع اعتقاده الحرمة فهو فاسق أو اتبعهم جاهلا فإن أمكنه التعلم وفرّط فهو آثم وإلا فلا شيء عليه.

 

*متى يكون كفرا أصغر ؟
مما سبق ذكره يتبين أن لدينا كفرا أصغر ، يقول محمد بن إبراهيم :

القسم الذي لا يُخرج من الملة الذي ذكره ابن عباس هو أن تحمله شهوته على الحكم في قضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق واعترافه بالخطأ ، وهذه كبيرة أعظم من الكبائر الأخرى كالزنا واليمين الغموس .

-لا بد لكي يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أصغر من أمور:

أن تكون السيادة للشريعة وأصل التحاكم بها ، والحاكم والقاضي مقر بذلك سواء في هذه القضية أو غيرها ، قضى أم لم يقض .

أن تكون في حوادث الأعيان لا العامة التي هي قوانين وكلام ابن أبي العز ظاهر حيث ذكر : من اعترف بخطئه "وعلمه في هذه الواقعة" فهو كافر كفرا أصغر أو كفرا مجازيا .

*كلام ابن عباس "كفر دون كفر"

قصة أبي مجلز ومناقشتها :

زعم بعضهم أن التكفير لغير المستحل هو رأي الخوارج مستدلا بقول أبي مجلز في جداله مع الإباضية عن حكام زمانه "إنهم يعلمون أنهم مذنبون" وقال "إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنه ذنب" !
قال المحمود وخلاصة ما ذكره محمود شاكر في ردّه على المحتجين بهذا الأثر :
أن سؤال الإباضية لم يكن عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والدماء بقانون وضعي ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الشرع .. فهذا الفعل إعراض عن حكم الله وكفر لا يشك أحد من أهل القبلة على تكفير القائل به والداعي إليه .

والذي وقع في تلك العصور إنما هو ظلم وجور لا سن قوانين يلتزم بها الناس، وإن وقع شيء من ذلك فهي حوادث معينة من جاهل أو عاص إذا كان مقرا بحكم الشرع، أو متأولا .. وهذا الذي كان يدور حوله كلام أبي مجلز ولم يكن أبدا أن جحد حاكم أمر الشرع وآثر حكم أهل الكفر ، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز إليه .

-وهؤلاء الإباضية الذين كفروا عثمان وعلي وخرجوا على معاوية وفارقوا طلحة والزبير يجعلون الظلم –بل ما ليس ظلما- تحكيما لغير الشريعة ، كتحكيم علي للحكمين .

ابن عباس والخوارج :

-ليس في أثر ابن عباس حجة على زعم أن الكفر دون كفر ينطبق على من ألزم الناس بالقوانين الوضعية .

-ءاية "ومن لم يحكم .. الكافرون" جعلها الخوارج أصلا من أصولهم في كفر مرتكب الكبيرة ومنهم أئمة الجور ويحتجون بها على خلفاء بني أمية والعباس .

-منهج الخوارج في الاستدلال المنحرف بهذه الآية مشهور عند الصحابة فإذا حكم الإمام بغير الحق قالوا قد كفر ومن كفر فقد عدل بربه ومن عدل بربه فقد أشرك ويقرؤون "ومن لم يحكم.." ويقرنون بها " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون".

-الصحابة كانوا خبراء برأي الخواج ، وكان ابن عمر وغيره يصلون خلف نجدة الحروري ولم يكفروهم، وكان ابن عباس يجيب على أسئلة نافع الأزرق .. والمقصود من هذا أن الصحابة كانوا يفسرون القرءان وقضية الخوارج حيّة فيهم ، فلا ينبغي أن يُفهم كلام ابن عباس بعيدا عن هذا السياق ، خاصة أنه قال "ليس الكفر الذي يذهبون إليه".

قال المحمود : ولا شك أنه يقصد الخوارج .
 والذي فهمه محمد بن إبراهيم من كلام ابن عباس أنه يقصد من حكم جائرا في مسألة معينة فردّ ابن عباس على الخوارج المكفرين بقوله : كفر دون كفر .

ولهذا ربط أحمد شاكر بين أثر ابن عباس وأثر أبي مجلز في الرد على المضللين الذين جعلوهما عذرا في إباحة القوانين الوثنية .

 

المبحث الرابع : نماذج لمواقف العلماء من المبدلين لشرع الله

حركة المرتدين :

قال البخاري : "باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نُسبوا إلى الردة" ثم روى حديث "والله لو منعوني عناقا" ..

قال المهلب : من امتنع عن قبول الفرائض نُظر .. فإن أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا ولا يُقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع .

ومثل الزكاة "سائر الحقوق التي لا يختلف في وجوب دفعها" كما قال الباجي .

-أهل الردة أصناف :
صنف عاد إلى عبادة الأوثان، وصنف اتبع المتنبئين كمسيلمة، وصنف أنكر وجوب الزكاة وجحدها، وصنف لم يُنكر ولكن أبى أن يدفع .

والخلاف بين أبي بكر وعمر إنما كان في الصنف الأخير، ولا خلاف في كفر ووجوب قتال الأولين .

يجب أن يتضح أمران :

1-إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وهذا دليل على أن من امتنع عن أداء واجب من واجبات الإسلام الظاهرة يقاتل .

2-كفر من منع الزكاة مع الإقرار بوجوبها مسألة خلافية .

ورَدَ أنه لما جاء وفد بزاخة إلى أبي بكر قال لهم : وتشهدون أن قتلاكم في النار !
قال صاحب المغني هذا الدليل محتمل ، وهي روايتان عن أحمد، ورجح صاحب المغني عدم الكفر .
والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية : أن المنع إذا كان من جماعة وقاتلوا عليها يَكفرون .

وقول بعض الفقهاء في عدم القتل المقصود به الفرد، لحديث "إنا آخذوها وشطر ماله" وحديث "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله" فلم يأمر بقتله ولا حكم بكفره .

يقول المحمود :

مانعو الزكاة –وفيهم من لم يجحد وجوبها-اتفق الصحابة على قتالهم وأنهم مرتدون بشرطين :

أن يكونوا طائفة ممتنعة ، وأن يقاتلوا الإمام على منعها .

وهذه المسألة تُبين ما سبق بيانُه من الحكم بغير ما أنزل الله .. فهما حكمان متشابهان بين الحوادث الفردية المعينة وما جُعل نظاما عاما .

يقول ابن تيمية : والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء –يقصد الخوراج والروافض- فلم يتنازعوا في وجوب قتالهم إذا كانوا ممتنعين، فإن القتال أوسع من القتل .

-أثار الرافضي صاحب منهاج الكرامة أن عمر تراجع عن رأيه في مانعي الزكاة عند خلافته وأنه ردَّ عليهم سبْيَهم وأموالهم وأطلق المحبوسين غير أن ابن تيمية كذبه بأن الحبس إنما صنعه عمر عندما اشترى دار صفوان بن أمية وجعلها سجنا وذلك في خلافته ! وأما ردّ الأموال والسبي فإن صح هذا فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع هوازن ، ولعل هؤلاء أسلموا وحسُن إسلامهم فأراد إكرامهم .

الياسق عند التتر وموقف شيخ الإسلام :

حكَم المسلمين بعضُ طوائف الكفر كالعبيدية واتفق أئمة المسلمين على كفرهم، لكن لما دخل التتر الإسلام -حقيقة أو زعما- أشكل أمرهم ، وكان الحاجب لا يحكم في قضايا الشرع ثم أصبح يحكم في كل صغيرة وكبيرة وصارت أحكامه يقال لها سياسة أي لا مدخل للشرع فيها فاستحلوا بالسياسة كثيرا من المحرمات إضافة إلى ما تضمن الياسق من كفر وفجور حتى صار معنى الياسق القتل لما تضمنه دستورهم من كثرة القتل ، وهو كتاب خليط من الأديان والأهواء، وفرضوا حرية الاعتقاد فلا يُنكِر منتسب لدين على آخر من غير دينه، ولما أعلن زعيمهم قازان الإسلام -مع تمسكهم بمهاجمة المسلمين وسبي نسائهم وتعظيم الياسق وتعطيل بعض الشرائع كالصلاة والزكاة وإقرار المنكرات وزعم قازان أنه حامي الدين- سئل ابن تيمية عن حالهم ..

فقال : كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة يجب قتالها باتفاق المسلمين وإن تكلموا بالشهادتين .. وذكر أن امتناع طائفة عن الزكاة أو تحريم الفواحش أو الجهاد ، أو إظهارها بدعا كالتكذيب بقضاء الله وقدره أو مقاتلة المسلمين لإدخالهم في شريعة الكفر أو الطعن في السابقين يوجب قتالهم .. واستطرد في ذكر أدلة مِن فعل الصحابة مع الخوارج والمرتدين .
وأما من فيهم من مسلمين فقد ألحقهم بجنس الخوارج الذين خرجوا على معاوية وعلي .

 

شبهات وجوابها :
*شبهة أن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر العملي، والكفر العملي لا يُخرج من الملة :

الكفر العملي نوعان يضاد الإيمان كالسجود لصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه ، وما لا يضاد الإيمان كقتال المسلم مثلا .

يقول المحمود عن السجود لصنم والاستهانة بالمصحف فهما مكفران بالإجماع وعمليان بالإجماع .

قال الحكمي :

الكفر كفران أكبر : وهو الكفر الاعتقادي المنافي لقول القلب وعمله أو أحدهما .
وكفر أصغر : ينافي كمال الإيمان وهو الكفر العملي الذي لا يناقض قول القلب ولا عمله .

وقال : الكفر العملي الذي لا ينافي الإيمان هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر مع بقاء اسم الإيمان على عامله . فإن قيل لم كفرتم الساجد للصنم وساب الرسول؟

قلنا هذه ليست من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بالجوارح ، وهي لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من محبة وانقياد فهي مستلزمة للكفر الاعتقادي لذا لم نُعرّف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا بل العملي المحض .

-أيضا ترك الشهادتين من القادر -وذلك عمل- كفر باتفاق جماهير السلف، وخالف في ذلك جهمية المرجئة الذين قالوا : يكفر ظاهرا لا باطنا !

*شبهة لا يكفر إلا المستحل الجاحد ..

توسع بعضهم في ذلك وقالوا لا نكفر بأي نوع من أنواع المكفرات إلا الجاحد مطلقا واستندوا إلى قول الطحاوي " لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب لم يستحله" قالوا والحاكم بغير ما أنزل الله داخل في هذا .
غير أن البخاري بوّب " المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك"

فنص على أن الشرك معصية مكفرة ولم يشترط استحلالا .

ونص البربهاري على كفر من يصلي لغير الله أو ردّ شيئا من كتاب الله أو ذبح لغير الله .

-أيضا كلام الطحاوي هذا يرد فيه على الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب كما ذكر ذلك ابن تيمية .

قال ابن تيمية : أهل السنة لا يكفرون بفعل منهي عنه ما لم يتضمن ترك الإيمان ، وقال : المعاصي التي لا نكفر بها كالزنا وشرب الخمر، أما المباني –يقصد أركان الإسلام الأربعة- ففي تكفير تاركها خلاف مشهور .

وقال ابن عبد الوهاب ردا على من يقول : لا يجوز تكفير مسلم بالذنب :
أرأيت لما قاتل أبو بكر من منع الزكاة فلما أرادوا التوبة قال لا حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ؟
وقال : نحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر .

وذكر أيضا أن من نواقض الإسلام السحر والحكم بغير ما أنزل الله .

-وذكر ابن أبي العز أن بعض أهل السنة –ولعله يقصد الإمام أحمد- منع إطلاق هذه المقولة "لا نكفر أهل الذنوب" والصواب أن نقول : "لا نكفر بكل الذنوب" لنفرق عن الخوارج .

-أيضا القول بأنه لا يكفر إلا الجاحد مقولة المرجئة على اختلاف بينهم وذلك أنهم لما عرفوا الإيمان بالتصديق جعلوا الكفر محصورا بما يضاده وهو التكذيب ، وقد كفّر الإمام أحمد ووكيع من يقول بهذا القول، ولكن هذا القول هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه ، غير أن مرجئة الفقهاء لم يلتزموا بهذا القول .. فقالوا : من حكم الشارع بكفره من غير تكذيب حكمنا بكفره ، بيد أنهم رجعوا فقالوا : ولا يحكم الشارع بالكفر إلا على من خلا قلبه من المعرفة !

وسنمثل بمسالة ألا وهي مسألة سب الرسول صلى الله عليه وسلم – ليتبين من خلالها نقض المسألة التي نحن بصددها ونحرر الخلاف فيها -
نقل ابن راهويه إجماع المسلمين على كفر من سب الله ورسوله وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله . وذكر الإجماع ابن سحنون وغيره .

قال ابن تيمية مضيفا : سواء أكان الساب يعتقد حرمة ذلك أو كان مستحلا أو ذاهلا عن اعتقاده .. هذا مذهب أهل السنة القائلين إن الإيمان قول وعمل .
 واشتراطُ الاستحلال زلة منكرة وقع فيها القاضي أبو يعلى إذ تلقفها من بعض المتكلمين كما ذكر ذلك ابن تيمية .

وخلاصة الأقوال في ساب الرسول عليه الصلاة والسلام :

1-لا يكفر إلا أن يصرح بالجحود والاستحلال وعليه غلاة المرجئة .

2-كافر في الظاهر وأحكام الدنيا،  وفي الباطن قد يكون مؤمنا ، وعليه غلاة المرجئة القائلين إن الإيمان هو المعرفة .

ورد عليهم ابن تيمية أن الإنسان قد يكفر بكلام الجحد والتكذيب وسائر أنواع الكفر من غير إكراه ويكون مؤمنا بنفس الأمر .. ومن جوز هذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .

وهاتان الطائفتان كفّرهما بعض السلف .

3-أنه كافر ولكن ليس بالعمل نفس وإنما العمل دليل على انتفاء التصديق من قلبه ، وعليه مرجئة المتكلمين من الأشاعرة .

وهؤلاء حاولوا أن يجمعوا بين القول بأن الكفر هو التكذيب وبين موافقة الشرع في كفر مثل هؤلاء .

وهذا باطل إذ ليس كل كافر مكذب بقلبه فإبليس أبى موقنا واستكبر فرعون مستيقنا ..

قال ابن تيمية : الاستهزاء ينافي الطاعةَ والانقيادَ منافاة ذاتية وينافي التصديق بطريق الاستلزام .

4- مذهب أهل السنة والجماعة يكفر بالعمل نفسه .

-وتبين أن الكفر قد يكون بلا تكذيب فالمنافقون اعتذروا باللعب وعدم القصد إلا أنهم كفروا "لا تعتذروا قد كفرتم" .
وإبليس كفر مع اعترافه بعزة الله "فبعزتك"، وأجمع الصحابة على كفر مانعي الزكاة سواء أكانوا جاحدين أم لا ، أيضا الصلاة مع الاختلاف في حكم تاركها إلا أنه حُكي الإجماع على كفر تاركها ، قال ابن رجب : وكثير من علماء الحديث على كفر تارك الصلاة دون غيرها من الأركان .
وهذا ينقض أصل مذهب المرجئة القائلين بأن الكفر لا يكون إلا بالجحود، بل زعم بعض المعاصرين أن من خرج على هذا القول فهو خارجي !

*شبهة قياس الحكم بغير ما أنزل الله على البدع :

أوجه الشبه بين الحكم بغير ما أنزل الله والبدع كثيرة لكن هناك فروق بينهما وتشبيهه بها تشبيها كاملا غلط ، نعم الحكم بغير ما أنزل الله بدعة لكنها بدعة حديثة لم تنشأ في عهد الصحابة -والمقصود التشريع العام المخالف للشريعة وإلزام الناس به-.

-أيضا الحاكم بغير ما أنزل الله مستند إلى الرأي المجرد فليس عنده دليل ولا شبهة دليل أما المبتدع فهو مستند إلى الشرع .

وذكر الشاطبي أن ثمة فرقا بين المتبع للهوى بإطلاق ولم يقصد بالشريعة رأسا وبين المتبع للشرع ولكن زاحمه الهوى .

أيضا البدعة تكبُر وتصغر ومنها ما يكون كفرا ومنها ما لا يكون كذلك، أما تغيير الشريعة فهو كفر كله قليله وكثيره .

ومن لوازم التشبيه أن يقال :

أنه كما حصر الكفر الأكبر في الحكم بغير ما أنزل الله في الاعتقاد -وهو الجحود والتكذيب- فليزم أن يطرد القاعدة في البدع الاعتقادية فيكفّر من فضّل عليا على الشيخين أو أوّل بعض الصفات .. وهذا باطل .

يلزمه أيضا كما أنه لا يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله –إذا لم يكن مستحلا- أن لا يكفر أحدا في أي بدعة عملية مهما عظمت كسجود لصنم أو عبادة لقبر خاصة إذا اعتقد هذا الساجد والعابد تعظيم الله وأن الصنم أو القبر لا يضر ولا ينفع .. وهذا خلاف للإجماع .

-في البدعة لم يجعلوا مناط الكفر وعدمه كونها عقدية أو عملية ، مثلا :
الجهمية الذين أنكروا كل الصفات : المشهور عن الإمام أحمد أنه يكفرهم، أما المؤولون لبعض الصفات كالأشاعرة فلا "وكلهم مؤوّل في جانب عقدي".

أيضا بدعة من أنكر أحد مباني الإسلام أو المحرمات الظاهرة كالسرقة يكفر ، أما من أنكر الميزان أو بعض أنواع الشفاعة –مما ورد من طريق الآحاد- فلا يكفر .

الذبح للقبر كفر لكن بدعة المولد ليست كذلك "وهذا من البدع العملية" .

يقول المحمود : فإذا تبين بطلان الشبهة في المقيس عليه وهو البدعة-وذلك حين حصر الكفر الأكبر فيها بالمكذب فقط- بطل ما بني عليه من أنه لا يكفر إلا الجاحد لما أنزل فقط .

والطريقة الصحيحة أن نقول :

البدعة المكفرة : كل ما دل الدليل على كفر صاحبها من بدعة عقدية أو عملية .

وغير المكفرة : ما دون ذلك من البدع العقدية والعملية التي لا تصل إلى الكفر الأكبر .

وكذلك الحكم بغير ما أنزل يكون كفرا أكبر كالجحود لما أنزل الله أو التشريع من دون الله أو الحكم بغير ما أنزل الله من القوانين والتحاكم إليها وإلزام الناس بها .

وأصغر في الحالات الجزئية بشرط أن يصحبها إقرار واعتراف بشرع الله .

*شبهة حكاية الإجماع على عدم كفر الحاكم بغير ما أنزل الله إلا أن يكون جاحدا.

فنّد المحمودُ دعوى العنبري للإجماع وقال إن ادعاء الإجماع أن لا كفر إلا باستحلال عجب لا ينتهي إذ إن الإجماع محكي عن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله كفرا أكبر من غير ذكر للاستحلال ! فكيف يكون العكس .

وقال المحمود : إما أن يطرد قائل الكلام السابق فيجعل من سب الله غير كافر –وهذا خلاف إجماع الأمة- أو أن يستثني فيتناقض .

-وأما دعوى الإجماع في ءاية المائدة ، فقد قال إسماعيل القاضي : "ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف حكم الله وجعله دينا يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم حاكما كان أو غيره".
أيضا اليهود كانوا يتأثمون ولا يستحلون وأرسلوا رسولا إلى نبي الله ليوافق رأيُه أهواءهم .

فإسماعيل القاضي ذكر الاختراع لا الاستحلال وإن كان قد ذكر الاستحلال بعض العلماء !

أيضا رأي الشعبي أن الآية مقصود بها المؤمنون ولم يفرق بين استحلال وغيره .

-وأما استدلال إجماع السلف على الحكم على البدعة بالحكم بغير ما أنزل الله فهذا فاسد في أصله وفي تشبيهه ، بل هناك إجماعات على الضد من ذلك لا تشترط استحلالا .

يقول ابن تيمية : والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا بالاتفاق .

*شبهة تعميم الكفر بحيث يشمل الحوادث الجزئية :

حكَم الخوارج بالكفر الأكبر على من حكم ولو في قضية واحدة بغير ما أنزل الله ولو لهوى من غير استحلال وقالوا إن رواية ابن عباس "كفر دون كفر" غير صحيحة ، وإن سبب نزول ءاية "ومن لم يحكم .."في قضية واحدة وهي تغيير اليهود لحد الزنا !

والجواب : أن رواية ابن عباس صحيحة بجموع طرقها وقد وردت عن طاووس ، ويجاب أيضا بأن اليهود تمالئوا على تغيير حكم الله، ومن يخالف حد الله في واقعة معينة كالزنا ليس مثل الذي يخالف في كل واقعة ، حيث قالوا "كثر الزنا في أشرافنا .. إلى أن قالوا : تعالوا نجتمع فنضع شيئا مكان الرجم ".

-يفرق المحمود بين ترك تطبيق الحد وبين تغييره ، فاليهود في بداية الأمر كانوا قد تركوا تطبيق الحدود على شرفائهم فلما استنكر ذلك بعضهم اتفقوا على تغيير الحد حتى يشمل الجميع .

أيضا الجور والظلم في الحوادث الجزئية كان في عهد ما بعد الخلفاء ولم يُنقل تكفير من أئمة الإسلام لهم ولو حصل شيء لتناقلوه ، بل نُقل منهم عكس ذلك من الصبر على جور الأئمة .

المبحث السادس من الكتاب : مسائل وقضايا متعلقة بالموضوع :

هناك فرق بين النظام الإداري كما فعل عمر حين كتب أسماء الجنود في ديوان وبين النظام الشرعي الذي لا يجوز المساس به .
<!--

-الخوارج والمرجئة متفقون على أن الإيمان كل لا يتجزأ، فأخرج الأولون العمل من مسمى الإيمان فرارا من حرج النصوص التي جاء فيها أن مرتكبي الكبيرة الموحدين مآلهم الجنة ، والخوارج كفّروا بكل كبيرة .

-قالت المرجئة من عبد وليا لا يكفر إلا أن يعتقد أنه مستقل بالقدرة والخلق لأن هذا هو توحيد الإلهية عندهم .

وجعل بعضهم السجود للشمس غير كفر إذا اعتقد أنها سبب أو واسطة إلا إذا اعتقد أنها مدبّرة .

بل وصل الأمر بهم إلى أن لا يكفروا معيّنا أبدا وقالوا لأن مدار الكفر على تكذيب القلب ولا سبيل إلى معرفة ذلك .

القاعدة الأخيرة المستفادة من الكتاب : لا يلزم من المقاتلة الكفر ، ولا يلزم من الكفر المقاتلة .

ومع هذا البحث الشاق والدقيق إلا أن الشيخ المحمود تحرّج من تطبيق هذا على الواقع المعاصر ،، فمهلا يا شباب الأمة ورويدا رويدا .

انتهى المؤلف من كتابه عام : 24/10/1418

وقد كتب العنبري رسالة أجاب فيها عن بعض ما جاء في هذا الكتاب :

أولا : ما ذكره المحمود من أن اليهود لم يستحلوا حكم الله وإنما كفَروا لتمالئهم على التشريع المخالف لحكم الله غير صحيح فقد استحل اليهود الجلد والتحميم بدل الرجم، أو فعلوا ما هو أكبر من الاستحلال وهو التبديل وزعم أن المُبدّل هو حكم الله ، فقد سألهم النبي صلى الله عليه وسلم :" ما تجدون في التوراة؟ قالوا نفضحهم ويجلدون" وهذا كذب على الله .
ثانيا : مانعو الزكاة لا يكفرون إذا امتنعوا عن مقاتلة الإمام عليها كما نص ابن تيمية وهذا الحاكم الذي وضع نظاما عاما كيف يصح تشبيهه بمانعي الزكاة  ؟
الأول مناط الحكم بالكفر القتال والثاني مناط الحكم بالكفر جعل النظام عاما ! وإذا كان مستند الأول صحيح منقول فأين مستند الثاني ونقله عن العلماء ؟

ثالثا : ذكر أن لفظ التبديل في كلام ابن تيمية  "أو بدل شرع الله" ما ذكره في موضع ءاخر "الشرع المبدل هو الكذب على الله ورسوله" لا جعل شيء مكان شيء كما ذكره المحمود، قال ابن العربي "وإن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل يوجب الكفر .

وكذلك لفظ الالتزام في كلام ابن القيم أن معناه : الإيجاب على النفس أو الإذعان .
وكذلك لفظ الإسقاط في كلام ابن تيمية "وأسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله فهو كافر" أن الإسقاط الإلقاء والرمي كما في اللسان .

رابعا : ذكر العنبري في كتابه الأول نوع الكفر العملي المخرج من الملة كالشرك وسب الله ، فلا حجة عليه في هذا الباب ، بل يقول : لا يقول أحد إن الكفر العملي لا يخرج من الملة إلا من طمست بصيرته .
بل ذكر قول غلاة المرجئة مِن حصر للكفر بالاستحلال والجحود أو التكذيب ، فلا حجة عليه أيضا في هذا .

خامسا :
وأما البدعة المكفرة فجميع الأمثلة التي ذكرها المحمود من تكفير للجهمية وإنكار أحد مباني الإسلام والذبح للقبور منطبقة على تعريفنا الذي ذكره الشيخ حافظ الحكمي والذي زعم المحمود أنه جاء على قواعد المرجئة .
ويقول إنني نزلت الحاكم بغير ما أنزل الله منزلة المبتدع ولم أقل إن الحكم بغير ما أنزل الله بدعة كما زعم هو، ثم إنه اتفق معي في ءاخر كلامه فجعل الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أصغر وكفرا أكبر .

سادسا :
يقول وأما ما ذكرته بشأن الإجماع فهاك طريقا رابعا، يقول القرطبي :
" هذه الآيات .. وإن كانت ألفاظها عامة فقد خرج منها المسلمون لأن من ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك .. قال الله : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق فيجوز أن يغفر، والكفر لا يغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرا ".

سابعا :

وأما كلام المحمود من أن اشتراط الاستحلال إنما ذكره بعض المفسرين، فكيف يقول بعض وقد أوردت قريبا من أربعين من العلماء كلهم يشترطه، وأما كلام إسماعيل القاضي فقد قال "وفعل مثل ما فعلوا" وقال "وجعله دينا يعمل به" فماذا فعل اليهود؟ بدلوا وزعموا أنه المبدل من عند الله .

وأما تفسير الشعبي فقد ذكرنا كلام الألوسي : أنه يلزم منه أن المسلمين أسوأ حالا إلا أنه قيل : إذا نسب الكفر إلى المؤمنين حُمل على التشديد والتغليظ .

-وذكر العنبري إشادة ابن باز بكلام الألباني من أنه "لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه" مستدلا بكلام ابن عباس ، وبمثل هذا القول وردت فتوى اللجنة الدائمة بتوقيع الغديان وعفيفي وابن باز .

-وذكر أن للشيخ محمد بن إبراهيم فتوى –بعد طباعة رسالته تحكيم القوانين بخمس سنوات- تنص على التفريق وأن الحكم بغير ما أنزل الله إن كان دافعه الشهوة لا اعتقاد الجواز كفر عملي غير مخرج من الملة .

ولما سئل ابن باز عن فتوى ابن إبراهيم المشهورة قال إنه ليس بمعصوم !


 الكتاب الثالث :

وأما الكتاب الثالث فهو كتاب عبد الحصم الذي رد فيه على العنبري ، وقدم له الشيخ عبد الله الغنيمان ، والذي قرأه أيضا على الشيخ سليمان العلوان فنقح فيه وأضاف .

من جُملة ما أخذه على العنبري :
أولا : مدحه لنفسه وإطراؤه على كتابه .

ثانيا : ذكر الحصم أن التكفير المعتمد على الدليل مأجور صاحبه نص على ذلك الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ، فلا يجوز وصف المخالف في مسألة اجتهادية كهذه بالتكفيري أو الخارجي –كما فعل العنبري-.

وهب أن الكفر لا يكون إلا بالاستحلال فماذا يفعل الحكام اليوم وقد ملئوا وسائل الإعلام ثناء وتبجيلا لهذه القوانين وأنها عادلة -وقد قال عنها الله ظالمة- وأنها تجلب الأمن والأمان .

-للشيخ ابن جبرين كلام قوي حيث يقول : هؤلاء الذين يشترطون الاعتقاد نرى أنهم أخطئوا .. إذا رأينا إنسانا يعمل عملا منشرح الصدر فإني أحكم باستحلاله ، حتى لو قال لنا إنه غير مستحل وأنه لا يجوز تحكيم غير الشريعة وكان غير مكره فلا نصدقه بل الحكم عليه بما ظهر "فالاستحلال هو العمل به ظاهرا وقد حصل".

ثالثا : تحقيق معنى قول السلف "كفر دون كفر".

ذكر الحصم أن الشيخ سليمان العلوان ضعّف رواية ابن عباس، بل خولفت هذه الرواية برواية أخرى سئل فيها ابن عباس عن ءاية "ومن لم يحكم" فقال هي الكفر .

-وذكر نفي ابن عباس أن يكون هذا الكفر كالكفر باليوم الآخر ، قال الحصم : هذا النفي لا يتضمن الإسلام فهو كفر أكبر لكن ليس مثل الكفر باليوم الآخر، فالكفر الأكبر درجات !

ونقل عن الشنقيطي نصا قويا وهو أن من يضع هذه القوانين مُعرِضا عن نور السماء فهو وعابد الصنم واحد ، هذا أشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه .

ثم ذكر الحصم أن حال القوانين الوضعية لا يختلف كثيرا عن حال قوانين التتر فإباحة الربا والزنا والخمر والكفر عند هؤلاء الحكام كما كانت عند التتر، ودعوى تخصيص كلام ابن كثير في التتر لا طائل من ورائه .

ثم ذكر الإجماع الذي نقله إسحاق بن راهويه أن من دفع شيئا مما أنزله الله وهو مقر بما أنزل الله أنه كافر ، ثم الإجماع الذي ذكره الشيخ عمر الأشقر على كفر من شرّع هذه القوانين وألزم الناس بها .
ثم قال الحصم : الإجماع يخصص كتاب الله وسنة رسوله فمن باب أولى أن يُخصص كلام الصحابي .

رابعا : تحقيق قول شيخ الإسلام

ذكر الحصم أن النصوص التي أوردها العنبري عن شيخ الإسلام ابن تيمية التي تذكر الاستحلال لا تحصرها فيه ، وأنه لم ينقل نصوص ابن تيمية التي تفرق بين القضية المعينة والتشريع العام، وهي نصوص اعتمد عليها مخالفوه وتختصر كثيرا من المهاترات .

خامسا : التفريق بين القضايا المعينة والتشريع العام :

هذا التقسيم -الذي شغّب عليه العنبري- ذكره ابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز ومحمد بن إبراهيم وابن عثيمين وابن جبرين والفوزان وعبد الرزاق عفيفي !
وذكر كلاما مفاده : أن الانحراف في التطبيق غير الانحراف في التشريع .

-وأما الفتوى التي نقلها العنبري عن محمد بن إبراهيم والتي لا تجعل مجرد التشريع كفرا إذا كان معتقدا لحكم الله .. قال الحصم : الأصل أننا نجمع بين الأقوال، خاصة وأن أكثر فتاوي الشيخ لا تشترط هذا ، فإن تعذر الجمع رجحنا الفتوى المشهورة والتي نقلها كبار تلاميذه كالشيخ ابن باز وابن جبرين .

بل قال ابن جبرين إن هذا الكلام الشديد المنقول عن محمد بن إبراهيم أخف ما كان يقوله ولا أذكر أنه تراجع أو أن له كلاما يبرر فيه الحكم بغير ما أنزل الله أو التحاكم إلى الطواغيت .
-وأما موافقة ابن عثيمين لكلام الألباني ، فقد نقل الحصمُ عن ابن عثيمين قوله : ولكنا قد نخالفه في مسألة أنه لا يُحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك .. ولا يمكن لأحد أن يطبق قانونا مخالفا للشرع يحكم فيه الناس إلا وهو مستحل له ، فإن قيل حمله الخوف من الناس أو ممن هو أقوى منه حينئذ نقول هذا ( كافر) كالمداهن في بقية المعاصي .

سادسا : للشيخ حامد الفقي والعلامة ابن القاسم كلام صريح في هذا الشأن .

يقول حامد الفقي في تعليقه على فتح المجيد : ويدخل في معنى الطاغوت الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام .. والقوانين نفسها طواغيت وواضعوها ومروجوها طواغيت .

وقد حكم ابن القاسم كذلك عليه بأنه طاغوت بل من أكبر الطواغيت .

سابعا : التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام

القضية المعينة ليس فيها تبديل وإنما هي من قبيل التقصير في التطبيق كترك حد الرجم على زان ، أما التشريع العام فهو تبديل لحكم الله ولو في حد من الحدود كأن يجعل مثلا السجن على عقوبة الزاني بدل الجلد .

فينبغي أن يُعلم أنه ليس ثمة عدد تُحد به القضايا المعينة بل ما دام أنه لم يطبق حكم الله ولو كان مرتين وأكثر فهذا يدخل في القضايا المعينة ما دام أنه لم يستحل .

ثامنا : الجواب على حكم النجاشي .

ذكر الحصم أن النجاشي كان عاجزا عن إقامة الشريعة وليس مثل حكام اليوم الذين يطالبهم الشعب بالشريعة ، وقال ابن تيمية "نحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بالقرآن .. إلى أن قال فإن قومه لا يقرّون ذلك"
وذكر الحصم أن أرض الحبشة بعيدة عن الإسلام ولا تعرف أحكامه فبأي شريعة سيقضي في دماء الناس وأموالهم !
وأنه قام بواجبه فأوى المؤمنين وصدع بالتوحيد واستعد للهجرة إلى مكة فمن من حكّام اليوم لديه هذه العزيمة بل هم منغمسون في الجهالات .
وأن آيات المائدة نزلت في السنة العاشرة وتوفي النجاشي قبل فتح مكة !

تاسعا :

أجاب عن الصحابي الذي نزلت عليه كما قيل "ألم تر إلى الذين يزعمون" أنه لا دليل على أن هذا الصحابي لم يتب إلى الله فيما بعد فوجه تفسير نفي الإيمان هنا بنفي كماله ضعيف .

-هناك فرق بين الطاعة في المعصية والطاعة في التشريع ، الأول كفر وشرك وعليه يُنزل كلام سيد قطب والشنقيطي، ولا يكاد يختلف كلام سيد عن كلام الشنقيطي إذا علمنا أن هذا هو المقصود، غير أن العنبري اجترأ على سيد ووصف تفسيره بالخارجي والحروري ولم يجترئ على الشنقيطي .

-وأما حصر العنبري لكلام ابن تيمية وتكلفه لتفسير التسويغ "وسوغ اتباع غير دين الإسلام" بمعنى الإباحة ، فقال الحصم إن كلام العلماء لا يصح تناوله بهذه الطريقة ، ثم إن الإباحة ليست الاستحلال القلبي، ولا يلزم من الإباحة الاستحلال، والعنبري يقرر في كتابه أن من أباح ما حرم الله لا يكفر حتى يستحل !

-وأما إبطاله للتفريق بين الكفر المعرف والمنكر فقد ذكر هذا التفريق شيخ الإسلام وذكره ابن عثيمين أيضا وتدل عليه الأدلة فالكفر المنكر لا يدل على الخروج من الملة "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" لا خلاف أن هذا كفر لا يُخرج من الملة ، في المقابل حديث "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان .. وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" وحديث " منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر" ، وأما كلام ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال هو الكفر .. يظل كلام صحابي غير داخل في التقعيد على الكلام النبوي ، وأما كلام امرأة ثابت بن قيس " أكره الكفر في الإسلام" فالسياق دل على أن المراد الكفر الأصغر إذ لا يجتمع الإسلام مع الكفر الأكبر .

انتهى .

وقد رد العنبري على رد الحصم برسالة عنوانها "هزيمة الفكر التكفيري" ليس فيها كبير فائدة ، غير أنه ادعى أن الحصم أضاف كلمة كافر في كلام ابن عثيمين عندما ذكر الحاكم بغير ما أنزل الله الذي يحكم بذلك لا عن اعتقاد وإنما خوفا من الناس فقال هي كالتالي : "هذا كالمداهن في بقية المعاصي" ، غير أن الحصم أثبتها كالتالي : هذا "كافر"كالمداهن في بقية المعاصي ، فأضاف كلمة كافر .

وقال إن تعظيم كلام ابن تيمية عن الحكام المستبدلين عندما قال فيهم يحكم فيهم رب العالمين وإله المرسلين ، قال إنه لا يدل على التكفير إلى غير ذلك مما تضيق به نفس الباحث لخلوها من التجرد العلمي والموضوعية أحيانا.

ثم رد الشيخ صالح الفوزان على رسالة العنبري هذه .. وذكر الفوزان أن التبديل الذي يذكره العنبري وهو تغيير حكم الله ثم ادعاء أن المُبدّل هو حكم الله وإجماع العلماء على ذلك قال الفوزان : هذا تبديل غير موجود، وإنما هو افتراضي من عندك، لا يقول به أحد من الحكام اليوم ولا قبل اليوم، وإنما هناك استبدال لشرع الله بالقوانين الوضعية وإلغاء المحاكم الشرعية ، وهذا كفر إلى أن قال : وكفر من حكم بغير ما أنزل الله لا يقتصر على الجحود بل يتناول الاستبدال التام .

إلى غير ذلك من الأمور التي نصح بها الشيخ .

فرد العنبري على كلام الشيخ الفوزان برسالة "المرجئة لا تقبلنا" ذكر أن الاستبدال التام غير موجود بحجة وجود بعض الفرعيات كالوزارات والهيئات التي تعنى بالإفتاء !! . انتهى 

وقد فصل الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي -في رسالة ليست بالطويلة بين فيها تدليس العنبري على الشيخ محمد بن إبراهيم حيث عمد العنبري إلى كلام ابن إبراهيم المجمل واعتمده في حين أن للشيخ ابن إبراهيم تفصيلا في مواضع أخر عن القوانين الوضعية تحديدا وعن التحاكم إليها من قوانين بريطانية وفرنسية وأنه لا شك في خروج واضعها من الملة .

وأن تراجع ابن إبراهيم –الذي زعمه العنبري- ونقله عن ابن جبرين أنكره ابنُ جبرين، وأما ما جاء على سبيل الإجمال وليس فيه تصريح بالقوانين الوضعية فلا يؤخذ منه ما يؤيد كلام العنبري ، على أن العنبري نفى أن يكون نسب للشيخ ابن إبراهيم تراجعا وإنما قلت : إن له كلاما ءاخر ذكره بعد رسالته تحكيم القوانين بخمس سنوات !

يقول الشعيبي : وكذلك فعل العنبري مع الشنقيطي فأخذ كلامه المجمل في سورة المائدة عن الحكم بغير ما أنزل الله وترك كلامه الصريح في القوانين الوضعية .

ثم بين الشعيبي أن القوانين الوضعية هذه نازلة وما يفعله العنبري من نقل لأقوال العلماء عن الحكم بغير ما أنزل الله لغير استحلال وإنما لشهوة أو هوى ثم ينزلها على القوانين الوضعية هذه – مع اعتراف واضعها بالإثم- أيضا تدليس .
ولم يكتف العنبري بهذا بل نقل إجماع السلف على الحكم بغير ما أنزل الله لشهوة أو هوى ثم أنزله على المشرع تشريعا عاما وعلى الحاكم  بهذه القوانين الوضعية المستحدثة .. وهذا جور وظلم .

وكذلك زعم أن ابن كثير وابن تيمية إنما كفروا التتر لأمور أخر لا لمجرد التشريع ، والقارئ لكلام ابن تيمية وابن كثير يدرك أنهم إنما كفّروا بمجرد التشريع المخالف لشرع الله .
ثم بين الشعيبي أن الحكم بهذه القوانين الوضعية لا يقال فيها استحلال وجحود أو هوى وشهوة هي كفر بذاتها !

 

ثم كتب العنبري بعض المقالات تظلم فيها للجنة الدائمة ورسالة "التأصيل الهام لمسألة التشريع العام" ورسالة :" براءة النبلاء من مذهب الإرجاء" ولم يأت بشيء جديد بل لعله وقع في شطط ءاخر . 

الخلاصة كما قال أحد الباحثين :

من خلال الاطلاع المتواضع على ما كُتب يتبين أن النزاع محصور في : كفر الحاكم بغير ما أنزل الله الذي وضع قانونا وألزم الناس به من غير أن يستحل ذلك بل هو معتقد حرمة ما يفعل وأنه آثم قلبه ، وأن الخروج عن هذا التحديد هو الذي جلب كثيرا من الكلام ، وأن وصف غير المُكفّر لهذه الحالة -فقط- بالإرجاء غير صائب خاصة ممن يتبرأ من منهج الإرجاء ويرى أن الكفر قول وعمل واعتقاد وأن من الكفر العملي ما يُخرج من الملّة ، وهي في الأصل فتوى ابن باز والألباني من المعاصرين كما هو معلوم .

كما أن وصف المكفّر لهذه الحالة -فقط- بالخارجية والتكفير أمر أخطر وأعظم، لما تعضده الأدلة وما تُرجحه أقوال العلماء المعاصرين ، وهي فتوى والشنقيطي وحامد الفقي وعمر الأشقر والفوزان والغنيمان وابن جبرين وما يظهر من كلام اللجنة الدائمة التي حذرت من كتاب العنبري وغيرهم .. خاصة وأنهم يتبرؤون من منهج الخوارج ولا يكفرون بالكبائر والآثام !

وكاد العنبري أن يسم بالخارجية والتكفير كل مكفّر لهذه الحالة وكأنّ رأيَه اليقينُ الذي لا يقبل الشك ! وكأن الورعَ في الحكام الحاكمين بغير الشريعة أولى من الورع في العلماء !

خاصة إذا علمنا أن معظم نصوصه وأدلته التي أوردها ذكرها السلف في عصر وزمان لم يكن فيه تحكيم بغير الشريعة كما هو في زماننا ، بل غايته جور وظلم في بعض القضايا ، -باستثناء كلام ابن تيمية وابن كثير في التتر- .

وأنهم كانوا يصفون الخوارج في عصرهم الذين كفروا بالمعاصي والآثام، فيجيء العنبري وينزلها على المخالفين له من المعاصرين ويزجهم في الوصف نفسه، وهذا إجحاف وميل عن الجادة .
بل ويشبّه حكام اليوم بحكام الأمس ! لتحلو له النتائج التي نتج بحثه عنها .. والله المستعان .

داود العتيبي
2013/10/6
@dawood2002
https://www.facebook.com/syedalkwtirdawoodlotaibi

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 754 مشاهدة
نشرت فى 6 أكتوبر 2013 بواسطة w7yglm

عدد زيارات الموقع

34,733