الحمد لله وحده وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده :
بداية أذكر فتوى اللجنة الدائمة في العنبري ثم أعرّج على مضمون كتابه ثم مضون كتاب المحمود "الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه " ومضمون رد الحصم في كتابه "الرد على العنبري" حتى يكون طالب العلم على اطلاع وحتى أبرأ من نشْر ما حكم عليه أهل العلم بالانحراف .
تنويه : معظم ما في هذا المقال من أقوال العلماء منقول بالمعنى إلا ما كان بين ظفرين "" ، وبعض ما تظنه للكاتب ليس له وإنما لبعض علماء السلف غير أنه أورده مؤيدا له ومقرا .
فتوى رقم ( 21154 ) وتاريخ 24 / 10 / 1420 هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على كتاب بعنوان : ( الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير ) لكاتبه : خالد علي العنبري
وبعد دراسة الكتاب اتضح أنه يـحتوي على إخلال بالأمانة العلمية فيما نقله عن علماء أهل السنة والجماعة. وتـحريف للأدلة عن دلالتها التي تقتضيها اللغة العربية ومقاصد الشريعة .
ومن ذلك ما يلي :
1 ) تـحريفه لمعاني الأدلة الشرعية ، والتصرف في بعض النصوص المنقولة عن أهل العلم ، حذفاً أو تغييراً على وجه يُفهم منها غير المراد أصلاً .
2 ) تفسير بعض مقالات أهل العلم بما لا يوافق مقاصدهم .
3 ) الكذب على أهل العلم ، وذلك في نسبته للعلامة محمد بن إبراهيم آل شيخ - رحمه الله - ما لم يقله
4 ) دعواه إجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغـير ما أنزل الله في التـشـريع الـعـام إلا بالاستـحلال القلبي كسائر المعاصي التي دون الكفر . وهذا محض افتراء على أهل السنة ، منشؤه الجهل أو سوء القصد نسأل الله السلامة والعافية .
وبناء على ما تقدم ، فإن اللجنة ترى تـحريم طبع الكتاب المذكور ونشره وبيعه ، وتُذكر الكاتب بالتوبة إلى الله تعالى ومراجعة أهل العلم الموثوقين ليتعلم منهم ويبينوا له زلاته ، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والثبات على الإسلام والسنة . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ، عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عضو عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد ، صالح بن فوزان الفوزان
الكتاب :
كتب مقدم الكتاب "صالح السدلان" تقريظا للكتاب ومجملا لما جاء فيه من كون المسلم لا يَكفُر بقول أو فعل حتى تقام عليه الحجة أو تزال عنه الشبهة، وأن جاحد الحكم المجمع عله إنما يكفر إذا كان الحكم معلوما من الدين بالضرورة، وهذا المعلوم نسبي ، ولا يكفر إلا من استحل أو جحد أو زعم أنها لا تناسب العصر ، أو أن الحكم بها وبغيرها سيّان ..
أما الكتاب فاستفتحه المُصنف بعنوان :
خطر التكفير
وأورد الحديث المشهور " من قال لأخيه يا كافر " وكلام الشرّاح فيه ، وكلام الغزالي " الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم " وكلام ابن تيمية : " من ثبت إسلامه بيقين لا يزال عنه بالشك " .
وأنه يصار إلى عدم التكفير ولو في رواية ضعيفة إلا إن ثبت بالدليل القاطع كفره وأن "الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة" .
ثم ذكر أنواع الكفر الأكبر :
الأول : كفر التكذيب وهو من يكفُر بالدين بلسانه وقلبه .
الثاني : كفر الجحود : من يكفر ويكذب بلسانه .. وقلبه على يقين من صدق الرسالة " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا".
وهو نوعان
أ- مطلق : أن يجحد ما أنزله الله جملة .
ب- مقيد : أن يجحد فرضا أو صفة من صفات الله أو قدّم القولَ المخالف للحق لغرض من الأغراض .
الثالث : كفر العناد : من يؤمن به ظاهرا وباطنا لكنه مستكبر عن الانقياد له كأبي طالب وإبليس الذي " أبى واستكبر" .
وصاحب هذا النوع أشد كفرا من سابقيه .
الرابع : كفر الإعراض : وهو من لا يحب الدين ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه استكبارا وكرها "وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب" ، وذكَر أن كل مكذّب للرسول كافر وليس كل كافر بالرسول مكذّب . -فأصحاب هذا النوع لا يكذّبون الرسول ولكنهم كفار- .
الخامس : كفر النفاق وهو من يؤمن به ظاهرا لمصلحة دنيوية ويكفر به باطنا .
السادس : كفر الشك أو التردد .
وذكر أن إطلاق بعض العلماء على الكفر وتخصيصه بالجحود أحيانا لا يكون المراد به حصره في هذا النوع .
وذكر أن الكفر يكون بالاعتقاد والقول والعمل .
وذكر أن الكفر عند غلاة المرجئة لا يكون إلا بتكذيب القلب .. وقد كفّر بعض السلف من يقول هذا القول .
وأن الإيمان عند مرجئة الفقهاء : قول باللسان وعمل بالقلب ، فعمل القلب داخل في الإيمان عندهم .
ثم فَصْل : أصول التكفير وضوابطه وشروطه :
وأورد رد ابن تيمية على الإسفراييني عندما قال الأخير " لا نكفّر إلا من كفرنا" وأن هذا ليس بلازم أبدا فمثلا من اغتصب أهلك هل يجوز أن تغتصب أهله ؟ كلا .
ومن هذه الأصول أو الضوابط :
1-التفكير حق شرعي لا مدخل لعقل أو ذوق فيه .
2- الأصل عدالة المسلم لأن التكفير بلا حق كذب على الله ووقوع فيما نبز به المجترئ .
وأننا قبل التكفير ننظر إلى حكم الفعل أو القول في الشرع فإذا كان كفرا نظرنا في انطباقه على المتلبس به وتحقق الشروط عليه وانتفاء الموانع عنه لنطلق عليه التكفير .
وأن الحكم بالظاهر أصل صحيح "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " وحديث "أشققت عن قلبه" وقد ورِث عبد الله بن أبي بن سلول أباه .
3-وأن المسلم لا يكفر إلا بعد إقامة الحجة عليه ، فمثلا الشك في قدرة الله كفر غير أن الله عذَر من قال "إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني" وأدخله الجنة، فهو شاك لجهله .. مع ما عنده من خشية لله تعالى وخوف منه .
وأنا أبا جندل بن سهل وقدامة بن مظعون شربا الخمر متأولين آية "ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح .." ولم يكفّرهم أحد، كذلك سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم .
وأن الحجة لا تقام حتى يزول الشك وتزول الشبهة ويذهب الغبش لا مُجرّد إلقاء الحجة كما نص على ذلك ابن حزم وابن تيمية .
4-لا فرق بين أصول وفروع أو أحكام وعقائد .
وأن هذا التفريق مبتدَع –كما نص على ذلك ابن تيمية-
فإن قيل الأصول هي المسائل الاعتقادية والفروع المسائل العلمية قلنا : رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه وتفضيل عثمان عملية اعتقادية تنازع الناس فيها ولم يكفر أحدهم الآخر ، أيضا من أنكر وجوب الصلاة والحج كفَر وهي مسألة عملية .
وإن قيل الأصول هي المسائل القطعية قلنا القطع أمر نسبي ، فبعض السلف أنكر حرفا من كتاب الله كشريح حين أنكر قراءة "بل عجبت ويسخرون" وقال إن الله لا يعجب ولم يكفّره أحد .
5-العذر في المسائل الدقيقة آكد .
6-العذر في البلاد التي يكثر فيها الجهل آكد .
7-العذر في حق غير المتمكن من العلم آكد وآكد .
قال ابن تيمية : الحجة على العباد لا تقوم إلا بشيئين : التمكن من العلم ، والقدرة على العمل .
8- الخطأ : فمن أخطأ مجتهدا وطالبا للصواب لا يكفر .
قال ابن تيمية : اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض .
9-التكفير يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص .
10-يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين .
ابن تيمية : التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين .
وكان يقول رحمه الله للجهمية من الحلولية والنفاة : لو وافقتكم لكفرت وأنتم عندي لا تكفرون لجهلكم .
غير أن التوقف في أمر الآخرة لا يمنع من المعاقبة في الدنيا لمنع البدعة فيستتاب فإن تاب وإلا قتل كما نص عليه ابن تيمية .
11-وأن الكفر ذو أصل وشُعَب
فشعب الإيمان متفاوتة منها ما يزول بزوالها الإيمان كالشهادتين ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها كإماطة الأذى عن الطريق، ومن الشُّعب ما يلحق بالأولى ومن الشعب ما يلحق بالأخرى .
وكما أن الطاعات من شُعب الإيمان فالمعاصي من شعب الكفر .
12-لا يلزم من قيام شعبة إيمان بعبد أن يكون مؤمنا ولا شعبة كفر به أن يكون كافرا .
13-قد يجتمع في الشخص إيمان وكفر وشرك وتوحيد .
وهذا من أعظم أصول أهل السنة وخالفهم في ذلك الخوارج والمعتزلة والقدرية ، ودليلنا قول الله "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " و "قالت الأعراب ءامنا.." فأثبت لهم إسلاما وطاعة مع نفي الإيمان "المطلق" .
14- الكفر نوعان : جحود وعمل ، والجحود نوعان : منه ما يضاد الإيمان ، ومنه ما لا يضاد ، فالسجود لصنم أو سبُ الله مما يضاد .
-الحكم بغير ما أنزل الله أو ترك الصلاة كفر عملي لا يضاد وهو من نوع الكفر الذي ورد في حديث "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وحديث " من قال لأخيه يا كافر" .
ويقول العنبري –عن مرتكبي الكبائر-: ومن أهل البِدع من جعلهم كافرين مخلدين وهم الخوارج ومنهم من جعلهم مؤمنين كاملي الإيمان وهم المرجئة.
15-جاحد الحكم المجمع عليه يكفر إذا كان الحكم معلوما من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة لأنه بذلك مكذّب للرسول ، بخلاف المجمع عليه غير المعلوم من الدين بالضرورة ككون بنت الابن لها السدس مع البنت .
ويذهب ابن دقيق العيد إلى أن منكر المسائل الإجماعية التي جاءت منقولة على وجه التواتر يكفر جاحدها لمخالفته التواتر لا للإجماع كوجوب الصلاة مثلا .
16- المعلوم من الدين بالضرورة أو المتواتر أمر نسبي فقد تكون المسألة هذه متواترة عندك وليست متواترة عند غيرك فلا يكفر من لم يتواتَر عنده .
17-لا تكفير باللازم .
قال ابن حزم : لا يكفر أحد إلا بنفس قوله ونص معتقده .
قال ابن تيمية : لازم المذهب ليس بلازم إلا أن يستلزمه صاحب المذهب .
18-لا يكفر إلا من اتفق أهل السنة على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا معارض له .
قال ابن عبد البر : من ثبت له عقد الإسلام بقين لا يخرج منه إلا بيقين .
فمعنا أصل محقق هو الإيمان فلا نرفعه إلا بيقين .
ثم ذكر قواعد قبل الخوض في الحكم بغير ما أنزل الله :
أ- المسلم لا يكفر إلا إذا جحد معلوما من الدين بالضرورة أو لم ينقَد لحكم الله عنادا واستكبارا –وإن كان مُصدّقا- أو أعرض عنه لا يصدقه ولا يكذبه أو تردد فيه –وهذه أنواع الكفر التي سبق ذكرها-.
ب- الكفر العلمي مخرج من الملة إن دل على جحود أو استخفاف ، أما العملي غير المخرج فهو مثل قتال المسلم إلا إن استحلّ هذا الفعل .
ج-لا يكفر المسلم إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع ورفع الجهل عنه .
بناء على ما سبق : الحكم بغير ما أنزل الله :
يلزم من القاعدة الأولى تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان جاحدا به أو مستخفا أو شاكا أو معرضا من غير تصديق ولا تكذيب ، وأما إذا تركه مع اعتقاده لأفضليته لهوى أو خوف فلا يكفر كفرا أكبر .
-وانطلاقا من القاعدة الثانية إذا حكم جهابذة العلم على أن الحكمَ بغير ما أنزل الله من غير جحود أو استحلال كفرٌ عملي غير مخرج .. فمن الظلم أن نحكم على هذا الحاكم بالخروج من الملة .
-وانطلاقا من القاعدة الثالثة عدم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله حتى تقام عليه الحجة .
ثم ذكر كلام ابن تيمية عن النجاشي وأنه حكم قومه بغير الشريعة خوفا منهم ، وقد رُوي أنه لم يكن يصلي ولا يصوم ولا يزكي بل ورُوي أن أربعين من أصحابه شهدوا أحدا وأصيبوا بجراحات ولا شك أنه قد بلغهم شيء من شريعة محمد ومع هذا فقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب ولم يكفّره .
ثم ذكر حول القاعدة الأولى كلام العلماء في تفسير ءاية "ومن لم يحكم بما أنزل الله " .
يقول العنبري : لا نكفر الحاكم إلا إذا جحد التشريع أو استهان به أو استكبر عليه أو اعتقد جواز الحكم بالقوانين أو ظن أن الشريعة قاصرة .
ثم أفاض في ذكر كلام العلماء على هذه الآية مبتدئا بقول ابن عباس : من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهوظالم فاسق ، ومثله عن عكرمة والطبري واختاره الزجاجي وقال الرازي : إنما يتناول – يَقصد وصف الكفر في الآية - من أنكر بلسانه وجحد بقلبه .
واختلفت عبارات المفسرين وتحديداتهم فذكر ابن مسعود والحسن : مستحلا ، ومجاهد : ردّاً ، والزمخشري وأبو السعود والنسفي : مستهينا .
قال القرطبي : يحتج بظاهرها من يُكفّر بالذنوب وهم الخوارج .. ثم اشترط الجحود واستدل بقول الله "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وقال ترك الحكم –مع الإيمان بوجوب تطبيقه والعمل به- بذلك ليس بشرك بالاتفاق .
واشترط ابن كثير الجحود ، وحكم ابن تيمية بكفر من حكَم بسواليف البادية إذا استحل ذلك إلا أن يكون جاهلا .
وقال صاحب المنار –محمد رشيد رضا- ظاهر الآية لم يقل به أحد قط من الأئمة المشهوريين بل لم يقل به أحد قط .
والمعنى ذاته ذكره الشنقيطي صاحب أضواء البيان فقال بما معناه إن ارتكب هذا معتقدا أنه حرام وقبيح فكفره غير مخرج بخلاف الذي يقصد معارضة الرسول وإبطال أحكام الله ، وبمثله قال السعدي .
ونقل العنبري عن محمد بن إبراهيم آل الشيخ : إن فعل من غير اعتقاد لجواز ذلك فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل من الملة .
-وكذلك ابن باز قائلا : من حكم بغير ما أنزل الله لأنه أفضل أو أن ذلك جائز أو أنه مثل الحكم الرباني فهو كافر كفرا أكبر .
وقال أيضا عن حكم من يَدْرُس ويُدرّس ويحمله إلى ذلك الهوى أو حب المال مع اعتقاده الحرمة فلا يكفر كفرا أكبر وهذا قول ابن عباس وطاووس وعطاء ومجاهد وجمع من السلف والخلف كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير والبغوي والقرطبي .
ونسب العنبري هذا الرأي أيضا إلى الألباني في شريطه –فتنة التكفير- وأكد ابنُ باز كلامَ الألباني في جريدة الشرق والأوسط وصحيفة المسلمون بما سبق تفصيله وقُرأ هذا على ابن عثيمين فأقرّه !.
*ثم نقل العنبري كلام ابن عباس الذي رواه طاووس في تفسير الآية : من كونه كفرا دون كفرا ، وقال في موضوع ءاخر : ليس مثل الكفر بالملائكة أو الذي تظنون .
وذكر بعض العلماء أنها نزلت في اليهود وليست في أهل الإسلام لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له كافر .
قال الشاطبي : هذه الآية وإن نزلت في اليهود إلا أن العلماء عمّوا بها غير الكفار وقالوا : كفر دون كفر ، ونحوه عن الشوكاني وصديق حسن خان .
*مطلب عزيز
ثم أثبت العنبري إجماع السلف والخلف على تأكيد ما سبق :
أ-حيث صرح أبو العباس القرطبي وصاحب المنار بهذا الإجماع .
ب-أن أهل السنة مجمعون على عدم التكفير بالكبيرة .
ج-اختلاف عبارات العلماء في تفسير الآية اختلاف تنوع لا تضاد ولا أقوال كما تكهّنها البعض .
-قيل إن المقصود بـ "فأولئك هم الكافرون" هم المؤمنون بدليل "فإن جاؤوك" ، وبـ"فأولئك هم الظالمون" هم اليهود بدليل "فكتبنا" ، وبـ "فأولئك هم الفاسقون" هم النصارى بدليل "وقفينا"، وهو قول الشعبي .
ويلزم منه أن المسلمين أسوأ حالا ولكن نص الألوسي وأبو حيان أن الكفر إذا نسب إلى المسلمين فهو كفر دون كفر .
*صفوة القول :
ردّ العنبري على من يقول بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر -لأنه خوض فيما خص الله به نفسه من تشريع، وأن هذا المشرع جعل نفسه ندا لله -، ردّ العنبري على ذلك بقوله : إن هذا منطبق أيضا على المبتدع فإذا كفرنا الحاكم بهذه الحجة كان لزاما علينا تكفير المبتدع أيضا .
وقال العنبري أيضا : إن المبتدع والحاكم بغير ما أنزل الله حكمهما واحد وأن البدعة تنقسم إلى قسمين مكفرة وغير مكفرة كما هو الشأن في الحكم بغير ما أنزل الله ، بل جعل المبتدع أشد خطرا لأنه يزعم أن ذلك من عند الله بخلاف الحاكم .
وأما البدعة المفكرة فهي : من أنكر أمرا مجمعا عليه متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، لأن في ذلك تكذيب بالكتاب وبالرسول .
*كشف الشبهات ودرء الاعتراضات :
أورد العنبري ما ورد عن الصحابة : اجعل لنا ذات أنواط ، وسجود معاذ ، وتكذيب الليثيين عندما عرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الصلح، وحديث :أن كان الزبير ابن عمتك، وهذه مكفّرات لكن عذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ..
أيضا وصف العنبري خصومه بأمرين : تمسكهم بظواهر الأدلة ، وليّهم لأعناق النصوص .
أما تمسكهم بظواهر الآيات وفهمها فهما يضاهي فهم "الخوارج" فيورد العنبري قول الآجري وابن عبد البر والجصاص : "وقد تأوّلت الخوارج هذه الآية – يعني ءاية ومن لم يحكم- على تكفير الحكم بغير ما أنزل الله من غير جحود" ومثل ذلك مذكور عن أبي المظفر السمعاني والقرطبي أبي عبد الله وأبي العباس .
وأما الآية الأخرى فهي ءاية " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت .." إلى قوله " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ".
وذكر عن ابن تيمية قوله من لم يلتزم تحكيم أمر الله ورسوله فقد أقسم الله أنه لا يؤمن وأما من التزم لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة .
وذكر السعدي أن من ترك هذا التحكيم غير متلزم له فهو كافر ، ومن تركه مع التزامه له فله حكم أمثاله من العاصين .
الآية الثالثة :
"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا .. " وردّ على سيد قطب تفسيره لهذه الآية بحديث عدي بن حاتم الذي ورد فيه قيد الاستحلال "ولكنهم إذا أحلوا شيئا استحلوه "
وقال ابن تيمية إن اتبعوهم في التبديل واعتقدوا ذلك كفروا أما مجرد الطاعة فليست مخرجة عن الملة .
وآية :
"أم لهم شركاء" وأجاب على ذلك ، وءاية "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" وأورد تفسير سيد قطب للآية : من أطاع بشرا في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة فإنما هو مشرك .
ثم وصف هذا التفسير بالتفسير الحروري الخارجي !
ورّد عليه بقول ابن العربي : إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه بالفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع .
أما الأمر الثاني وهو ليّ بعض أقوال أهل العلم وبترها :
فأورد أنهم يأخذون كلام السلف في تكفير الحاكم الجاحد أو المستحل ولا يذكرون تمام القول والتفسير الذي ينص على عدم كفر الحاكم الذي يحكم لهوى مع اعتقاده أفضلية الشريعة ووجوب تحكيمها .
وأنهم يعتمدون على إطلاقات العلماء في مسألة ما في حين أن هؤلاء العلماء قيّدوا حكمهم في موطن ءاخر .
فمثلا الشنقيطي أطلق على من يحكم بغير ما أنزل الله بالكفر في حين أنه قيّده عند تفسيره لآية "ومن لم يحكم" .
وفعلوا هذا مع الشيخ ابن باز.. ورأي الشيخ مشهور ومعلوم ، وفعلوه مع محمود شاكر عند تعليقه على خبر أبي مجلز حين اشتد نكيره على من يسوغون للحاكم شروعه في الحكم بغير ما أنزل الله .. فقال العنبري : إنه يقصد طائفة معينة تسوغ للحاكم هذا الجرم ولا يقصد القائلين بعدم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله إذا كان لمجرد الهوى بدليل أن رأي محمود شاكر من رأي الطبري حيث أحال عليه في ءاخر تعليقه على خبر أبي مجلز .
*كفر دون كفر
أورد العنبري قول بعض المعاصرين : إن العلماء الذين وصفوا الحاكم بغير ما أنزل بالكفر غير المخرج من الملة إنما أرادوا من يحكم في واقعة معينة مستدلين بقول شارح الطحاوية "وعلِمه في هذه الواقعة وعدل عنه" .
فرد عليهم بأنه لو كان هذا المراد والمقصود لقال " في واقعة واحدة أو معينة " .
أيضا رد على من يفرق بين القاضي المنفذ وبين المشرع -فأعطى الأول الكفر الأصغر والثاني الأكبر – بأن التفريق مبتدع وغير مسبوق ، وأن الآية عامة .
أيضا ردّ على ما وصفها "أكذوبة الإجماع" وهي حجة القائلين بالتكفير المطلق من نص ابن تيمية حين يقول : معلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن من سوّغ اتباع الحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر .
قال العنبري إن معنى سوّغ أباح كما في المصباح المنير .
وأجاب على كلام ابن كثير في الياسق بأن ابن كثير نص على لفظ "وقدّمها عليه" مما يعني تفضيلهم للياسق على حكم الله وبذلك كفروا ، وأجاب العنبري بحجة أخرى وهي أن ابن كثير ذكر في تفسير ءاية "ومن لم يحكم" بأنها كفر دون كفر .
وفي مسالة الياسق استبعد العنبري انطباقها على القوانين الوضعية اليوم لكون الياسق ساوى بين الديانة الإسلامية واليهودية والنصرانية وأن ملوك التتر يجعلون جنكيز خان نبيا ءاخر مثل محمد وأنهم تلبسوا بنواقض كفرية عديدة .
قال العنبري : وذهب بعض الغلاة إلى أن مجرد الامتناع عن الحكم كفر مجمع عليه ، قال : وهذا خطأ لأن كفر العناد لا بد فيه من كره وبغض للشريعة وليس مجرد الإعراض كما نص على ذلك ابن حزم وابن تيمية .
قال العنبري : وذهب بعضهم –يقصد المخالفين له- إلى التفريق بين الترك والتبديل فجعلوا الترك بلا تبديل فسوقا إن كان من غير جحود ، أما الترك الذي يصحبه تبديل فهو كفر أكبر .
ورَدّ عليهم من وجهين :
الأول أنه تفريق مخترع ، والثاني أنه لا فرق بين الترك والتبديل فما من حاكم يترك الحكم بمال أنزل الله إلا حكم بغيره، واستشهد بكلام عمر في حديثه عن الرجم "فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله" .
ونقل عن بعضهم التفريق بين الكفر المعرّف بالألف واللام والمنكّر فجعلوا الأول مخرجا للملة .. وأبطله بالأثر الذي سُئل فيه ابن عباس عن الرجل يأتي المرأة في دبرها فقال ذلك الكفر .
-ذكر أيضا أن اصطلاح التبديل أو المُبدّل في اصطلاح العلماء : من يحكم بغير ما أنزل الله ثم يفتري الكذب على الله ويجعل التشريع المبدل من شرع الله ، نص على ذلك ابن تيمية وابن العربي .
وقال إن المعاصرين يطلقون التبديل على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله ولو من غير نسبة ذلك إلى الله .
لا ننسى كلام الألباني عن الكتاب ومدحه لهذه الرسالة وأن العنبري وفى واستوفى ولم يدع مجالا لأحد فيما يظن الشيخ -رحمه الله- !
الكتاب الثاني :
الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه
عبد الرحمن بن صالح المحمود
سنعرض جملا مما ذكر ونتفا من فوائد هذا الكتاب التي هي غير مكرورة وبعضا من أقوال السلف الفريدة .
المبحث الأول : تحكيم الشريعة ومنزلته في العقيدة .
ذكر المصنف أفضلية التحكيم واقترانها بالإيمان كقوله تعالى "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك " واقترانها بالطاعة والعبادة إلى غير ذلك من أصول الدين، واقتران نقيض التحكيم بالشرك كما ورد في قوله تعالى "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون"
-في قوله تعالى "فلا وربك لا يؤمنون .." نفى الإيمان بأداة النفي والقسم ولم يكتف بذلك بل لا بد من السلامة من القلق والحرج ولم يكتف بذلك فكان لا بد من التسليم المطلق وأكد عليه بالمصدر المؤكّد "تسليما" .
المبحث الثاني : وجوب التحاكم إلى شرع الله .
-قال تعالى " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله .."
ذكر الطبري قولان في معنى الند : إما الآلهة أو السادة المطاعون ، ورجح القولَ الثاني ، قال السدي : من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله .
والدليل على ذلك قوله تعالى " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا".
قال ابن القيم هذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية .. إلى أن قال : أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة والتعظيم وهذه هي التسوية في قول الله "إذ نسويكم برب العالمين" والعدل المذكور في قول الله "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" .
-الحكم والأمر والإذن كوني، وشرعي ، وكوني وشرعي ، فالأول كقول الله "قال رب احكم بالحق" والثاني كقوله "ذلكم حكم الله يحكم بينكم" والثالث كقوله "ولا يشرك في حكمه أحدا" .
يقول المحمود : وإفراد الله بالحكم القدري الكوني مستلزم لإفراده بالحكم الشرعي . -ذكر هذا حتى لا يُعترض عليه في إيراد الآيات الكونية -.
-في قول الله " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .."
قال ابن القيم : " فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر ".
وقال السعدي : فدل ذلك على أن من لم يردّ إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة بل مؤمن بالطاغوت كما ذكر في الآية التي بعدها.
وقال ابن القيم أيضا : إذا انتفى الرد انتفى الإيمان .
ولما تحاكم أنصاري ويهودي أو منافق ويهودي إلى كاهن نزلت "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك" فدل على أنهم يدعون الإيمان وهم كاذبون .
-وفي قوله تعالى " وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا".
قال ابن القيم : هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فلم يقبل وأبى ذلك أنه من المنافقين .
وصدودا مصدر صد اللازم أي أعرض، فمعنى يصدون : يعرضون ، بمعنى أنهم لا يمنعون غيرهم فكيف بمنع يمنع ؟
وقال ابن القيم : فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق .
-في قوله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك .."
نزلت على الأنصاري الذي قضى للزبير ، فقال الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم "أن كان الزبير ابن عمتك" وهذا اتهام للنبي باتباع الهوى، ولو صدر هذا الرد اليوم من رجل لجرت عليه أحكام الردة كما ذكر النووي، ولكن لعل النبي تركه تألفا وحتى لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه .
قال الجصاص : في هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسوله فهو خارج عن الإسلام سواء ردّه من جهة الشك فيه أو من ترك القبول والامتناع عن التسليم .. وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله حكم أن من لم يُسلّم للنبي قضاءه وحكمَه فليس من أهل الإيمان .
ونص ابن كثير على وجوب الانقياد في الظاهر والباطن فيُسلموا لذلك تسليما كليا .
قال أحمد شاكر : .. وأن طاعة الله ورسوله شرط للإيمان ، وأن من صد عنهما وتحاكم إلى غيرهما فهو النفاق، والنفاق شر أنواع الكفر .
وذكر أحمد شاكر مسألة موافقة بعض القوانين الوضعية لله ورسوله ونص على أن هذه الموافقة مصادفة لا طاعة لله ورسوله ولا اتباعا لهما ، فالقانون الموافق والمخالف كما يرى الشيخ كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة يقود صاحبَه إلى النار ولا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به .
-قال الشنقيطي معلقا على قوله تعالى "وإن أطعتموهم إنكم لمشركون"
كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به محمد كفر كفرا بواحا .. إلى أن قال فهنا أقسم الله على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج من الملة بإجماع المسلمين . أو كمال قال .
-قال ابن القيم : ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله ورسوله واتبع حكمَ الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا .
-فصّل ابن تيمية في اتباع تحليل الأرباب لما حرم الله وجعله على نوعين :
فمن يعتقد من الأتباع التحليل مع علمه أن الله حرمه وأن هذا المُشرّع مُبدّل فقد كفر، ومن أطاع في المعصية أو في التحليل مع اعتقاده بالحرمة اتباعا لشرع الله غير أنه فعل خلاف ما يعتقد فهذا له حكم العصاة . –فهو كالزاني الذي يعتقد حرمة الزنا غير أنه أطاع في المعصية لا في الاعتقاد -
وذكر المحمود أن كلام ابن تيمية عن الأتباع، أما الأحبار والرهبان فلا شك في كفرهم، لكن لا يدخل في ذلك المجتهد الذي قصده اتباع الرسول فأخطأ بل هو مجتهد مأجور كما نص على ذلك ابن تيمية . لكن هل يجوز اتباع هذا المجتهد مع علم التابع أنه مخطئ؟ يقول ابن تيمية إن اتباع هذا نوع من الشرك .
<!--
المبحث الثالث آيات المائدة :
وفيها حديث عن أسباب نزولهن ، ومن المقصود بهن ؟ ومتى يكون الحكم كفرا أكبر ومتى يكون كفرا أصغر، والحديث عن كلام ابن عباس في تفسير الآية "كفر دون كفر".
*أسباب النزول :
قيل نزلت في اليهود إثر حادثة رجم اليهودي واليهودية وحديث عبد الله بن سلام "فوضع يده على ءاية الرجم"
وقيل في القتل حيث كانت النضير أشرف من قريظة فإذا قُتل من بني قريظة قتيل لم يقتد له من النضير ، وقيل غير ذلك .
*من المقصود بهن ؟
قيل المعنيون بها اليهود والكفار وهذا مروي عن البراء بن عازب والضحاك وأبي مجلز وعكرمة ، ومروي عن ابن عباس وحذيفة بدليل السياق " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه" يقصدون التحريف الذي صنعوه وذلك أنهم دسوا من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا وافقهم قبلوه وإن لم يوافقهم لم يأخذوه "وإن لم تأتوه فاحذروا".
وقيل في اليهود بدليل أنه ذكرهم من قبل "هادوا" ثم ذكر "وكتبنا" وهم الذين أنكروا الرجم والقصاص، وهذا اختاره الزجاج ورجحه ابن جرير غير أنه جعلها عامة .
وقيل بالتقسيم الذي قاله الشعبي بأن "الكافرون" المقصود بها المسلمون و" الظالمون" اليهود و"الفاسقون" النصارى ، ورجحه الشنقيطي .
وقيل نزلت في أهل الكتاب والمراد جميع الناس مسلمهم وكافرهم قاله ابن مسعود والحسن والسدي .
وقيل هذه الآية مؤوّلة على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله وهو مروي عن عبد العزيز الكتاني ، حيث قال "فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم ، وأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم بجميع ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات" .
ومدار الأقوال على قولين 1- خاص بأهل الكتاب 2- في الناس جميعا .
-والراجح : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فإذا اقترن بالنص ما يدل على العموم أو الخصوص عمل به بلا خلاف ،أما إذا لم يقترن به ما يدل على هذا ولا هذا فالراجح أن العبرة بعموم اللفظ ، و"من"الشرطية من أبلغ صيغ العموم، ثم إن سياق الآيات فيها خطاب للنبي كقوله تعالى "فاحكم بينهم" .
وذكر القرطبي أنه يجوز الاستدلال على المسلمين بما أُنزل على الكافرين، فعمر رضي الله عنه زهد في الشواء مستحضرا قول الله "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" وهي على الكافرين غير أنه فهم منها الزجر، ولم ينكر الصحابة عليه .
أيضا استشهد النبي صلى الله عليه وسلم في قصته مع علي وفاطمة بقول الله "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" والآية في الكفار .
وكذلك فعل أبو بكرة حين استشهد بحديث "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" على المسلمين مع أنها في الكفار .
*حالات الكفر الأكبر :
الحالة الأولى جانبها عقدي وهو الجحد والاستحلال .
مقدمة قبل الموضوع :
-قاعدة متفق عليها وهي : من أنكر معلوما من الدين بالضرورة سواء أكان أصلا أم فرعا أو حرفا قطعيا فقد وقع في الكفر الأكبر .
قال القرافي : "بل لو جحد بعض الإباحات المعلومة بالضرورة كفر كما لو قال إن الله لم يبح التين ولا العنب ".
وقال ابن تيمية :" كذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة".
وقال أيضا :" المأمور إذا تركه العبد وكان مؤمنا بوجوبه لم يترك الواجبَ كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به".
-وفي حديث بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله، فإن تخميس المال دال على أنه كافر لا فاسق، وكُفره بأنه لم يحرم ما حرم الله .
ولما تأول قدامة بن مظعون شرب الخمر اتفق الصحابة على أنه إن أصر على ذلك قتل وإن تاب جُلد .
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطائفة الباغية التي تقاتل أختها بالإيمان والإخوة "وإن طائفتان من المؤمنين ".
وأما الموضوع وهو الحكم بغير ما أنزل الله :
فقد جعله العلماء من الكفر الأكبر :
1- إذا جحد أحقية حكم الله ورسوله وهو معنى ما روي عن ابن عباس ، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم ، لأن جحوده حكمَ الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبيه بعد عمله أنه نبيه كما قال ابن جرير .
2-أن لا يجحد لكن يعتقد أن غير حكم الله أحسن وأتم إما مطلقا وإما بالنسبة لما استجد من الحوادث، ولا ريب في كفره كما قال محمد بن إبراهيم آل الشيخ .
3-أن يعتقد أنه مثله فهذا كالنوعين السابقين .. قال الله "ليس كمثله شيء".
4-أن يعتقد جوازه -ولو اعتقد أفضلية حكم الله-، لأنه استحل ما حرم الله ، نص على ذلك محمد بن إبراهيم ، وابن باز .
ويدخل فيما سبق من اعتقد أن الإسلام سبب تخلف المسلمين أو لا يصلح تطبيقه في هذا القرن ، أو أنه محصور في علاقة المرء مع ربه ، وأن تنفيذ حكم قطع اليد لا يتناسب مع العصر .. إلى ءاخر ذلك مما ذكره الشيخ ابن باز رحمه الله .
قال ابن تيمية عن من يظن أن من الأولياء من يسعه الخروج على محمد كما وسع الخضر الخروج على موسى أنه كافر يجب قتله بعد استتابته .
<!--
-الحالة الثانية من حالات الكفر الأكبر : التشريع المخالف لشرع الله :
مقدمة :
-إن سن القوانين المخالفة للشرع تتضمن رفض الشريعة إذ لو لم يرفضها لما استبدلها ، وتتضمن أيضا التعدي على حق من حقوق الله وهو حق الحكم والتشريع ، ولذا جعل بعض العلماء هذا القسم استحلالا . –وكأنه يريد أنه بفعله هذا استحل سواء أراد الاستحلال أم لم يرده-
-أيضا ما فعله اليهود من تبديل لحكم الله لم يستحلوه بل جعلوا الجلد أو التحميم نظاما عاما ومع هذا حكم عليهم بالكفر ، ويلحظ هنا أن مناط الحكم اجتماع اليهود واتفاقهم على هذا وليس حكما فرديا !
-أيضا القول بأنه لا يكفر إلا المستحل ضعيف لأن الاستحلال كفرٌ شرّع أم لم يشرّع، وإنما كُفّر اليهود بعملهم لا باستحلالهم .
-أيضا القول بأنه لا يكفر إلا المستحل أصل مذهب المرجئة الذين يرون أن العمل غير داخل في الإيمان .
-وينبغي أن ينبه إلى التفريق بين التشريع العام كالقوانين وبين الحالات الفردية والوقائع المحدودة .
أقوال العلماء في هذا الشأن :
في قوله تعالى "إنما النسيء زيادة في الكفر" ذكر ابن حزم أن الزيادة في الشيء لا تكون إلا منه لا من غيره فصح أن النسيء كفر وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله، فمن أحل وهو عالم بالحرمة فقد كفَر بالفعل نفسه .
وذكر ابن تيمية أن الحاكم إذا كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والمنكر معروفا وأمر بما نهى الله عنه .. فهذا لون ءاخر يحكم فيه رب العالمين .
يقول المحمود : فانظر كيف عظم النوع الثاني وهو جعل التشريع عاما وفرق بينه وبين الحكم في قضية فردية .
قال ابن القيم : "من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل ولم يتبع القرءان فإنه كافر".
وحكم ابن كثير على من تحاكم إلى الياسق وقدمه على كتاب الله "ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله".
وقال من تحاكم إلى غير الشرع من الشرائع المنسوخة كفَر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين .
وسئل عبد اللطيف بن عبد الرحمن عن ما يتحاكم به أهل البادية من سواليف وعادات فأجاب : من تحاكم إلى غير كتاب الله بعد التعريف فهو كافر .
وشبّه الشيخ حمد بن عتيق أهل البادية هؤلاء بالتتر الذين تحاكموا إلى الياسا .
وذكر الشوكاني قوما تركوا الصلاة والفرائض إلى أن قال : إن فيهم مصيبة أخرى ألا وهي التحاكم إلى الأحكام الطاغوتية في جميع الأمور التي تنوبهم ولا شك أن هذا كفر بالله وجهادهم واجب .. ثم تحدث عن أحكامهم هذه فقال إن كل واحد منها على انفراده يوجب كفر فاعله وخروجه من الإسلام وذلك كإطباقهم على قطع ميراث النساء وتعاضدهم عليه .
وذكر محمد بن إبراهيم هذه المحاكم التي تستمد حكمها من القانون الملفق من شرائع شتى كالقانون الفرنسي والبريطاني ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وكيف أنها تلزم الناس بما يخالف الكتاب وتحتمه عليهم وأن الناس إليها أسراب إثر أسراب فقال وأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة لشهادة أن محمد رسول الله بعد هذه المناقضة .
يقول المحمود ويلاحظ أمران :
الأصل الذي تستمد منه القوانين ، والعموم وهو كون القانون يعم الناس .
يقول الشنقيطي :
.. يفهم من هذه الآيات كقوله تعالى "ولا يشرك في حكمه أحدا" أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، وهذا المفهوم مبين في آيات أخر .. كمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله .. وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" وهذا الإشراك بالطاعة هو المراد بعبادة الشيطان "ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان".
وقال : "وبهذه النصوص السماوية يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية لا شك في كفرهم".
وقال أحمد شاكر في تعليقه على ءاية "أفحكم الجاهلية يبغون" قائلا "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح ولا خفاء فيه ولا مناورة" وشبه حالنا بحال المسلمين في عهد التتر بل قال نحن أسوأ لأن هذا عم بلادنا .
وذكر محمود شاكر ما احتج به مبتدعة زمانه من القضاء في الأموال والأعراض بهذه القوانين المخالفة لشرع الله ثم قال : هذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على تكفير القائل به والداعي إليه، ووصف فعلهم بالإعراض عن دين الله وبإيثار أحكام الكفار وبالرغبة عن تشريع الله .
وفي معرض تفسير ءاية "ومن لم يحكم" قال محمد رشيد رضا : وذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروط بشرط معروف من القواعد العامة بإنكار أو رغبة عنه .. إلى أن قال ولعمري إن الشبهة في الأمراء الواضعين للقوانين أشد والجواب عنهم أعسر وهذا التأويل في حقهم لا يظهر لذا وجب تغيير هذا الحاكم وإلزامه بالشريعة إلى أن قال "فإن لم يقدروا فالدار لا تعتبر دار إسلام فيما يظهر" .
يقول المحمود : فالشيخ تحرج في الاعتذار لهؤلاء واستبعد الإيمان عنهم لأنهم اختاروا تبديل شرع الله بإرادتهم .
وللشيخ عبد الرزاق عفيفي كلام قوي في هذا الشأن :
فقال : من وضع للناس أحكاما ونظاما وهو يعلم أنها تخالف الإسلام فهو كافر خارج عن الملة ، وكذا من أمر بتشكيل لجنة لذلك، ومن يتولى الحكم بها وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره مع علمه بمخالفتها .. فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله وكلهم متبع لهواه "وشركاء في الزيغ والإلحاد" ولا ينفعهم علمهم واعتقادهم بما فيه كما لم ينفع إبليس وبهذا قد اتخذوا إلههم هواهم .. لأنهم لم يستسلموا ولم ينقادوا .
يقول المحمود : كلام الشيخ صريح في عدم حصر الكفر بالاستحلال .
يتبع الجزء الثاني ..
http://kena

