الحقيقة مفهومها وأقسامها

أبوحسام الدين الطرفاوي

المبحث الأول

تعريف الحقيقة

أولا : التعريف اللغوي :

"الحقيقة" من قولنا: "حَقَّ الشيء" إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقَّق وهو المُحْكَم، تقول: ثوب محقَّق النَّسْج أي مُحْكَمُه. قال الشاعر:

تَسرْبلْ جِلدَ وجهِ أبيك إنّا ... كَفيناكَ المحقَّقَةَ الرِّقاقا

وهذا جنس من الكلام يُصدِّق بعضُه بعضاً من قولنا: "حَقٌّ وحقيقة. ونصُّ الحِقاق". فالحقيقة: الكلام الموضوع موضِعَه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير، كقول القائل: "أحمدُ اللهَ على نِعَمِهِ وإحسانه". وهذا أكثر الكلام . اهـ(<!--)

فيقال : حققت الأمر أحقه : إذا تيقنته أو جعلته ثابتا لازما.

وفي لغة بني تميم أحققته (بالألف) وحققته (بالتثقيل) مبالغة ، وحقيقة الشيء : منتهاه وأصله المشتمل عليه، وفلان حقيق بكذا : بمعنى خليق ، وهو مأخوذ من الحق الثابت .(<!--)

والحقيقة هي إما ( فعيل ) بمعنى فاعل من ( حق الشيء ) إذا ثبت ، ومنه :( الحاقة) ؛لأنها ثابتة كائنة لا محالة ، وإما بمعنى ( مفعول ) من ( حققت الشيء ) إذا أثبته ، فيكون معناها الثابتة والمثبتة في موضعها الأصلي.اهـ(<!--)

والحَقِيقَةُ ما يصير إليه حَقُّ الأمر ووجُوبُه وبلغ حقيقةَ الأمر أي يَقِينَ شأْنه .

والحقيقةُ ما يَحِقّ عليه أن يَحْمِيه وجمعها الحَقائقُ والحقيقةُ في اللغة ما أُقِرّ في الاستعمال على أصل وضْعِه والمَجازُ ما كان بضد ذلك وإنما يقع المجاز ويُعدَل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة وهي الإتِّساع والتوكيد والتشبيه فإن عُدِم هذه الأوصافُ كانت الحقيقة البتَّةَ .اهـ(<!--)

والحقيقة : هي التطابق لما عليه الشيء في نفسه.

قال المناوي : والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود وتارة في الاعتقاد وتارة في العمل وتارة في القول انتهى.

 وفي "المصباح" : حق الشيء وجب وثبت ولهذا يقال لمرافق الدار حقوقها

 وحقت القيامة : أحاطت بالخلائق

 وحقت الحاجة : نزلت واشتدت

 وحققت الأمر وتحققته : تيقنته وجعلته ثابتا لازما

 وحقيقة الشيء : منتهاه وأصله المشتمل عليه

 وزيد حقيق بكذا : خليق به ، مأخوذ من الحق الثابت

والحقيقة اسم لما أريد به ما وضع له ، فعيلة في حق الشيء إذا ثبت بمعنى فاعلة ، أي حقيق ، والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كما في العلامة لا للتأنيث اهـ(<!--)

والحقيقة : ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة.(<!--)

ومن مجموع هذه المعاني اللغوية لكلمة "الحقيقة" يتبين أنها تطلق ويراد بها أحد المعاني الآتية :

(أ)  الوجوب ، والثبوت ، واللزوم ، والوقوع .

(ب) الإحكام ، والصحة ، والإتقان ، والجودة ، والحسن .

(ج)  غاية الشئ ، ومنتهاه ، وأصله ، وماهيته .

(د)  التيقن ، والجزم ، والقطع(<!--)

فعند النظر إلى معاني الحقيقة كما وردت عند أهل اللغة نستطيع أن نخرج بتعريف شامل لذلك وهو : الحقيقة هي : اللفظ المطابق للوضع .

فاللفظ يشمل المفرد والمركب

والمطابق : الموافق المتفق

والوضع : المقصود به : الهيئة التي عليها الشيء ، وهنا جعل اللفظ بإزاء المعنى

فعندما أقول : محمد رسول الله

فهذا لفظ مركب مطابق للوضع دون خلل أو شك .

وعندما أقول : شجرة العنب

فهو لفظ مطابق للوضع لما يطلق على هذه الشجرة

وعندما أقول : أنا بشر ، فهو لفظ مطابق للوضع الذي خلقت عليه

وعندما أقول : صلاة الظهر فرض

فهو لفظ مطابق للوضع الذي به فرضت ، وهكذا .

الفرق بين الحق والحقيقة :

 الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة حسنا كان أو قبيحا.

 والحق ما وضع موضعه من الحكمة فلا يكون إلا حسنا وإنما شملهما اسم التحقيق لاشتراكهما في وضع الشئ منهما موضعه من اللغة والحكمة(<!--)

ثانيا : التعريف الاصطلاحي

من خلال التعريف اللغوي وكلام أهل العلم نستطيع أن نخرج بتعريف للحقيقة في الاصطلاح يتوافق عليه الجميع . في المعنى بين أهل الأصول وأهل اللغة وأهل المنطق.

فمن خلال ما تقدم ذكره في المعاني اللغوية نجد أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عنها بحال .

فنجد : أن ابن منظور وغيره عرفها بأنها : "ما أُقِرّ في الاستعمال على أصل وضْعِه"

ونجد القزويني الرازي يعرفها بقوله : "الكلام الموضوع موضِعَه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير "

ونجد الكفومي يعرفها بقوله  هي : "الثابتة والمثبتة في موضعها الأصلي"

وعرفها المناوي بقوله : "الكلمة المستعملة فيما وضعت له"

هذه تعريفات أهل اللغة

وأما تعريفات أهل الأصول

قال البركتي : الحَقِيقَة هيَ : اسْم لما أُرِيد بهِ مَا وضع لهُ ، أو كل لفظ يبْقى على مَوضُوعه. اهـ(<!--)

قوله : " اسم " يقصد به اسم الحقيقة

قوله : "لما أريد به" يخرج ما لم يراد به شيئا كاللفظ المهمل

قوله : "ما وضع له" أي في أصل استعماله .

قوله :" أو كل لفظ يبْقى على مَوضُوعه"يعني ما استعمل فيه من غير إرادة غيره .

مثل الفأر : يطلق على هذا القارض الصغير .

ومثل الفيل : يطلق على هذا الحيوان الضخم الكبير وفي مقدمته خرطوم طويل .

ومثل إنسان : يطلق على كل بشر من بني آدم ،وهكذا .

وقال علاء الدين البخاري الحنفي : الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع ، كاستعمال الأسد في الهيكل المخصوص فلفظ الأسد موضوع له بالتحقيق ولا تأويل فيه .اهـ(<!--)

فقوله :  "الكلمة المستعملة" تخرج الإشارة ، وتخرج الكلمة المهملة

قوله : " فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع" أي في استعمالها الأصلي

وقال ابن الهمام : الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له. اهـ(<!--)

وقال الزركشي : وتطلق ويراد بها المستعمل في أصل ما وضعت له في اللغة، وهو مرادنا.اهـ(<!--)

وكذلك كان قول الشوكاني(<!--)

في حين أضاف الآمدي إضافة تجمع بين أقسام الحقيقة فقال : " الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب "(<!--)

وعلى ذلك سار تقي الدين السبكي(<!--)

فقول الآمدي : " فيما وضع له أولا" أي الوضع الأول الذي استعملت فيه الكلمة دون انتقال إلى وضع آخر بتأويل وغيره .

وقوله : " في الاصطلاح الذي به التخاطب" أي في وقت الخطاب به ، وهو المراد من اللفظ عند النطق به .

وقال الخطيب القزويني :

الحقيقة فهي إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.

والمراد بمعنى (الفعل) نحو المصدر واسم الفاعل ، وقولنا : (في الظاهر ) ليشمل ما لا يطابق اعتقاده مما يطابق الواقع وما لا يطابقه . اهـ(<!--)

وهو هنا ذكر الفعل ويريد به اللفظ كما بين ،  فهو يدخل في باب الفعل ، وإلا فإن الفعل وهو حركة الجسد لا علاقة له بالبحث .

الخلاصة في التعريف الاصطلاحي:

من خلال ما تقدم من مقارنة بين اللغويين والأصوليين نجد أن تعريف الحقيقة مقارب ، وأنه : اللفظ المستعمل فيما وضع له عند التخاطب .

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

أقسام الحقيقة

 

عند النظر إلى استعمالات اللفظ نجد أن المعنى المراد يختلف من استعمال لآخر بحسب ما درج عليه الناس .

فعند الاستعمال اللغوي نجد اللغة العربية لها أساليب شتى في التعبير عن الحقيقة كالاستعارة والكناية والتشبيه والعام والخاص والمشترك والمجمل والمبين وغير ذلك من الأساليب التي درجت عليها اللغة في استعمال اللفظ في وضعه .

وكذلك عندما نقارن بين الوضع اللغوي للفظ والوضعي العرفي الذي تعارف عليه الناس نجد أن اللفظ قد يكون له استعمال في العرف على غير الاستعمال في اللغة ، وبه يتعامل الناس فيما بينهم .

وعندما ورد الشرع وجدنا ألفاظا في اللغة لها استعمالات في الشرع خاصة ، فقد يراد بها الحقيقة اللغوية وقد لا يراد ، وقد تكون جزءا من الحقيقة اللغوي وقد لا تكون .

ومن هنا كان تقسيم العلماء الحقيقة إلى ثلاثة أقسام : حقيقة لغوية ، وحقيقة شرعية ، وحقيقة عرفية

القسم الأول : الحقيقة اللغوية

أولا: تعريفها

وهي : اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة .

واللغة لها تعريفات عند أهل العلم :

فهي عند ابن جني  : أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم.(<!--)

وقال ابن الحاجب في "مختصره" : حدُّ اللغةِ كلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنى.

وقال الأسنوي في "شرح منهاج الأصول" : اللغاتُ: عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعةِ للمعانِي.(<!--)

أمثلة على ذلك : لفظ الصلاة ، حقيقتها في اللغة هي الدعاء

الزكاة : حقيقتها اللغوية النماء

الحج : حقيقته اللغوية القصد

الدابة : حقيقتها اللغوية كل ما يدب على الأرض

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها للقزويني الرازي (ص: 149)

<!-- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (1/ 144)

<!-- كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى (ص: 557)

<!-- لسان العرب (10/ 49)

<!--  كتاب التوقيف على مهمات التعاريف لعبد الرؤوف المناوي (ص:288، 289) باختصار

<!-- معجم الفروق اللغوية (ص: 178)

<!-- أنظر بحث المجاز عند الأصوليين للدكتور عبد الرحمن السديسي

<!-- معجم الفروق اللغوية (ص: 194)

<!-- قواعد الفقه (ص: 267)

<!-- كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (1/ 62)

<!-- فتح القدير للكمال ابن الهمام (10/ 104)

<!-- البحر المحيط في أصول الفقه (3/ 5)

<!-- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (1/ 74)

<!-- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 28)

<!-- الإبهاج في شرح المنهاج (1/ 271)

<!-- الإيضاح في علوم البلاغة لخطيب القزويني (ص: 27)

<!-- قاله ابن جني في الخصائص،  أنظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي(1/ 11)

<!-- انظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها (1/ 12)

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 3302 مشاهدة
نشرت فى 23 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,579