بقلم: طاهر البهي

صوتي للنساء

 

المشهد كان مختلفا، رائعا، موحيا..ومحرضا على التوقف أمامه طويلا والانتباه..             

استيقظت مبكرا ـ كعادتي في معظم أيام الأسبوع، لألقي نظرة من شرفتي على الشارع.. الناس والمخلوقات الرقيقة فوق الأشجار وتللك المحلقة في فضاء السماوات.. استرعى انتباهي على مرمى البصر زحام لم أعهده في الحي الهادئ الذي أقطنه، ولفت انتباهي أنه زحام بلا ضجيج.

لم يكن صعبا أن أربط بين الزحام وبين الحدث الجلل الذي نترقبه جميعا .. الانتخابات البرلمانية المرتقبة،كانت اللجنة الانتخابية على بعد أمتار قليلة من مسكني إلا أنها لم تكن هي لجنتي، وسرعان ما كنت هناك أراقب ما يحدث..نساء ورجال، إلا أن طابور النساء كان يعادل خمسة أضعاف طابور الرجال تقريبا.. كان يمتد لمسافة تقدر بنحو كيلو متر !

إذا المرأة لم تعد هي ذلك المخلوق الضعيف، المغلوب على أمره.. ساعتها تمنيت أن أعطي صوتي للنساء.. ليست النساء المرشحات اللاتي لا أعرفهن، بل هؤلاء النسوة الفضليات الواقفات في طابور يقتضي الوقوف لعدة ساعات تحملنها بصبر معروف عنهن..            فليسجل التاريخ.. وليشهد العالم .. هذه هي مصر وهذا شعبها الطيب الأبي، الإيجابي المتحضر.

ِلم أتوقف كثيرا كزملائي المحللين الذين حرصت على الاستماع إليهم في إهتمام  أمام نتيجة التصويت؛  فالشعب قال كلمته ولنتعلم كيف ننحني لارادته ، رغم أن هذا من صميم انتمائي وايضا عملى؛ فالصحفي عمله الأول هو الوقوف على نبض الشارع، لم أتوقف عند نسبة من قالوا (نعم لهذا)، ومن اختاروا (لا لذاك)؛ فالأمر كان أكثر جللا من هذا، وأتصور أن " الأهم" كان بالنسبة لى ـ كمواطن وإعلامى ـ هو رصد هذه الحالة الإحتفالية للإنسان المصرى، كبيرا وصغيرا، شيخا وشابا، صبيا وصبية؛ فالكل اجتمعوا بوصفهم: مصرى ومصرية.

كان لافتا أن الأسرة المصرية بكامل أفرادها وأطيافها، كانوا حاضرين فى صدارة المشهد.. عرس وطنى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى..ولم يكن الفائز هم المرشحون الذين فازوا بثقة الناخبين، ولكن كان الفائز الحقيقى هى مصر، التى غابت عن ساحة الديمقراطية عقودا، على الرغم من كونها الأولى والأهم فى تاريخ الحضارة، ومن المؤكد أنه لم يكن هناك خاسر فى هذا الحدث الأضخم على مدى ستة عقود من عمر الزمان.. مصر يا سادة ـ لمن لا يعلم ـ هى مهد الحضارة وعاشقة الحرية، بالفطرة والممارسة الضاربة فى أعماق التاريخ..

 

وفى تصورى أن المشهد سيبقى فى ذاكرة كل من أرادها بسؤ.. حتى يتذكر زئير أهلها ان غضبوا..ومتى غضبوا، قبل أن تسول له نفسه العبث بمقدراتها.. أرجوكم: كونوا حريصين على هذا الابهار الذى جذبتم به أعين العالم .. تماسكوا.. وتمسكوا بالحرية فلن تضلوا بعد اليوم...

تمنيت أن أصافح كل مصري وكل مصرية، وأن أهنئهم بعرس الديمقراطية، وتمنيت أن أصافح شباب اللجان الشعبية الذين تفانوا في معاونة أهاليهم من المصريين.. تمنيت أن أحمل جندي أسمر البشرة أصر على حمل كرسي متحرك به سيدة مسنة.. تمنيت أن أشد على يد كل قاضي استقبلنا بابتسامة ووجه بشوش، وأجاب عن أسئلة شعب أثبت أنه ليس أميا في الديمقراطية، بل انه مارد أصبح نموذجا يحتذى في الدفاع عن حقه ..

المارد خرج من قمقمه وسوف تتوالى مفاجآته حتى يصل الى مقدمة القاطرة.

 

طاهر   

 

 

 

 

المصدر: مقال بقلم: طاهر البهي
taheralbahey

طاهر البهي الموقع الرسمي

ساحة النقاش

طاهر البهى

taheralbahey
الكاتب الصحفى مقالات وتحقيقات واخبار وصور حصرية انفرادات في الفن والادب وشئون المرأة تحقيقات اجتماعية مصورة حوارات حصرية تحميل كتب الكاتب طاهر البهي pdf مجانا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

222,084