authentication required
فضائل الأخلاق

أبوحسام الدين الطرفاوي

       لا شك أن كل البشر يمدحون الأخلاق الحسنة وصاحبها ، ويذمون الأخلاق السيئة وصاحبها ، وقد جاء الإسلام بمراعاة الأخلاق الحسنة والحث عليها ، وحذر من الأخلاق السيئة لما فيها فساد الفرد والمجتمع .

فقد مدح رب العزة تبارك وتعالى نبيه محمد بأعلى درجات الأخلاق فقال تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)

ويشهد لذلك العدو والحبيب ، وأهل مكة ما عابوا على النبي  صلى الله عليه وسلم  قبل البعثة خلقا قط ؛ بل كانوا يصفونه بالصادق الأمين .

فقد سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

فَقَالَتْ : كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ(<!--)

ومعنى  خلقه القرآن : أنه ممتثل لأوامره منته عن نواهيه وهذا يؤيد ما أولنا عليه قوله  صلى الله عليه وسلم  : خير ما أعطي العبد قال خلق حسن(<!--)

ولذلك سوف يكون بحثنا هذا إن شاء الله تعالى من القرآن والسنة .

ويشهد لذلك هذا الموقف :

روى البخاري (3572 ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَخِيهِ : ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ، ثُمَّ ائْتِنِي .

فَانْطَلَقَ الأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ : رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَكَلامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ .

فَقَالَ : مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا يَعْرِفُهُ ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ فَاضْطَجَعَ ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ ،  فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ ، حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلا يَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى أَمْسَى ، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ : أَمَا أنىَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ ؟ فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ لا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ ، فَعَادَ عَلِيٌّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ : أَلا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ ؟

قَالَ : إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ ، فَفَعَلَ ،  فَأَخْبَرَهُ قَالَ : فَإِنَّهُ حَقٌّ ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي ؛ فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي ، فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَخَلَ مَعَهُ ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي

قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ : وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ ! ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ لِمِثْلِهَا ، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ .

فلو لم يكن ما وجده أبو ذر صحيحا من خلق النبي  صلى الله عليه وسلم  لما تبعه على دينه .

وروى الترمذي (2016) عن أَبَي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ قال :  سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  ؟

فَقَالَتْ : لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا ، وَلا مُتَفَحِّشًا ، وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ ، وَلا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ؛ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ (<!--)

ـ وقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يدعو بالهداية لأحسن الأخلاق فيقول : (وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ)(<!--)

وأخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  أن الله تعالى يحب معالي الأخلاق ويكره سيئها فقد روى الحاكم في مستدركه عن سهل بن سعد الساعدي ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : « إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها »(<!--)

وأخبر  صلى الله عليه وسلم  أن بعثته كانت لإتمام مكارم الأخلاق كما روى أحمد في مسنده (8595) من حديث ْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ .(<!--)

ـ حسن الخلق هو الدين

والله تبارك وتعالى قد جمع البر في آية فقال سبحانه وتعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة:177)

وقد جعل النبي  صلى الله عليه وسلم  كل هذا في كلمتين كما روى مسلم (4632) عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ :

سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ؟

فَقَالَ : الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ .

ـ أثقل شئ في ميزان المسلم يوم القيامة حسن الخلق

روى أبوداود (4166) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ .(<!--)

ـ كمال الإيمان بحسن الخلق

روى الطبراني في الأوسط (4575 )  عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أكمل المؤمنين إيمانا أحاسنهم أخلاقا ، الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ، وليس منا من لا يألف ولا يؤلف » (<!--)

ـ خيار الناس أحسن الناس خلقا

روى البخاري (3295 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا

ـ أحب الناس إلى رسول الله أحسنهم خلقا

روى البخاري (3476 ) عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ : إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا ... الحديث

    والكلام في هذا الباب يطول ذكره وما ذكرناه كفاية لمن عقل وفهم أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خير الناس خَلْقا وخُلُقا  صلى الله عليه وسلم  .

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

 (1) صحيح : أخرجه أحمد (25855) وفيه  الحسن البصري وهو ثقة مدلس ، وأخرجه أيضا (24645) من رواية الحسن عن سعد بن إبراهيم عن عائشة ، وأخرجه الطبراني في الأوسط (72) من غير طريق الحسن ، وسنده حسن ، وقد صححه الألباني في مختصر العلو للذهبي

 (2) انظر معتصر المختصر لأبي المحاسن الحنفي (2/209)

 (3) صحيح : قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، والحديث أيضا وأخرجه أحمد (25560)

 (4) أخرجه مسلم في صحيحه (1290) من حديث علي بن أبي طالب

 (5) حسن : أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (5795) ، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وعبد الرزاق في مصنفه (20150) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز

 (6) صحيح : ومحمد بن عجلان  فيه مقال وقد خرج له مسلم في الشواهد ، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (135) من حديث زيد بن أسلم مرسلا ، والطبراني في المعجم الكبير (16544) عن معاذ بن جبل ، وفيه شهر بن حوشب فيه مقال معروف ، وقد أخرجه في الأوسط (7087) من حديث جابر بن عبد الله ، وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (45)

 (7) صحيح : وأخرجه الترمذي (1926) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (876)

 (8) صحيح : وقد أخرجه البيهقي في شعب الإيمان( 7895)  من حديث جابر  وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (751) 

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 41 مشاهدة
نشرت فى 25 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,575