هل بعث النبي صلى الله عليه وسلم لغاية القتال ؟ أم بعث لنشر الإسلام؟
الكاتب : أبوحسام الدين الطرفاوي
عند النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن القتال لم يبدأ عند بداية البعثة ؛ وإنما بدأ في مراحل متأخرة منها ، بعدما مر أكثر نصف البعثة بكثير . وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هدفه الأول هو الحرب ؛ وإنما الهدف الأول هو تبليغ دعوة الله تعالى للبشر ، لنبذ الشرك والدخول في توحيد الله تعالى ، وهي مهمة كل الرسل كما جاء في القرآن : قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)
وقال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (النحل:36)
والطاغوت : يشمل كل من عبد من دون الله تعالى
فهذه هي الغاية من إرسال الرسل ، ولم تكن الغاية هي القتال والحرب كما يتصور كثير ممن يجهل شرائع الإسلام أو ممن يكن حقدا عليه .
ولذلك تحمل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في المرحلة المكية شتى صنوف القهر والظلم والتعذيب ، ومع ذلك كان دائما ما يأمر أصحابه بالصبر ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال : ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي(<!--)
<!--ونقتطف من السيرة بعض المواقف :
الموقف الأول : موقف أبو لهب مع النبي صلى الله عليه وسلم
روى مسلم (307 ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )
وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ : يَا صَبَاحَاهْ فَقَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ ؟
قَالُوا : مُحَمَّدٌ
فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا بَنِي فُلانٍ ! يَا بَنِي فُلانٍ ! يَا بَنِي فُلانٍ ! يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟
قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا
قَالَ : فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
قَالَ : فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلا لِهَذَا ؟!!
ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ)
الموقف الثاني : موقف عقبة بن أبي معيط مع النبي صلى الله عليه وسلم
روى البخاري (4441) عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ )
ولم يعلن النبي صلى الله عليه وسلم الحرب ولا حدث أصحابه بذلك قط في تلك الفترة ، ولم يقل لهم عندما تكون لنا شوكة أو قوة سوف نقاتلهم .
الموقف الثالث : موقف آل ياسر
كان بنو مخزوم يعذبون ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار في رمضاء مكة حتى يرجعوا عن دينهم ، وقد صبروا على ذلك حتى مر بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يعلن حربا ولم يأمر بقتال وإنما قال : صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة (<!--)
الموقف الرابع : موقف خباب بن الأرت
كان خباب بن الأرت يعذب تعذيبا شديدا فقد كان يؤتي له بالحديد المحمي ويوضع على ظهر فينطفئ بشحم ظهره فاستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري (3563 ) حيث يقول : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً .
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلا تَدْعُو اللَّهَ ؟ !
فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ
وظل النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحال حتى خرج من مكة بعد ثلاثة عشرة عاما قضاها في هذا العذاب هو وأصحابه
وكذلك كان هدف النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة هو إبلاغ دعوته للخلق ، ولكن أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين كانوا لها بالمرصاد من ناحية ، وقريش قد أخذتها الحمية من ناحية في أنها فشلت في القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه . فكل هذه عوامل ساعدت على نشوب الحرب . وأوجب الله تعالى الجهاد على المسلمين ، فصار الجهاد وسيلة وليست غاية ، وهذه الوسيلة تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ، فقد تحتم استخدام هذه الوسيلة في بلد ولا يجوز استخدامها في بلد أخرى . بشروطها التي سنذكرها .
<!--الجهاد ماض إلى يوم القيامة
والجهاد على ذلك ماض إلى يوم القيامة كوسيلة من وسائل الدفاع عن الدين والأرض والعرض والنفس والمال .
روى البخاري (2640) عن عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ .
قال الحافظ في شرح هذا الحديث : وفيه أيضاً بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون وهو مثل الحديث الآخر: ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ) (<!--)
وروى مسلم (3546 ) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ .
قال الخطابي : فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبداً ،وإذا كان معقولاً أن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلاً ،فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل (<!--)
وقال النووي :
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة ؛ فإن هذا الوصف مازال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث (<!--)
وقال ابن الجارود : ( باب دوام الجهاد إلى يوم القيامة ) ثم ذكر الحديث
وروى أيضا : (3550) عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ َقَالَ : َسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
(1) صحيح : أخرجه أبوداود ( 4734) والبخاري في الأدب المفرد ص77 من جابر بن عبد الله وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (1947)
(2) صحيح : وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (5687) من حديث جابر ، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20225) من حديث عثمان بن عفان ، وصححه الألباني كما في صحيح السيرة النبوية ، وفقه السير (103)



ساحة النقاش