جاء ميلاد أندرو كارنيجي Andrew Carnegie في جنوب اسكتلندا في 25 نوفمبر 1835 لأب فقير عمل نساجا يدويا في صناعة النسيج، وكان بيت العائلة مكونا من غرفة واحدة، وكان والده ويليام عصاميا بحق، لم يتلق قسطا من التعليم لكنه علم نفسه بنفسه رغم فقره، وكان يؤمن بأهمية العلم والتعلم. بدأ أندرو كارنيجي (أو أندرا كما كان أبوه يكنيه) تعليمه الرسمي وسنه 8 سنوات، وكان هذا هو القسط الوحيد من التعليم الذي حصل عليه، ذلك أن والده كان يعاني من منافسة الآلات البخارية والتي بدأت تدير مصانع النسج مقابل التخلي عن العمالة اليدوية، حتى جاء اليوم الذي لم يعد والده ويليام قادرا على العثور على أي فرصة عمل، ولأن تلك الفترة شهدت ذيوع صيت الأرض الجديدة: الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن والدة أندرو كان لها أخوات يسكن في أمريكا، قررت العائلة بيع كل ما لديها من ممتلكات واقتراض المال اللازم للهجرة إلى الأرض الجديدة.
ركبت العائلة السفينة المبحرة إلى نيويورك، في رحلة استغرقت 50 يوما، ووصلت في صيف 1848 وحطت رحالها في مدينة بيتسبرج، بنسيلفانيا، وكان سن أندرو عندها 13 ربيعا. بعد الوصول، حاول الأب العمل في مهنته السابقة دون جدوى، حتى اضطر للعمل في مصنع للأقطان يملكه مهاجر اسكتلندي، وهناك حيث وجد الأب وظيفة لابنه؛ عامل تغيير بكرات، مسؤوليته تغيير بكرات خيوط القطن كلما امتلأت، لمدة 12 ساعة يوميا، على مر 6 أيام في الأسبوع، مقابل دولار و20 سنت في الأسبوع.
أندرو كارنيجي : الوظيفة الأولى
كانت الوظيفة الأولى في حياة أندرو كارنيجي كئيبة ومرهقة ومتعبة، كان يستيقظ مبكرا مع والده، ويتناولان ما توفر من طعام في الظلام الذي يسبق ضوء الفجر، ثم يدخلان المصنع في الظلام، ثم يستمران في العمل دون انقطاع إلا لوهلة قصيرة لطعام الغداء، ثم يخرجان من المصنع في ظلام الليل ويعودان للنوم وتكرار الأمر. الشيء الوحيد الذي هون على أندرو كارنيجي هذا التعب هو معرفته أنه كان يساعد عائلته بشيء ما عن طريق راتبه الضئيل، وأنه انسان مفيد لمجتمعه ولعائلته.
بعدها احتاج رجل أعمال صناعي صديق للعائلة إلى صبي يؤدي له بعض الخدمات في مصنعه، فعرض الأمر على أندرو فرحب به، مقابل راتب قدره دولارين في الأسبوع، إلا أن العمل هذه المرة كان أشق من سابقه، لكن أندرو تحمل وصبر وتجلد، حتى جاءته الفرصة حين احتاج رب العمل نفسه لمن يكتب له بعض الخطابات الورقية، فطلب ذلك من أندرو وأعجبته النتائج الأولية، فأوكل إليه مسؤولية كتابة ومتابعة الفواتير والحسابات الخاصة به. هذه الفترة مهمة، ذلك أنها ساعدت أندرو على تعلم بعض أساسيات المحاسبة وطرق تقييد النقدية والنفقات والمصاريف.
أندرو كارنجي : الوظيفة الثانية
بعدها بعام ونيف في 1850، عثر أندرا على وظيفة صبي توصيل رسائل البرق / التلغراف عن طريق قريب له، مقابل دولارين ونصف في الأسبوع، وهناك حيث أثبت كفاءته وحرفيته، الأمر الذي أهله للحصول على ترقية أسرع من أقرانه. كان أندرو سعيدا بطفوه إلى السطح، إلى عمله في ضوء النهار، بعيدا عن الشحم والفحم والزيوت والخيوط. بسرعة اكتسب أندرا خبرة وأثبت كفاءته في عمله، حتى أنه بدأ يحول طقطقات التلغراف إلى كلمات فور سماعها، وبدأت خبرته ومعارفه تزيد، وبدأ يلم بما يحدث حوله في العالم عن طريق البرقيات التي كان يتلقاها ويكتبها، وتعرف على التجارات والصناعات الرابحة – خاصة السكك الحديدية التي كانت تشهد نموا مستمرا، وتابع مجريات السياسة العالمية، وتعرف كذلك على الأخبار الصحفية وطرق كتابة الأخبار، إذ كانت البرقيات الوسيلة الوحيدة وقتها لنقل الأخبار من أماكن وقوعها إلى أماكن طبعها ونشرها. هذا التفاني ساعده على الترقي بسرعة.
كن ملكا في أحلامك – Be king in your dreams
أندرو كارنيجي – Andrew Carnegie
أندرو كارنيجي : الوظيفة الثالثة
مرة أخرى، كان لتفوق أندرا في عمله وتفانيه الأثر المساعد على عثوره على وظيفة أفضل، ذلك أن رجل الأعمال طوماس سكوط (Thomas A.Scott) والذي كان يعمل في شركة بنسلفانيا للسكك الحديدية، تعرف على أندرو في محل عمله فعرض عليه أن يترك مكتب التلغراف ويأتي ليعمل معه، كمسؤول برقيات وأمور أخرى، وهو ما حدث بالفعل في عام 1853. كان لهذا الرجل أفضل الأثر على حياة أندرو العملية، إذ علمه الكثير وشجعه وساعده على استثمار ماله، ونصحه في عام 1855 بأن يستثمر مبلغ 500 دولار في شركة سكك حديدية، وكان هذا الاستثمار ناجحا شجعه على اقتراض 1250 دولار من البنك للاستثمار في شراء 1/8 شركة سكك حديدية جديدة تقدم عربات النوم الفاخرة. بسرعة ساهمت عوائد الاستثمار في هذه الشركة في سداد القرض، حتى أن هذا الاستثمار وحده كان يعود على أندرو بقرابة 5 آلاف دولار سنويا.

