تزكية النفس ودورها في صلاح البشرية
أبوحسام الدين الطرفاوي
فإذا صحت عقيدة الإنسان ، واستقام منهجه ، وتوحد مشربه في القي الأوامر الشرعية ، فما بقي إلا أن يتربى على هذا الخط الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم وفق ما نزل من كلام الله تعالى عليه ، وما أوحاه الله إليه .
وعندما نتكلم عن التزكية ، إنما نتكلم عن تربية النفس البشرية وترويضها وفق المنهج الرباني ، ليتم الاستعداد الروحي والبدني لتحمل كافة المشاق الدنيوية للوصول لأسمى الغايات الأخروية :{ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}[آل عمران : 133]
أولا : معنى التزكية
هي في اللغة : الطهارة والإصلاح والنماء
فهي طهارة النفس وإصلاحها من آثار الذنوب والمعاصي وتنميتها بفعل الطاعات
ثانيا : أدلة التزكية
وأدلة التزكية في القرآن والسنة كثيرة
فمن أدلة القرآن
ـ قوله تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[آل عمران : 164]
قال الشيخ السعدي :
{ ويزكيهم } : من الشرك، والمعاصي، والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق.
فهذه كانت مهمة الداعية الأول محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أعظمها من مهمة وما أشقها ، فإن الذي ينظر إلى بيت قصر قد تهدم بنيانه من القواعد وصار خرابا تنعق فيه الغربان يستعجب كيف يصلح هذا الخراب ، وأنى لقوة في العالم أن تفعل ذلك إلا بشق الأنفس ، فإن القلوب التي خربت من التوحيد ، ومن دوافع العمل الداخلي فصارت لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا يصعب على الإنسان أن يصلحها ، وينظر كل داعية إلى رجل انهمك في الذنوب والمعاصي وشهوات الدنيا وملذاتها فلا يرى في فيه فائدة ، وإن كان لا يعد ذلك مستحيلا . لكن لمشقة المهمة وصعوبتها يكاد يفقد الأمل في الإصلاح . ولكنها كانت مهمة أعظم البشر ، وقد زكى أصحابه خير تزكية حتى قامت بهم الدنيا ، وانتشر النور في الآفاق .
ونرى في سورة الجمعة تأكيدا لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى :{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[الجمعة : 2]
وقد بين لنا ربنا تبارك وتعالى أن الفلاح في الدنيا وفي الآخرة معلق بتزكية النفس ، وخسرانها بتدسيتها بالذنوب والمعاصي والبعد شرع الله .
قال تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}[الشمس : 7 ـ 10]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يزكي نفسه فكان من دعائه : «اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب، القبر اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» أخرجه مسلم
ثالثا : محاور التزكية
المحور الأول : ترك الهوى والوقوف عند مواطن الشريعة
قال تعالى : { فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)}[النازعات : 37 ـ 41]
وقد حذر الله تعالى نبيه داود عليه السلام باتباع الهوي ، وجعل ذلك انحرافا عن حكم الله تعالى فقال سبحانه : { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}[ص : 26]
وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء الناس فقال سبحانه : { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }[المائدة :49]
وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}[الشورى : 15]
المحور الثاني : فعل الطاعات وترك المنكرات
فلا تزكوا النفس وهي قائمة على المعاصي والذنوب ، وقد انشغلت بالدنيا وملذاتها ، وأعظم هذه الطاعات العلم ، لأن بالعلم تنار القلوب المظلمة ، وبالعلم تتفتح العيون العمياء ، وبالعلم يتحرك القلب والجوارح إلى ما هو صواب ، وكما قيل : فإن جاهل الشيء عدو له .
فلا يستطيع أن يميز الإنسان بين الصواب والخطأ إلا بالعلم .
ثم بعد ذلك العمل بهذا العلم ، وعلى رأس هذه الأعمال الأركان الأربعة :
الصلاة : لأنها صلة بين العبد وربه ، وهي فرصة المناجاة بعيدا عن هموم الحياة وتخبطات البشر .
والصيام : وهو ترك التفكر في شهوة الطعام وشهوة الجماع ، وراحة للجسد وزكاة للروح .
والزكاة : وهي اعتراف العبد بنعم الله عليه ، فهو يقوم بأداء حق هذا النعمة لمن يستحقها . فهي طهارة للمال ، ونماء له وإصلاح
والحج : سياحة الإنسان وجهاد وتوجه نحو بيت الله العتيق ، وترك العبد الدنيا خلف ظهره والاتجاه إلى غفار الذنوب ليرجع من هناك كيوم ولدته أمه .
وترك المحرمات الباطنة والظاهرة أصل في تزكية النفس ، فكيف يطهر الجسم والأوساخ به عالقة .
كذلك القلب لا يطهر إلا إذا نظف من وسخه من الشرك والتعلق بغير الله تعالى ، ومن الحسد والحقد والبغضاء وحب الفاحشة والوقيعة بين الناس . فهذه الأشياء تأكل حسنات الإنسان كما تأكل النار الحطب .
فإذا ما طهر القلب طهرت الجوارح لأنها تبع له كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي هي القلب ) متفق عليه
المحور الثالث : الاهتمام بالخلق
فلا حياة للإنسان بدون غيره ، فمن أراد أن يهتم به الناس فليهتم هو بالناس ، وعلى الناس الوالدين فهما أحق الناس الرعاية العناية ، وأيضا الاهتمام بمن يعول من زوجة وولد ،ثم الاهتمام بالأرحام والجيران ، والمسلمين في شتى بقاع الأرض . ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ما قالته له أم المؤمنين خديجة رضي الله عنه : (إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)
وكل هذه المعاني اهتمام بالخلق ومواستهم والوقوف بجوارهم في محنهم .كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .



ساحة النقاش