أولاً:- (التفصيل بعد الإجمال، والبيان بعد الإبهام).
إذا ألقي الكلام إلى النفس مجملاً "استشرفت لمعرفة تفاصيله وتظل متطلعة بكل حواسها إلى ما سيلقى إليها، فإذا سيق الكلام بعد ذلك مفصلاً وصل إلى أعماقها. (<!--)
ومثال ذلك قوله تعالى: (إن سعيكم لشتى) فقد بين أن مساعي الناس في الدنيا متنوعة ثم فصل ذلك بقوله :(فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى) (<!--)
ومثال الإبهام ثم التوضيح قوله تعالى :(ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (<!--) فقد ذكر لفظ "مثلاً" مبهماً، ثم فسره بما جاء بعده مشيراً إلى تطلع النفس إلى معرفة المراد ويشوقها ذلك.
وللإيضاح بعد الإبهام أثراً في النفس، ذلك لأن المعنى يظهر بصورتين مختلفتين الأولى مبهمة والثانية موضحة، فيتمكن فيها الخير تمكناً كبيراً، ويكمل العلم به. ومثال ذلك قوله تعالى:
( فأسر بعبادك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحدٌ و امضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر)(1) وأنت تتساءل عن هذا الأمر الذي قضاه الله إلى لوط ونتشوق ويتشوق فؤادك إلى معرفته وهذا باب البيان والإيضاح (إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) فهذا المقضي ذكر مرتين مجملاً أولاً ثم مفصلاً.(2)
ثانياً:- (أُسلوب الإلهاب والتهيج)
وذلك بألا يكون المقصود بالأمر هو حصول المأمور به لأنه متحقق الوجود، بل الغرض إثارة الهمة، وتقوية العزيمة على استدامته واستمرار يته.
ومن ذلك قوله تعالى :(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين المنافقين إن الله كان عليماً حكيماً) (3) فحاشا لله أن يكون الرسول –عليه السلام- ممن لا يتقون الله حتى يؤمر بها، أو يكون مطيعاً للكافرين، فينهي عن طاعتهم، ولكنه أسلوب الإلهاب والتهيج الذي يراد به الحث على زيادة التمسك والتصلب والثبات على ما هو عليه.
ومثل هذا قوله تعالى في خطاب المؤمنين (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستحلفين فيه) (4) فالمخاطبون مؤمنون ولكنه أسلوب الإلهاب.
ثالثاً:- (أسلوب الالتفات)
الالتفات عند الجمهور هو الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، بأن يعبر بأسلوب التكلم مثلاً، ثم ينتقل إلى أسلوب الخطاب، وهكذا على أن يكون ذلك على خلاف ما يتوقع المخاطب. (<!--)
ولهذا الأسلوب مكانته في التأثير النفسي، إذ فيه تجديد لنشاط السامع، وإثارة لانتباهه لمعنى يوليه المتكلم اهتماماً خاصاً أو يريد من المخاطب أن يتلقاه مُصغياً إليه، متفتح الوجدان لاستقباله، فيلجأ لهذا الأسلوب ليحقق له ما يريد من تأكيد للمعنى، وتثبيته. ومثال ذلك: (وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون)(<!--) ففي قوله تعالى: (فأولئك المضعفون) التفات من الخطاب إلى الغيبة، يقول الزمخشري: (كأنه قال لملائكته وخواص خَلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقهم هم المضعفون، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون(<!--)
رابعاً:- الخصائص الصوتية للتعبير القرآني)
لا شك أن للكلمات خصائص صوتية،لها قدرة على حكاية المعنى وتصويره، تجعل بعضها أشد توافقاً مع بعض المعاني منها مع بعضها الآخر، وتكتسب هذه الكلمات تلك الخصائص المميزة من طبيعة الحروف المكونة لها، ومخارجها في النطق بين جهر وهمس، وشدة ولين،… وهذه الخصائص الصوتية تهز المشاعر، وتحدث في القارئ أو السامع نشوة وطرباً، وتجدد نشاطه، وتزيد رغبته في الإقبال عليها. ولذلك أثره في تثبيت المعاني والتأثر بها.(<!--)
والقرآن يستخدم هذه الخصائص الصوتية كوسيلة من وسائل التأثير على أكمل صورة وأوفاها، يقول دراز :"أول ما يلاقيك ويسِترعى انتباهك من أسلوب القرآن خاصية تأليفه الصوتي في صورته وجوهره، دع القارئ المجرد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلاً بنفسه على هوى القرآن، لا نازلاً بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ مكاناً قصياً لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها و سكناتها، و مداتها وغناتها واتصالها وساكناتها، ثم ألق بسمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريداً، وأرسلت ساذجة في الهواء فستجد نفسك منها بازاء لحن غريب لا تجده في كلام آخر، ستجد اتساقاً وائتلافاً ويستدعي من سمعك ما تستدعيه الموسيقى والشعر على أنه ليس بأنغام ولا بأوزان… وهذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن حتى الذين لا يعرفون لغة العرب"(<!--)
وثمة سمة أخرى للتعبير القرآني هو ذلك التشاكل الواقع بين الحروف في أواخر الآية:- الفواصل- وهي تمد التعبير بميزة صوتية أخرى تزيد تأثيره، بجانب وظيفتها المعنوية، إذ تساعد على تلاوته مرتلاً، وبأنغام آسرة، ذات إيقاع يتناسب مع الموقف واتجاه المشاعر التي تصاحبه. (<!--)
ومثال ذلك قوله تعالى: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر) (<!--) فتراه يستخدم قافية الراء الساكنة التي يوحي إيقاعها بالحزم والجد الذي يستوحيه سياق هذه الأوامر إلى نبيه الكريم بعد انقطاع الوحي عنه.
ومثل ذلك في قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) (<!--) حيث انتهت الآيات بالياء المشدودة… فإذا أراد الله عز وجل أن يقرر مغزى القصة وبيان العبرة، منها، غاير في القافية (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)(<!--) فتغيير القافية وكأنما هذه الآيات تصدر حكماً مستمداً منها، ولهجة الحكم تقضي أسلوباً موسيقياً غير أسلوب الاستعراض، وتقتضي إيقاعا رصيناً قوياً بدل إيقاع القصة الرضى المسترسل، وكأنما لهذا السبب كان التغير.
وهنالك أساليب تُشويقية كثيرة في القرآن الكريم تحتاج بحثاً كاملاً. وسوف أتعرض لبعضها بالتفصيل في الفصّل الثاني.
وخلاصة القول: فإن للقرآن الكريم منزلته العظيمة في نفوس الناس، كيف لا وهو كتاب الله، وهو المصدر الأول من مصادر التشريع، وللقرآن أساليبه التربوية المثيرة في التشويق وإبراز المطلوب بأسلوب مُحبب للنفس، ومؤثر فيها، ومقبول للإفهام والفطرة السليمة.
المطلب الثاني:- (السنة النبوية)
السنة هي الطريقة، وهي كل ما أثر عن النبي عليه السلام من قول أو فعل أو تقرير. والحديث أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. ولكل قسم أحكام تتعلق به. والسنة هي التفسير العملي للقرآن الكريم، والتطبق الواقعي للإسلام. وهي أما مقررة ومؤكدة لما جاء في القرآن، أو مفصلة ومفسرة لما أُجمل، ومقيدة لما جاء مطلقاً ومخصصه لما جاء عاماً، أو سنة مثبته حكماً سكت عنه القرآن الكريم. (<!--)
وقد سلكت السنة النبوية أساليباً مشوقة للناس و منها:
أولاً:- (أسلوب الاستفهام)
من طرق التشويق إلى المعنى وتهيئة المخاطب لتلقية :الاستفهام، والأصل فيه طلب الفهم، وهو استخبارك عن الشيء الذي لم يتقدم لك علم به، وأدواته احدى عشرة أداة:- الهمزة، هل، من، ما، متى أين، ايان، أنىّ كيف، كم، أي،(<!--)
يقول الجرجاني: "وأعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا الإنكار فإن الذي هو محض المعنى أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع ويعي بالجواب، إمّا لأنه قد ادعى القدرة إلى فعل لا يقدر عليه(<!--)
وقد كثر التشويق بالإستفهام في الحديث النبوي ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه – أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم – قال :"أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار"(<!--)
لقد سألهم –صلى الله عليه وسلم- عن المفلس من هو؟ فأجابوا بما هو جار في عرفهم وبلغه علمهم :"المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع" وهم بعد هذه الإجابة يتطلعون إلى إخبار الرسول –صلى الله عليه وسلم- بيانه لحقيقة المفلس، لقد أثار وجدانهم أو نبه عقولهم، فجرى في خيالهم مفلس الدنيا الذي لا درهم له ولا متاع، فجاء بعد هذا التشويق :"إن المفلس من أمتي ذلك هو المفلس الذي شوقهم الرسول –عليه السلام- إلى معرفته وهو يقصد إلى تحذيرهم من الظلم والعدوان حتى لا يكون هذا حالهم ومصير ذلك المفلس مصيرهم.
ومن الأمثلة على ذلك قول الرسول عليه السلام- "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر". قالها ثلاثاً- قلنا: بلى يا رسول الله ،"قال:" الإشراك بالله وعقوق الوالدين "وكان متكئاً فجلس فقال:ألا و قول الزور وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت"(<!--).والتشويق فيه من حيث السؤال، ثم تكرار السؤال، ثم تغيير الهيئة لما قال :"شهادة الزور، وتصديرها بأداة النية :ألا "دون غيرها.
ومن الأمثلة أيضاً "ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول :"أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دونه شي؟ قالوا :لا يبقى من دونه شيء"، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله فيهن الخطايا"(<!--)
وكذلك ما رواه أبو هريرة عن الرسول قال :ما تعدون الشهيد فيكم؟"قالوا يا رسول الله: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال:"إن شهداء الله فهو شهيد، قال : إن شهداء أمتي إذا لقليل . قالوا : فمن هم يا رسول الله ؟ قال : " من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد"(<!--)
ثانياً:- (أسلوب النداء)
إن النداء يهيئ المنادي، وينبهه فيصغي بعناية وتشوق إلى ما يوجه إليه بعد النداء، ويترقبه ويتطلع إلى معرفته والإحاطة به. (<!--)
والنداء هو طلب إقبال المخاطب، ودعوته بحرف ناب مناب فعل ك "أدعوا" أو "أنادي"، وحروفه ثمانية: يا، الهمزة، أي، آي وأيا، وهيا، ووا، وآ. (<!--)
وقد نادي –النبي صلى الله عليه وسلم – الصحابة –رضي الله عنهم- فرادى ومجتمعين، ونادى نساء المسلمين، فهو –صلى الله عليه وسلم – ينبه بالنداء، ويوقظ ويحرك، مشوقاً من ينادي إلى ما سيلقى من معان.
ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس –رضي الله عنه – أنه قال كنت خلف النبي يوماً فقال :"يا غلام، ما إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله…"(<!--)
فقد ناداه "يا غلام" وآثر النداء بالحرف الموضوع لنداء البعيد "يا والمنادي شديد القرب منه، قد أردفه –صلى الله عليه وسلم – معه على دابته، لينبهه إلي عظم هذه المعاني التي نودي من أجلها، فيشتد شوقه إليها، ويلقي سمعه فتقع في نفسه، وتقر بداخله فيكمل نفعها. (<!--)
ويزداد التشويق بقوله –صلى الله عليه وسلم – عقب النداء :"إني أعلمك "فإن المؤمن ليلقي السمع متلهفاً إلى تعليم النبي –عليه السلام- الذي أخبر به، وقد جمعت كلمات "جمع قلة، ليؤذن هذا الجمع بأنها كلمات قليلة في ألفاظها يسهل حفظها، و نكَرت للدلالة على عظمها، وهذا مما يضاعف من التشويق والتطلع إلى معرفة هذه الكلمات والوقوف عليها ولإحاطة بها. (<!--)
وبعد أن نبه المخاطب وشوقه وأصبح مهَياً للتلقي، بل ازداد تلهفه إلى تعلم الكلمات، فيلقي إليه الرسول –عليه السلام – احفظ الله…
ومن الأمثلة ما رواه أبو هريرة –رضي الله عنه – قال :قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة"(<!--)
ومن الأمثلة أيضاً ما جاء عن أبي مسعود عقبه بن عمرو البدري رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال "يا رسول الله، إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي –صلى الله عليه وسلم – غضب في موعظة قط أشد مما غضب يؤمئذ، فقال :" يا أيها الناس إن منكم منفَرين فأيكم ما صلى بالناس فليوجز فإن فيهم الكبير والضعيف، وذا الحاجة"(<!--)
إلى غير ذلك من الأساليب الشائقة في النداء التي كان يستخدمها الرسول –عليه السلام- في ترسيخ المعاني في القلوب.
ثالثاً:- "أسلوب القسم"
والقسم يستخدم من أجل التنبه على الأمور المهمة، والتي يُراد اثباتها في وجدان المخاطبين، لأن القسم يلفت السامع، ويجذب انتباهه، ويثير وجدانه. فيصبح في شوق إلى الإحاطة بالجواب، وإدراك المعنى الذي أُقسم من أجله، ويكون القسم بالواو والباء والتاء. (<!--)
ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة –رضي الله عنه – قال :قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولاً أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم؟ "أفشوا السلام بينكم".(4)
والتشويق في هذا الحديث بالقسم ثم بالنفي مرتين "لا تدخلوا" "ولا تؤمنوا" ثم بالاستفهام… وهذا ينبئ بأهمية السلام، تحية الإسلام، والذي يحقق الود والمحبة، ثم دخول الجنة. ولذا كان حرص –الرسول –عليه السلام- على تهيئة المخاطبين وتشويقهم كي تترسخ هذه المعاني في وجدانهم لكي يطبقوها.
ومن الأمثلة على ذلك، ما جاء عن أبي هريرة، عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال :"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي احدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"(<!--)
وقوله –صلى الله عليه وسلم – لعلي بن أبي طالب حينما أعطاه الراية يوم خيير، وأرسله لقتالهم وأمره أن يدعوهم أولاً للإسلام :"فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من حمر النعم"(<!--)
إلى غير ذلك من تلك الأقسام التي كان تستخدمها الرسول –عليه السلام- لتشويق السامعين إلى ما يأتي بعدها.
رابعاً:- (أسلوب الإيضاح بعد الإبهام)
تتطلع النفس دائماً إلى إيضاح المبهم، وإلى تفصيل المجمل، فإذا أبدي الكلام بإلهام أو إجمال، ترقبت النفس بيانه واشتاقت إلى تفصيله، فإذا ما جاء الإيضاح بعدئذ، أو التفعيل، صادف نفساً مهيأ. مترقية فيتمكن فيها ويثبت. (<!--)
فمن ذلك ما جاء عن أبي هريرة –رضي الله عنه – أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال :"يضحك الله سبحانه وتعالى – إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد"(<!--)
في هذا الحديث بدأ الرسول –عليه السلام- بأمر مجمل ينبهم معناه على السامعين، فيتطلعون إلى الإيضاح وانكشاف هذا الإبهام، إذ يخبر الرسول –عليه السلام- عن رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، لأن الله قد رضي عن فعلهما فأثابهما عليه بدخول الجنة.
ويتشوق المخاطب إلى إيضاح هذا الإبهام وتجلية هذا الإجمال الذي بدأ به الحديث، إذ كيف يرضى الله عن هذا القتيل؟ فيدخل القاتل والمقتول معاً الجنة إن السامع يشتاق ويتطلع إلى إيضاح ذلك وبيانه، وهنا يأتي الإيضاح والبيان" يقاتل هذا في سبيل الله…
ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :"عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"(<!--)
ومن ذلك ما جاء عن أنس –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"(<!--)
إلى غير ذلك من هذه الأمثلة الكثيرة، وهنالك أساليب أخرى سوف أعرضها تفصيلاً في الفصل الثاني، ومنها الحوار، والقصة، وضرب الأمثال، والترغيب والترهيب، والتربية بالأحداث…
وخلاصة القول: أن السنة النبوية مصدر قوة من مصادر التشويق في التربية الإسلامية، إذ أن سيرة الرسول –عليه السلام- وطريقته تمثل القرآن قولاً وعملاً، وتعتبر نموذجاً طبق بالفعل إلى تشويق الناس بهذا الدين، فدخلوا في دين الله أفواجاً.


