يُعد هذا الكتاب فريدا في بابه –كما صرح بذلك بعض المثقفين- في سهولته التي لا تصل إلى حد الإسفاف وعِلميّته التي لا تصل إلى حد التعقيد .

كنت أظن أن ليس بوسعي تناول هذا العلم –مع أهميته- أو حتى قراءة شيء فيه ولكن بعد هذا الكتاب تغير ظني وأعِد نفسي بقراءة المزيد ، لأن فهم الحركة الاقتصادية جزء من فهم هذا العالم بتاريخه وجغرافيته وبحربه وسلمه وبنهوضه وركوده ، ولو نظرنا إلى المجتمع الغربي لوجدنا طغيان المادة الاقتصادية حتى تصل إلى أن تطغى على المادة المجتمعية والقيم الأخلاقية ، بل حتى دوران البنوك والمصارف قائم على الكسب والاحتراف بعيدا عن الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية في عمومها ، وفهم هذا يساعدك على فهم نمط الحضارة الغربية وطريقة إعمالهم للأفكار التي أصبحت سائدة ومتبناة في القرن العشرين والواحد والعشرين .

روبرت ميرفي أستاذ علم الاقتصاد كتب هذا الكتاب في عام 2010 .
يتمتع الكتاب بخصائل عديدة :
1- ليونة العبارات 2- كثرة التوضيحات 3- وضع الملخصات 4- أيضا التركيز –عقب انتهاء كل درس- على فهم ما ورد فيه من مفردات اقتصاديات 5- وختاما أسئلة على هيئة اختبارات .

مجملا :

تحدث الكاتب عن التفريق بين علوم الاجتماع كعلم النفس والسياسة والاقتصاد وعلوم الطبيعة كالفيزياء والكيمياء وعلم الفلك ، فالعلوم الأولى ليست مبنية على قوانين قطعية بل على ظنون أو افتراضات والتعامل معها أشبه بالتعامل مع كائن عاقل وهذا مغاير لقسيمها من العلوم الطبيعية .

وتحدث عن قصة روبنسون كروزو –اسم مستعار لبطل رواية- الذي تحطمت سفينته ونأى إلى جزيرة طبق فيها بعض مبادئ الاقتصاد حيث سعى لكسب ما يستهلكه الجسد من حبات الجوز وادخر بعضها ، ثم صنع آلة رأسمالية تدر عليه ضعف ما يدخر وهي عصا طويلة استطاع أن يضاعف كسبه فيها ، وهذا استثمار من شخص واحد استطاع أن يحمي نفسه ويدخر ويصنع استثمارا فكيف لو تعامل مع اثنين أو مجموعة .. ثم خاض في ذلك .

أسقط الكاتب هذه القصة على مباحث في الاقتصاد إسقاطا جميلا للتيسير .


-ينتمي الكاتب إلى المدرسة النمساوية –التي صادف أن كان أصحاب هذه المدرسة كلهم نمساويون- ويستشهد ببعض كتابها ، المدرسة التي أسسها كارل مينجر، وكان أبرز المنتمين إليها لودفيج فون ميزس وتلميذه فريدريك هايك ، هذه المدرسة ترى أن تدخلات الحكومة الخاطئة سبب الكساد الكبير الذي حصل في أمريكا في ثلاثينيات القرن العشرين، في مقابل هذه المدرسة "الكينزيون" نسبة إلى جون مينارد كينز الذي كان يرى أن الدولة تستطيع من خلال سياسة الضرائب والسياسة المالية والنقدية أن تتحكم بما يسمى الدورات الاقتصادية .
وبعبارة أخرى : ترى في عجز موازنة الحكومة حلا للخروج بالاقتصاد من حالة الركود واستعادة التوظيف الكامل .
والحديث عن الدورات الاقتصادية ءاخر مباحث هذا الكتاب  .

وتحدث عن الفارق بين المذهب الرأسمالي القائم على السوق الحر والتبادل الفردي لا السلطوي بما فيه من إيجابيات وسلبيات وفضّله على المذهب الاشتراكي الذي يربط السوق بالسلطة المهيمنة والتي توزع الثروات حسب ما تراه مناسبا مطبقة مبدأ ماركس الأخذ على قدر الاحتياج .

طرح أدلة وجهتي النظر إلا أنه اعترف أنه ليس ثمة نظام يطبق المبدأ الرأسمالي الخالص كما أنه ليس ثمة نظام يطبق المبدأ الاشتراكي الخالص بل يوجد لدينا تدخل اقتصادي من قبل الحكومة غير أن الرأسمالية الحالية تنزع إلى الفردية أكثر والاشتراكية تنزع إلى السلطة أكثر فهي اشتراكية ديمقراطية .
أيضا الاقتصاد المختلط قد يكون مذهبا ثالثا وحالة وسطا بين الرأسمالية والاشتراكية وهي التي تؤيد التدخل الحكومي بالحد من حريات الناس في التصرف في ممتلكاتهم الخاصة .

وأثبت فشل التجربة الاشتراكية التي خلقت المجاعات والتخلف في روسيا والصين وكوريا الشمالية وألمانيا الشرقية وذهب ضحية ذلك ملايين البشر إلى أن وصلت إلى شيء من الليبرالة والاعتدال .

-تحدث عن التبادل المباشر كبيض مقابل لحم مثلا وغير المباشر كأن يكون لدي بيض فأذهب إلى اسكافي فأطلب منه تصليح الحذاء فلا تكون لديه رغبة في البيض بل في اللحم ، فأذهب إلى الجزار فأعرض عليه فيقول أنا لا أريد اللحم بل السمك، فأذهب إلى الصياد وأعطيه البيض فيعطيني سمكا ثم أعطي السمك الجزار فيعطيني اللحم ثم أعطيه الاسكافي ، وهذا مضني ومتعب وللخروج من هذه الأزمة تداول الناس الذهب والفضة ثم النقود .

-في حديثه عن نتائج حظر المخدرات طرح المشكلة بتجلّي وكأنه يقول إن الضرر الناتج عن الحظر أكبر من الضرر الناتج في حالة تم تناولها بشكل جزئي ، وضرب لذلك مثلا عندما حظرت أمريكا بيع الكحول في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين وما تسبب به هذا الحظر من انتشار للسوق السوداء وظهور عصابات إجرامية تحترف الاتجار به وتتنافس مع منافسيها ولو بالسلاح والقتل ، وما تسببت به أيضا من تسممات قاتلة نتيجة المصانع غير المرخصة والشركات المخبّئة التي عمدت إلى تصنيع الكحول بطريقة غير حضارية، وهذا هو الحال مع تجار الكوكايين والهروين بل زاد الطين بلة تعاون موظفيين حكوميين من قضاة وشرطة فأصبحت لدينا كما يقول "جرائم بلا ضحايا" أي لا نستطيع الإمساك بالمجرمين نظرا لما يتمتعون به من علاقات حكومية وأموال طائلة وقوة يدفعون بها عن أنفسهم .
مثبتا فشل هذا الحظر إلا بقوة قاهرة غالبة كما حصل في أفغانستان على أيدي طالبان .
ويقول إن علم الاقتصاد لا يتحدث عن أخلاقيات تجارية أو يبحث هل يجوز فعل ذلك أم لا يجوز هذه مسألة أخرى ويشبه علم الاقتصاد بشخص يقول : "إن التي تخون زوجها يجب أن لا تقتل " فهو يستنكر هذه الفعله لكنه لا يرى قتلها .

-التوازن في الاقتصاد مطلوب وحيث صعد أخذ مسميات وحيث نزل أخذ مسميات أخرى .
فالنفقة إن قلّت عن الدخل كان لدينا ادخار ، وإن زادت صار لدينا ادخار سلبي أو دين ، ومثل ذلك في الشركات فالعجز حيث تزيد النفقات على الإيرادات، والفائض حيث تقل، ومثله في الدول في حال غلبة الواردات على الصادرات والعكس ، الأسعار والأجور تنخفض حتى تضع الدولة حدا أدنى وترتفع فتضع الدولة حدا أعلى .
-الاقتصاد قائم على العرض والطلب، والانتاج والاستهلاك، والادخار والاستثمار، والقرض والاقتراض والوسيط البنكي بينهما .

- أيضا الشركات وما يتعلق بها من أسهم ومضاربين وحصص شركاء، وسندات –وصل دين- في حال العجز أو طرح أسهم جديدة على مشترين جدد وما ينتج عن أحدهما .
<!--[endif]-->

-أيضا التوازن الاقتصادي أو الدورة الاقتصادية الذي تفعله الحكومة وما ينتج عنه من صعود هش عند ضرب العملات ونقص الفائدة أو ركود ينذر بانهيار جراء ارتفاع الفائدة وغلاء الأسعار .

-تحدث عن المركنتلية وفسادها والتي ترى تشجيع الصادرات وتصفير الواردات واستحالة ذلك ضاربا مثل عائلة تسكن في بيت تصنع وتنسج في بيتها ولا تستعين بجاراتها أو دولة محاطة ومحاصرة من كل اتجاه هل باستطاعتها أن تقاوم الحصار وتكتفي بمواردها؟ لا ، إذا الحل باحترام التخصص والسوق الحر والعمل على قدر الموارد الموفورة .

-تحدث عن الفائدة الربوية كثيرا وما يتعلق بها وما ينتج عنها بل هي أس الاقتصاد ومصدر قلق يحاول الكاتب أن يجد حلا ويوازن إلا أنه يتخبط فما كان لشيء حرمه الله أن ينفع الناس .

-يتشائم الكاتب من أي تدخل حكومي في عملية الاقتصاد ويشجع على حرية السوق والتبادل الحر والتوازن الذي يفرضه السوق لا الحكومة .

ختاما :

هذا الكتاب يؤصل لفهم الاقتصاد الأوربي القائم على الربا والذي يخالف الاقتصاد الإسلامي، ولسنا بحاجة إلى أن ننوه بذلك .

ستخرج بفائدة عند قراءتك لهذا الكتاب وفهم للمسائل الاقتصادية الشائعة : كالتضخم والعجز وحصص الاستيراد والمنفعة الحدية والكلية والندرة والمقايضة والرهن العقاري وسعر الإقفال إلى غير ذلك .

داود العتيبي
2013/9/5
@dawood2002

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 5 سبتمبر 2013 بواسطة w7yglm

عدد زيارات الموقع

34,733