خلق الحلم

الكاتب : أبوحسام الدين الطرفاوي

والحلم هو : ضبط النفس عن هيجان الغضب

قال القاضي عياض :

وأما الحلم والاحتمال والعفو مع المقدرة والصبر على ما يكره وبين هذه الألقاب فرق فإن الحلم حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات ، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات ومثلها الصبر ومعانيها متقاربة ، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199)

ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله ، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا وعلى إسراف الجاهل إلا حلما (<!--)

1 ـ روى البخاري (3560) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا .

وهذا من كمال خلقه r

<!--مواقف من حلمه r

1 ـ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مسعود كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ(<!--)

2 ـ وروى البخاري (2910) عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ مَعَهُ ، فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقُلْتُ : اللَّهُ ثَلاثًا ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ .

وقد ذكر الماوردي في كتابه " أدب الدنيا والدين " عشرة أسباب داعية للحلم :

أَحَدُهَا : الرَّحْمَةُ لِلْجُهَّالِ وَذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ يُوَافِقُ رِقَّةً .

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ أَسْمَعَهُ كَلامًا : يَا هَذَا لا تُغْرِقَنَّ فِي سَبِّنَا ، وَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا ، فَإِنَّا لا نُكَافِئُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ نُطِيعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ .

وَالثَّانِي : مِنْ أَسْبَابِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِانْتِصَارِ وَذَلِكَ مِنْ سَعَةِ الصَّدْرِ وَحُسْنِ الثِّقَةِ .

قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : أَحْسَنُ الْمَكَارِمِ عَفْوُ الْمُقْتَدِرِ ، وُجُودُ الْمُفْتَقِرِ

وَالثَّالِثُ : مِنْ أَسْبَابِهِ : التَّرَفُّعُ عَنْ السِّبَابِ وَذَلِكَ مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ .

كَمَا قَالَتْ الْحُكَمَاءُ : شَرَفُ النَّفْسِ أَنْ تَحْمِلَ الْمَكَارِهَ كَمَا تَحْمِلُ الْمَكَارِمَ .

وَالرَّابِعُ مِنْ أَسْبَابِهِ : الاسْتِهَانَةُ بِالْمُسِيءِ وَذَلِكَ عَنْ ضَرْبٍ مِنْ الْكِبْرِ وَالإِعْجَابِ

مَا حُكِيَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْعِرَاقَ جَلَسَ يَوْمًا لِعَطَاءِ الْجُنْدِ وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى أَيْنَ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَاهُ الزُّبَيْرُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَيُّهَا الأَمِيرُ إنَّهُ قَدْ تَبَاعَدَ فِي الأَرْضِ .

فَقَالَ : أَو َيَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنِّي أُقِيدُهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَلْيَظْهَرْ آمِنًا لِيَأْخُذَ عَطَاءَهُ مُوَفَّرًا .

فَعَدَّ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ مُسْتَحْسَنِ الْكِبْرِ .

الْخَامِسُ مِنْ أَسْبَابِهِ : الاسْتِحْيَاءُ مِنْ جَزَاءِ الْجَوَابِ .

وَهَذَا يَكُونُ مِنْ صِيَانَةِ النَّفْسِ وَكَمَالِ الْمُرُوءَةِ .

قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : احْتِمَالُ السَّفِيهِ خَيْرٌ مِنْ التَّحَلِّي بِصُورَتِهِ ، وَالإِغْضَاءُ عَنْ الْجَاهِلِ خَيْرٌ مِنْ مُشَاكَلَتِهِ

السَّادِسُ مِنْ أَسْبَابِهِ : التَّفَضُّلُ عَلَى السِّبَابِ .

فَهَذَا يَكُونُ مِنْ الْكَرَمِ وَحُبِّ التَّأَلُّفِ

حُكِيَ عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا عَادَانِي أَحَدٌ قَطُّ إلا أَخَذْت فِي أَمْرِهِ بِإِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ : إنْ كَانَ أَعْلَى مِنِّي عَرَفْت لَهُ قَدْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ دُونِي رَفَعْت قَدْرِي عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ نَظِيرِي تَفَضَّلْت عَلَيْهِ

السَّابِعُ مِنْ أَسْبَابِهِ : اسْتِنْكَافُ السِّبَابِ وَقَطْعُ السِّبَابِ .

حُكِيَ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِضِرَارِ بْنِ الْقَعْقَاعِ : وَاَللَّهِ لَوْ قُلْت وَاحِدَةً لَسَمِعْت عَشْرًا .

فَقَالَ لَهُ ضِرَارٌ : وَاَللَّهِ لَوْ قُلْت عَشْرًا لَمْ تَسْمَعْ وَاحِدَةً .

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : فِي إعْرَاضِك صَوْنُ أَعْرَاضِك .

الثَّامِنُ مِنْ أَسْبَابِهِ : الْخَوْفُ مِنْ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْجَوَابِ .

وَهَذَا يَكُونُ مِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ وَرُبَّمَا أَوْجَبَهُ الرَّأْيُ وَاقْتَضَاهُ الْحَزْمُ .

وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : الْحِلْمُ حِجَابُ الآفَاتِ

وَقَالَ الشَّاعِرُ :

              اُرْفُقْ إذَا خِفْتَ مِنْ ذِي هَفْوَةٍ خَرَقًا     لَيْسَ الْحَلِيمُ كَمَنْ فِي أَمْرِهِ خَرَقُ

َالتَّاسِعُ مِنْ أَسْبَابِهِ : الرِّعَايَةُ لِيَدٍ سَالِفَةٍ ، وَحُرْمَةٍ لازِمَةٍ .

وَهَذَا يَكُونُ مِنْ الْوَفَاءِ وَحُسْنِ الْعَهْدِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : أَكْرَمُ الشِّيَمِ أَرْعَاهَا لِلذِّمَمِ .

َالْعَاشِرُ مِنْ أَسْبَابِهِ : الْمَكْرُ وَتَوَقُّعُ الْفُرَصِ الْخَلْفِيَّةِ .

وَهَذَا يَكُونُ مِنْ الدَّهَاءِ .

وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ : مَنْ ظَهَرَ غَضَبُهُ قَلَّ كَيْدُهُ .

وَقَالَ بَعْضُ الأُدَبَاءِ : غَضَبُ الْجَاهِلِ فِي قَوْلِهِ ، وَغَضَبُ الْعَاقِلِ فِي فِعْلِهِ .

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إذَا سَكَتَّ عَنْ الْجَاهِلِ فَقَدْ أَوْسَعْتَهُ جَوَابًا وَأَوْجَعْتَهُ عِقَابًا .(<!--)

ـ خلق الأمانة والوفاء

وهذه من صفات الأنبياء

فقد روى البخاري (2484) عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ : أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ : سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ قَالَ وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ

وقد أخبر r أن ضياع الأمانة علامة على قرب الساعة

روى البخاري (6015)  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ

قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ  ؟

قَالَ : إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ .

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

(1) انظر الشفا للقاضي عياض ص 74 ـ 77

(2) البخاري (6929)

 (3) أدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي ص 261 ـ 265 باختصار

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 37 مشاهدة
نشرت فى 26 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,574