مقدمة على هامش التعريف .
البشمور – البشرود ، هى من القرى القديمة ، فإنه لما تكلم المقريزى فى خططه على حوادث انتفاض القبط ، على حكام الأقاليم بمصر ، وقال فى سنة 216هـ ، انتقض القبط فأوقع بهم الأفشين ([1]) ، فى ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبدالله المأمون ، ووردت فى معجم البلدان البشرود كورة من كور بطن الريف بأسلف الأرض بمصر ، وبالبحث عن موقع الناحية تبين لى أنها كانت واقعة فى أراضى ناحية سيدى غازى ( الكفر الغربى سابقاً ) بمركز كفر الشيخ ، ويدل عليها حوض البشروط المحرف عن البشرود بأراضى الناحية المذكورة.
والبشمور ، هذا الاسم المرادف للبشرود ([2]) ، وهذا الاسم كان يطلق قديماً على إقليم من أخصب الأقاليم فى شمال شرقى الدلتا ويسمية اليونان ( بيكولس – Bucolies ) ([3]) المسمى القديم لأقليم البرالسة البشامرة ، البشموريين هم أقباط تزاوجوا مع أروام (يونانيين) وكانوا يقطنون منطقه شمال الدلتا مناطق المستنقعات ويعملون فى إنتاج ورق البردى الذى كان العالم كله فى ذلك الوقت يستخدمه لتسجيل علومه ومعارفه وفى مختلف أنشطه حياته اليوميه . وهم من كانوا يعرفون بطابقات المترجمين للغات اليونانية والشرقية على حد سواء ، وقد حقق ( كترمير ) أن الأرض المسماة قديماً بالبقوليا هى المعروفة بأرض البشمور ، وهى ممتدة فى ساحل البحر غربى الفرع الدميياطى إلى بحيرة البرلس ، وقد قاومت سكانها الخلفاء زمناً طويلاً ، وكذا سلطين مصر ، وفى بعض كتب المستشرقين ، تسمية سكان البشمور باسم ( بيامى ) وهو مشتق من كلمة (بياما المصرية ) التى معناها الراعى ، وكان لهم خاصة بهم وهى لغة اهل البشمور ([4]) وقيل أن البشمور تعنى بياما المصرية ، وهى لفظه قبطيه وتعنى أربعين وذلك ان الروم لما خرجوا من مصر فى وقت دخول المسلمين تخلف منهم أربعين رجل فتناسلوا وكثروا وتوالد بأسفل الأرض من مصر فسميوا بالبيما كونوا جيشا وقاتلوا المسلمين بعدما فتحت مصر سبعه سنين كامله .
البُشمُورُ: بالضم . كورة بمصر قرب دمياط وفيها قرَى وريف وغياض وفيها كباش ليس في الدنيا مثلُها عظماً وحسناً وعظمَ الإلياءِ وذلك أن الكبش لا يستطِيع حمل أليته فيعمَل له عجلة تحمل عليها أليته وتشد تلك العجلة بحبل إلى عنقه فيظل يرعَى وهو يَجُر العجلة التي تحمل أليته وهي أليَة فيها طول تشبه ألياءَ الكباش الكردية فإذا نُزعت العجلة أو انقطعت وسقطت أليتُهُ على الأرض رَبَضَ الكبش ولم يمكنه القيام لثقلها فإذا كان أيام السفاد رفع الراعي أليَة الأنثى حتى يضربها الفحل ضربة خفيفة ولا يوجد هذا النوع من الضأن في موضع آخر من الدنيا أخبرني بذلك جماعة من أهل مصر والبشمور باتفاق لم يختلفوا في شيء منه ([5]) .
فمزاج أرض مصر حار رطب بالرطوبة الفضلية، وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن، وأقل عفناً في ماء النيل مما كان منها في الشمال، ولا سيما من كان في شمال الفسطاط. مثل أهل البشمور فإن طباعهم أغلظ، والبله عليهم أغلب، وذلك أنهم يستعملون أغذية غليظة جداً ويشربون من الماء الرديء ([6]) .
قال الديميرى فى كتابة حياة الحيوان الكبرى اما اليحمور :
" اليحمور: دابة وحشية نافرة، لها قرنان طويلان كأنهما منشاران، ينشر بهما الشجر، فإذا عطش وورد الفرات، يجد الشجر ملتفة، فينشرها بهما. وقيل: إنه اليحمور نفسه، وقرونه كقرون الأيل يلقيها في كل سنة وهي صامتة لا تجويف فيها، ولونه إلى الحمرة، وهو أسرع من الأيل وقال الجوهري: اليحمور حمار الوحش." فمن المعروف أن البشمور هم أهل البرلس القدامى، من القبط الذين قطنوا بالمنطقة الشمالية ، وسكنوا على الرمال الشاطئية المحصورة مابين البحرالأبيض المتوسط وبحيرة البرلس، ومابين فرع دمياط غربًا إلي سواحل بحيرة البرلس شرقًا وكذلك جزائرها، وهم خليط من اليونانيين ، والمصريين ، اجتمعوا مع بعضهم فشكلوا أجمل تتويج لجنسيات وأعراق مختلفة تسكن تحت إقليم واحد وهو ( إقليم البرلس ) ولذلك أحببت أن أكتب عن تلك الثورة العارمة التي ذكرت فى بعض مدونات والمخطوطات ، بالبرلس . وفى زمن القيصر (هرقوريل) رفع سكان تلك الجهات ( البرلس ) لواء العصيان فحاربهم حاكم مصر وهزمهم ومن المعروف كما حقق ( كترمير ) أن سكان البشمور (البرلس) قد قاومت سكانها الخلفاء زمنًا طويلاً، وكذا سلاطين مصرو كان لهم لغة خاصة بهم وهى لغة المصريين العتيقة ، وان تلك الأراضي البشمورية هي الأراضي الموحلة التي سرعان ماسوف يغمرها الفيضان، وتسير بحيرة واسعة مترامية الأطراف، وبوسطها بر كة عميقة كما حقق الأولين مثل ( هيرودوت )، و ( كترمير) و( استربون ) ، وكان ذلك من أسباب هزيمة الولاة المسلمين فى حرب الغلاء التى كانت بين البشمور ( البرلس ) والولاة الجابين للضرائب وكان العسكر ينهزمون كلما كروا على هؤلاء البشموريين، وأن البشامرة ( البرلسة ) قد وصلوا إلى حد يصعب العودة عنه، منذ أن نزل الغلاء بكورة مصر، حتى وصل سعر القمح (خمس ويبات بدينار ) ، خلال هذه الآونة، ومات من النساء والأطفال والصبيان والشيوخ والشبان ومن جميع الناس مالا يحصى عدده من شدة الجو ع ، ومتولى الخراج مازال يؤذى الناس في كل مكان،وأكثرهم من البشموريين ( أهل البرلس ) وكان يعذبهم عذابًا شديدًا إلى أن باعوا أولادهم فى الخراج من كثرة العذاب ، فقد كانوا يربطونهم فى الطواحين ويضربو هم حتى يطحنوا مثل الدواب ، وكان الذى يعذبهم رجل اسمه "غيث" وقيل "عيسى الرافعي" ([7]) ، وتمادت عليهم الأيام و انتهوا إلى الموت ، فلما نظر أهل البشموريين ( أهل البرلس ) أن ليس لهم موضع يخرجون منه ، وموضعهم لا يقدر عسكر يسلكه لكثرة الوحلات فيه ، وما يعرف طرقه إلا هم ؛ بدأوا ينافقون ويمتنعون أن يدفعوا خراجًا واتفقوا وتآمروا على ذلك . ومتولي البلاد يشن عليهم بعسكره ويفتك بهم ويقتل الأبرياء بجريرة المفسدين إلى أن ما بقى أحد يراه إلا قتله ، وقتل جماعة من أراخنة النصارى فى كل موضع ، وهاهم البشموريون (البرلسيون ) تمموا مؤامرتهم وصنعوا لهم سلاحاً وحاربوا السلطان وحموا نفوسهم أن لا يدفعوا خراجًا، فكل من يمضى إليهم ليتوسط حالهم قاموا عليه وقتلوه ، وأصبحوا لا كبير لهم ولا خشية من أحد ، فلما نظر أبونا البطرك أنبا "يوساب" حزن على أولئك الضعفاء لأنهم لا يقدرون على مقاومة السلطان ، وأنهم باختيارهم اختاروا الهلاك لنفوسهم ، فبدأ المهتم بخلاص شعبه الأمين بالحقيقة يرسل إليهم الرسل و يذكر لهم ما حل بهم ليعودوا ويندموا ويرجعوا عن خلافهم ويدعوا مقاومة السلطان، فلم يرجعوا ، وكان الرسل يقولون لهم ما قاله الأنبا " يوساب " على لسان العطر بولس : (( كل من يقاوم السلطان فهو يقاوم حدود الله والذى يقاومه يدان )) .أما الرسل فكان حالهم لايصر ! فالبشامرة ( البرلسة ) قد أهانوهم وضربوهم ، بل وكادوا أن يفتكوا بأسقف أصنطا عندما أرسله لهم الأب " يوساب "، ونهبوا كل ما معه ، فمن المعروف بالمثل الشعبي المصري الجوع كافر والظلم ظلمات ، فإن فإن ما أحدثه أهل البشمور م ا هو ألا رد فعل ظلم الحكام الذين بوا بلادنا ، وانتهكوا أعراضنا ،وسولت لهم أنفسهم أغتصاب أرضنا ، واستعبدنا فيها ، مما جعلت تلك الثوار الجامعة الجاثية البشمورية ، تعوى عوى الذئاب الفار هة التي لا تبقى من الجأزرهاوية . ولكن لما علم الوالي الظالم جابي الخراب أنه لم يعد يحتمل تمادى البشموريين ، وأنهم لن يعودون عن فعلهم ، فكتب إلى الخليفة في بغداد ليعلمه بما جرى ، فقد أدركأ أنها ستكون الطامة الكبرى ، إذا ما جاء الخليفة بنفسه لأنه لن يرحمهم ، ولن يتركهم إلا بعد أن يجهز عليهم تمامًا؛ ولكن كانت الأمور تتعقد فالقبائل العربية أخذت تثور في غرب البلاد أيضًا ، وأن بعضًا منها أخذ ينضم للبشمورى في أسفل الأرض ، وقد نقضت بعض قبائل القيسية واليمانية سواء بسواء ، وكانوا قد قدموا ضمن منعليهم الخراج مثل البشامرة من " القبط " . فلما اشتد ظلم متولي الخراج وزاد فيه زيادة لم يعودوا يطيقونها انتقضوا جميعًا حتى إن أمير البلاد اضطر لإرسال جيش لهم ، نزل بنواحي ( بلبيس ) وحاربهم بعد أن ثار أسفل الأرض له ، فلما سمع ذلك خليفة المسلمين ، سخط جدًا بسبب ذلك ، وغضب على أمير البلاد بسبب كل هذه الحوادث ، ويهدده بلبس البياض عقوبة له ، وكذلك بحل لوائه وقد سبق ذلك رسالة لأمير البلاد متولي الخراب من قبل أمير المؤمنين خليفة المسلمين المأمون بن هارون الرشيد رسالة كما جاء بنصها : لم يكن هذا الحدث العظيم ( يقصد عصيان الناس ) إلا من فعلك وفعل عمالك ، حملتم الناس ما لا يطيقون ، وكتمتني الخبر حتى تفاقم الأمر وأضطرب البلد ([8]) . وبعد ذلك عزم ( المأمون ) على وضع حد ذلك بنفسه ، وخرج بجيش من بغداد ، وسير جيشه إلى بر مصر للوقوف على الأمر بنفسه وإيقاف العصيان ، وتتبع كل من يومئ إليه بخلاف ، حتى ولو تطلب الأمر قتل ناس عد يدين ، وأنه خصوصًا وأنه أذاع أنه لن يحصل الخراج إلا على حكم الإنصاف في الجباية ، وهذا معناه أن الخراج لن يزيد بأي حال من الأحوال عن أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار وأنتهت معركة البشمور بالهزيمة على يد المأمون وكانت في عهد الدو لة العباسية وكانوا متوليين أمر جباية الخراج والصلاة بمصر من البلاد فلما اختلفت عرب البلاد وقبطها بالجرف الشرقي من القيس ية واليمانية فتولى مالك بن دلهم الخزاعي من طرف هارون الرشيد علي أمر البلاد وعمارها سنة 192 من الهجرة النبوية الشريفة علي صاحبها أفضل الص لا ة والتسليم ، ودخل الفسطاط في شهر جماد وأرسل قايده ورسله إلي عمال البلاد وأهلها من عرب وقبط وكانوا معد إليهم القيود والغلال فعندما دخلوا عليه أخذت الأبواب عليهم وقيدهم وأرسلهم إلي الخليفة، في سنة 216 من الهجرة النبوية الشريفة علي صاحبها أفضل الصلاة والسلا م ، أخلعت عرب البلاد وقبطها الطاعة وخلعوا الطاعة لعمال المأمون بن هارون الرشيد وقاموا علي العمال بناحية ( سخا ) والبشرود (البرلس ) وشبرا وسنباط ونفر رشيد وعرب البحيرة والجرف الشرقي إلي أن قدم المأمون في شهر محرم سنة 216 من الهجرة النبوية علي صاحبها أفضل الصلا ة والتسليم، وقائد عسكره المطلب الخزاعي وعبد الله الخزاعي ونصر الخزاعي وأحمد الخزاعي ونصر بن أحمد الخزاعي وحمدان الخزاعي وأشعث بن أشعث الخزاعي ومهنا الخزاعي وعيسى الخزاعي ونزلوا بريف مصر وقبض المأمون بن هارون الرشيد علي عيسي الرافعي وسخط عليهم وحل لواه وعاقبه بسوء فعله بما صنع في الرعية بالبلاد وسار المأمو ن في أرياف مصر بعسكرة وبخزاعيته إلي أن بلغ سخا وشبري وسنباط والبشرود ( إقليم البرلس ) وبلاد الأرياف وعين في البحيرة وغيرها من الأرياف ومن الثغور وحكم بيع الأطفال والنساء وقتل الرجال وعقد جيش وأمر عليهم جه ينة بن خزاعة وأرسلهم بولاية طلخة ، وكان المأمون مقامة بريف مصر وفسطاطها 49 يومًا ورحل في شهر صفر وأقام المطلب الخزاعي بمصر وجهزاهم المأمون بإقطاعهم بولاية الغربية والمنوفية وولاهم علي الصلاة والصلاح وحماية الثغور والبلاد وبعد أن تعرفنا على ثورة البش م ور (البرلس ) على الفساد الذي أحاط بهم من الحكام وجباة الضرائب وأعلنوها علانية بمقاطعة الدولة العربية والأنحياز إلى الوطن ( مصر ) مكتفين به وأعلنوا لواء الجهاد ورايات الخلود لليوم الموعود وكل ذلك بسبب قسوة الحكام على أهل ( البرلس ) فصنعوا بهم عجائب التعذيب من إهانات لم تغتفر من قتل الشيوخ الكهول والشباب اليافعين وجرهم بالأغلا ل بل عامل العرب ( أهل البشمور ، أهل البرلس )على الأخص فى غاية من القسو فقد ربطوهم بسلاسل إلى المطاحن وضربوهم بشده ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء 0 فإضطر أهل البرلس أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من آلام هذا العذاب وكان يعذبهم رجل من قبل الوالي أسمه " غيث "، لعنة الله . بل وصاروا كالغوغاء المُشمئذه الفار ه ة كالذئاب فاغتصبوا النساء الطهر، وحكموا ببيع الأطفال الرضع ، من البيت البشمورى ( البرلسي ) ، وقامت الأباده الجماعية لأهل البشمور وحرق قراهم وتمزيق وحدهم والتنكيل بهم متفرقين .
شكل يبين إقليم البرلس فى أوخر القرن الثالث الهجرى
رحلة اليحمور فى بلادالبشمور
البشامرة البرالسة
من المعروف ان كانت مصر ولاية ، رومانيه ثم بييزنطية منذ انتصار أغسطس قيصر على كليوبترافى موقعة اكتيوم سنة 31ق . م ، واستلائه على مصر سنة 30 ق . م وقضائه نهائياً على دولة البطالسة فيها . ولم يدع الرومان وسيلة إلا ابتكروها لاستغلال البلادوالأدل على ذلك من ان قمح مصر الذى كانت روما تعتمد عليه لإطعام أهلها لم يعد يكفى ، وكان لابد لها من استيراد قمح أفريقية مضافاً إلى قمح مصر منذ أوائل القرن الثانى وأوأئل القرن الثالث الميلادى .([9]) ولكن السؤال الحائر الذى يخطو فى بالى ونفسى هل تم احتلال بلاد البشمور تلك البرية الممتده شمال دلتا مصر بين فرعى النيل دمياط شرقاً ورشيد غرباً بل أقول ان تلك المنطقه على مر العصور لم تخضع لحكم السلطان أو يقهرها قاهر او يحتلها محتل لقد جاء الفرس بقيادة مبيز وجاء العرب بقيادة بختنصر وجاء الهكسوس بقيادة المصعب بن الوليد وجاء اليونان بقيادة الاسكندر المقدونى وجاء بطليموس من بعدة وجاء الرومان بقيادة أغسطس قيصر وجائت بيزنطه واحتلوا مصر من أولها الى أخرها عقوداً من الزمن لم يستطيعوا اخماد ثورات البشمور القوية العاتيه فإن سكان هذه البحائر والبرارى البشمورييه اقوياء شجعان لاتأخذهم الأحكام كانت تلك البحيرة مأوى لهم وتلك الفيافى والقفار والكراديت حصون لهم من اى عدو يتربص بهم اناس طول القامة يرخون شعورهم على اكتافهم يركبون خيول بلا سرج كانت لهم صناعة السهام والنبال حرفه وصناعة الطوب المدرس بالمسامير مدافع قويه تهشم بها من اراد الاقتراب من بلدتهم العريقة اى بريتهم وبحيرتهم وساحلهم المتد على مرامى واسع يتخلله سبع فروع من النيل العريق وكانت البشامرة البرلسة الشجعان اهم اصحاب الزمان والمكان كانت سفن التجارة تخشي من الاقتراب منهم وكانت جيوش القياصرة تخشاهم خشية الهلاك من الموت ، كانت النساء تلد وليدها فى مركب من الغاب او البردى وعندما يحبا الولد ربتطة من قدمه فوق المركب حتى لايقع ، وتطعمة من سمك البحيرة المجفف كانت الطبيعة والجمال فى سكان هذا المكان العتيق الجميل حيث كانت الحضارة والثقافة فى اضياف المكان كانت بلاد البشمور العتيقة سلالة خالصة من فراعنة مصر العظام ، حتى جاء الفتح العربى لمصر وتم فتح مصر على يد القائد العربى عمرو بن العاص كان ذلك سنة 639م ، وقد سلم حصن بابليون سنة 641م ، وسلمت الاسكندرية فى شهر نوفمبر من ذلك العام وذلك سنة عشرين من الهجرة ([10]) ، ولكن لم يتم الى الأن فتح بلاد البشمور او البشرود ،لاسيما ماكان من بلدن مصر الساحلية القاطنة على شاطئ البحر المتوسط إذ أبت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من العهد ، وكان لعمرو بن العاص أن يسير اليها إذا شاء فيقاتلها ، وقد وجه لقتالها جيشاً فى ربيع سنة 642م ، حتى وصل الى الحوف الغربى مدينة اسمها ( إخنا ([11]) ) كانت من المدن البشموريه وكان حاكمها اسمه ( طلما ) واتى اليه كتاب عمر بن العاص ويعرض عليه شروط الصلح الذى صالح عليه أهل الاسكندريه ، وبابليون ، ولكنه لم يقنع بما جاءه فى ذلك الكتاب ، فأرسل إلى عمرو يطلب الإجتماع به ، فسأله عن مقدار الجزية ، فلم يطق قائد العرب احتمال هذه المراجعة وأشار إلى كنيسة قريبة وقال (( لو أعطيتنى من الركن إلى السقف ما أخبرتك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم )) ، فكره طلما كره هذا الرد وعزم على ألا يذعن ، وعلى ذلك سار المسلمون إلى ( إخنا البشمورية ) ومالبسوا أن أرغموها على التسليم لهم ، وقد أخذوا منها أسارى كثييرة وبعثوا بهم إلى الخلفة عمر فى المدينة ، من أن تلك القرية سلمت إليهم صلحاً بعقد وعهد ، وقد حدث مثل ذلك فى مدينة بلهيب وكانت من المدن البشمورية ايضاً مدينة حصينة منيعة ، ويذكر مع صلح ( إخنا ) صلح آخر مع ( قزمان ) – ولعلة قزماس – حاكم رشيد ، وكذلك صلح مع ( حنا ([12]) ) حاكم البرلس ([13]) ولكن البرلس قاومت المسلمين بجيش من الرومان واليونان وسكان البلدة الاصليين لكن هزمت بموقعة بلطيم ، وققرت الاستسلام ، وبعد ذلك سار العرب الى دمياط ([14]) ، وهكذا دانت البلاد البشمورية الى الحكم العربى أول من استطاع فتحها واخضاعها للحكم العربى ، وقد ذكر فى مدونة الامير غانم بن عياض الاشعرى ، ان أهالى البرلس ارتدوا عن الاسلام فى عهده فارتد أهل البرلس وتمردوا، للمرة الثانية . على الكفر والنفاق وقالوا لا نرضى هـؤلاء ( أي العرب المسلمين ) ، حكام لنا ولا عندنا يأكلون من أسماكنا وأثمارنا ويتزوجون من بناتنا ويجنسون من العرب . فلما سمع حسان، هذا الخبر فقال الله أكبر بالدين الإسلامي يالعزم غانم وركب جوداه واتبعه أخوته وأولاد عمه وأقاربه وجماعة من المسلمين وضربوهم بالسيوف والرماح وجالت الفرسان فيهم حتى قتلوا منهم وأسروا منهم طوائف كثيرة من زعماء النفاق نحو من ستين رجل وأوثقوهم بالكتاف والغلال ووقفوا النهب في أموالهم وأمتعتهم فلما رأوا الموت قد أحاط بهم والبلاء قد عمهم فأتو صاغرين وجددوا إسلامهم وحسن حالهم وأطلقوا أسراهم ومثل هذا حصل في عهد الأمير غانم بن عياض الأشعري في أيام فتوح البرلس بور الإسلام ارتد أهل البرلس فقاتلهم رضي الله عنه حتى غنم قديد السمك والبلح ومات ودفن بجانب البحر المالح وبني له الضريح المعروف باسمه إلى اليوم .
وقد كانت هذه البرارى البشمورية فى سالف عهدها مليئة بالعمائر والقصور الفاخرة تناوئ الدهر والعصور الغابرة معلنة عن هوية مدائن عظيمة كانت قائمة ، مليئة بالتمدين والرقى ، وكانت ذات شآن عظيم فى زمنها القديم ، وكانت عمدان ومنائر هذه المدائن القديمة واقفة الى مشارف القرن الثالث الهجرى ، وكانت هذه العمائر بمثابة منجم للمواد الخام من طوب وعمدان واخشاب لأنشاء العمائر الاسلامية والمسيحية من مساجد وكنائس واديره وبيوت ، الى عهد قريب كانت اهلى البرلس يجلبون الاخشاب والطوب المدعوا بالدقشوم من جزيرة سنجار بوسط بحيرة البرلس ، وبنون بها منازلهم ومساجدهم ، وبحيرة البرلس كانت مسكناً للبشامرة الى ان اجلاهم عنها الخليفة المئمون ، ومن الفريد والجميل أن تلك البلاد الموحلة الموحشة كانت ملازاً للمؤمنين المسحين ، وعلى سبيل الميثال الامبا ثكل هذا القديس المؤمن الذى اختلى بخلوته بدير بمدينة نستراويه على ساحل البحر وتوفى ودفن فيها ، وكذلك القديسة دميانة والاربعين شهيد بكنيستها الشهيرة ببلقاس وكانت فى سالف العصر برية موحشة مقفرة ، وكانت هذه البلاد مأمناً من اضهاد الروم لهم ، حيث كانت موحشة ذات نطاق برارى واسع تتسع فيها فيه الاخاديد والمستنقعات والرباوات والوحوش الضارية والطرق الموحلة الوعرة ،وكانت تلك البلاد البشمورية تحتوى على عدد هائل من الاثار القديمة العظيمة كبيرة الحجم ومتقنة الصنع ، مبعثرة فى كل مكان وقد تهشمت أجزاء منها ، أو سلب ماكان بعضه يغطى رؤسها من الذهب ،وجوهر فى موقع العينين ، وكانت أحجاره كثيفة ، ملقاه على نحو مهمل ، وقد تغطت برسومات ملونة ونقوش بالقلم المصور القديم ، وفى هذا الوقت عام 224هـ قد كانت كثير من البلاد والقرى المصرية قد خربت وباتت مهجورة ، من آهلها ، وكان كثير من حقولها قد تلف وخرب ، لأن كثير من الأهالى الزراع ، قد التحقوا مع نسائهم واطفالهم بالبشموريين وراحوا ييجتمعون معهم معلنين العصيان على الولاة جباة الخراج ، بعد أن سدد السبل وقفلت الابواب فى وجوههم ، ولم يعد لديهم ما يقتاتون به وهم يخشون التعصير والضرب من قبل مشتدى الكور والمحتسبين ، وكان كلهم هائمين ([15]) على وجوههم من رجال يافعين اصحاء ووكذلك نسائهم وهم يتسولون فى الطرقات ، وهم فى ملابس بالية وأحوال مزرية قذرة ، وقد عز القوت عليهم فلم يجدوا ما يأكلونه ([16])وكانت معظم الناس من أهل القرى الموجودة على أطراف البرية من ناحية الصحارى التى سكنها العرب والقبائل ، وخصوصاً قبائل الحوف الشرقى([17]) ، وهؤلاء المتسولون لا ينأون ([18]) عن مهاجمة هذه القرى ، فيسلبون سكانها وممتلكاتهم وعيالهم وأحياناً نسائهم وكذلك يتلفون الزرع ، حتى خربت معظم هذه البلاد وهجرها آهلها مراراً من هذا الحال ، والغريب مما حكا وكان فظيع من عمال الخراج وجباه الضرائب أن كانت فى نواحى البرارى البشمورية المتسعة الارجاء دير به ثلاثون عذراء ملكهن عسكر مرون وكان فيهم ، فتاة عذراء ذات حسن وجمال ، دخلت الدير وهى ابنة ثلاث سنوات ، فلما نظرو اليها وبهتوا ([19]) من حسنها وجمالها العتيق ، قالوا ماشهدنا قط فى بنى ادم صورة أجمل من هذا فأخذوها وآخرجوها من موسط أخواتها العذارى البشموريات العظام الكرام ، وتشاورا فيما يفعلونه فيها ، فمنهم من قال نقترع عليها ، ومنهم من قال نمضى بها إلى الملك ، وفي هاهم يقولون فى أمرها حتى قالت لهم العذراء البشمورية أين هو مقدمكم ، أعلمه بشيء يساوى آمولاً وتخلونى فأنا عابدة لله وما يحل لكم ان تفسدوا عبادتى بل إذا آعلمتكم بذلك الشيئ ، الذى يحصل لكم فيه أموال تردونى إلى ديرى ، فقال لها مقدمهم آنا هو ، فقالت له : أبائى كانوا قوماً مقاتلين شجعاناً أقوياء ، دفعوا إلى دواء كانوا يدهنون به إذا خرجوا للقتال فلا يعمل الحديد فيهم شيئاً وتصير السيوف والرماح مثل الشمع أمامهم ، فإن خليت سبيلى دفعته لك وإن كنت لاتصدق كلامى فأنا آدهن رقبتى قدامك وأاتى أجود سييف يكون مع رجالك وداع أقوى من فيهم يضربنى فلا يقطع فى شيئ لتعلم صحة قولى ، وإنما قالت ذلك لأنها رآت أن تموت بالسيف ولاتلتصق بها نجاسات الأثم ولايتنجس جسمها الطاهر ، ثم دخلت بيتها فآخرجت ، برنيه فيها زيت وقد صلى عليه القديسون وكان محفوظ عندها فدهنت بها رقبتها وجهها وبقية جسدها ، وصلت تركب على ركبها ومدت عنقها ، فظن الجهال آن الآمر صحيح ولم يعلموا ما فى قلبها ثم قالت لهم : من كان فيكم قوياً وسيف ماض قاطع فليظهر قوته فى ، فإنكم ترون مجد الله فى هذا الدواء عند ذلك وثب شاب شجاع بسيف يفاخر به فسترت وجهها ببلينها وطمأنت رآسها وقالت له اضرب بقوتك كلها ولا تبال ، فضرب القديسة الشهيدة فطارت رآسها فعلموا حينئذ ما فعلت وآنها خدعتهم فندموا وحزنوا حزناً عظيماً ووقع عليهم خوفاً شديداً ولم يلتفتوا بعدها لواحده من الرهبانات العذارى الطهر ، بل تركوهن وارتعدوا منهم بمجد الله سبحانه وتعالى ([20])، وقد آذل العرب وخربوا ديار البشمور وحلبو البلاد كما تحلب البقرة ، حتى جفت الضرع ، وذبل الزرع وقد كان العرب يستخدم إسلوب أن يجلدو البشامرة الشجعان بالخراج ، بدلاً من السياط لان العرب كان فى اعتقادهم ان تيسر حال البشامرة واصبحا فى رغداً من العيش وصفى رقيهم وعاشا عيشة هنيئة مليئة بالثراء ، تفرعنت عليهم البشامرة وأخرجوهم وهم من أذاقوا العربان بجيوشهم الجرارة جيش تلو الاخر ، فى كل كور من أراضى مصر السفلية البشمورية ، فى زمن الحر بن يوسف ([21]) الذى تأخر بالخراج فى حكم هشام بن عبد الملك وكان قد زادا على كل دينار قيرطاً فانتفضت كورة وتمى - تنو، وقبريط ، وطرابية ، وعامة الحوف الشرقى ، فبعث إليهم الحر بآهل الديوان محاربتهم فقتل منهم بشر كثير ، ثم انتفض بعد ذلك آهل الصعيد ، ولم ينس البشامرة البرالسة الشجعان ، مافعل عمال ملك مصر سنة 121هـ حيث بعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر أهل الديوان فظفرو بالبشامرة ولم يتركوا من البشامرة النساء والأطفال ، ولم ينسي البشامرة ماحدث لهم فى عام 150هـ حيث خرج الأهالى على يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبى صفرة ، أمير مصر (144- 152) ، بناحية سخا ونابذوا العمال ، وأخرجوهوم ، ثم صاروا إلى شبرا سنباط ، وانضم إليهم البشامرة الشجعان من الآراتيسه ، والنجوم فأتى الخبر بن حاتم فعقد النصر بن بن حبيب المهلبى على أهل الديوان ووجوة مصر فخرجوا إلى البشامرة من القبط الذين قاتلوا العسكر حتى ألقى هؤلاء الأخرين النار قراناً وانصرفوا منهزمين ([22]) ثم خرج القبط فى سنة 156هـ فى ولاية مسى بن عُلًىّ بن رباح اللخمى (155- 161) ، فأرسل إليهم الوالى جيشاً هزمهم ، وكثيراً ما ثار العرب ضد الحكومة بسبب الخراج بعد أن زاد عددهم وأصبحوا يملكون الأراضى فى البلاد ، وكثيراً ما اشتركوا مع الأقباط فى ثورتهم ، وكانت آخر ثورة للأقباط تلك التى حدثت فى جمادى الأول سنة 216هـ ، زمن الخليفة المأمون أثناء ولاية عيسى بن منصور الرافعى على مصر من قبل المعتصم (216- 217هـ ) ، إذا ثار أهل الوجه البحرى كلهم سواء فى ذلك العرب والقبط – فطردوا عمال الحكومة ، وقدم الأفشين قائد المأمون من بره لمحاربتهم ، فسار إلى الحوف وهزمهم وأرسل القواد وعيسي بن منصور إلى جهات الوجه البحرى لمحاربة الثائرين ، ثم أقبل الأفشين فى جنوده إلى الأسكندرية فهزم كل من اعترضه فى طريقه إلى أن دخلها فى ذى الحجة سنة 216هـ ، ثم سار بعد فتحها إلى أهل ( البشرود – البرلس ) ، فامتنعوا عليه حتى قدم المأمون إلى مصر .
وقد عرف أهل البشرود أو البشمور البرالسه بغلظة طباعهم وحبهم للعصيان والثورة منذ التاريخ القديم ، وقد شجعهم طبيعة المنطقة التى يعيشون فيها على ذلك فإن هذه المنطقة الرملية على ساحل الدلتا بين فرعى رشيد ودماط ، كانت تحيط بها المستنقعات والأوحال التى تعيق حركة الجند ، وقد ثاروا زمن المأمون لكثرة الخراج الواقع على كاهلهم والقسوة التى كانت تستعمل فى جبايته ، وقبل مجيئ المأمون ([23]) إلى مصر كتب البطرك أبنايوساب إليهمكتبا ينصحهم بأن يرجعوا عن ثورتهم ويحذرهم من قوة السلطان فلم يرجعوا ، ولما رأى الأفشين تمادى البشموريين فى ثورتهم كتب الى الخليفة المأمون يعلمة بماحدث ، فرأى المأمون أن يأتى إلى مصر لإخماد تلك الثورة فجاء فى جيشة وصحب معه البطرك ديونوسيوس بطرك أنطاكية ، فى المحرم سنة 217هـ ، وقد سخط الخليفة على الوالى عيسى بن منصور الرافعى ، وقال : (( لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك ، حملتم الناس مالا يطيقون وكتمتمونى الخبر حتى تفاقم الأمر واضطربت البلد ([24]) ، وقد حاول المأمون أولاً أن يخمد ثورة البشموريين البرالسه باللين فأرسل إليهم البطرك أنبايوساب والبطرك ديونوسيوس ووعدهم إلا يعاقبهم إن هم رجعوا عن ثورتهم ولكن البشمورييين لم يجيبوا البطركين فسير المأمون إلييهم الأفشين بجنده ([25]) وقد كانت هذه الاراضى البشمورية الموحلة قد ضيق ولاة الخراج العرب عليهم حتة أكل الناس الحشائش الارض وديدانها ، وهرب من هرب إلى الصحراء والبوادى مع نسائه وآطفالهن ، ومات من مات بل آن كثير منهم قد جنوا ، وهاموا على وجوهم بسبب الجوع وانعدام الغذاء ، وانتشر الوباء وتمزقت الأسر و تخرب وجدان الناس لأن البعض آثر الدخول فى الدين الجديد حتى أصبح تحت سقف البيت الواحد أخوان واحد مسلم والآخر مسيحى ، بل يجوز أن يظل الأب مسيحياً دون سائر أهل بيته ، ومن شدة ظلم جباة الخراج لآل البيت البشمورى العتيق ما كان يستخرج من أرضيهم وبيوتهم من الخراج فى العام الواحد من الغلة ثلاثة آلاف آلف وثمانمائة آلف وعشرة آلاف ومئاتين وتسعة وثلاثين أردباً ونصف وسدس وثلثى قيراطاً ، ومن العناب أ ربع أردب ، ومن ورق الصباغ ألفين وآربع مائة وثلاث أردب ونصف أردب ومن ذريعة الوسمة عشر أراب وبعاً ، ومن الفوة أربع مائة وسبعين رطلاً ، ومن الأغنام مئاتى آلف وخمس وثلاثون ألفاً وثلاث مائة من الرؤس ، ومن الجاموس الأسود غزير الحليب ، مائتى ألف ، ومن البسر ثلاث مائة وثلاث عشر قنطار ، وثمانية وثلاثون رطلاً ، ومن عسل النحل خمسمائة وواحد وأربعين قنطاراً وسدس قنطار ، ومن الشهد إثنين وثلاثين زيراً وقادوساً واحداً ومن السمن ألفين وتسع مائة وسته وتسعين مطراً ، وثمن مصر ، ومن الجبن بخيره ، ثلاث مائة وعشرين رطلاً ، فغب لذلك البشامرة الشجعان وتظلموا مراراً من بهاظة الخراج الذى قسم ظهورهم ، وفى اثناء هذه الأحداث وكانت دار عامل الخراج عامرة بالخيرات والبيت البشمورى منهوب منه طقة يومه ، خرج من هذا الظلم الفاحش ابن الأكابر البطل الهمام والأسد الضرغام صاحب السيادة والمكارم على البيت البشمورى العتيق مينا بن بقيرا ، اذ كان راكب جواده وهو مار بالطريق اذ سمع انين واهن لطفلة صغيرة ، فى موضع من المواضع بين أعشاب الحلفا الطوال النائية دوماً فى المستنقعات بالأراضى البشمورية ، بينما رجل يحدثها حديثاً عنيفاً غليظاً ، وهى لاتكف عن التشكى والرجاء ، وهاهنا كانت المصيبة الجوع المفحش ، فنزل البطل البشمورى العتيق مينا بن بقيرا عن جواده ناحية الصوت ، ظناً منه أن الرجل يسعى إلى مفاحشتها ، وقضاء وطره منها ، ولكنه الجوع المفزع ، فأن وصل بقيرا الى موضعها حتى أفزعه ما رأى من أمرهما إذا كان الرجل ، يهبراً هبراً ، وينهش نهشاً ، بأنيابه لحم الفتاة الصغيرة ، وهى حية وينهش منه حتى نهش لحم الذراعين والفخذين والمواطن الطريه منها ، بينما الصغيرة تتوجع وتتوسل أن يكف أذيته عنها ويتركها ، ولكن الرجل ظل سادراً فى نهشها دون أن يسمع إلى رجائها واستراحمها ، فلما نظر البطل البشمورى البرلسي العتيق مينا بن بقيرا ، ذلك غلى دمه وأخذه الغضب وانقض على الرجل منتزعاً البنت من بين يديه وهى بين يدى الرحمن بين الموت والحياة ، ثم إنه نازله لفتره من الوقت وكان الرجل دون الحالة الأنسانية ، وقد توحش واخذ الصفة الوحشية بسبب شدة الجوع ، وانعدام الغذاء ، فأجهز عليه مينا دون جهد كبير ، بسبب ضعف بنية الرجل ، من ذلك الوقت صغرت الدنيا فى عين مينا بن بقيرا ، وقد هاله ما رأى من آحوالها ، وأدرك أنه مشارك فى الجرم الواقع على مثل هذه الطفلة المسلنة ، بسبب عمله فى الخراج ، فتركه ، ولم يعد إليه بعد ذلك أبدا ، ثم إنه أخذ الطفله إلى داره فجلب لها الحكماء ليطببوها ، وكانت مليحة الوجه نورانية الروح ، فصبر عليها حتى بلغت ، وعزم التزويج بها رحمة بها وتيمناً بوجودها إذ اعتبر من حكاياتها واعتبرها آية قد أظهرها الله له ليكف عما هو فيه من ظلم وجور ، ثم إنه بعد أن أظهر الندم على زمنة الأول ، جمع حولة أهلة البشامرة والفلاحين القرارية ، بعد ماوزع ما يملكه من أراضى وممتلكات عليهم عملا بقول : يوحنا فم الذهب : إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء .
وتزوج مينا بن بقيرا هذا البطل البشمورى ، بهذه البنت الجميلة ، وأثناء عرس البطل البشمورى على هذه البنت ، قد صارت شوهاء ، وأن ذلك كات مشهد مؤثرا ، عندما تحرك الكاهن ، القائم بالخدمة من الخورس الامامى وهو يقول للعريس داخل البيعة إلى مكان الذى تنتظر فيه العروس ، ثم طلب الكاهن من مينا أن يلبس العروس الدبلة المربوط بها التاج ، فلما لم تمد الفتاة يدها كما هو متبع لتدلل على موافقتها ، لأن يدها كانت مقطوعه بسبب ماجرى لها ، بكى جميع المدعويين تأثراً ، خصوصاً وأن مينا أزاح الثوب عن قدمها بعد أن أنحنى أمامها ، ووضع يده على الأرض ، ملامست الفتاه كفه براحة قدمها ، فألبسها الدبله فى إصبع القدم ، وحينذاك قام الكاهن بحنى رأسيهما تلامستا معاً ثم أن مينا أخذ عروسه إلى مدخل الخوروس وأوفها عن يمينه كما هو متبع فقام الكاهن بتغطتهما بعبائه من الخرير الأبيض رمزاً للأتحاد النقى المقدس ، وكانت الصلوات تقرأ أثناء ذلك وتنشد الألحان ، وتعلق البخور ([26]) بعد ذلك العرس سار مينا يحث أهل البشمور على العصيان والجهاد المسلح ، ويطالب بالثورة وعدم دفع الخراج للمتولى ، وهو يقول : لهم إنكم لن تخسروا شيئ فأنتم مقتولون بسبب قلة القوت ، وقاتلوا سارقى قوتكم حتى تقتلوهم أو تقتلوا ([27]) ، حتى وقفوا على الخروج معه يقاتلون ، وقد سلحهم بالقسي والحراب التى كانت تجلب سراً عبر المراكب من بلاد النوبة ، وكانت المراكب تسير على نحو لايتشبه فيه وكانت توضع على الأسلحة وتغطى بالجرار والقلل والأزيار وكل الفواخير القناوية المجلوبة من مصر العيا كما جرت العادة فى جلب الأنية والفواخير منها لمصر السفلى ([28]) وكانت هذه القصى من أفضل الأنواع التى تصنعها قبيلة البجة التى اشتهرت نساؤوها بعمل ذلك ، وأنساب هذه القبيلة من جهة النساء التى ولكل منهم رتيس عليهم ، ويقال انهم يورثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب ويقولون إن ولادة ابن الأخت وابن البنت أصح ، فإنه كان من زوجها أو من غيره فهو ولدها على كل حال ، وكان البشموريين يتسلحون بهذه الحراب المجلوبة من البجة التى يطلق عليها اسم الحراب السباعية ، مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع ، والعود أربعة أذرع وبذلك سميت سباعية والحديدة فى عرض السيف وكانت هذه الحراب لاتخرج من يد حاملها إلا بصعوبة ، لأن فى أخر العود شيئاً يشبه الفلكة يمنع خروجها من أيديهم ، وكان البشمورى حاملين لهذه الحراب ، وكانت القسي مصنوعة من شجر السدر والشوحت ، يرمون عليها نبل مسموم يعمل من عروق شجر الغلف بعد طبخه على النار حتى يصير مثل الغراء ([29]) وكانت البشمور بأطفالها الهزل فى اسمالهم ، والنساء الجائعات وهن يتخطفن الطعام ، والبيوت المهدمة ، والرجال البشموريه فى ملابسهم الغريبة ، وأسلحتهم كا أصلح اللصوص والحرافيش هل ستقوى فى مواجهة العرب العاتيين ، فقد جهز العرب جيش عرمرم وخربوا كل مواضع البشمورين ولم يتركوا فيهل حجرا على حجرا بعد اضرامهم النار فيها ، حتى حيوانات الدور من اوز ودجاج وارانب كانت تجرى فى ريشها وجلودها النار ، وأن ماحدث فى عاصمة البشمور كان أقوى وأشنع أى ناحية البشرود يطلق عليها العسكر بلسانهم لم تكن الوحيدة وإن كانوا شنوا عليها أكثر لعلمهم بأن الزعييم مينا بن بقيرا كان يتحصن فيها ، ويتخذها محلة الحرب ضدهم لصدهم عن البلاد ([30]) ، فكانت البشمور تقاوم جند الأفشين بشده فلما علم المأمون بذلك سار لهم بجيشه وركز جميع قوته ضدهم ([31]) ، وظل مينا يرمى على العسكر ويقاتلهم حتى نفذت ذخيرته وكان أكثر رميه ورمى رجاله لاينفع لان العسكر كانوا واقفين فى الظلمة ومايسقط عليهم من مشاعل البشمور ينطفئ فى الحال لكثرة الماء فى المواضع التى كانوا فيها أما لبوقايد كانت تسقط على محلة البشمور فقد كانت تحول الليل الى نهار لكثرتها وتجعل كل شيئ يستضيء وكانه تحت اشاعة الشمس فلما تمكن العسكر منه دخلو عليه وأعملوا السيف فيه وفى أعوانه وظل البشمور يدفعهم عنه وقد أخرج لهم سيفه وهو من الحسامات القويه التى قد جلبها له بعض خواصه من عند الروم فظل يذود عن نفسه حتى دوخ العسكر فلما تناهى ذلك الى مقدمهم المدعوا الأفشين ، وكان هذا هو الذى يتقدم مسيرتنا الآن جاء ونازله بنفسه ودام النزال بينهما ساعة حتى أجهز عليه الأفشين على مينا فظل مينا يلعن ويسب ويدعوا عليهم بالخيبة ويمنى على الله أن ينتقم منهم وتدور عليهم الدوائر حتى لفظ أنفاسه ، وجائت زوجته تبكى وتنوح على جثته وتندبه مده علما رأى العسكر ، ما أصابها بسبب ماكان قد جرى لها تركوها دون أن يسبوها ضمن الصبايا وقد وجدوا أن لانفعا ولارجاء فيها ([32]) ، وأمر الخليفة بهدم دروس كل الكور البشمورية المتبقية ونواحيها وكانت اربع وعشرون قرية ([33]) ، وحمل كل ماتبقى من الناس على السفن ([34]) .
وبعد أمر المأمون جنده بحرق مساكنهم وهدم كنائسهم ، كانت ثورة البشموريين أخر ثورة قبطية عرفها التاريخ ، وفى عهد الولاة أصبح المسلمون أغلبية فى مصر وعلى الأخص الوجه البحرى إذ يظهرأن عدد كبيراً من الأقباط أسلم فى ذلك الوقت . ([35]) ( وتتبع المأمون كل من يومي إليه بخلاف فقتل ناسًا كثيرًا ورجع إلى الفسطاط في صفر ومضى إلى حلوان وعاد فارتحل لثمان عشرة خلت من صفر وكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يومًا. ) وكان خراج مصر قد بلغ في أيام المأمون على حكم الإنصاف في الجباية أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف دينار وسبعة وخمسين ألف دينار ([36]) .
ورأى المأمون كثره القتلى أمر جنوده بأن يتوقفوا عن قتلهم0 ثم أرسلهم فى طلب رؤسائهم ( وأمرهم أن يغادروا بلادهم غير انهم اخبروه بقسوه الولاه المعينين عليهم وأنهم إذا غادروا بلادهم لن تكون لهم موارد رزق إذ أنهم يعيشون من بيع أوراق البردى وصيد الأسماك 0 وأخيرا رضخ الأبطال للأمر وسافروا على سفن الى أنطاكيه حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثه آلاف ، مات معظمهم فى الطريق ، أما الذين أسروا فى أثناء القتال ، فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب0 وبلغ عدد هؤلاء خمسمائه ، فارسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك "ميخائيل السورى ج1ص79 –80 " وأمر المأمون بالبحث عما تبقى من البشمورين فى مصر وأرسلهم الى بغداد حيث مكثوا فى سجونها . ثم أطلق سراحهم شقيق المأمون وخليفته إبراهيم الملقب بالمعتصم0 وقد عاد البعض الى بلادهم وبقى البعض الآخر فى بغداد وهم فيها حتى الآن ويعرفون بالبشموورين quatrenere Recherches p 161-3([37])
وأشرف المأمون بنفسه على سلب ونهب القرى الكبرى ، يروى المقريزى (ويقال: إن المأمون لما سار في قرى مصر كان يبني له بكل قرية دكة يضرب عليها سرادقة والعساكر من حوله وكان يقيم في القرية يومًا وليلة). ربما لشعوره بالذنب مما فعله الولاه تجاههم0
فمرّ بقرية يقال لها: طاء النمل فلم يدخلها لصغرها ، فلما تجاوزها خرجت إليه عجوز تعرف مارية القبطية صاحبة القرية ، وهي تصيح ، فظنها المأمون مستغيثة متظلمة فوقف لها ، وكان لا يمشي أبدًا إلا والتراجمة بين يديه من كل جنس ، فذكروا له إن القبطية قالت: " يا أمير المؤمنين نزلت في كل ضيعة وتجاوزت ضيعتي ، والقبط تعيرني بذلك ! وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يشرفني بحلوله في ضيعتي ليكون لي الشرف ولعقبي ، ولا تشمت الأعداء بي. " وبكت بكاءً كثيرًا. فرقّ لها المأمون وثنى عنان فرسه إليها ، ونزل. فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ وسأله : كم تحتاج من الغنم والدجاج والفراخ والسمك والتوابل والسكر والعسل والطيب والشمع والفاكهة والعلوفة وغير ذلك مما جرت به عادته ، فأحضر جميع ذلك إليه بزيادة. وكان مع المأمون أخوه المعتصم وابنه العباس وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ويحيى بن أكثم والقاضي أحمد بن داود ، فأحضرت لكل واحد منهم ما يخصه على انفراده ، ولم تكل أحدًا منهم ولا من القوّاد إلى غيره ، ثم أحضرت للمأمون من فاخر الطعام ولذيذه شيئًا كثيرًا حتى أنه استعظم ذلك. فلما أصبح وقد عزم على الرحيل حضرت إليه ومعها عشر ووصيفات مع كل وصيفة طبق. فلما عاينها المأمون من بعد ، قال لمن حضر: قد جاءتكم القبطية بهدية الريف الكامخ والصحناه والصبر فلما وضعت ذلك بين يديه إذا في كل طبق كيس من ذهب فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته. فقالت: لا واللّه لا أفعل . فتأمّل الذهب فإذا به ضرب عام واحد كله فقال: هذا والله أعجب ربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك. فقالت: يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا .! فقال:" إن في بعض ما صنعت لكفاية ولا نحب التثقيل عليك فردي مالك بارك الله فيك" ، فأخذت قطعة من الأرض وقالت: " يا أمير المؤمنين هذا وأشارت إلى الذهب من هذا وأشارت إلى الطينة التي تناولتها من الأرض ثم من عدلك يا أمير المؤمنين وعندي من هذا شيء كثير" فأمر به فأخذ منها ، وأقطعها عدة ضياع وأعطاها من قريتها طاء النمل مائتي فدّان بغير خراج، وانصرف متعجبًا من كبر مروءتها وسعة حالها ([38]) .
عندما أحرز المأمون النصر سنه 832م مكث 49يوم فى مصر ثم ذهب الى بغداد ولم يعيش غير عده شهور وتوفى فى خريف833م ثم تولى الخلافه اخيه المعتصم فأطلق البشمورين من السجون (file:///D:/%D8%B5%D8%A7%D8%A8%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B9%20%



ساحة النقاش