الدرس الثالث من دروس شرح الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب
أبوحسام الدين الطرفاوي
نبدأ بعون الله فنقول : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ.
المقصود بالعمل هنا هو الامتثال بالتكاليف الشرعية سواء كانت بالترك أو الفعل قال تعالى : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]
وقال تعالى : {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]
وقال تعالى : {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم: 31]
وقال تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]
قال ابن جماعة - رحمه الله -: ( حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله - تعالى - والعمل به، وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه، والقرب من الله - تعالى - يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله، قال سفيان الثوري: (ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي)
فالعمل بالعلم هو من أصول الإسلام
ثم بعد العمل تكون الدعوة إلى هذا العلم لأن الدعوة إلى لم يجربه الإنسان ولم يذق حلاوته وطعمه ولم يدخل في معتركه لا يكون ذا تأثير وكما قيل : ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة
والدعوة إلى دين الله تعالى لها شرف عظيم لمن انتظم هذا الطريق وكان من أهله ، وهي مهمة الأنبياء والرسل
والدعوة إلى دين الله تعالى فرض كفائي إذا قام به بعض الناس سقط الإثم عن باقي الأمة، ومن لم يقم به في مكانه أثم الناس جميعا قال تعالى :{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]
وقال اله تعالى على لسان نبيه : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]
فالدعوة إلى اله تعالى يشترط فيها أخلاص النية لله تعالى والعلم بما يدعو إليه الإنسان وهو البصيرة والحكمة في الدعوة وهو وضع الأمور في مكانها الصحيح فيغضب في مكان الغضب ويلين في مكان اللين
والأصل في الدعوة إلى الله تعالى هو اللين لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»<!--
وقال صلى اله عليه وسلم : إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه "<!--
فالداعي إلى الله تعالي يسير على طريق الأنبياء والمرسلين وما أعظمها من مهمة
وعلى الداعي إلى الله أن لا ينظر إلى نتيجة دعوته ، ولكن ينظر إلى صحة دعوته فنحن نعمل وفق ما أمرنا الله به وليس علينا إدراك النتيجة
فالهداية بيد الله تعالى وهو اعلم بقلوب عباده
قال تتعالى لنبيه : {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [البقرة: 272]
وقال تعالى : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [القصص: 56]
وعلى الداعية أن لا يغضب ولا يحزن بإعراض المعرضين وعدم استجابتهم
قال تعالى لنبيه : {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام: 35]
ومن يغضب لإعراض الناس عنه أو تركهم له أو معارضتهم إياه ففي فهمه للدين خطأ وعليه بإصلاح باطنه
ثم قال الشيخ الإمام رحمه الله : المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ.
الصبر معناه في اللغة هو الحبس ، وهو حبس النفس عن الجزع أو التشكي
والصبر قد ورد في القرآن ذكره أكثر من مائة مرة دليل على عظم شأنه
قال تعالى : {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115]
وقال لقمان لابنه : {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [لقمان: 17]
وقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]
وقال صلى الله عليه وسلم : (ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر)<!--
والصبر ثلاثة أقسام صبر على الطاعة وهو الثبات عليها ومداومتها وهذا يتأتي بتدريب النفس عليها ، والإنس بها والسعادة بالدخول فيها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : (أرحنا بها يا بلال)<!--
ثم الصبر عن معصية الله ، فكما هو معلوم أن الجنة حفت بالمكاره ، والنار حفت بالشهوات ، والشيطان يقف لابن آدم في طريق الطاعة ويحول بينه وبينها ، ويزين له طريق المعصية.
فالصبر عن المعصية يتأتي بتدريب النفس أيضا على ذلك
والثالث : الصبر على البلاء والبلاء معرض له الإنسان دائما وخاصة إذا سلك طريق الإيمان قال تعالى : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } [العنكبوت: 2، 3]
والنبي صلى الله عليه وسلم قال : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صُلْبًا اشتد بَلاَؤُهُ وإن كان فى دينه رِقَّةٌ ابْتُلِىَ على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى على الأرض وما عليه خَطِيئَةٌ)<!--
والمقصود بالبلاء شيئان : تثبيت المؤمن الصادق وفضح الكاذب المنافق
ولذلك قاعدة : إن الله يبتلي عبده المؤمن ليثبته ويبتلى المنافق ليفضحه
فالإنسان في طريقه للعلم يحتاج إلى صبر وتصبر عليه ؛ لأن الشيطان له بالمرصاد ويحول بينه وبين طلب العلم ويجلب عليه كل شيطان ليمنعه قال تعالى : {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) } [الأعراف: 16 - 18]
وقال تعالى : {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64]
فلذلك عليه أن يصبر ويتصبر، وكذلك الإنسان حين يقوم بالعمل بهذا العلم فإنه فيتركه المعصية وفعله الطاعة يواجه صعوبات نفسية وخارجية فيحتاج أن يثبت على ذلك حتى يثبته الله تعالى
وكذلك في دعوته إلى هذا العلم يلاقي من الناس أذى وإعراضا واستهزاء وغير ذلك مما يحزن النفس فعليه بالثبات وحبس النفس عن الجزع حتى يثبته الله تعالى
أما كيفية تدريب النفس على الصبر فيكون بالاتي :
1ـ لا يكلف الإنسان نفسه من العمل ما لايطيق فعليه بأن يقوم بعمل الواجبات الشرعية أولا بحسب استطاعته 2ـ ينتقل إلى التدرج في رفع مستواه العملي من خلال الزيادة بتدرج
3ـ يعيش سعادة العبادة فيكن مع ربه بقلبه وفكره وعقله
أما ضعف الهمة لها علاج منها : التفكر في آيات الله تعالى بعد معرفة التفسير فيقرأ الإنسان آية ثم يعرف تفسيرها ثم يفكر فيها ، وكذلك الحديث لا يقرأ بمجرد القراء وإنما يقرأ بفكر وتدبر ومعرفة الفوائد التي تعود على الإنسان من فهمه للآيات والأحاديث
ومنها : قراءة سير العلماء والدعاة والصالحين
ومن أسباب ضعف الهمة في تعلم القرآن
أننا نسير خطأ في تعلم القرآن فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : خيركم من تعلم القرآن وعلمه ولم يقل خيركم من حفظ القرآن وحفظه
وتعلم القرآن يكون بالحفظ أولا ، ثم بمعرفة مراد الله ثانيا، ثم بالعمل به ثالثا ، ثم بالدعوة إليه رابعا ، ثم بالصبر خامسا.
عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان وابن مسعود وأبيّ ـ رضي الله عنهم ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر "آيات" فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
<!-- صحيح مسلم (4/ 2004) من حديث عائشة رضي الله عنها
<!-- صحيح مسلم (4/ 2003) من حديث عائشة رضي الله عنها
<!-- صحيح البخاري (2/ 534) من حديث أبي سعيد الخدري
<!-- سنن أبي داود ت الأرنؤوط (7/ 338) وسنده صحيح
<!-- أخرجه الطيالسى (ص 29، رقم 215) ، وأحمد (1/172، رقم 1481) ، وعبد بن حميد (ص 78، رقم 146) ، والدارمى (2/412 ، رقم 2783) ، والترمذى (4/601، رقم 2398) وقال : حسن صحيح . وابن ماجه (2/1334،
رقم 4023) ، وابن حبان (7/161، رقم 2901) ، والحاكم (1/100، رقم 121)



ساحة النقاش