الدرس الرابع من شرح الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب

أبوحسام الدين الطرفاوي

وصلنا في الدرس الماضي عن قول الشيخ الإمام رحمه الله :

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم:{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} سورة العصر كاملة. قَالَ الشَّافِعيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ.اهـ

فاستدل الشيخ رحمه الله على المسائل الأربعة بسورة العصر فالإيمان يشمل العلم والعلم يشمل العمل بالعلم والتواصي بالحق يشمل الدعوة إلى العلم والتواصي بالصبر يشمل الصبر على الأذى

وسورة العصر آياتها قليلة ولكنها حوت الإسلام كله ولذا قال الشافعي : لو لم ينزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم

وهذا منه رحمه الله فهم واسع للقرآن ودليل على فقهه العظيم

بدأت السورة بالقسم : والعصر الواو واو القسم وحروف القسم  ثلاثة الواو فنقول : والله ، والتاء فنقول: تالله ، والباء فنقول: بالله

وهي في النحو حروف جر للأسماء

العصر له تفسيران الأول : هو وقت العصر المعروف واقسم الله به لمكانة هذا الوقت العظيم ومكانة صلاة العصر فقد خصصها بالاهتمام والحفظ فقال سبحانه : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]

والصلاة الوسطي هي صلاة العصر وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تركها فقال : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)<!--

والمعنى الثاني : أن المقصود بالعصر هو الوقت ذاته

وهذا لفضل الوقت إذ هو حياة الإنسان

وضياعه ضياع حياة الإنسان فلابد وأن يضيعه الإنسان فيما يفيد من العلم الشرعي

قال صلى الله عليه وسلم :

(لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم)<!--

فالوقت هو العمر ولذا قال تعالى : {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ }والإنسان يشمل الجن والإنس لأن المخاطب ابتداء هو الإنسان والجن تبعا له إذا هو مكلف كالإنسان

وسمى الإنسان إنسانا لأنه يميل بفطرته إلى الاجتماعية والإنس بغيره من البشر

وأتى الله تعالى بحرف (إن ) ألذي يفيد التوكيد؛  إذا أن الإنسان مؤكد أنه في خسران،  وكلمة الإنسان بالتعريف يفيد العموم أي كل إنسان خاسر والخسران يشمل الدنيا والآخرة

والخسران عكس الربح ولذا جاء بالاستثناء في قوله : {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}

والاستثناء يكون دائما الجزء من الكل ؛ أي القليل من الكثير ؛ لذلك هذه الآية تدل على أن أكثر الناس خاسرون في الدنيا والآخرة ، ولذا قال الله تعالى : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243]

وقال تعالى : {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]

وقال تعالى : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187]

وقال تعالى : {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17]

وقال تعالى : {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف: 103]

فصار القليل هم أهل الإيمان والتقوى

وهم الرابحون في الدنيا والآخرة وهم الذين يتصفون بهذه الصفات الإيمان العلم الصالح التواصي بالحق التواصي بالصبر

ثم قال الشيخ رحمه الله

وَقَالَ البُخَارِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ )[محمد:19]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ (قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ ) اهـ

وهذا من فقه البخاري رحمه الله فقد ألف كتابه المختصر الصحيح في خمسة عشرة سنة وبوبه على حسب أبواب الفقه ، وبين فيه مذهبه العقدي ومذهبه الفقهي رحمه الله

 

فقسمه إلى أكثر من 96 كتابا أولها بدء الوحي وآخرها التوحيد

وقسم الكتب إلى أبواب وأحيانا يقسم الأبواب إلى مسائل

قال البخاري  في كتاب العلم :

باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]. فبدأ بالعلم

( وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم من أخذه بحظ وافر ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (

 وقال جل ذكره : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وقال : {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] . وقال : {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] . وقال : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيرا يفقهه ) . و ( إنما العلم بالتعلم (

 وقال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها

 وقال ابن عباس { كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]، حلماء فقهاء ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره اهـ <!--

فلا يمكن للإنسان أن يقول قلا صحيحا إلا إذا علمه ولا يمكن للإنسان ن يعمل عملا صالحا إلا إذا علمه

ثم أتى بالدليل على ذلك الآية : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] فقد قدم العلم على العمل وهو الاستغفار

يعني لا يكون العمل إلا بعد العلم والعلم يشمل هنا الإيمان والعلم به ، وبه العمل الصالح

من هنا انتهينا من المسائل الأربعة وسنبدأ بالأصول الثلاثة . <!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- صحيح البخاري -(1/ 203) من حديث بريدة

<!-- سنن الترمذي (4/ 612) من حديث ابن مسعود

<!-- صحيح البخاري - (1/ 37)

 

siefnaser

بالعلم والعزيمة تحل كل المشاكل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 38 مشاهدة
نشرت فى 23 مارس 2014 بواسطة siefnaser

ساحة النقاش

سيف النصر علي عيسى

siefnaser
الموقع يهدف الى نشر العلم الصحيح مع طرح قضايا المجتمع ووضع حلول لها وفق الشريعة والعرف »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,581