وصف مجمل لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم  

 الكاتب / أبوحسام الدين الطرفاوي

 الله تبارك وتعلى قد أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم   ووصفه بالخلق العظيم فقال له : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)

 وروى الترمذي (2016) عن أَبَي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ قال :  سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

فَقَالَتْ : لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ([1])

وروى أحمد (  24774) عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ.([2])

قال ابن القيم :

ومما يحمد عليه صلى الله عليه وسلم   ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم ، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ؛ علم إنها خير أخلاق الخلق وأكرم شمائل الخلق ، فإنه كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا وأعظمهم عفوا ومغفرة ، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال في صفة رسول الله في التوراة : ( محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ؛ ولكن يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء ؛ بأن يقولوا لا إله إلا الله ، وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا) ([3])  

وأرحم الخلق وأرأفهم بهم ، وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم ، وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد ، وأصبرهم في مواطن الصبر ، وأصدقهم في مواطن اللقاء ، وأوفاهم بالعهد والذمة ، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه ، وأشدهم تواضعا ، وأعظمهم إيثارا على نفسه ، وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعا عنهم ، وأقوم الخلق بما يأمر به ، وأتركهم لما ينهى عنه ، وأوصل الخلق لرحمه فهو أحق بقول القائل :

برد على الأدنى ومرحمة     وعلى الأعادي مارن جلد

قال علي رضي الله عنه : كان رسول الله أجود الناس صدرا ، وأصدقهم لهجة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله .([4])

فقوله : كان أجود الناس صدرا  : أراد به بر الصدر ، وكثرة خيره وأن الخير يتفجر منه تفجيرا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كما قال بعض أهل العلم : ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرا من صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم   قد جمع الخير بحذافيره وأودع في صدره  

وقوله : أصدق الناس لهجة  : هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له ، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط ، دع شهادة أوليائه كلهم له به ؛ فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم وليس أحد منهم يوما من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة  

قال المسور بن مخرمة : قلت لأبي جهل وكان خالي : يا خال هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول مقالته ؟

فقال : والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يدعى فينا الأمين ، فلما كبر وخطه الشيب لم يكن  ليكذب قلت : يا خال ! فلم لا تتبعونه ؟

فقال : يا ابن أختي ! تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي ؛ فمتى نأتيهم بهذه أو كما قال ([5])

وقال تعالى يسليه ويهون عليه قول أعدائه : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:33 ،34)

 وقوله : ألينهم عريكة : يعني سهل لين قريب من الناس ، مجيب لدعوة من دعاه ، قاض لحاجة من استقضاه ، جابر لقلب من قصده لا يحرمه ولا يرده خائبا ، إذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه وتابعهم فيه ، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم ؛ بل يشاورهم ويؤامرهم ، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم  

وقوله  أكرمهم عشرة : يعني أنه لم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها ، وأكرمها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في مقاله ، ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه ، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها ؛ بل يحسن إلى عشيرة غاية الإحسان ويحتمل غاية الاحتمال ، فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم وجفوتهم جملة ؛ لا يعاقب أحدا منهم ولا يلومه ، ولا يباديه بما يكره ، من خالطه يقول أنا احب الناس إليه ؛ لما يرى من لطفه به وقربه منه وإقباله عليه واهتمامه بأمره وتضحيته له وبذل إحسانه إليه واحتمال جفوته ، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة  

قال الحسين رضي الله عنه : سألت أبي عن سيرة النبي في جلسائه ؟

فقال : كان النبي دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يؤيس منه راجيه ، ولا يخيب فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه ، كان لا يذم أحدا ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه ، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عند حديث أولهم يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام ([6])  

وقوله : من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه : وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص ، وهما الإجلال والمحبة . وكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة ، فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا وإن كان عدوا له ، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق ، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم ، وهذا كمال المحبة ؛ أن تقرن بالتعظيم والهيبة ، فالمحبة  بلا هيبة ولا تعظيم ناقصة ، والهيبة والتعظيم من غير محبة كما تكون للغادر الظالم نقص أيضا ، والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال ، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها 

 ..... والمقصود أن النبي ألقى الله سبحانه وتعالى عليه منه المهابة والمحبة ولكل مؤمن مخلص حظ من ذلك 

قال الحسن البصري رحمه الله : إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة يعني يحب ويهاب ويجل بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك .

ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله في صدر الصحابة رضي الله عنهم .

 قال عمرو بن العاص : قبل إسلامه إنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه ، قال : ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له   وقال عروة بن مسعود لقريش : وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ .([7])

فلما كان رسول الله مشتملا على ما يقتضي أن يحمد عليه مرة بعد مرة سمي محمدا ، وهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه ([8])

--------------------------------------------------------------------------------

 

 (1) صحيح : قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وأخرجه أحمد (25560)

 

 (2) صحيح : وأخرجه أحمد أيضا (25020) ، (25285) من طرق عن عائشة .

 

(3) البخاري (2125) عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ،

 

قَالَ : أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا .

 

 (4) ضعيف  : أخرجه الترمذي (3638) وابن أبي شيبة في مصنفه (31805) والبيهقي في الشعب (1415) من حديث إبراهيم بن محمد بن على بن أبي طالب عن علي به . وإبراهيم لم يسمع من جده .

 

(5) أخرجه الطبراني في الكبير (20314) من حديث عَمْرِو بن خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ به . في رؤية عاتكة . وابن لهيعة ضعيف إذا حدث عنه مثل عمرو بن خالد وهو ثقة .

 

لكن للحديث شاهد عند البيهقي في دلائل النبوة (511) .وأخرجه أيضا (971) عن الزهري قال : حدثت  . وذكره  .وهو منقطع

 

(6) حديث طويل في وصف النبي  صلى الله عليه وسلم  أخرجه الترمذي في الشمائل (7، 221، 336) ، والطبراني في الكبير (17868) والبيهقي في دلائل النبوة (237) وأبي نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابة (5956) من حديث جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي قال : أنبأنا رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة ويكنى أبا عبد الله ، عن ابن لأبي هالة ، عن الحسن بن علي قال : قال الحسين وذكره : وفيه جهالة أبي عبد الله وضعف جميع بن عمر . وقال الألباني في مختصر الشمائل : ضعيف جدا  .

لكن الحديث في جملته وصف دقيق لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  وقد جاءت هذه الأوصاف جميعها في أحاديث متفرقة ، ويكفي أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قد حاز الكمال في صفات البشر جميعا .

 (7) أخرجه البخاري ( 2529) وهو حديث طويل مر في صلح الحديبية

 

 (8) عدة الصابرين لابن القيم ص182 ـ 188

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 327 مشاهدة
نشرت فى 30 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,570