سنن الله في كيفية تولي الحكام

 أبوحسام الدين الطرفاوي

الجزاء من جنس العمل :

قال تعالى : {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]

وقال تعالى : {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [يونس: 27]

وقال تعالى : {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } [مريم: 76]

اعلم أن سنن الله ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ، وأن من سنن الله سبحانه وتعالي أن جعل الحاكم من المحكومين ، وإن المحكومين هم الرعية إذا كانوا من الله  اقرب  ولشرعه مطبقين وبرسوله مقتدين ومجتنبين لنواهي الله منفذين لأوامره جعل الله عليهم من يخاف الله فيحكمهم بكتاب الله وينفذ فيهم أوامر الله ، أما إذا كانت الرعية لا تحل حلالا ولا تحرم حراما وظهرت فيهم المعاصي والذنوب فلا يجعل الله عليهم إلا حاكما لا يحكمهم بكتاب الله بل يسومهم سوء العذاب ؛ وما ذلك إلا لمعصيتهم الله

قال تعالي عن فرعون بعد ذكر تكبره وتجبره في : {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] ؛ فلما كانوا علي الفسق والظلم والمعصية والبعد عن الله جعل الله عليهم فرعون يسومهم سوء العذاب يذبح أبناءهم ويستحي نسائهم ، ولما كان جيل الصحابة أفضل جيل رباهم النبي  ملتزمين بشرع الله وملأت قلوبهم التقوي والمخافة من الله وحسن اليقين عليه ولي الله عليهم بعد رسول الله   أبو بكر الصديق  وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وكما قال أحد العلماء : "صلاح الأحوال من صلاح الأعمال "  فإذا أردت أن تعرف الرعية وأحوالها فانظر إلي حكامها فحكمة الله وعدله تقتضي أن لا يولي علي الناس إلا أمثالهم فإذا كانت الرعية ظالمة ولي الله عليهم ظالما وإن كانت الرعية صالحة ولَّي الله عليهم حاكما صالحا

{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]

 قال ابن كثير :

قال سعيد، عن قتادة في تفسيرها: وإنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أينما كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. واختاره  ابن جرير.

وقال معمر، عن قتادة في تفسيرها: {نولي بعض الظالمين بعضا} في النار، يتبع بعضهم بعضا.

وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا}اهـ(<!--)

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد: 11]

فتولي الحكام والولاة الظالمين  ليس إلا أن الرعية ظالمة فإذا تغيرت الرعية تغير الولاة والحكام فلا يغير الله حال الحاكم إلا إذا تغير حال المحكومين فلابد من تغيير النفوس وكما قال أحد السلف  " من أراد أن يفتح الحصن وحده فليكبح جماح نفسه "

والنبي  يوضح هذه الأمر العظيم

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (يا معشر المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشي فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم

 فأخذوا بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم )(<!--)                            

وهكذا علمنا النبي صلي الله عليه وسلم أن نقص المكيال والميزان وإهدار حقوق الناس وهي معاصي لله عز وجل  سبب في جور السلطان وشدة المؤنة

قال بن القيم :

" تأمل حكمة الله تعالي في أن جعل ملوكا للعباد وأمرائهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صورة ولاتهم (اي حكامهم) إن استقاموا استقامت ملوكهم وإن عدلوا عدلت عليهم وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم إن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك امكر وأخدع وإن منعوا حقوق الله لديهم  وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم من الحق وبخلوا به عليهم وليست الحكمة الإلهية أن يولي علي الأشرار إلا من يكون  من جنسهم " انتهي كلام ابن القيم(<!--)

قال شيخ الإسلام بن تيمية :

مصير الأمر إلى الملوك ونوابهم من الولاة ؛ والقضاة والأمراء ليس لنقص فيهم فقط بل لنقص في الراعي والرعية جميعا ؛ فإنه " كما تكونون : يولى عليكم " وقد قال الله تعالى : {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [الأنعام: 129]   وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به صلى الله عليه وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله ؛ ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم ؛ والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك.اهـ(<!--)

  قال الحسن البصري إمام التابعين : "اعلم عافاك الله أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالي ونقم الله لا تلاقي بالسيوف وإنما تتقي وتقابل بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب "

وقال الحسن أيضا: حدثني مالك بن دينار ان الحجاج كان يقول :" اعلموا أنكم كلما أحدثتم ذنبا  أحدث الله في سلطانكم عقوبة "

ولقد حدثت الكلام للحسن البصري أن قائلا قال للحجاج إنك تفعل بأمة رسول الله   كيت وكيت فقال أجل إنما إنا نقمة علي أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا وتركوا من شرائع نبيهم

قال الحسن أيضا أن رجلا كتب إلي بعض الصالحين يشكو إليه جور العمال فكتب إليه وصلني كتابك تذكر ما انتم فيه من جور العمال وأنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة وما أظن الذي انتم فيه إلا بشؤم الذنوب

فأهل السنة والجماعة يرون أن جور السلطان وظلمه يرجع إلي ما اقترفته أيديهم من الخطايا والذنوب والمعاصي كما {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الروم: 41]

 

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- تفسير ابن كثير (3/ 339)

<!-- أخرجه بن ماجه والحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 106

<!-- (مفتاح السعادة1-  253 )

<!-- مجموع الفتاوى (35/ 20)

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 40 مشاهدة
نشرت فى 25 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,574