هيا بنا نبني بلادنا
الكاتب أبوحسام الدين الطرفاوي
الأصل أن الانسان خلقه الله تعالى لإعمار هذه الأرض ، ولم يخلقه للتنافس على سلطة أو منصب اجتماعي ، بلد الأصل أن السلطة أو المنصب هي التي تأتي من يستحقها أو من لا يستحقها .
قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]
فالله تعالى جعل البشر خلفاء في الأرض ، ولم يخلقهم لسفك الدماء والافساد في الأرض ، وهذا رد على الملائكة حين قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فكان جواب الله تعالى عليهم : { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي أن الله تعالى ما خلق آدم وذريته في الأرض لأجل ذلك ، وإن كان سيصدر منهم ذلك ، وهذا بين في كلام الملائكة .
وقد أهبط الله تعالى آدم الى الأرض ليعمرها وسخر الله تعالى له كل شيء يعينه على اعمار هذه الأرض فقال تعالى : {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36]
{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)} [الأعراف: 24 - 26]
والمستقر لابد له من أدوات الاستقرار ، وأخبره تعالى أن هذا الاستقرار لن يدون أبدا بل هو لفترة محدودة ثم تنتهي وبعدها تكون حياة أبدية .
ثم حذرهم من أن يقطع الشيطان عنهم الاستقرار بفتنتهم عن الطريق الذي شرعه الله لهم ليصلوا إلى بر الأمان وهو الجنة . فقال تعالى : {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]
وخفاء العدو يزيد الإنسان حرصا وحذرا من أن ينزلق في طريق الخطأ . ثم جعل الله تعالى بني آدم يخلف بعضهم بعضا في إعمار هذه الأرض فكل جيل يسلم الراية للجيل الذي بعده ويعمل لأجله فقال تعالى : {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأنعام: 165]
أي يخلف بعضكم بعضا في عمارة هذه الأرض . فمن أفسد فيها وظلم فإن الله تعالى يستبدل بهم غيرهم ممن يأتون لهذه المهمة العظيمة ، فإذا استقاموا ثبتهم الله تعالى وأيدهم وثبت ملكهم وإن هم أفسدوا وظلموا وجاروا فإن الارض لله تعالى يورثها من يشاء فقال تعالى : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) } [يونس: 13، 14]
وهذه الأرض لابد وأن يعلم الإنسان أنها لله فهو سبحانه وتعالى خالقها ومالكها ، وهو يمنحها لمن يشاء من عباده فقال تعالى : {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]
ثم جعل الله تعالى الحكام خلفاء في الأرض لأن بهم يتم الإعمار بإقامة العدل والسير على منهج الله تعالى ، وعدم النظر إلى أهواء الناس حتى لا يؤدي به الى الانحراف عن المسار الصحيح فقال تعالى : {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [ص: 26]
ومن أجل إعمار الأرض فإن الله تعالى حرم أشياء على الناس والتي تؤدي بدورها الى الإفساد وتعطيل عجلة التقدم نجو هذا الإعمار . فحرم الله تعالى القتل بغير حق لأن يثير بين الناس الأحقاد والضغائن والفتن والتي بدورها تعطل عجلة الانتااج والتقدم نحو رفاهية الشعوب ، وتؤدي الى انعدام الأمن الذي بدوره هو الوسيلة للتقدم الاقتصادي من تجارة وصناعة وزراعة . وحرم الزنا لأن به تسوء طباع الناس ويحدث من وراءه الغدر والخيانة والكذب ، وكذلك أكل مال اليتيم يؤدي الى فساده وربما يخرج اليتيم ولا يجد ماله فيكون عالة على المجتمع بدلا من أن يكون ماله سببا لسعادته وسعادة الآخرين باقامة مشروعات يستفيد منها هو وغيره . وكذلك حرم الغش في الميزان لأن به ضياع الأموال ووسيلة من وسائل الخداع وعدم الشفافية بين الناس والتي هي عامل مهم في اعمار الارض . وحرم أيضا البخل لأنه به يحرم الإنسان من تعاون الآخرين معه فالبخيل يحرم نفسه أولا ويحرم الآخرين ثانيا ، وكذلك حرم الله الإسراف في انفاق المال لأن به ضياعه ، وكل هذه عوامل تهدم اقتصاد البلاد وتعطل مسيرة الاصلاح فيها ومسيرة البناء والتقدم ، وأيضا حرم الله تعالى الكلام في أي شيء بغير علم لأن الكلام بغير علم فيه تضليل الناس وفقدان للثقة بينهم حينما يعرفوا كذب من تكلم بغير علم ولا معرفة ، فكل من تكلم في مجال من المجالات لابد وأن يكون عالما به حتى لا يتأتي من وراء كلامه الفساد ، وكذلك حرم الله تعالى الكبر والخيلاء في الأرض لأنه يشغل الإنسان بنفسهم عن الانشغال بمصلحة الآخرين وهذا ضرب من الأنانية المقيتة التي تعمي صاحبها عن معرفة الحق والسير فيه ، وعن ضبابية الهدف أمامه ، فهو لا يرى إلا نفسه فقط ، جمع الله تعال كل هذا في قوله تعالى : {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) } [الإسراء: 29 - 38]
وفي القرآن كثير من هذا . وأما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرته الكثير والكثير ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت دعوته قائمة على توحيد الناس أولا على عقيدة واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك ، وبعدها أرسى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه الأخلاق الحسنة وارتقى بهم إلى أعلى درجاتها . ثم أمرهم بكل ما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم ونهاهم عما هو خطر على دينهم ودنياهم .
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باعمار الأرض ولو تأكد الإنسان من قيامة القيامة ففي حديث أنس بن مالك قال :قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فان استطاع إن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل)
فالسعي إلى زرع الأرض هو سعي لأعمارها ، ولزيادة الإنتاج الزراعي الذي هو أساس غذاء الإنسان على الأرض ، والذي عليه تقوم الصناعة والتجارة ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وحث على إحياء الأرض التي لا زرع فيها وجعل مكافأة ذلك أن تكون ملكا لصحابها يفعل بها كيف يشاء فقال صلى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضا مواتا ليست لأحد، فهي له ولا حق لعرق ظالم» ، قال عروة بن الزبير : العرق الظالم الرجل يعمر الأرض الخربة، وهي للناس قد عجزوا عنها فتركوها حتى خربت.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (من أحيى أرضا مواتا ، فهو أحق به.)
لكن الذين يتصارعون على السلطة ويسفكون الدماء ، فبدلا من ري الأرض بالماء العذب لإعمارها فهو يرويها بدماء الناس وفساد ما فيها .
فقد آن الأوان أن نكف عن هذه الثورات التي عادات بالخراب والدمار على البلاد والعباد وعطلت مسيرة الإنتاج واعمار الأرض.
فبدلا من أن نفكر كيف نثور ونتظاهر ونعتصم ونقتل ونخرب وندمر ، فلنفكر كيف نزرع ونبني وننتج ونتاجر ونصنع ونصلح ما أفسده الناس . علينا أن نعلم أن هناك أعداء يتربصون بنا الدوائر لا يريدون لنا تقدما ولا رفاهية ولا حضارة بل يريدون أن يطمسوا حضارتنا وأن يوهنوا عزيمتنا ، وأن يحولوا مسارنا الى طريق هلاكنا وليس صلاحنا .
فهيا نتجاوز هذه المحنة ونبني بلادنا ، ويشد بعضنا من أزر بعض ، ويكون اختلافنا ابداعا وليس دمار وتعطيلا ، ويكون وفاقنا انتاجا وإصلاخا . وليس كسلا وتهاونا . فمعا نبني بلادنا ، هذه رسالتي الى الشعوب التي وقعت فيها الثورات أن ينتبهوا من غفلتهم ويعودوا إلى رشدهم . أسأل الله تعالى أن يجنبا بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يجعل بلادنا سخاء رخاء إنه على كل شيء قدير .



ساحة النقاش