الدرس الثاني من شرح الأصول الثلاثة للشيخ الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
أبوحسام الدين الطرفاوي
قال الشيخ رحمه الله : اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ:
بدأ بكلمة (أعلم ) لأن العلم هو أساس كل شيء فلا اعتقاد إلا بعلم ولا قول إلا بعلم ولا عمل إلا بعلم قال تعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [محمد: 19
وقد قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم : باب العلم قبل القول والعمل
فمن هنا يجب على كل إنسان أن لا يسكن متحركا ولا يحرك ساكنا إلا بعلم ويجب عليه أن لا يتكلم في دين الله تعالى بمجرد رأيه وهواه ، وقياسه العقلي واعتماده على فتاوى وكلام غيره بل يجب عليه أن يتحرز من هذا كله فلا يتكلم إلا بعلم
قال تعالى : {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]
وهذا أصل عظيم من أصول الإسلام ضيعه الكثير من الشباب
وتطاول الجميع على دين الله تعالى بالإفتاء والتنظير
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في النبوات (ص: 42( :وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد أصول الإسلام أربعة دال ودليل ومبين ومستدل فالدال هو الله والدليل هو القرآن والمبين هو الرسول قال الله تعالى لتبين للناس ما نزل اليهم والمستدل هم أولو العلم وأولو الألباب الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم
ولكي نطبق هذا الأصل على أنفسنا لابد من أن نتدرب عليه فإذا ما سئلنا عن مسألة نتوقف وننظر في محاور الأول : الإحاطة علما بتصور المسألة تصورا كاملا
الثاني : العلم بالدليل الشرعي
الثالث : العلم بالآلة التي يفهم من خلالها
الدليل الرابع : إدراك المصلحة والمفسدة قبل النطق بالجواب
ولا يفوتنا أن ندرب أنسفنا على قول : لا ادري ، لا اعلم ، الله اعلم
فلا أدري نصف العلم كما قال الشعبي وغيره
المحور الأول : التصور ، فإذا مثلا سئل الإنسان عن رجل طلق زوجته ماذا يفعل ؟ فعلى المفتي أولا : أن يسأل عن كيف وقع الطلاق وما هي الألفاظ التي قيلت وما هي الحال التي وقع فيها الطلاق والوقت الذي وقع فيه الطلاق لأن من القواعد الثابتة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره
ثم بعد لابد وأن يكون عارفا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع
ثم لابد وأن يكون لديه علم الآلة الذي يساعده على فهم هذه الأدلة وكيفية إيقاعها على الواقعة وهي علم أصول الفقه وعلم العربية وعلم الحديث وعلوم القرآن والتفسير
ثم بعد ذلك ينظر في فتاواه هل النطق بها يجلب مصلحة أو يجلب مفسدة فإذا كان يجلب مصلحة يتكلم وإذا كان يجلب مفسدة لا يتكلم أو يختار من كلامه ما وافق المصلحة لان الشرع إنما جاء لدرء المفاسد وجلب المصالح
ثم قال الشيخ الإمام رحمه الله : (تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ)
وقد نكر الكلام هنا حتى لا يحصر العلم في هذه المسائل الأربع وإنما ذكرها لأهميتها ومكانتها من الدين
ثم قال رحمه الله:
(المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ
. المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.
المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ .اهـ)
هذه المسائل الأربع التقطها الشيخ من كلام ابن القيم رحمه في كلامه عن جهاد النفس فقال رحمه الله في زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 9):
فصل مراتب جهاد النفس
إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين
. فجهاد النفس أربع مراتب أيضا: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله اهـ
فقول الشيخ رحمه :
المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ.
فقد حصر العلم في ثلاثة أشياء معرفة الله ومعرفة رسوله ، وهو علم العقيدة في الجملة والثاني : معرفة دين الإسلام بالأدلة ، والمقصد معرفة الأحكام الشرعية بالأدلة الشرعية
والعلم علمان : علم لا يتطلب عمل وعلم يتطلب عمل ومن هنا كان التوحيد قسمان : توحيد المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات
وتوحيد القصد والطلب وهو توحيد الإلوهية فالأول : لا يتطلب عمل والثاني يتطلب عمل من فعل المأمور بحسب استطاعته وترك المنهي عنه وهذا يسمى مقتضيات التوحيد
وهذا العلم يوجد في كتب العقيدة وكتب الفقه وكتب الأخلاق



ساحة النقاش