فوكوياما ذو الأصل الياباني والجنسية الأمريكة كاتب ومفكر وأستاذ للاقتصاد السياسي ومنتمي إلى حزب "المحافظين الجدد" المتشدد غير أنه تبرأ منه مؤخرا .
 فوكوياما أحد المحرضين على غزو العراق للخلاص من النظم الاستبدادية في الشرق الأوسط غير أن نتائج الحرب جعلته مرتدا عن فكرته وأدان أداء بوش "الأحمق" وتعامله مع الأزمة مؤكدا فيما بعد أن كسب قلوب وعقول المسلمين هو الحل الأوحد .

أما كتابه "نهاية التاريخ" والذي حظي بنقد ودراسة كبيرين فهي فكرة قديمة طرحها مفكرو الغرب والمقصود بها : بلوغ النظام الاجتماعي والفكر الإنساني مرحلة نهائية بحيث لا يمكن تجديدهما بعد ذلك ممثلة بالنظام الليبرالي الديمقراطي الذي هيمن على النظم العالمية .

الكتاب قائم على شرح مقولة أفلاطون إن للروح ثلاث قوى هي : الرغبة والعقل والثيموس .
ومعنى الثيموس : تقدير الذات أو عزت النفس .
وما ينتج عن الثيموس من مجالوثيميا وهي : الاعتزاز بالقوة إلى حد المبالغة وفرض الهيمنة والغلبة ، أو الايسوثيميا وهي الاعتدال والاعتراف المتكافئ .
ومعظم الكتاب لتّ وعجن حول هذا المفهوم واختلاف المنظرين في تناوله أو تأييده أو الأخذ ببعضه وترك الآخر كـ هيجل ونيتشه وهوبز ولوك وماركس وكوجيف ..
فهو يدعوا إلى الايسوثيميا التي تمثّل الليبرالية غير أن الاعتراف المتكافئ دائما والجنوح إلى السلم والمساواة بين الحر والعبد في الحقوق يضعف القيمة الإنسانية ويجعلها ضعيفة هزيلة خاوية وهو ما حدا بنيتشه إلى التحقير من هذا المفهوم ودعوته إلى الميجالوثيميا والارستقراطية –حكم طبقي استبدادي- وأن هذا هو الذي يصنع الحياة الحقيقية ويضفي عليها قيما جليلة .

غير أن فوكوياما يرى أنه لا بد من المجالوثيميا أحيانا أو مع غيرنا من دول العالم الثالث التي لا تسير في فلك الليبرالية الديمقراطية ، وأن الإنسان ينزع بطبعة إلى التفوق والغلبة على الآخرين ، فقد هرع الأوربيون-بعد قرن كامل من التصنيع والدعة- لدق طبول الحرب العالمية الأولى في بداية القرن العشرين عندما اغتال الطالب الصربي ولي عهد النمسا وخرجوا في مظاهرات تاركين حياة الدعة والرفاهية والخلافات الايديولوجية ليستشعروا بروح المواطنة التي تُعززها الحرب غير أنهم عضوا أصابع الندم فيما بعد فالضرر الناجم من موت وخراب لا يقارن أبدا بما رنت أبصارهم إليه من النفع .

لذا لا بد من توجيه المجالوثيميا نحو الاقتصاد والسوق الحر مثلا حتى يسود السلام وإلا غرق الأمريكي في ملذاته كالبهيمة أو خلق حربا جديدة ضارية أسوأ مما سبق نظرا لوفرة الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل .

-الليبرالية عند هيجل مساواة بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد ، غير أن نيتشه يقول بل هي انتصار غير مشروط لأخلاق العبيد فالرغبة + العقل من غير الثيموسية حياة تافهة .

محور الكتاب أن الصراع الأزلي بين البشر هو من أجل نيل الاعتراف والتقدير وهو "الثيموس" وثيموس أفلاطون هو مجد ميكافيلي وكبرياء هوبز ..

-يستبعد الكاتب أن تنشأ حروب بين الدول الديمقراطية لما يسودها من فكر متحضر وسوق مشترك كالسويد والدنمارك مثلا .

-تحدث أيضا عن تقلبات الدول اللاتينية وصعود الديمقراطية فيها وهبوطها وأن البنية الاجتماعية أو الدينية تساعد على تخطي مظاهر التخلف، وأن الأخذ بالمبادئ الديمقراطية لا يحتم النهوض الكامل واقعيا كما أن إهمالها لا يحتم التخلف كما في سنغافورة وهونج كونج وتايوان وأن هذه الجدلية محيرة ومقلقة خاصة بعد ما ساد التشاؤم حول صدق المبادئ الليبرالية الديمقراطية عقب الحربين العالمييتين اللتين لا تنتميان إلى الإنسانية .

-تحدث عن "الحرية والمساواة" وأن أصل المسألة هذه جاءت من المسيحية التي جعلت الخلق متساويين غير أن المسيحية لم تطبقها عمليا بل خنعت إلى الذل والعبودية لله ، فالمسيحي صنع إلهه ثم عبده – تعالى الله عما يقول الظالمون- وأنه لا يرى حريته الكاملة إلا في ملكوت السماء ، غير أن الإنسان بعد القرن السابع عشر وبعد دخول البروتستانتية الإصلاحية في الحياة نهضت ولم تترك الدين وحده بل تركت القومية وكل المظاهر التي تحول عن الايسوثيميا .
-تحدث عن مفهوم "الحرية والمساواة" وهل يمكن الأخذ بأحدهما دون الآخر ، وعن مدى التساوي بين الإنسان والحيوان وبين الإنسان والحيوان والطبيعة ، ولماذا نراعي شعور بعض الحيوانات ولا نراعي الأخرى وما الفارق بينها وبين الطبيعة – إلى ءاخر هذا الترف الفكري- .


-يرى ماركس أن نهاية التاريخ بسيادة الاشتراكية غير أن الكاتب يفنّد كلامه ويثبت فشل هذه التجربة لأنه حارب أس الليبرالية وهو الاقتصاد الحر والرأسمالية وهو عامل أساسي في بناء الحضارة والتقدم وأن الصين لم تتقدم إلا عندما صعدت شخصيات تكنوقراطية بعد أن قمعها النظام في الحادثة المشهورة في ميدان "تيانامين" ، وكذلك روسيا في عهد ستالين المستبد .

غير أن ماركس يرى أن الرأسمالية ينتج عنها عدم المساواة لظهور طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء ، فيرد عليه الكاتب بأنه ثمة خلافات راجعة إلى البنية الاجتماعية والطبيعة ، فاختلاف الجنس والعرق والدين والقومية ترجع إلى البنية الاجتماعية لا الرأسمالية ، والخلافات الطبيعية كالقبح والجمال والذكاء والغباء والعمل والكسل راجع للبناء الطبيعي وهو الذي ينتج هذه التفرقة بين الغني والفقير وأن هذا لا يعود أيضا إلى الرأسمالية .

-تحدث عن نجاح اليابان مع أنها غير بروتستانتية ولا ديمقراطية بالمستوى الغربي بل يتحكم حزب واحد فيها مع وجود أحزاب أخرى ضعيفة إلا أن الياباني يجنح إلى النظام الواحد والحزب والواحد نظرا لطبيعته القائمة على تقدير العائلة واحترام الجماعة وهذه أخلاق في نظر الليبرالية تخالف شروط كمال الإيمان بها وأن المتمرد الأمريكي الخارج عن نظام أبويه وأسرته المخلص للآلة الصناعية والسوق الاقتصادي أقرب .

-يرى أن الديمقراطية قابلة للانتشار إلا أن الإسلام يكبح جماحها ويهددها نظرا لأن المسلم مُني بهزيمة الاستعمار وعدم مقدرته على النهوض ثانية كدول العالم الثالث ، وأن الإسلام يسترد أصحابه الذين تركوه أو ارتدوا عنه في محيطه لكنه لا يدخل قلوب شباب ترعرعوا في بكين وشيكاغوا وواشنطن .
قلت : والواقع يخالف ما ذكر أخيرا .

-تحدث عن سقوط حكم العسكر وفشله في دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية وأنها في انحسار وأن الديمقراطية في صعود .

-هل التاريخ غائي -كتراكم العلوم الطبيعية - بمعنى أنه لا يعيد أخطاءه كخطأ الرق مثلا أم أنه دوري أوعفوي ، بحث هذا أيضا .

-تحدث أن الحكم الاستبدادي أو السلطوي قد يكون في مرحلة من المراحل أنفع من الديمقراطية كما في الفلبين ويحقق نتائج اقتصادية حسنة .

-يرد على نظرية التبعية -التي يرددها الاشتراكيون والتي أنتجت تخلفهم- بنجاح النمور الأربعة(هونج كوجغ تايوان كوريا الجنوبية سنغافورة ) اقتصاديا مع أنها دخلت السوق الحر وزاحمت الاقتصاد العالمي متأخرة .

-يربط بين الديمقراطية والاقتصاد الناجح مثلا تسود في الدول الديمقراطية حرية التعبير وإنشاء جمعيات حقوقية تستنكر التلوث البيئي التي تنتجه المصانع مما يحدّ من فوضى التلويث ، وأنه في الدول الاستبدادية لا يمكن أن يعلو صوت الشعب على صوت مصلحة الطبقة الحاكمة .

في الختام : قال الله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" لو فهمها الغرب وعمل بها العرب لأفلحوا .

داود العتيبي
2013/9/10

@dawood2002

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 107 مشاهدة
نشرت فى 10 سبتمبر 2013 بواسطة w7yglm

عدد زيارات الموقع

34,733