التوبة أول الطريق إلى الله تعالى
أبوحسام الدين الطرفاوي
ارجع إلى ربك أيها العبد قبل فوات الأوان ، فطريقك الذي سلكته مسدود ، لا تجني منه غير الحيرة والألم بعد اللذة والنعم ، شهوة زائلة في لحظات ، وهم دائم ساعات ، كلما ازددت سيرا في الطريق فتح لك الشيطان شبعا ووديان من الشهوات والملذات ، يمنيك كلما اكتشفت الزلل ، أن هذا الطريق أفضل ، وشوهته ألذ وأدوم ، فتسير قاطعا من عمرك سنين . وربك إليك ناظر ، وعنك حالم ، رؤوف بك ، يناديك بكلام دائم تسمعه من أفواه عباده في كل حين ، وتقرأه في الصفحات : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }[التحريم : 8]
ويقول لك : { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)} [الزمر : 53 - 56]
فأنت أيها العبد راجع إلى ربك لا محالة ، لكن قبل أن ترجع صفرا اليدين خائبا ، محملا بالذنوب والخطايا قائلا : { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }، ارجع وأنت ذليل لمولاك طائعا مختارا ، وقد أحبك الله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ }[البقرة : 222]
فرِّح ربك برجوعك إليه ، لتنال ما عنده من لذة لا تنقطع ونعيم لا ينفد (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)<!--
"كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز : أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل
ووعظ أعرابي ابنه فقال : لا الدهر يعظك ولا الأيام تنذرك والساعات تعد عليك والأنفاس تعد منك أحب أمريك إليك أردهما بالمضرة عليك
ووجد على حجر مكتوب : ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك ولرغبت في الزيادة في عملك ولقصرت من جهلك وحيلك وإنما يلقاك ندمك إذا زلت قدمك وأسلمك أهلك وحشمك وباعدك الولد القريب ورفضك الولد والنسيب فلا أنت إلى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة
وقف قوم على راهب فقالوا : إنا سائلوك أفمجيبنا أنت ؟ فقال : لا تكثروا فإن النهار لم يرجع والعمر لن يعود والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد فقالوا : ما على الخلق غدا عند مليكهم ؟ قال : على نياتهم قالوا : فأنى الموئل ؟ فقال : إلى المقدم قالوا : فأوصنا قال : تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما بلغ البغية"<!--
لست خيرا من خير الخلق صلى الله عليه وسلم ، وهو دائم الرجوع إلى ربه تائبا خاضعا ذليلا شاكرا لأنعمه حاثا الناس جميعا على التوبة حيث قال : (يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)<!--
إذا أردت الفرار أيها العبد الضعيف بعدما شعرت بالخوف والتتبع ففر إلى خالقك تجد عنده الأمان والسكينة { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } [الذاريات : 50]
لكن لا تفر من ذنب إلى ذنب ، ولا تفر من شيطان إلى آخر ، فلن تجد غير الهم والحزن واليأس والشجن . وإنما فر من ذنب إلى طاعة ، ومن غفلة إلى ذكر تجد الطمأنينة والأمان { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }[الرعد : 28]
وإذا أردت المتاع الحسن الحقيقي وليس المزيف فعليك أيها العبد بالتوبة وإن كان ظاهر طريها الأشواك ، ففي باطنها رحمة العباد ، ولا تغتر بزينة المعاصي وبهرجتها فهي خضرة في الظاهر حنظل في الباطن ، قال ربك العلي :{ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود : 3]
ولا تسوف أيها العبد وتقول : وسوف أتوب !! فهذه حماقة ما بعدها حماقة ، فإنك لا تدري يا مسكين متى يقضى أجلك وينتهي عمرك ، ربما قبل أن تنطق بالتسويف يأتيك قابض الأرواح غير آسف عليك . {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } [الأنعام : 44]
ولا توبة عند الغرغرة :{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) }[النساء : 17 ، 18]
واعلم أن بابه مفتوح لا يلقه في وجه أحد وليس حكرا على أحد ولا واسطة بين الخلق والخالق فلو طرقت بابه في أي لحظة من ليل أو نهار في ظلمة أو نور أجابك على الفور :{ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة : 186]
يبسط إليك يده بالليل والنهار لترجع ويفرح بك ، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر الليل ينادي : (
هل من مستغفر هل من تائب هل من سائل هل من داع)<!--
كيف تتوب؟
ربما تسأل أيها المذنب : كيف أتوب ؟ كبف أرجع إلى ربي بعد طول فراق وبعد ،
الاعتراف بالذنب أول منازل التوبة ، والندم عليه ثانيها، والإقلاع عنه ثالثها، والعزم على عدم العود إليها رابعها ، وطلب المغفرة مع التذلل خامسها
ويجمع كل هذا قول آدم عليه السلام وزوجه : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف : 23]
وقول موسى عليه السلام لما قتل القبطي خطأ : { إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص : 16]
وقول ملكة سبأ : { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل : 44]
وقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم :
( إن عبدا أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت فاغفر لي
فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ؟ غفرت لعبدي
ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا فقال رب أذنبت آخر فاغفره .
فقال : أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ؟ غفرت لعبدي
ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا قال: رب أذنبت آخر فاغفره لي
فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ؟ غفرت لعبدي ثلاثا فليعمل ما شاء )<!--
فالندم : نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب
والترك : خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء
والاعتراف : تحطيم لقوى الشيطان في صدر العبد
والعزم : بطولة وفتوة لا يهم بها إلا من باع نفسه لله
وطلب المغفرة : ذل يقهر الشيطان.
وقال سبحانه وتعالى : { فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء : 25]
قال سهل ابن عبد الله التسترى: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال.
<!--[if !supportFootnotes]--><!--[endif]-->
<!-- صحيح مسلم (4 / 2099) من حديث أبي هريرة
<!-- من كتاب الياقوتة لابن الجوزي (ص / 115)
<!-- صحيح مسلم ـ (4 / 2075) من حديث ابن عمر
<!-- صحيح مسلم (1 / 521) من حديث أبي مسعود وأبي هريرة
<!-- صحيح البخاري (6 / 2725) من حديث أبي هريرة



ساحة النقاش