<!--المطلب الأول:- (مفهوم القصة)
<!-- أولاً:- (لغة) القصة في اللغة تعني: اتباع الخبر بعضه بعضاً أي بمعنى المتابعة. وهي مأخوذة من قص: أي تتبع الأثر.(<!--)
<!-- ثانياً:- (اصطلاحاً) هي الإخبار عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، والحوادث الواقعة. (<!--)
أو هي نثرية تصور أحداثاً واقعية لمجموعة من الشخصيات تربطها عناصر مشتركة تعرض بأسلوب فكري و فني مشوق بهدف تنمية الشخصية بجميع جوانبها ، العقلية و الوجدانية، و الجسمانية.
المطلب الثاني:- (أهمية القصة في العملية التربوي)
القصة أسلوب تربوي فعال، ولهذا فإن القصص القرآني يشغل حيزاً كبيراً ومساحة واسعة، فهو يبلغ حوالي ربع القرآن الكريم، والسر في هذا يعود إلى تعدد الأهداف التي يسعى القصصي القرآني إلى تحقيقها. (<!--)
والقصة نداء عالٍ، وصوت صارخ، ودعوة جادة، وأساس له صفة الاستمرار والقصص تعمق في النفس معاني تظهر وتختفي حسب ما تحمله من قيم ومضامين، وما تتضمنه من عوامل التشويق والإثارة. والكبير والصغير، والمثقف والمبتدي، شغوف بسماع القصص، وقراءتها، ومعرفة أبطالها، والتأثر بأحداثها وتقمص شخصياتها، لأنها ابعد عن الوعظ والإرشاد،وأقرب إلى الخبرة المباشرة، وادعى إلى الصدق واليقين للنفس البشرية. (<!--)
والقصة مصدر إقناع للصغير والكبير على السواء، وهي أداة تربوية فعّالة تبدو أهميتها في غرس قيمة مطلوبة، وتأصيل مبدأ ضروري.
وقد أستخدم القرآن الكريم أسلوب القصة كوسيلة للبيان والتبليغ، والتشويق والتأثير، وقد زكى القرآن القصص لأنها تخاطب العقل والوجدان معاً، وهما جوهر الإنسان بعد الروح (فأقصص القصص لعلهم يتفكرون) (<!--) وقال: (وكلأ نقص عليك من أنباء الرسل ما تثبت به فؤادك) (<!--)
وتمتاز القصة في التربية الإسلامية بأنها واقعية وحقيقية تهدف إلى أخذ العبرة والعظة منها، بينما القصة الأدبية فهي غالباً خيالية فيها الأساطير والخرافات، حيث المصدر مختلف، والصدق مفقود من القصة الأدبية غالباً حيث هدفها تمجيد البطل فقط، على عكس القصة في التربية الإسلامية التي من أهم أهدافها أخذ العبرة والعظة. (<!--)
وتعتبر القصة من أكثر الأساليب التربوية فعالية، واقواها أثراً، وهي وسيلة مشوقة للصغار والكبار، تحدث أثرها في النفس، وهي تشعر بالمتعة، وتجعل الإنسان ينجذب إليها، وينتبه إلى كل أحداثها؛ فلا يشرد بذهنه عمن يربيه، فإذا وصلت القصة إلى بواطن القلوب، آتت ثمارها اليانعة، وحققت المرجو منها على أكل وجه، ولهذا كثر الاعتماد على القصة في التربية الإسلامية، وكانت دائماً القمة في البلاغة و الصور البيانية والأدبية والفنية .(<!--)
المطلب الثالث:- (كيف يتم التشويق بالأسلوب القصصي؟)
إذا أردنا أن تكون القصة ناجحة فلا بد من توافر عوامل التشويق فيها، والتي يجب أن تتناسب وحاجات القارئ ومطالبة، لكي تستقطب انتباهه وتجعله يتأثر بها. (<!--)
وعناصر التشويق في القصة لا تنحصر في عنصر واحد، بل هنالك عناصر تسهم في اكمال جانب التشويق في القصة، من الصور المكررة، والعبارات القصيرة، وسهولة الألفاظ، والعقدة، ثم حلها.
والقصة تختلف في درجة تشويقها من عمر لآخر، ومن مجال لآخر، فالبعض يشوقه التعبيرات الوجدانية، والبعض يشوقه التعبيرات العلمية، والبعض يشوقه التعقيد المنطقي الذي يستخدم الحجج والبراهين، وهذا كله لا يتوفر غالبا إلا في القصة التي مصدرها إلهي. (<!--)
والتشويق هو عنصر أساسي من عناصر القصة الناجحة، بل هو العنصر المميز للأسلوب القصصي، وهو الذي يمنح القصة القدرة الخارقة على أغراء القارئ والاستحواذ على مشاعره، وشدة إلى موضوع القصة حتى يفرغ منها تماماً. ولهذه المميزة أتخذ المربون والمصلحون والدعاة القصة قالباً لعرض أفكارهم.(<!--)
وعنصر التشويق في الأسلوب القصصي حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، وانه يؤدي دوره كاملاً. وإن له صوراً متعددة ومنها:- (<!--)
أولاً:- البداية المشوقة التي تجذب القارئ أو السامع، ومثال ذلك قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل…)(<!--) وفي هذه البداية المشوقة يقوم تساؤل يقوم تساؤل يثير الاهتمام، ويبعث على التنبه لمعرفة حقيقة الأمر، ويثير في النفس ما جبلت عليه من التطلع لمعرفة ما تجهل. ثم بعد هذا التشويق يأتي تمام القصة.
ثانياً:- ذكر موجز للقصة في أولها، ثم تأتي التفاصيل، وهنا يتطلع القارئ، والسامع إلى استكمال الصورة التي سبق أن علم بجملها ومثال ذلك قوله تعالى:- (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً….)(<!--). وهذا ما سماه البلاغيون: البيان بعد الإبهام ، و عدوه من وسائل تثبيت المعاني في النفس لتطلقها إلى ما يثير الإبهام من شوق إلى التفصيل الباقي.
ثالثاً:- التشويق بالترابط بين المناظر المصورة للأحداث كما هو في" قصة مريم". حيث جاءت المناظر متتابعة كأنها استجابة لما يثير المنظر السابق من تساؤلات، فيأتي المنظر التالي ليرضى تلك الرغبة، ويثير طائفة أخرى من التطلع إلى معرفة ما يليها، وهكذا حتى ينتهي المشاهدون من القصة، وهذا يؤدي إلى تحقيق أمرين:-
<!--مواصلة التشويق في ثنايا القصة.
<!--استثارة الخيال في المشاركة في تماسك بناء القصة.
رابعاً:- التشويق بإظهار شيء وإخفاء شيء عن أبطال القصة، فيثير الشوق في نفس القارئ والسامع ليتابع الأحداث، ويرى كيف سيكون موقف الأبطال عندما يفاجئون بالسر، ومثل ذلك قصة "أصحاب الجنة"، فالقارئ يعلم مصير أصحاب الجنة، ولكن أصحابها غافلون عنه، فتراهم في التصوير القرآني ينادون مبكرين لينفذوا ما اعتز موه، ويقابلهم القارئ ساخراً شامتاً عندما يرون هول الكارثة.
خامساً:- أن يكون في القصة حركات سريعة، والاهتمام بتطور موضوع القصة والأحداث المنطقية التي توصل إلى نهاية طبيعة مقنعة، ينتصر فيها الخير على الشر. (<!--)
سادساً:- الحوار الطبيعي المتدرج بين شخصيات القصة، وقدرة المستمع على فهم الانفعالات من خلال ذلك الحوار. (<!--)
وحتى تكون القصة المعروضة على الطلاب مشوقة فيجب أن يتوفر فيها بعض الشروط ومنها:-
<!--أن تكون القصة مشوقة، ومناسبة لكل الطلاب.
<!-- أن تكون مواقفها دافعة للخير، ومنفرة من الشر والرذيلة.
<!-- أن يثير المعلم شوق الطلاب للقصة قبل سردها.
<!-- أن يتخلل القصة عنصر المفاجأة بين كل فقرة وأخرى.
كل هذه وغيرها عوامل للتشويق في القصص، ولكن كيف يتم التشويق في العملية التربوية من خلال أسلوب القصة؟
يحدث التشويق باستخدام الأسلوب القصصي، عندما يعرض المربي القصة عرضاً مؤثراً، بحيث يبدأ بشد انتباه المتعلمين وتشويقهم من أجل الوصول إلى ما يسمى "العقدة" من أجل وجود حلاً لها، والعقدة غالباً ما تهدف إلى مطلب أو وعد، أو إنذار بخطر، فتحبك القصةُ، ويُجعل دون الوصول إلى حل هذه العقدة مطالب ومصاعب تثير التلهف الشديد لدى المتلقي للوصول لحل هذه العقدة، ومعرفة النتيجة، وقد بلغ القرآن الكريم والسنة النبوية أعلى درجات التأثير والتشويق في عرض القصص، بحيث تتعامل مع النفس البشرية مثيرة لعواطفها.ومن الأمثلة على ذلك قصة أصحاب الغار الذي خرجها البخاري في صحيحه وهي قصة مشهورة.(<!--)
حيث أن نفراً ثلاثة انطلقوا حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار… فماذا أحدث؟ أخذوا يدعون الله بصالح أعمالهم أن يفرج عنهم ما هم فيه، والغاية من القصة أي يحث الرسول –عليه السلام- على الإخلاص في العمل، وبر الوالدين، والوفاء بالوعد، وتجنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يمكن ذلك في نفوسهم، فإنه يفرج الكرب وينجي من الشدائد ويؤدي إلى الفوز برضوان الله تعالى.(3)
وغير ذلك وهو كثير في السنة النبوية، حيث أن عرض القصة بأسلوب مشوق يجعل العملية التربوية فعّالة وناجحة، حيث جذب الإنتباه، والسيطرة على مشاعر الطلاب، وإثارة المشاعر، وهذا كله يشد السامع إلى مجريات القصة، حتى تتوضح أحداثها وتظهر نتائجها. (<!--)
وفي مطلع قصة يوسف يعرض الله عز وجل – على القارئ، رؤيا يوسف –عليه السلام- ويصحبها وعد من الله، على لسان أبيه لمستقبل زاهرٌ، ونعيم من الله على هذه الأسرة. وهنا ينشد القارئ و يتقظ انتباهه، دون تهاون أو تراخٍ فهو دائماً متأمل في معانيها، يتابع المواقف والمشاهد، ويتأثر بأبطالها حتى آخر كلمة منها، وتتابع المصائب والمشكلات على بطل القصة "يوسف عليه السلام" ويتابع القارئ اهتمامه، وينتظر تحقيق وعد الله عز وجل، ويترقب إنهاء هذه المصائب والمشكلات بتلهف، حتى تأتي النهاية، وينتصر الحق على الباطل، ويرتاح القارئ لهذه النهاية الفعّالة والمشوقة. (<!--)
ونظراً لأهمية القصة في إبراز التشويق في العملية التربوية، فينبغي أن نحتويها المناهج، وكذلك يجب أن يستخدمها المعلم في طريقة تدريسه، وذلك لما للقصة من أثر كبير في تشويق الطلاب بالمادة العلمية، وتهذيب سلوكهم، ومن ثم ارتفاع تحصيلهم الدراسي لما لها من آثار نفسية تربوية ومنها:-
<!--إثارة الشوق لمتابعة أحداث القصة وما سيجري…؟ وكيف كان ذلك؟ ما النهاية؟ مما يدفع الملل لدى الطالب فيعينه على ذلك الاستيعاب
<!--تركيز الانتباه مع دوام الإصغاء النشط.
<!-- إشباع الخيال.
<!-- زيادة المعلومات بطريق حي مشوق، لأن القصة توجيه غير مباشر نحو التربية العملية السليمة في الخلق النبيل، والمعاملة الحسنة، والتفكير الصحيح. (<!--)
وخلاصة القول: فإن المتتبع للتربية الإسلامية في جميع أبعادها، يجد أنها تأخذ بأسلوب القصة بشتى أنواعها، لتكون عنصر تشويق، ووسيلة هامة للتوضيح والفهم، وإثارة الواقعية في متابعة أحداث القصة، وأخذ العبرة والعظة منها، وقد حرصت مصادر التربية الإسلامية على هذا الأسلوب، إذ بالإمكان التوجيه بعبارة مباشرة، أمراً كان أو تهيئا، ولكن الإسلام احترام العقل ونوّع بالأساليب التربوية المشوقة للوصول إلى الحقيقة.
المطلب الرابع:- (أهداف القصة في التربية الإسلامية)
ليست القصة في التربية الإسلامية عملاً فنياً مجرداً يسعى إلى أداء أغراض فنية فقط، بل هو أسلوب تربوي فعال، يفضله الطلاب في جميع المراحل، لأنها تشد انتابهم، وتشوقهم لمتابعة الدرس، وهي أيضاً تحقق أهدافاً كثيرة ومنها:- (<!--)
أولاً:- إثبات الوحي والرسالة، وتحقيق القناعة بأن محمداً –عليه السلام- وهو الأمي الذي لا يقرأ، ولا عُرف عنه أنه جلس إلى أحبار اليهود والنصارى، إذ هو يتلو على قومه هذه القصص من كلام ربه ولا يشك في ذلك عاقل. قال تعالى :(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين) (<!--)
ثانياً:- بيان أن الدين كله من عند الله، وأن الله ينصر رسله، والذين آمنوا ويرحمهم وينجيهم من المآزق والكروب، منذ مهد آدم –عليه السلام- مهد محمد - عليه السلام- وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة، وأن الله هو رب الجميع.
ثالثاً:- تثبت قلب الرسول –عليه السلام- وتقوية ثقة المؤمنين بنصر الله تعالى:- (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذا الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (3)
رابعاً:- تنبه بني آدم إلى خطر غواية الشيطان. وهذا ما يظهر في تكرار قصة آدم عليه السلام.
خامساً:- بيان قدرة الله –عز وجل- بياناً يثير الإنفعال والدهشة. والخوف من الله، لتربية عاطفة الخشوع والخضوع والإنقياد، ومثال على ذلك قصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.
سادساً:- بيان أهمية إخلاص العمل الصالح لله تعالى. والتوسل به إلى الله عز وجل، من أجل تفريج الأزمات، ومن الأمثلة على ذلك قصة أصحاب الغار. (<!--)
سابعاً:- الحث على الصدقة وشكر نعمة الله تعالى، ومثل على ذلك قصة الأقرع والأبرص والأعمى وقد أرسل الله ملكاً إلى كل منهم وقف بطريقه فمسحه فعافاه الله، وأعطاه مالاً ثم أرسل الله الملك ذاته يطلب من كل صدقة، فرفض الأقرع والأبرص وأنكرا نعمة الله إذ ذكرهما بها الملك، فأذهبها الله، ورضي الأعمى واعترف بنعمة الله، فقال للملك السائل: خذ ما شئت، فأبقى الله عليه النعمة. (<!--)


