المبحث الثاني:- (أسلوب ضرب الأمثال)
أسلوب ضرب الأمثال أحد الأساليب التشويقية التي استخدمها القرآن الكريم، والرسول –عليه السلام، في بيان الحقائق التي يهتدي بها الناس، وإقامة الحجة على من ضل عن الهدف الذي يرمي إليه الوحي الإلهي، وهو تحقيق العبودية لله تعالى وحده.
وفي هذا المبحث سيتم بيان معنى أسلوب ضرب المثل، وأهميته، وأهدافه، وكيف يتم التشويق من خلاله؟
المطلب الأول:- (مفهوم ضرب المثل)
أولاً:- (لغة)
إن ضرب المثل مصطلح واسع الاستعمال، ومن اللطيف أن كلاً من هاتين الكلمتين تعني الشبه(<!--)
ومعنى ضرب المثل اعتبار وضعه وإنشاؤه، وقد اختير لفظ الضرب مع المثل، لإنه يهيج الانفعال، وكأنه يقرع الأذن لينفذ أثره إلى القلب وأعماق النفس(<!--)
ثانياً:-( ضرب المثل في الاصطلاح)
تعددت عبارات أهل التفسير والبلاغة والأدب والتربويين في تعريف المثل وفيما يلي طرفاً منها:-
1- قال الزمخشري:- "والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل والنظر". (<!--)
2- وقال ابن القيم:-" تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهُما بالآخر"(<!--)
<!--أهل الأدب:- "هو قول محكي سائر يقصد منه تشبيه حال الذي حكي فيه بحال الذي قيل لأجله. "(<!--)
<!-- أهل البلاغة:- حالة خاصة من حالات التمثيل التي تعتمد على اللغة المجازية، أو هو جملة استعارية شاعت على الألسنة فسميت مثلاً. (<!--)
<!-- وقال الحكيم الترمذي:- الأمثال نموذجات الحكمة لما غاب عن الأسماع والأبصار لتهتدي النفوس بما أدركت عياناً. (<!--)
<!-- وقال النحلاوي:- هو تشبه شيء يراد بيان حسنه أو قبحة بشيء مألوف حسنه، ومعروف حقارته. (<!--)
وبناءً على ما تقدم فيمكن تقديم هذا التعريف لأسلوب ضرب المثل:" فهو صياغة وإنشاء قول ماثل للعيان ذو نمط معين من أجل تشبيه أمر معين يحتاج إلى توضيح أو تصوير، أو يراد ترسيخه في الذهن، وتشويق طائفة من الناس بمحتواه، ودعوتهم إلى اعتناقه، ليطوروا سلوكهم وحياتهم بما يتناسب معه".
المطلب الثاني:- (أهمية ضرب الأمثال في العملية التربوية)
يعتبر أسلوب ضرب الأمثال من الأساليب التربوية التي استخدمت بكثرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكذلك فإن المرء يجد اهتمام المربين المسلمين بذلك، فقد حرص ابن جماعة –رحمه الله- على توجيه المعلم إلى تصوير المسائل، ثم توضيحها بالأمثلة لمن لم يتأهل للفهم. (<!--)
‑وهو أسلوب أعظم من أسلوب التلقين، لأنه يثير في النفس العواطف والمشاعر، وعن طريق ذلك يدفع الإنسان إلى الالتزام بالمبادئ التي يدعو إليها المثل عملياً، هذا إلى جانب أنه يساعد على تصوير المعاني، وتجسيدها في الذهن، وبواسطة ذلك يسهل الفهم. وإثبات المعاني في الذاكرة واسترجاعها عند الحاجة إليها. (<!--)
وتبرز أهمية هذا الأسلوب في أكثر من صورة، لكونه يتخذ طابعاً خاصاً، سواء في إصابة المعنى بدقة، أو في إيجاز اللفظ مع فصاحته، أو في أداء الغرض الذي سيق من أجله في الكتاب والسنة.
وهو أسلوب تربوي مهم، حيث يتم فيه إخراج مالا يقع عليه الحس إلى مستوى المحسوس، وإخراج مالا يُعلم ببديهة العقل إلى ما يُعلم بالبديهة، وإخراج مالا تأثير له من الصفات إلى ماله كامل التأثير، كما أنه من أفضل البيان. (<!--)
وهو أسلوب فعال مؤثر في عملية التربية والتعليم من أجل تقريب المعاني والمجردات إلى الأذهان وشرح الحقائق التي تغمض على العقول فهماً. ولذا فإنه ينبغي على المربين أن يستخدموا هذا الأسلوب المشوق في العملية التربوية. (<!--)
وهو أسلوب يؤثر في المشاعر والعواطف، ويدعوا إلى السلوك المحبوب، لأن أسلوب ضرب المثل أقرب للنفس، وأقنع للعقل، والأقدر على الإثارة والتشويق. (<!--)
وختاماً لهذا المطلب، فإنني انقل كلاماً نفسياً يبين أهمية الأمثال للإمام الحسن اليوسي حيث يقول:- "لا يخفى على ذي مَيْز، ولا يشتبه على ذي لُب ما جعل الله في المثل من الحكمة، وما أودع فيه من الفائدة، وناط به من الحاجة، فإن ضرب المثل يوضّح المنهج، ويفتح المنغلق، وبه يصوّر المعنى في الذهن، ويكشف المُعمَّى عند اللُبس، وبه يقع الأمر في النفس حسن موقع، وتطمئن به طمئناناً،… وهذا كله معروف بالضرورة، شائع في الخاص والعام ومتداول في العلوم كلها منقولة ومعقولة، حتى شاع من كلام المعلمين والمتعلمين قولهم "بأمثالها تعرف أو تبين الأشياء"، وسر ذلك أن المثل يصور المعقول بصورة المحسوس،و قد يتصور المعدوم بصورة الموجود أو الغائب بصورة المشاهد الحاضر ، فيستعين العقل على إدراك ذلك بالحواس، فيقوى الإدراك، ويتضح المدّرك(<!--)
وخلاصة القول:- فإن أسلوب ضرب المثل يجعل المتكلم المربي قادراً على تقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه، يصورة المثال الذي مثَل به، ليكون أقرب إلى فهمه، وضبطه واستحضاره.
المطلب الثالث:- (أهداف ضرب المثل في التربية الإسلامية)
من خلال التأمل بالأمثال المضروبة في القرآن والسنة، فإننا نجد أن لها فوائدًا وأهدافًا. إذ ليست الأمثال مجرد أعمال بلاغية مجردة، بل لها أهدافاً منها:-
أولاً:- تقريب الحقائق الغيبية للأذهان. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:- (الله نور السماوات والأرض مثلُ نوره كمشكاة فيها مصباح. المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة…)(<!--)
إذ أن في هذا المثل تقريب لنور الله عز وجل، وهو غيب لا يدركه الإنسان بحواسه، وهو تشبه أمر مجرد بأمر حسي مُشاهد.
ثانياً:- تقريب المعنى إلى الإفهام. ومن الأمثلة على ذلك في السنة النبوية قول الرسول –عليه السلام-" أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنة؟ قال: لا يبقى من درنة شيء. قال:- كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"(<!--)
العبادة في الإسلام ذات أهداف سامية، والصلاة أحدها، تطهر صاحبها وتنقيه من المعاصي والذنوب. وهذا المفهوم المجرد للتنقية صاغة الرسول –عليه السلام- في عبارات واضحة، بتجسيد المعنى وغرسه في الأذهان، حيث الإنسان الذي يعيش بجانب نهر دائم الجريان، يغتسل منه في اليوم خمس مرات، وهو إذا فعل ذلك فإنه سيكون نظيفاً طاهراً، وكذلك حال من يصلي خمس صلوات في اليوم. (<!--)
ثالثاً:- إثارة الانفعالات المناسبة للمعنى. حيث إن اختيار المشبه به له أكبر الأثر في إثارة الانفعال المناسب، فمثلاً عندما اختار الله عز وجل –الحمار لكي يشبه به من يقرأ الكتاب ثم لا يعمل به، فهنا يثير في النفس انفعال الاشمئزاز من هؤلاء، والشعور بتفاهتهم وضياع عقولهم.(<!--)
والهدف التربوي من هذا المثل ألا نكون كالحمير الذين يحملون العلم ولا يفقهونه ولا يعملون به، وهذا الهدف كما هو ظاهر، مصحوب بانفعال الاحتقار والكراهية لمن شبهَّهم الله بالحمار.
رابعاً:- تربية العقل على التفكير الصحيح والقياس المنطقي السليم:-
تنطوي معظم الأمثال المضروبة في التربية الإسلامية على "قياس" تذكر مقدماته، وتطلب من العقل أن يتوصل إلى النتيجة التي لا يُصرح بها في الغالب، بل يشير إليها ويترك للعقل معرفتها، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :(أنزل من السماء ماءً، فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً، ومما يوقدون عليه من النار إبتغاء حلية أوماع زيدٌ مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأمّأ الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) (<!--)
فهنا يضرب الله مثلاً للحق والباطل، حيث وصف المشبه به "الماء، السيل، الزبد، ما ينفع الناس فيمكث، جفاء "ثم انتقل بإشارة سريعة إلى النتيجة،" كذلك يضرب الله الحق والباطل" وترك للعقل أن يكتشف أن الحق يبقى، وأما الباطل فيذهب جفاء. كما يذهب الزبد بعد انتهاء السيل. وهنا يشعر الإنسان بلذة الظفر بالوصول إلى اكتشاف هذا اللغز الذي أشارت إليه الآية الكريمة. (<!--)
خامساً:- تربية الإخلاص في الأعمال، وقصد مرضاة الله بها دون سواه من غير رياء. ومن الأمثلة على ذلك قوله :(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاء. لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) (<!--)
وفي هذه الآية يصور الله عز وجل – أعمال الكفار، بالسراب في أرض مكشوفة مبسوطة، يطل عليها إنسان يتلهف إلى الماء من شدة الظمأ، فيعتقد أنه ماء فيسعى إليه، كما يُسعى الكفار في الدنيا إلى المباهاة بالأعمال، ويرجون بذلك الفوز بالآخرة، ولما بان للإنسان الظمآن أنه لم يجد الماء، بل وجد السراب. وهكذا الكافر لا يجد إلا الخيبة في يوم الحساب. ويجد الحساب العسير بسبب الكفر بالله ورسله، ويتضح من هذا المثل أن الأعمال التي تنفع يوم القيامة هي القائمة على الإيمان والإخلاص لله عز وجل بدون رياء ولا سمعة وإلا سيكون كصاحب السراب الذي لم يزده سعيه إلا ظمأ. (<!--)
سادساً:- شد انتباه السامع إلى المتكلم، وحمله على التفاعل مع الموضوع المثار. وهذا ما ينبغي أن يحرص عليه المتكلم، أن ليشدَّ انتباه السامعين، ويثير اهتمامهم بما يقول، ويجذب أنظارهم إلى حديثه.
سابعاً:- التلوين في أسلوب المتكلم، مما يدفع الملل والسآمة عند السامعين، ويجعلهم في نشاط متجدد، لاستيعاب الفكرة وفهم أبعادها، وإدراك آثارها. ومن الأمثلة على ذلك الآيات التي وضعت المنافقين في سورة البقرة.
(ومن الناس من يقول… ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير). (<!--)
المطلب الرابع:- (كيف يتم التشويق بأسلوب ضرب الأمثال؟)
ضرب الأمثال أسلوب تربوي مؤثر، إذ أنه يقرب المعاني المجردة إلى الإفهام، فيجسدها مثالاً حياً محسوساً. مما يترك أثراً كبيراً في أعماق النفس، فلا يكون المثل عرضة للنسيان ويذهب أدراج الرياح، بل يبقى حاضراً في الذهن، ليسهل استدعائه عند الحاجة إليه.
وأسلوب ضرب المثل من الأساليب التربوية التي رد الله فيها على المبطلين، وله وظيفته التشويقية. حيث إنه قادر على تقرير المعاني وكشف الحقائق في عبارات موجزة ودقيقة. والمستمع يتابع المثل بدقة وحرص، حتى يصل إلى النهاية والهدف من المثل، وما على المربي إلا أن يتفنن في طرح المثل، ويعمل على إثارة الشوق من خلاله لدى المتعلمين.(<!--)
وإن المربي لا يستطيع الاستفادة من الأمثال بمجرد الاستشهاد بها فحسب، بل ربما تعطي آثاراً سلبية على نفس المتعلم. وعلى ذلك فلا بد من توافر مجموعة عوامل تحقق استفادة المربي من الأمثال، حتى تجعل هذه الأمثال شائقة ولها دورها الفعَال في العملية التربوية ومنها:-
<!--ربط التوجيه، والمفاهيم التربوية السلوكية، بمصدرها، وتعميقها وترسيخها عن طريق إثارة الوجدان، والدعوة إلى التفكير والتأمل والنظر. (<!--)
<!-- المعرفة الدقيقة بطبيعة النفس البشرية، والإطلاع الواسع على الدوافع المؤثرة فيها، وما يرغبها وما يرهبها، ليكون الاستشهاد وبالأمثال في محلها، لكي تكون جذابة وشائقة. (<!--)
<!-- الدراسة الدقيقة للمثل المضروب، إذ أن الفهم الواسع والتدبر يعطي المربي ملكة تربوية قوية في التأثير، آسرة للقلوب. (<!--)
وإن من يطالع آثار السلف –رحمهم الله- بحد مصداق ما أقول؛ فمعالجاتهم لأدواء القلوب، ووعظهم وكلامهم، كل ذلك من القرآن والسنة، وتقريب الحقائق للأذهان، وإثارة كوامن الخير في القلوب. وحفز الهمم إلى الإقبال على الآخرة.
والطالب لا يحب أن يقدم إليه الدرس على شكل أوامر عسكرية، بل بالحسنى والتشويق، وهذا هو منهج الرسول -عليه السلام-، في تعليم الصحابة، حيث كان يستخدم أسلوب ضرب المثل حتى يؤثر في المستمعين، ويجذبهم إلى الدرس، إذ أن أسلوب ضرب المثل فيه قوة مؤثرة على النفوس حيث الاستهواء والإيحاء اللذان يتضمنهما التشبيهات والأمثال المضروبة. (<!--)
وإذا أردنا أن نشوق المتعلمين إلى موضوع الدرس بواسطة أسلوب ضرب المثل، فلا بد من معرفة أن مستويات الطلاب في الذكاء والقدرات العقلية ليست متساوية، فمنهم الذكي سريع الفهم، ومنهم العادي المتوسط، ومنهم قليل الحظ من الذكاء بطيء الفهم. وعند ذلك ستدرك مدى أهمية استخدام ضرب الأمثال وفعالية في العملية التربوية، وحاجة الطلاب جميعاً له. وكلما كان أسلوب ضرب المثل دقيقاً ومتفهماً لحاجات الأفراد ومستواهم العقلي، فكلما كان مثمراً وأكثر تشويقاً. (<!--)
ونظراً لأهمية ضرب الأمثال في إبراز عوامل التشويق في العملية التربوية، فينبغي أن تحتويها المناهج الدراسية، وكذلك يجب أن يستخدمها المربون في طريقة تدريسهم، وذلك لما للأمثال من أثر كبير في تشويق الطلاب بالمادة العلمية، وتهذيب سلوكهم. لما للأمثال من آثار نفسية وتربوية ومنها:-
<!--إثارة الشوق لمتابعة المثل حتى يخلص إلى النتيجة؟ وهذا يدفع الملل لدى الطالب ويعينه على الاستيعاب.
<!-- تركيز الانتباه مع دوام الإصغاء النشط.
<!-- تقريب المعاني المجردة الغيبة إلى محسوسة مُشاهدة.
<!-- شرح الحقائق التي تغمض على عقول المتعلمين ولا يستطيعون بجهدهم إدراكها.
والمربي حينما يستعمل ضرب المثل مع المربين، فإنه يشوقهم، ويوضح لهم الموضوع، ويزيد معرفة الطفل الثقافية. وعندما يريد المُربي تصوير الحقائق المجردة تصويراً حسياً لتقريب المعنى إلى ذهن المُربي؛ فعليه أن يأتي بالأمثلة من البيئة التي تحيط بالطفل ذلك أدعى للفهم، وقد حث ابن خلدون على ضرب الأمثلة الحسية من أجل غرس القيم الحسنة. لأن الطفل ضعيف الفهم، قليل الإدراك، وعندما يضرب له المثل، فإنه يساعده على الفهم والتلقي. (<!--)
وهكذا يتضح فعالية الأمثال كطريقة تربوية شائقة، عن طريقها يمكن تحقيق الأهداف التربوية المرسومة، وهي تعرض في أسلوب رقيق يشد الإنسان إلى المعنى لما تمتاز به من موسيقى عذبة تؤثر في النفوس، وتنفذ إلى الأعماق، وتحرك في الإنسان العواطف والميول نحو الخير والحق. (<!--)
وخلاصة القول: أن هذا الأسلوب المستمد من القرآن والسنة لديه القدرة الكافية على التشويق والتأثير، وأن فيه من عناصر الاستهواء والإيحاء مما يكون قناعة لدى المتعلمين بلا إكراه أو تقليد أعمى شان الثقافات غير الإسلامية، التي من مبادئها الإكراه والإغراء… وحري بالمربيين والمهتمين بالدعوة، أن يسلكوا أساليب القرآن والسنة في التربية والدعوة إلى الله من أجل استمالة الناس لهذا الدين العظيم.


