النهي عن كثرة الحلف بالله

الكاتب : أبوحسام الدين الطرفاوي

 

يكثر كثير من الناس الحلف بالله تعالى ، مما يوقعه في الكذب أو الاحراج ، وهذا مما يفقد الإنسان هيبته أمام الناس ومكانته ، وخاصة إذا حلف ونكث في حلفه ، أو حلف وكذب ، ولذا نجد أن الله تعالى نهى عن كثرة الحلف فقال سبحانه :

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) } [البقرة : 224]

 

قوله (وَلَا) : أداة نهي تفيد التحريم

قوله : (تَجْعَلُوا)

قال الزبيدي :

جَعلَهُ ، كمَنَعَهُ يَجْعَلُه جَعْلاً بالفتح ويُضَمُّ ، وجَعالَةً كسَحابَةٍ ويُكْسَرُ ، واجْتَعَلَهُ : أي صَنَعَهُ صَرِيحُه أنّ الجَعْلَ والصُّنْعَ واحِدٌ ، وقال الراغِبُ : جَعَلَ لَفظٌ عامٌّ في الأفعال كلِّها ، وهو أَعَمُّ مِن فَعَل وصَنَع وسائرِ أخواتِها

 قال الراغِبُ : يَتَصَرَّفُ جَعَلَ علَى أُوْجُهٍ ، منها : يقال : جَعَلَ يَفعَلُ كذا : أي أَقْبَلَ وأَخَذ ، وهو بمَعْنى التَّوجُّهِ والشّرُوعِ في الشيء والاشتغالِ به .<!--

قوله : (عُرْضَةً) :

مانِعاً مُعْتَرِضاً أي : بَيْنَكُم وبين ما يُقَرّبُكُم إلى اللَّهِ تعالى أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا . أو العُرْضَةُ : الاعتراضُ في الخيرِ والشَّرِّ أي : لا تَعْتَرِضوا باليمينِ في كُلِّ ساعةٍ ألاّ تبرّوا ولا تَتَّقُوا . والاعْتِراضُ : المَنْعُ والأصلُ فيه أن الطريقَ إذا اعْتَرَضَ فيه بِناءٌ أو غيرُه مَنَعَ السابِلَةَ من سُلوكِهِ مُطاوِعُ العَرْضِ .<!--

قوله : (لِأَيْمَانِكُمْ) الأَيْمانُ جَمْعُ يَمِين القَسَمِ أَو اليَدِ

وقيل: ويمين فعيل من اليمن وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك، لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن<!--

قوله :( أَنْ تَبَرُّوا)  البر هو الصِّلَةُ والجَنَّةُ والخَيْرُ والاتِّساعُ في الإحسان

معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعى لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن.<!--

قوله : (وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) :  التقوى من الوقاية ، والمقصود بها أن تجعل بينك وبين معصية الله وقاية . والإصلاح ضد الفساد

قوله : (والله سميع عليم) أي أن الإيمان لا تكون إلا باللسان والقلب ، فالله سبحانه وتعالى يسمع إذا تلفظ العبد باليمين ، ويعلم ما في قلبه إذا كان لغوا أو يمينا مؤكدا ، حتى لا يتحايل العبد على أحد ، فصارت اليمين بين العبد وربه .

وفي الآية إثبات لصفتي السمع والعلم لله تعالى ردا على الجهمية في إنكارهم لصفات الله عزوجل.

قال الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله :

الوسيط لسيد طنطاوي - (1 / 399)

والمعنى على الوجه الأول : لا تجعلوا الحلف بالله - أيها المؤمنون - حاجزاً ومانعاً عن البر والتقوى والإِصلاح بين الناس ، وذلك أن بعض الناس كان إذا دعى إلى فعل الخير وهو لا يريد أن يفعله يقول : حلفت بالله ألا أفعله فنهاهم الله - تعالى - عن سلوك هذا الطريق .

وهذا المعنى هو الذي رجحه كثير من المفسرين لأنه هو المناسب لما يجئ بعد ذلك من قوله - تعالى - : { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } ووجه المناسبة أن الله - تعالى - يكره للمؤمن أن يجعل الحلف به مانعاً من رجوعه إلى أهله؛ ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض من حلف على ترك أمر من أمور الخير أن يكفر عن يمينه وأن يأتي الأمر الذي فيه خير ، ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني والله إن شاء الله ، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلللتها " .

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " .

وشبيه بهذه الآية في النهي عن الحلف على ترك فعل الخير قوله - تعالى - في شأن سيدنا أبي بكر عندما أقسم ألا ينفق على قريبه الذي خاض في شأن ابنته عائشة { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت هذه اليمين ما نعة من فعل الخير .

واللام في قوله : { لأَيْمَانِكُمْ } متعلق بعرضة ، وقوله { أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ } مفعول لأجله أي : لا تجعلوا الحلف بالله سبباً في الامتناع عن عمل البر والتقوى والإِصلاح بين الناس .

والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التي تتعرض للسهام : لا تجعلوا - أيها المؤمنون - اسم الله - تعالى - هدفاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل ، وذلك لأجل البر والتقوى والإِصلاح بين الناس ، فإن من شأن الذي يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأيمانه ، وقد ذم الله - تعالى - من يكثر الحلف بقوله { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } وأمر بحفظ الأيمان فقال : { واحفظوا أَيْمَانَكُمْ } قال الإِمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان ، أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ، ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين ، وأيضاً كلما كان الإِنسان أكثر تعظيما لله . كان أكمل في العبودية ، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله - تعالى - أجل وأعلاه عنده من أن يستشهد به في غرض دنيوي ، وأما قوله بعد ذلك { أَن تَبَرُّواْ } فهو علة لهذا النهي . أي : إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا - أي عن الإِكثار من الحلف - لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإِصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان - بررة أتقياء مصلحين " .

وهذا الوجه أيضاً استحسنه كثير من العلماء ، ولا تنافى بينهما؛ لأن الله - تعالى - ينهانا عن أن نجعل القسم به مانعاً من فعل الخير ، كما ينهانا في الوقت نفسه عن أن نكثر من الحلف به في عظيم الأمور وحقيرها .

ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي : سميع لأقوالكم وأيمانكم عند النطق بها عليم بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم لتنالوا رضاه ومثوبته .<!--[if !supportFootnotes]-->[5]

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- تاج العروس من جواهر القاموس - (28 / 206 ـ 209)

<!-- القاموس المحيط - (1 / 833)

<!-- تفسير القرطبي - (6 / 264)

<!-- تفسير القرطبي - (3 / 97)

<!-- الوسيط لسيد طنطاوي - (1 /399، 400)

 

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 193 مشاهدة
نشرت فى 25 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,574