المبحث الثالث:-(أسلوب الحوار والمناقشة)
أسلوب الحوار هو أحد الأساليب التربوية التي استخدمها القرآن الكريم ،و السنة المطهرة ، لتعليم الناس أمور دينهم و تشويقهم إليه، ما هو الحوار؟ وما هي أهميته؟ وما أنواعه؟ وكيف يتم التشويق من خلال أسلوب الحوار؟ هذا ما سنجده في المطالب التالية:
المطلب الأول:- (مفهوم الحوار).
أولاً:- (الحوار في اللغة)
الحوار من التحاور، والمحاورة وهي:- التجاوب و المجاوبة. (<!--)
وهو مأخوذ من حاوره وتحاوروا أي تراجعوا الكلام فيما بينهم، والحوار: حديث يجري بين أثنين أو أكثر. (<!--)
ثانياً:- (الحوار في الاصطلاح)
1- هو أن يتبادل طرفان أو أكثر، عن طريق السؤال والجواب- بشرط وحدة الهدف أو الموضوع- يتبادلان النقاش حول أمر معين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يصلان، ولكن السامع يأخذ العبرة ويكون لنفسه موقفاً. (<!--)
2- أو هو نوع من الكلام يتم بين شخصين –على الأقل- يتبادلان فيه وجهات النظر، ولكل منها فرصة متكافئة في طرح الأراء والرد عليها.
3- هي تلك الطريقة التي تقوم على أساس الحوار والمناقشة بالأسئلة، والأجوبة، للوصول إلى حقيقة من الحقائق لا تحتمل الشك، والجدال.(<!--)
المطلب الثاني:- (أهمية الحوار في التربية الإسلامية)
لقد استخدم القرآن الكريم أسلوب الحوار، لبيان الحقيقة والواقع، ولإزالة الأوهام الخرافات من عقول الناس، ومحاربة التقليد الأعمى للآباء والأجداد(1)، ومن الأمثلة التي تدل على ذلك قوله تعالى :(واتلُ عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظلُ لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين). (2)
وقلما نجد قصة في القرآن إلا ويوجد فيها أسلوب الحوار بين أشخاصها، وهذا يعطيها صفة الحيوية، ويجعلها أكثر متعة وأشد تأثيراً على النفس. (3)
وكذلك استخدم الرسول –عليه السلام- أسلوب الحوار في دعوته، فها هو رجل يأتي إليه ويقول :"يا رسول الله ، ولد لي غلامٌ أسود، فقال: النبي –عليه السلام- هل لك منم ابل ؟ قال: نعم ، قال : ما ألوانها ؟ قال : حمراء ، قال :هل منها أورق؟ قال: نعم: قال فأنَى ذلك؟ قال: لعله نزعة عرق قال:فلعل ابنك هذا نزعه. (4)
وتعد المحاورة من أرقى الأساليب في التربية الإسلامية، حيث إن هذا الأسلوب يتبادل فيه طرفان، وجهات النظر، و تتلاقح الآراء، ويعطي كل طرف حرية طرح رأيه، وفكرته، وحرية الرد والمناقشة، وعادة ما تتسم المحاورة بالهدوء والرزانة، وهي تسعى إلى إيضاح مفاهيم خاطئة، أو أمور غامضة، أو أسئلة حائرة، لا يجد لها أحد المتحاورين أوكلاً منهما إحاطة، حتى تكون المحاورة. (5)
والحوار هو المنطلق الذي يمكن استخدامه مع كثير من الناس، لأن ما لديهم من فساد، أو انحراف ليس مبنياً على علم وأدلة، بل على تقليد لغيرهم، وجهل في الدين، وبشيء من المحاورة الهادفة، من قبل المربين مع أمثال هؤلاء، تزول كثير من الانحرافات، وهو أمر يحدث بكثرة مع البسطاء من الناس. ومن هنا تنطلق أهمية هذه الأسلوب التربوي الفعّال.
ونظراً لأهمية أسلوب الحوار، فإن المربين المسلمين قد اهتموا به، في التدريس. واعتبروه أسلوباً مفضلاً مجدياً في التعليم ، يقول الزرنوجي:- إن قضاء ساعة في المناقشة، أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار. (<!--)
و الحوار في التربية الإسلامية ، يحقق بعض الأهداف المهمة في الإثارة و التشويق ، و من هنا تظهر أهميته انه:-
أولاً:- يثير انتباه المتعلمين لما سيلقي عليهم، وقد فعل ذلك السلف الصالح، حيث كانوا يهيئون نفوس المتعلمين؛ استعداداً لأمور لاحقة سوف تلقى عليهم، فيوقظ أذهانهم ويشحذ هممهم، للاستفادة من تلك المعلومات التي تأتي. ومن الأمثلة على ذلك الحوار الذي جرى بين النبي –عليه السلام- ومعاذ بن جبل –رضي الله عنه- حيث قال له :"يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده؛ وما حق العباد على الله"؟ قال معاذ: الله رسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً"(<!--)، في هذا الحديث أثار الرسول –عليه السلام- نفس المتعلم، بأن هناك أمراً جديداً، سوف يأخذه من الرسول –عليه السلام- وهذا الأمر يستلزم منه الإصغاء والانتباه بكل حواسه، من أجل الاستفادة من هذه المعلومات الجديدة. وقد القي الرسول –عليه السلام- السؤال ثم سكت من أجل إثارة الأذهان، واستحضار القلب إلى ما سوف يلقي عليهم.
ثانياً:- إثارة المنافسة بين المتعلمين، وذلك من اجل التنافس في فعل الخيرات والصالحات. ومن الأمثلة على ذلك الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر –رضي الله عنه- حيث قال :أن النبي –عليه السلام- قال :إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي؟ قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا :حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة"(<!--)
وفي هذا الحديث أثار الرسول –عليه السلام- أذهان الصحابة إلى ضرورة التفكير والتأمل في هذه الشجرة. وهم قد حركوا أذهانهم وأفكارهم للوصول إلى الجواب قبل بعضهم، و أثار الدافعية عندهم للوصول إلى الحقيقة، ثم أجاب لهم –عليه السلام- عن السؤال.
ثالثاً:- تشجيع روح النقد الذاتي في الإنسان لمراجعة أفكاره وخبراته بين حين وآخر.
رابعاً:- تزيد الحوارات من الثقة النفس، فلا يكون الفرد سلبياً ينظر أمراً أو نهياً، أو إمعة يقبل كل ما يلقي إليه، ولا يعيش في فوقعة منعزلة.
المطلب الثالث:- (أنواع الحوار في التربية الإسلامية)
لقد استخدم القرآن الكريم، والسنة المطهرة أسلوب الحوار، وأتخذه وسيلة فاعلة لتعزير الإيمان في النفوس، وإيصال الحق إلى البشر، وإرشاد التائهين، وتشويق الناس بهذا الدين، وقد اتخذه ذلك عدة صور منها:-
أولاً:- (المحاورة التشريعية)
وهي محاورة من قبل الشارع يقابلها استجابة بعواطف ووجدان، وانفعال، وتفكير سليم وهي استجابة واقعية مؤثرة ومشوقة.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :-(ألم يجدك يتيماً فأوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى)(<!--)
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال، سمعت النبي يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي النصفين، ولعبدي سأسأل؟ فإذا قال العبد: الحمد الله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي.
فإذا قال العبد الرحمن الرحم قال الله تعالى: إثنى عليّ عبدي
فإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى مجدني عبدي
فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا يعني ولئن عبدي، ولعبدي سأسأل. (<!--)
وهذا الأسلوب فيه تجاوب مع أسئلة القرآن والتفكير بمعناها، والجواب على ما يمكن والجواب عليه أو استحضاره في القلب، وهذا فيه تأثير عاطفي قوي ومشوقّ حيث يوقظ في النفس عاطفة العرفان بالجميل والشكر لله. ومن ثم تربي العاطفة والتي تدفع صاحبها إلى التطبيق والتضحية والسلوك المستقيم(<!--)
ثانياً:- (المحاورة الوصفية)
وهي أسلوب يقصد به وصف حيّ لحالة نفسية، أو واقعية للمتحاورين بقصد الإقتداء بهم في الخير، والابتعاد عنهم في الشر.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:( وقالوا ياويلنا هذا يوم الدين، هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون، احشروا الذين ظلموا وأزوجهم وما كانوا يعبدون، من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون، مالكم لا تناصرون، بل هم اليوم مستلمون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين، قالوا بل لم تكونوا مؤمنين، وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغيين، فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون، فأغويناكم إنا كنا غاوين) (<!--)
فهذا الأسلوب يؤثر في الوجدان، وينمي العواطف الربانية، والسلوك الإنساني التعبدي الفاضل، فهذا حوار حدث بين الله –جلاله- والملائكة والحديث من الظالمين، حيث قاموا من قبورهم، فعرفوا أنه يوم الدين، ثم ينادي الله زبانية منهم ليدلوا الظالمين إلى طريق جهنم. وهنالك يحدث الحوار بين القادة والمحكومين، وفي هذا الأسلوب تعرض الصورة عرضاً دقيقاً يصف الموقف وكأنه رأي عين، فما يزيد التأثير العاطفي الذي ينتج عنه التشويق لهذا الأمر. حتى يبتعد عن سلوكهم، وهذا الأسلوب يعتمد على الإيحاء وهو أشد تأثيراً من التلقين. ويحسن مع ذلك استجواب المتعلمين أثناء تدريس القرآن عن رأيهم في هذا المصير المؤلم… وعن سببه. ليتأكد المربي من أنهم يتابعون الصورة بشوق وتأمل… ولنختبر أحاسيسهم ومشاعرهم ومدى استجابة عواطفهم وانفعالاتهم حتى يوجهها. (<!--)
ثالثاً:- (المحاورة القصصية):-
وهي حوار يأتي على هيئة قصة، والقصة تأتي إما حواراً أو إخباراً. والمقصود هنا القصص الحواري، إما الإخبارية فقد تقدمت في المبحث الأول من
من هذا الفصل.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: (إنا بلونهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ اقسموا ليصر منها مصبحين، ولا يستثنون، فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم، فتنادوا مصبحين، أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون، أن لا يدخلها اليوم عليكم مسكين، وغدوا على حرد قادرين، فما رأوها قالوا إنا لضالون، بل نحن محرومون، قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون، قالوا سبحان ربنا أنا كنا ظالمين، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، قالوا ياويلنا أنا كنا طاغين، عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها إنا إلى ربنا راغبون، كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). (<!--)
وهذا الحوار هو كثير في القصص القرآني، وهو ذو أثر فكري رائع بالإضافة إلى أثره الوجداني العاطفي، حيث إنه يعتمد على الإيحاء فهو يوحي إلى للقارئ بطريق غير مباشر أن يكره صحيح الباطلين وأحوالهم. وخاصة عندما يرى مصيرهم في آخر القصة، وكذلك فيه ذكر الخاتمة والنتيجة من القصة. وذلك يأتي بعد ترقب وتلهف يشد القارئ والسامع إلى تتبع الحوار، وتأمل معانيه.
ويجب على المربي أن يستغل مثل هذه المحاورات عند التعليم، من استجواب الطالب عن رأيه في الحوار أو موقفه منه، بهدف تربية مشاعره وعواطفه الربانية وتفكيره الديني عن الحياة الاجتماعية والتصوير الفكري عن الإنسان ومهمته في الكون. (<!--)
رابعاً:- (المحاورة الجدلية لإثبات الحجة):-
وهي أسلوب حوار يجري بين الحق والباطل، وهي حوار قوي البرهان، واضح الحجة، هدفه الرد على أية شبهة. ودحض أي دعوى. بغرض إفحام الخصوم، وإلزامهم بالحق.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افترائه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءو ظلماً وزوراً، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى بكرة واصيلا، قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً). (<!--)
وعن أبي أمامه –رضي الله عنه-، قال :( إن فتى شاباً أتى النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال، يا رسول الله *** لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فر جروه، وقالوا دمه، مه، فقال :" أدنه" فدنا منه قريباً قال:" اجلس"، قال:" ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال :"افتحبه لا تنك"؟ قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال (ولا الناس تحبونه ** فوضع يده عليه وقال :" اللهم أعوذ ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه" فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) (<!--)
وخلاصة القول: في أسلوب الحوار من الأساليب الشائعة في التربية الإسلامية. وما ذاك إلا أنه يشد انتباه السامع أو القارئ إلى المحاورة. ومن ثم ترقب النتيجة بشوق كبير، حتى إذا اقتنع بها ثم ليعمل بها. وما على المعلمين إلا أن يستخدموا هذا الأسلوب في عملية التربية حتى يكون التعليم مبنياً على رغبتهم وأشدَ وقعاً في نفوسهم.
المطلب الرابع:- (كيف يتم التشويق بأسلوب الحوار)
أسلوب الحوار من الأساليب التي تترك أثراً بالغاً في نفس السامع، أو القارئ الذي يتتبع الموضوع بشغف وإهتمام حتى الوصول إلى النهاية.
ومن خلال الحوار. يبرز عنصر التشويق في ثنايا الحديث، وتجدد الهمم، وتتولد الأفكار، من أجل معرفة الحقيقة. ومن الجدير بالذكر أن الحوار يدفع الملل والسأم عن القارئ، والسامع، ويدفعه ذلك إلى الإهتمام والمتابعة، لما يتوقعه من جديد، أو من انتصار أحد الطرفين على الآخر.
ومن خلال الحوار يتم ايقاظ العواطف والانفعالات مما يساعد على تربيتها وتوجيهها نحو المثل الأعلى. كما يساعد على تأهيل الفكرة في النفس بعمق. (<!--)
وإذا أردنا أن يكون الحوار شائقاً؛ فلا بد من توافر بعض الشروط التي يجب أن يتحلى بها المتحاورين:- (<!--)
(أولاً):- إخلاص النية لله، والتجرد من الهوى والشهوات للوصول إلى الحق.
(ثانياً):- خلو الأدلة من التناقض، فعندما يدعو المربي طلابه إلى قضية معينة، فهو مطالب بأن لا يقدم أدلة متناقضة. وهذا الأسلوب كان يفعله الكفار عندما يجادلون الرسول –عليه السلام- فنراهم ثراة يقولون سحر مستمر" وتارة يقولون: ساحر أو مجنون" وهنا يظهر التناقض، فكيف يكون السحر مستمراً؟ وكيف يكون ساحراً ومجنوناً وهما مختلفان؟
وإذا كانت المحاورات قائمة على التناقض فإن المستمع، أو القارئ، يبتعد عن الموضوع، وتدخل السآمة والملل إلى وجدانه ومن ثم نفتقد عنصر التسويق في المحاورة.
(ثالثاً):- استخدام الكلام المهذب
وينبغي على المتحاورين استخدام الكلمات المهذبة، والبُعد عن الإستهزاء، لإن الكلام البذيء الفاحش، ينفّر النفس من السماع. والإستهزاء ينتقص من قيمة المحاور، وخاصة إذا كان عنده عيب خلْقي، يجعله الخصم وسيلة للتغلب عليه.
ومما يدل على أهمية هذا الشرط قوله تعالى (يوجد آية قرآن سورة النحل آية 101)*******************(<!--)
وقوله الرسول –عليه السلام- :(ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذي"(<!--)
والمربي أولى من غيره باستخدام العبارات الطيبة التي لا تجرح كرامة طلبته أو تحط من قدرهم، فإذا أصاب أثنى عليه خيراً، وإذا أخطأ بيّن له الصواب بأسلوب مهذب بعيد عن التجريح.
(رابعاً):- أن يكون الهدف من الحوار معرفة الحقيقة، ثم العمل بمحتواها.
أمّا إذا كان الحوار من أجل الحوار أو ملأ الفراغ. أو قتل الوقت فهذا منهي عنه، ويؤدي إلى الحقد والكراهية والبغض، أما إذا الهدف الوصول إلى الحق، فإن النفس تتفتح لقبول الأدلة النقلية والفعلية والوجدان يستريح لقبول الحق والعمل به.
ليس الهدف من الحوار التغلب على الخصم بصرف النظر عنه أية أمور أخرى. فإن العالم المسلم لا يحرص على الحوار العام بقصد تسجيل انتصار شخصي على من يحاوره، لكنه يحرص في كل حين على معرفة الحقيقة والكشف عنها.
لذا نجد أن الغزالي يشير إلى أن العالم يحرص على مناقشة خصمه في خلوة أما الذي يفضل عكس ذلك. فيهدف إلى أن يكون فارس الميدان.
وعلى المعلم الذي يرغب في استخدام أسلوب الحوار استخداماً فعالاً ومشوقاً، مطالبٌ بأن يوفر لطلبته الأجواء المناسبة للحوار، وعليه أن يذكرهم بأن إبداء الرأي من جانبهم حق لهم، وأن أياً منهم لن يضار بمجرد الإتيان برأي يخالف رأيه. وما لم يقم المعلم بذلك فإن الحوار يكون بلا معنى. (<!--)
المبحث الرابع:- (أسلوب الممارسة العملية)
من أساليب التشويق في التربية الإسلامية أسلوب الممارسة العميلة. وهو أسلوب فعّال ومشوق، كان الرسول –عليه السلام- يمارسه في تعليم أصحابه –رضي الله عنهم- وهكذا سار السلف الصالح. فما هو مفهوم الممارسة العميلة؟ وما أهميته؟ وكيف يتم التشويق من خلاله؟ هذا ما سنبحثه في المطالب التالية:-
المطلب الأول:- (مفهوم الممارسة العملية)
أولاً:- (لغة)
يتكون هذا المفهوم من كلمتين وهما:-
<!--الممارسة:- وهي المعالجة. وفرس النمر وغيره من الماء، إذ أنفقه. (<!--)
<!-- العمل:- وهو فعل فعلاً عن قصد، وهو المهنة والفعل.
ثانياً:- (اصطلاحاً)
تعني الممارسة والعمل في المفهوم الإسلامي: كل جهد وعمل مشروع، مادي أو معنوي. أو مؤلف منهما معاً"(<!--)
والله قد أعطانا الأدوات الأساسية للتطبيق العملي
<!--أعطانا الفكر والعقل والحواس الإنسانية الذكية.
<!-- المواد الخامة في الكون كله، وهو صفة مفتوحة لكل راغب صادق.
<!-- اليد الإنسانية في إبداعها وحركاتها.
<!-- الحياة النامية لتنقذ الأجيال الحاضرة من *** حضارات الأجيال السابقة ليسير الإنسان في طريق صاعد إلى أعلى. (<!--)
المطلب الثاني:- (أهمية أسلوب الممارسة العملية في التربية الإسلامية)
تبرز أهمية هذا الأسلوب في أنه الصورة العملية للعلم. والدين الإسلامي كما هو معلوم، قائم على علاقة متينة بين الإنسان وربه، وهو دين يطالب بالأعمال الصالحة التي يرضاها الله عز وجل، فالعقيدة من غير عمل لا تنفع. والنيات بحاجة إلى عبادة من صلاة، وزكاة، وصوم،… وهكذا تبقى العقيدة حسية القلب حتى يترجم لها العمل. (<!--)
وقد ورد في القرآن والسنة المطهرة ما يدل على أهمية هذا الأسلوب في كل شيء، حتى أصبح العمل ضوء الإيمان ويلازمه، قال تعالى *************يوجد آية قرآنية (<!--)، ويقول الرسول –عليه السلام- "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. ولكن ما وقر في القلب وهدفه العمل". وهو أسلوب أساسي في التربية الإسلامية، وما العبادات العملية التي أمر بها الدين إلا أساليب ووسائل عملية لتربية المسلم، وترويض روحه وعقله وجسمه، وقد جاءت الحكمة التربوية صريحة في كثير من النصوص الشرعية التي أمرت بها، أو حثت عليها قال تعالى :**************أية قرآن (<!--) وقال *******أية قرآن(<!--)
وللإيمان لهذا الأسلوب فقد حرص المسلمون الأولون على إرسال أبنائهم إلى البادية العربية ليتعلموا اللغة العربية عن طريق الممارسة العملية في بيئية لغوية أصلية. وللإيمان بهذا الأسلوب رفع المسلمون من شأن الرحلات العملية التي تساعد على التعلم مباشرة. (<!--)
والقرآن يشترط أن يكون العمل مزيفاً للعلم. إذ أن تكوين أخلاق الإنسان وبناء علاقاته الاجتماعية لا تقوم بالوعظ وحده، ولا بالحفظ وحده، بل تحتاج إلى أفعال يمارسها الإنسان لتتكون أخلاقه عملياً، وليبني علاقاته مع بني الإنسان بالواقع، إذ أن تعود المرء على النظام في الحياة، وعلى ضبط النفس. وعلى الحياة الاجتماعية التعاونية. بحاجة إلى مراناً وممارسة يومية تلازم حياة الإنسان ليل نهار"(<!--)
والعلم إن لم يصحبه العمل الصالح، فإنه يكون وبالاً على صاحبه. وهذا ما يؤكده قول الرسول –عليه السلام- يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتدلق أقنابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول:-كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنها كم عن الشر وآنية"(<!--)
والعلم إذا لم يدعمه العمل فإنه سيُنسى مع مرور الزمن، ولكنه مع العمل يبقى ويزداد، لإن العلم التطبيقي أوقع في النفس وأدعى إلى الثبات والإستقرار في القلب والذاكرة.
وبعد القيام بالعمل النافع أثراً من آثار التربية، وغاية مرغوباً فيها، ويبقى التعلم النظري باهتاً حقيقياً لا اثر له حتى يغذي بالتدريب العملي. ولقد اعتمد على ذلك الرسول عليه السلام في أول الدعوة، فكان الواحد من الصحابة عندما يتغذى الإسلام، ويأمر به الرسول –عليه السلام- إلى من يعلمه القرآن وأمور دينه. (<!--)
والتربية بالعمل هي آخر ما دعت إليه التربية الحديثة. حيث أن تكوين أخلاق الإنساني وبناء علاقاته الاجتماعية لا تقوم بالوعظ وحده ولا بالحفظ وحده؛ بل تحتاج إلى أفعال يمارسها الإنسان لتتكون أخلاقه عملياً، وليبنى علاقاته مع بن الإنسان بالواقع، فيقود المرء على النظام في الحياة، وعلى ضبط النفس، وعلى الحياة الاجتماعية التعاونية. وعلى التضحية في سبيل المجموع، كلما تتطلب مراناً وممارسة عملية يومية أتلازم حياة الإنسان ليل نهار، وهذا ما دعت إليه التربية الإسلامية من خلال العبادات التي تغذي الإنسان بالجانب الروحي. (<!--)
وهكذا نجد الإعتماد على هذه الأسلوب في التربية وبشكل واضح ملموسات المنهج الإسلامي، بينما النظريات التربوية الأخرى ترى أن العمل من أجل الفائدة المادية فقط. وبهذا يكون الإسلام قد سبق جميع النظريات التربوية المعاصرة التي تدعو إلى العمل. أمثال (لوك الانجليزي)، (وفرويل). و(روسو) و(لوتر).(<!--)
وبناءً على ما تقدم، فإنه يجب على المربي أن يعلم طلابه أسلوب الممارسة العملية، ليطبقوا علمهم في المواقف التي تدعو إلى ذلك، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي، وكذلك فإنه ينبغي على واضعي المناهج التربوية أن يضعوا عدداً من الأسئلة العملية والتطبيقية، أثناء تطبيق المنهاج التربوي. (<!--)
المطلب الثالث:- (كيف يتم التشويق بأسلوب الممارسة العملية)؟
يتم التشويق في التربية الإسلامية باستخدام أسلوب الممارسة العملية بعدة طرق منها:-
أولاً:- (الممارسة العملية لأمور الدين).
حيث إن الرسول –عليه السلام – لم يكن محجوباً عن الأنظار، بل نزل إلى أرض الواقع، يختلط بالناس. قال تعالى**************آية قرآنية(<!--)
فأمرهم بأمر الله عز وجل ************أية (<!--). وهنا شوقهم –صلى الله عليه وسلم- إلى فهم الصلاة، حينما صلى على المنبر، فكبر وكبر الناس وراءه، ثم ركع وهو عليه، ثم نزل فنزل الفهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد فصنع فيما صنع في الركعة الأولى، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال :"أيها الناس إني صنعت هذا لتأثمروا بي، ولتعلموا صلاتي"(<!--)
وقال في حديث آخر :"صلوا كما رأيتموني أصلي"(<!--)
وفي ممارسة فريضة الحج قال :"لتأخذوا عني مناسككم"(<!--)
وصام معهم، وزكى، وجاهد، وسافر وباع واشترى، وإن واستدان، وعمل وتعامل معهم. فكان لهم خير قدوة وخير مؤثر ومشوق للدين الإسلامي.
وهنا يجب على المعلم أن يستغل هذا الأسلوب في تعليمه للطلاب فمثلاً عندما يأخذ الكل به أركان الوضوء أو أركان الصلاة، يشوقهم إلى هذه الأركان بالممارسة العملية أمامهم، ثم يجعل بعض الطلاب يفعلون ذلك، وهنا يظهر تطبيق العلم بواسطة الممارسة العملية وإنه أسلوب ناجح وفعّال في العملية التربوية.
وعلى المربي دائماً أن يربي طلابه على أن يعتزموا أن يحققوا في حياتهم ما يدرسهم إياه. وأن يلقي إليهم بأسئلة من واقع الحياة؛ ليتأكد كيف يطبقون علمهم في مواقف معينة من حياتهم الفردية والاجتماعية ويكرر هذا في كل درس جديد يلقيه عليهم.


