وإذا أردنا أن يكون الحوار شائقاً؛ فلا بد من توافر بعض الشروط التي يجب أن يتحلى بها المتحاورين:- (<!--)
(أولاً):- إخلاص النية لله، والتجرد من الهوى والشهوات للوصول إلى الحق.
(ثانياً):- خلو الأدلة من التناقض، فعندما يدعو المربي طلابه إلى قضية معينة، فهو مطالب بأن لا يقدم أدلة متناقضة. وهذا الأسلوب كان يفعله الكفار عندما يجادلون الرسول –عليه السلام- فنراهم تراه يقولون سحر مستمر" وتارة يقولون: "ساحر أو مجنون" وهنا يظهر التناقض، فكيف يكون السحر مستمراً؟ وكيف يكون ساحراً ومجنوناً وهما مختلفان؟
وإذا كانت المحاورات قائمة على التناقض فإن المستمع، أو القارئ، يبتعد عن الموضوع، وتدخل السآمة والملل إلى وجدانه ومن ثم نفتقد عنصر التشويق في المحاورة.
(ثالثاً):- استخدام الكلام المهذب
وينبغي على المتحاورين استخدام الكلمات المهذبة، والبُعد عن الإستهزاء، لإن الكلام البذيء الفاحش، ينفّر النفس من السماع. والإستهزاء ينتقص من قيمة المحاور، وخاصة إذا كان عنده عيب خلْقي، يجعله الخصم وسيلة للتغلب عليه.
ومما يدل على أهمية هذا الشرط قوله تعالى ( وإذا بدلنا أية مكان أية واللهُ أعلم بما ينزل قالوا أنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون )(<!--)
وقوله الرسول –عليه السلام- :(ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي"(<!--)
والمربي أولى من غيره باستخدام العبارات الطيبة التي لا تجرح كرامة طلبته أو تحط من قدرهم، فإذا أصاب أثنى عليه خيراً، وإذا أخطأ بيّن له الصواب بأسلوب مهذب بعيد عن التجريح.
(رابعاً):- أن يكون الهدف من الحوار معرفة الحقيقة، ثم العمل بمحتواها.
أمّا إذا كان الحوار من أجل الحوار أو ملأ الفراغ. أو قتل الوقت فهذا منهي عنه، ويؤدي إلى الحقد والكراهية والبغض، أما إذا الهدف الوصول إلى الحق، فإن النفس تتفتح لقبول الأدلة النقلية والفعلية والوجدان يستريح لقبول الحق والعمل به.
ليس الهدف من الحوار التغلب على الخصم بصرف النظر عن أية أمور أخرى. فإن العالم المسلم لا يحرص على الحوار العام بقصد تسجيل انتصار شخصي على من يحاوره، لكنه يحرص في كل حين على معرفة الحقيقة والكشف عنها.
لذا نجد أن الغزالي يشير إلى أن العالم يحرص على مناقشة خصمه في خلوة أما الذي يفضل عكس ذلك. فيهدف إلى أن يكون فارس الميدان.
وعلى المعلم الذي يرغب في استخدام أسلوب الحوار استخداماً فعالاً ومشوقاً، مطالبٌ بأن يوفر لطلبته الأجواء المناسبة للحوار، وعليه أن يذكرهم بأن إبداء الرأي من جانبهم حق لهم، وأن أياً منهم لن يضار بمجرد الإتيان برأي يخالف رأيه. وما لم يقم المعلم بذلك فإن الحوار يكون بلا معنى. (<!--)
وخلاصة القول: أن أسلوب الحوار من الأساليب الشائقة في التربية الإسلامية. وما ذاك إلا أنه يشد انتباه السامع أو القارئ إلى المحاورة. ومن ثم ترقب النتيجة بشوق كبير، حتى إذا اقتنع بها ثم عمل بها. وما على المعلمين إلا أن يستخدموا هذا الأسلوب في عملية التربية حتى يكون التعليم مبنياً على رغبتهم وأشدَ وقعاً في نفوسهم.
المبحث الرابع:- (أسلوب الممارسة العملية)
من أساليب التشويق في التربية الإسلامية أسلوب الممارسة العميلة. وهو أسلوب فعّال ومشوق، كان الرسول –عليه السلام- يمارسه في تعليم أصحابه –رضي الله عنهم- وهكذا سار السلف الصالح. فما هو مفهوم الممارسة العميلة؟ وما أهميته؟ وكيف يتم التشويق من خلاله؟ هذا ما سنبحثه في المطالب التالية:-
المطلب الأول:- (مفهوم الممارسة العملية)
أولاً:- (لغة)
يتكون هذا المفهوم من كلمتين وهما:-
<!--الممارسة:- وهي المعالجة. ومرس التمر وغيبه في الماء، إذ أنقعه. (<!--)
<!-- العمل:- وهو فعل فعلاً عن قصد، وهو المهنة والفعل.(<!--)
ثانياً:- (اصطلاحاً)
تعني الممارسة والعمل في المفهوم الإسلامي: كل جهد وعمل مشروع، مادي أو معنوي. أو مؤلف منهما معاً"(<!--)
والله قد أعطانا الأدوات الأساسية للتطبيق العملي
<!--أعطانا الفكر والعقل والحواس الإنسانية الذكية.
<!-- المواد الخامة في الكون كله، وهو صفة مفتوحة لكل راغب صادق.
<!-- اليد الإنسانية في إبداعها وحركاتها.
<!-- الحياة النامية لتنقذ الأجيال الحاضرة من نتاج حضارات الأجيال السابقة ليسير الإنسان في طريق صاعد إلى أعلى. (<!--)
المطلب الثاني:- (أهمية أسلوب الممارسة العملية في التربية الإسلامية)
تبرز أهمية هذا الأسلوب في أنه الصورة العملية للعلم. والدين الإسلامي كما هو معلوم، قائم على علاقة متينة بين الإنسان وربه، وهو دين يطالب بالأعمال الصالحة التي يرضاها الله عز وجل، فالعقيدة من غير عمل لا تنفع. والنيات بحاجة إلى عبادة من صلاة، وزكاة، وصوم،… وهكذا تبقى العقيدة حبيسة القلب حتى يترجم لها العمل. (<!--)
وقد ورد في القرآن والسنة المطهرة ما يدل على أهمية هذا الأسلوب في كل شيء، حتى أصبح العمل صنوا الإيمان ويلازمه، قال تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (<!--)، ويقول الرسول –عليه السلام- "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل". وهو أسلوب أساسي في التربية الإسلامية، وما العبادات العملية التي أمر بها الدين إلا أساليب ووسائل عملية لتربية المسلم، وترويض روحه وعقله وجسمه، وقد جاءت الحكمة التربوية صريحة في كثير من النصوص الشرعية التي أمرت بها، أو حثت عليها قال تعالى : ( أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) (<!--) وقال: ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)(<!--)
وللإيمان لهذا الأسلوب فقد حرص المسلمون الأولون على إرسال أبنائهم إلى البادية العربية ليتعلموا اللغة العربية عن طريق الممارسة العملية في بيئية لغوية أصلية. وللإيمان بهذا الأسلوب رفع المسلمون من شأن الرحلات العملية التي تساعد على التعلم مباشرة. (<!--)
والقرآن يشترط أن يكون العمل مزيناً للعلم. إذ أن تكوين أخلاق الإنسان وبناء علاقاته الاجتماعية لا تقوم بالوعظ وحده، ولا بالحفظ وحده، بل تحتاج إلى أفعال يمارسها الإنسان لتتكون أخلاقه عملياً، وليبني علاقاته مع بني الإنسان بالواقع، إذ أن تعود المرء على النظام في الحياة، وعلى ضبط النفس. وعلى الحياة الاجتماعية التعاونية. بحاجة إلى مراناً وممارسة يومية تلازم حياة الإنسان ليل نهار"(<!--)
والعلم إن لم يصحبه العمل الصالح، فإنه يكون وبالاً على صاحبه. وهذا ما يؤكده قول الرسول –عليه السلام"- يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول:-كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنها كم عن الشر وآنية"(<!--)
والعلم إذا لم يدعمه العمل فإنه سيُنسى مع مرور الزمن، ولكنه مع العمل يبقى ويزداد، لإن العلم التطبيقي أوقع في النفس وأدعى إلى الثبات والاستقرار في القلب والذاكرة.
ويعد القيام بالعمل النافع أثراً من آثار التربية، وغاية مرغوباً فيها، ويبقى التعلم النظري باهتاً حقيقياً لا اثر له حتى يغذي بالتدريب العملي. ولقد اعتمد على ذلك الرسول عليه السلام في أول الدعوة، فكان الواحد من الصحابة عندما يعتنق الإسلام، ويأمر به الرسول –عليه السلام- إلى من يعلمه القرآن وأمور دينه. (<!--)
والتربية بالعمل هي آخر ما دعت إليه التربية الحديثة. حيث أن تكوين أخلاق الإنسان وبناء علاقاته الاجتماعية لا تقوم بالوعظ وحده ولا بالحفظ وحده؛ بل تحتاج إلى أفعال يمارسها الإنسان لتتكون أخلاقه عملياً، وليبنى علاقاته مع بني الإنسان بالواقع، فيقود المرء على النظام في الحياة، وعلى ضبط النفس، وعلى الحياة الاجتماعية التعاونية. وعلى التضحية في سبيل المجموع، كلما تتطلب مراناً وممارسة عملية يومية تلازمة حياة الإنسان ليل نهار، وهذا ما دعت إليه التربية الإسلامية من خلال العبادات التي تغذي الإنسان بالجانب الروحي. (<!--)
وهكذا نجد الاعتماد على هذه الأسلوب في التربية وبشكل واضح ملموس في المنهج الإسلامي، بينما النظريات التربوية الأخرى ترى أن العمل من أجل الفائدة المادية فقط. وبهذا يكون الإسلام قد سبق جميع النظريات التربوية المعاصرة التي تدعو إلى العمل. أمثال (لوك الإنجليزي)، (وفروبل). و(روسو) و(لوثر).(<!--)
وبناءً على ما تقدم، فإنه يجب على المربي أن يعلم طلابه أسلوب الممارسة العملية، ليطبقوا علمهم في المواقف التي تدعو إلى ذلك، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، وكذلك فإنه ينبغي على واضعي المناهج التربوية أن يضعوا عدداً من الأسئلة العملية والتطبيقية، أثناء تطبيق المنهاج التربوي. (<!--)
المطلب الثالث:- (كيف يتم التشويق بأسلوب الممارسة العملية)؟
يتم التشويق في التربية الإسلامية باستخدام أسلوب الممارسة العملية بعدة طرق منها:-
أولاً:- (الممارسة العملية لأمور الدين).
حيث إن الرسول –عليه السلام – لم يكن محجوباً عن الأنظار، بل نزل إلى أرض الواقع، يختلط بالناس. قال تعالى: (هو الذي بعث في الأمّيّن رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين)(<!--)
فأمرهم بأمر الله عز وجل : (<!--). وهنا شوقهم –صلى الله عليه وسلم- إلى فهم الصلاة، حينما صلى على المنبر، فكبر وكبر الناس وراءه، ثم ركع وهو عليه، ثم نزل فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد فصنع فيما صنع في الركعة الأولى، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال :"أيها الناس إني صنعت هذا لتأتمروا بي، ولتعلموا صلاتي"(<!--)
وقال في حديث آخر :"صلوا كما رأيتموني أصلي"(<!--)
وفي ممارسة فريضة الحج قال :"لتأخذوا عني مناسككم"(<!--)
وصام معهم، وزكى، وجاهد، وسافر وباع واشترى، ودان واستدان، وعمل وتعامل معهم. فكان لهم خير قدوة وخير مؤثر ومشوق للدين الإسلامي.
وهنا يجب على المعلم أن يستغل هذا الأسلوب في تعليمه للطلاب فمثلاً عندما يأخذ الطلاب أركان الوضوء أو أركان الصلاة، يشوقهم إلى هذه الأركان بالممارسة العملية أمامهم، ثم يجعل بعض الطلاب يفعلون ذلك، وهنا يظهر تطبيق العلم بواسطة الممارسة العملية.
وعلى المربي دائماً أن يربي طلابه على أن يحققوا في حياتهم ما يدرسهم إياه. وأن يلقي إليهم بأسئلة من واقع الحياة؛ ليتأكد كيف يطبقون علمهم في مواقف معينة من حياتهم الفردية والاجتماعية ويكرر هذا في كل درس جديد يلقيه عليهم.(<!--)
ثانياً:- (تدريب الحواس بالممارسة العملية)
حرص –عليه السلام- على إقناع المتعلمين بالطريقة الصحيحة لعمل معين، فدرب حواسهم بالتجريب، فعنى أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- :مر بغلام يسلخ شاة وما يحسن، فقال له النبي –عليه السلام- :"تنح حتى أريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس – أي دفع- بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ" (<!--)
وفي مثل هذه الحالة. يمكن للمربي، أن يعلم طلابه الذين لا يجدون إمساك القلم أو الكتابة أو الصلاة مثلاً أو العمل اليدوي، فيطبق أمامهم، ثم يتابعهم بالتدرج حتى يطبقوا العمل بإتقان.
ثالثاً:- (التعليم عن طريق الملاحظة والتجربة)
لا شك أن اهتمام القرآن بدعوة الناس إلى الملاحظة والتفكير في الكون وما فيه من مخلوقات، إنما يشير بوضوح إلى اهتمام القرآن بدعوة الناس إلى التعلم عن طريق ملاحظتهم للأشياء أو تجربتهم العملية في الحياة، وعن طريق تفاعلهم مع الكون وما فيه من مخلوقات وأحداث. (<!--)
وقد ورد في السنة المطهرة ما يدل على هذا الأسلوب ويشوق به الآخرين ويقنعهم للوصول إلى النتيجة الصحيحة المطلوبة، ومن ذلك حديث المسيء صلاته، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي –فرد عليه السلام- ثم قال :"رجع فصلِّ فإنك لم تصل "فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي –عليه السلام- فقال: ارجع فصلّ فإنك لم تصلَّ "ثلاثاً فقال، والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم أرفع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"(<!--)
فهنا يترك الرسول –عليه السلام- الصحابي يعيد صلاته مراراً ليحاول الممارسة العملية، والتجربة الذاتية، ليتفطن إلى أخطائه ويصلحها، حتى تثبت لديه عملية التعلم على مر الزمن، ولم يوجهه الرسول –عليه السلام- إلى كيفية الصلاة على الوجه الصحيح، إلا بعد إن عجز هذا الصحابي القيام بنفسه بعد التجربة، وهنا اشتاق إلى التعلم وتفتحت نفسه لقبول العلم، فعلمه الرسول –صلى الله عليه وسلم- كيف يصلي صلاة صحيحة، فكان هذا الأسلوب أقوى تأثيراً، وأوقع في النفس. (<!--)
والمربي يمكن أن يستغل هذ1 الأسلوب لتشويق طلابه إلى العلم من خلاله القاء السؤال، ثم جمع الأجوبة من طلابه، ثم بيان الصحيح، ومن خلال الواجبات البيتية، ثم تصليحها.
ومن خلال هذا الأسلوب يمكن تحقيق الآتي: (<!--)
<!--يتعود الطالب الدقة. فكل متعلم يمارس العمل أمام معلمه، أوكل معلم يمارس العمل ثم يتابعه المتعلم، ثم يناظره المعلم ويصحح له أخطاءه، كما صحح رسول الله –عليه السلام- للصحابة بعض الأخطاء.
<!-- شعور الإنسان بالمسؤولية عن صحة العمل، وهذا يدل على أن منهج التربية الإسلامية منهجاً حركياً عاطفياً مبنياً على الوعي وصحة الأداء.
<!-- نبذ الكبر، واستبعاد والغرور، وترك الكسل والتواكل. والإقبال على العمل، لأن كل إنسان مؤاخذ بعمله…، لا يغني عنه مال ولا جاه.
وخلاصة القول:- إن أسلوب الممارسة العملية أسلوب ناجح في التشويق، فالتجربة خير مشوق للعمل، وهذا ما كان يفعله رسولنا –عليه السلام- ثم الصحابة –رضي الله عنهم-، فكان لهذا الأسلوب أعظم الأثر في نفوس الناس حتى أقبلوا على الدين وتلقوه بالرغبة والشوق والمحبة، وبذلوا في سبيله كل غالٍ.
المبحث الخامس:- (أسلوب الترغيب والترهيب).
الترغيب والترهيب من أساليب التشويق في التربية الإسلامية؛ فما معنى هذا الأسلوب؟ وما أهميته في التربية؟ وكيف يتم التشويق من خلاله؟ هذا ما سنجده في المطالب الآتية:-
المطلب الأول:- (مفهوم الترغيب والترهيب).
أولاً:- (لغة)
<!--الترغيب لغة: الحرص على الشيء، والطمع فيه، وهو يعني التشويق والحث على فعل معين. (<!--)
<!-- الترهيب لغة:- من رهب، أي خاف وفزع. (<!--)
ثانياً:- (اصطلاحاً)
<!--الترغيب: هو وسيلة استرضاء، واستعطاف، لما لدى الإنسان من طمع بمنافع ولذات وخبرات، معجلة، أو مؤجلة، فمتى استرضيت النفس بشيء من ذلك سكنت عن الإنسان لصوارف له عن طريق الخير، وغدا سهل الانقياد فيه، وانفتحت نفسه للاقناع به، والتعلق بأسبابه. (<!--)
<!-- الترهيب:- هو وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم، أو ذنب مما نهى الله عنه، أو على التهاون في أداء فريضة مما أمر الله به. أو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت، والعظمة الإلهية، ليكون دائماً على حذر من ارتكاب الهفوات والمعاصي.(<!--)
وبناءً على ما تقدم فيمكن تعريف هذا الأسلوب: بأنه تقديم ما يشبع حاجة أو أكثر من حاجات الإنسان حثاً على القيام بسلوك معين، أو تقوية لذلك السلوك وطلباً لاستمراره أو تكراره، كما يعني تقديم ما يشعره، بالألم والانزعاج، والحيولة دون ما يشبع حاجة من حاجاته، حداً لسلوك قام به، أو حملاً على القيام بسلوك امتنع عنه"(<!--)
المطلب الثاني: (أهمية أسلوب الترغيب والترهيب في التربية).
إن أسلوب الترغيب والترهيب من الأساليب التربوية التي لا يستغنى عنها المربي في كل ممارسة تربوية. ومهما عمل في حقل التربية فلا يستطيع السير طويلاً ما لم يعرف أن هنالك نتائج مسّرة أو مؤلمة، وراء عمله وسلوكه. فإنْ عمل خيراً؛ نال السرور والحلاوة، وإن عمل شراً؛ ذاق الألم والمرارة. (<!--)
والقرآن الكريم قد استخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع، حيث أن نتائج عمل الخير طيبة في الدنيا والآخرة، وخاصة عندما يصور نعيم أهل الجنة بأجمل تصوير، ويصور هول الجحيم كذلك بشكل مرعب، ولا بُدَّ للإنسان السوي أن يختار طريق الخير في الحياة، وطريق المحبة والرحمة والتعاون، وحسن معاملة الآخرين. هذا وإن القرآن لصريح بأن الإنسان يحاسب على كل عمل يقوم به صغيراً أم كبيراً. والجزاء مطابق للعمل فلا ظلم ولا عدوان على الإنسان. (<!--)
ويعد أسلوب الترغيب والترهيب حافزاً يدفع الإنسان إلى التعلم الصحيح، وتجنب الأخطاء، وفعل الحسن وترك القبيح، ولا ينكر وجود عاطفتي الحب والكره، والميل إلى شيء، والنفور منه في نفس كل إنسان أحدٌ. فإذا حققت التربية رغبات النفس البشرية، وأصبح ما يتعلمه الطالب وسيلة للحصول على ما يرغب فيه، ونهي مما يخاف منه؛ فإنه يتأثر بها إلى أبعد الحدود. (<!--)
والترغيب والترهيب هما خطان متقابلان في النفس البشرية منذ الطفولة. حيث هذان الإستعدادان متجاورين، والتربية الناجحة هي التي توقع على هذين الخطين ما يربي النفس، ويشفيها من انحرافها، ويقومها ويقويها، ويضعها في وضعها الصحيح. (<!--)
والترهيب من الأساليب التربوية في الإسلام، لأن النفس البشرية إذا تركت على حالها، فإنها تقبل كل عمل ضعيف وتتكاسل عن بذل ما تراه على النفس ثقيلاً. لذلك فإن الترهيب يجب أن يتبع في علاج السلوك المنحرف. فإن لم تؤدّب النفس وتخالف ما تظن أن فيه لذاتها؛ انقادت إلى الأهواء وفسدت في طبعها، وصبح الترهيب في هذه الحالة ضرورة ما بعدها ضرورة. إذا يفرض على النفس – التي تميل إلى التسويف والتقصير والراحة والخمول وتأجيل استيفاء الحقوق- الإلزام بأن تقوم بواجباتها وحقوقها وردعها بسبب المخالفة والتخويف من العقاب الإلهي، فإذا لم تخف هذه النفس هلكت، وهلك معها كل من شاكلها في ارتكاب الآثام والذنوب والنقائض، ومن طبع النفس البشرية النسيان والغفلة، لذلك فإن الترهيب يصبح نوعاً من التذكير بما آلت إليه النفس عن انتكاس ونكوص ووقوع في الرذائل والآثام. (<!--)
ولكن النفس البشرية إذا ما قسوت عليها بالتخويف والترهيب والتحذير، لكي تسير طريق الحق، فإنها تمل من الزجر والوعظ وربما تمردت وضاقت ذرعاً من التوجيه والإرشاد، وكأن هذا الأمر لا يعنيها، فتعيش حياة اللامبالاة والظلم، فتخسر الدنيا قبل الآخرة. ولذلك فإن علماء التربية يحذرون من القسوة على الإنسان في بداية التربية، بل يجب أن يتدرج المربون مع الطلاب درجة درجة، حتى يصلح أمرهم، ويبتعدوا عن غيهم، وذلك بالترغيب والجذب والاستقطاب، ويعتبر الترهيب مكمّل للذهب، حتى تتوازن النفس. (<!--)
ونظراً لأهمية هذا الأسلوب فإننا نجد أن القرآن الكريم قد أكثر منه، فحيثما ذكرت النار، ذكرت بعدها الجنة، وبالعكس، عندما يذكر الله صفات المؤمنين. يقرنها بصفات الكفار والمنافقين، ويعطي القرآن أهمية كبرى للترغيب والترهيب، لاتصالهما بعواطف الإنسان وحاجاته التي تمثل جانباً من كيانه.
المطلب الثالث:- (كيف يتم التشويق بأسلوب الترغيب والترهيب؟
يعتبر هذا الأسلوب من الأساليب القوية في التشويق إلى أمر من الأمور وذلك لأنه يختص بـ:
أولاً:- أنه أسلوب يتوافق مع فطرة الإنسان التي فطر الله عليها الناس، من الرغبة في المنافع، والابتعاد عن المضار.
ثانياً:- أنه أسلوب قوي في إثارة الدوافع والعواطف لدى الإنسان، من أجل الحصول على هدف ما.
ثالثاً:- أنه طريق مؤثر وفعّال جداً، ومنتج لحافز ذاتي داخل النفس الإنسانية.
رابعاً:- أنه أسلوب مصحوب بالتصوير الفني الرائع، لنعيم الجنة أو لعذاب النار يفهمه كل الناس. (<!--)
وقد اعتمد الإسلام في منهجه التربوي اعتماداً كبيراً على طريقة الترغيب والترهيب، واستخدمه وسيلة للتعليم ومن الأمثلة على الترغيب، قول الرسول –عليه السلام :"ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد –صلى الله عليه وسلم-، والعبد المملوك إذ أدى حق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها، فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران"(<!--)
ومن الترهيب حديث الرسول في الرياء "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه ما رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه، فعرفهما، قال: فما علمت فيه؟ قال، قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: فلان جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورحل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن،…. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال فأتي به…(<!--)
ونظراً لأهمية هذا الأسلوب، فإنه ينبغي على المربين أن يستخدموا هذا الأسلوب في العملية التربوية باعتدال واتزان. فلا تمادي في المعصية، والاغترار برحمة الله ومغفرته، وتسويف وتأجيل التوبة إلى الله، ولا يأس من نصر الله ورحمته، بدعوى أن المجتمع كله منغمس في المعاصي، منحرف عن الإسلام الصحيح، فيتركوا العمل بشريعة الله والدعوة إليها"(<!--)
ومن الأنشطة البشرية التي يقوم بها الطلاب ويحتاجون فيها إلى أسلوب الترغيب والترهيب، التعلم ومحصلته النهائية، فإذا كانت عناصر العملية التربوية تقوم على أساس أسلوب الترغيب والترهيب، فإن المحصلة النهائية لدى الطلاب تكون عالية جداً.
ومما يساعد على هذا الأسلوب صياغة المناهج بأساليب شائقة ومؤثرة، وتدريسها بوسائل وأساليب شائقة، حيث يستخدم المعلم وسائل تعليمية، وأساليب تشجيعية، ويستخدم الكلمات التعزيزية اللطيفة، ويعطي الجوائز والتقديرات والدرجات على الجهود المبذولة من قبل المتعلمين، وإذا دعت الحاجة إلى استخدام أسلوب الترهيب كعلاج فإنه يستخدمه للعلاج وليس للإنتقام، ويضع هذا العلاج على قدر المرض، سواء أكان هذا العقاب معنوياً أو حسياً، مثل بيان الآثار النفسية، والاقتصادية، والاجتماعية، لهذا المرض.
وباستخدام هذا الأسلوب المشوق في حقل التعليم، نجد أنه كالجناحين الذي لا يطير الطائر إلا بهما، مما يجعل له أكبر الأثر في نفوس الطلاب، وإذكاء روح التنافس بينهم، وإثارة الانفعالات عندهم.
وخلاصة القول: فإنه يتضح في أسلوب الترغيب والترهيب من أساليب التشويق في التربية الإسلامية، حيث فيه الترغيب والترهيب، وأهمية هذا الأسلوب في اجتذاب النفس والعواطف، وموافقة الفطرة، وإثارة الدوافع بعيداً عن التقليد، مما يبرز مكانته وأهميته في التأثير، والتأثر بتوازن واعتدال وما على المربين إلا أن يستغلوه استغلالاً جيداً.


