الفصل الأول
( مفهوم التشويق وأهميته و شروطه و أهدافه و مصادره)
المبحث الأول :- مفهوم التشويق .
المبحث الثاني :- أهمية التشويق .
المبحث الثالث:- شروط التشويق في التربية الإسلامية .
المبحث الرابع:- أهداف التشويق في التربية الإسلامية.
المبحث الخامس :- مصادر التشويق في التربية الإسلامية.
الفصل الأول
(مفهوم التشويق وأهميته وشروطه وأهدافه ومصادره)
<!--المبحث الأول: (مفهوم التشويق ).
لبيان مفهوم التشويق، واستعمالاته في لغة العرب، وفي التربية الإسلامية، وعند بعض المختصين في التربية، تم تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب كما يلي:
<!--المطلب الأول: (مفهوم التشويق في اللغة)
عند تحديد مفهوم التشويق لا بد من إرجاع الكلمة إلى حروفها الأصلية والمتمثلة بـ "ش و ق"، فما معنى التشويق في لغة العرب؟
ورد في مادة "شوق" في لسان العرب " الشوق والإشتياق: نزاع النفس إلى الشيء، والشوق هو حركة الهوى، ويقال: شُقْ إذا أمرته أن يشوّق إنساناً إلى الآخرة، والشّيِّق ما جذب.(<!--)
وجاء في مختار الصحاح: إن الشوق هو نزاع النفس إلى الشيء، وشوقه متشوق أي هيج شوقه. (<!--)
وورد في المعجم الوسيط – شاق الشيء فلاناً شوقاً: اجتذبته، وشوقه رغبة فيه وحببه إليه، والشوق إلى الشيء: اشتد شوقه إليه، والشائق ما يشوق الإنسان بمالَهُ. (<!--)
- المطلب الثاني:- (مفهوم التشويق في التربية الإسلامية)
إن المعنى الاصطلاحي للتشويق لا يتجاوز المعنى اللغوي، إذ أن الّلغويين اشتقوا تلك المعاني من القرآن والسنة.
أولاً:- (مفهوم التشويق في القرآن الكريم)
لم يرد في القرآن الكريم لفظ صريح يدل على مادة "ش و ق" ومشتقاتها. ولكن بالتدبر لبعض الآيات القرآنية وجدت فيها ما يدل على معنى التشويق ومنها:
1- قال تعالى:(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). (<!--)
قال الزمخشري: وإلقاء السمع هو الإصغاء، وهو شهيد: أي حاضر بفطنة، لأن من لا يحضر ذهنه فكانه غائب. (<!--)
وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه، إذا استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب. (<!--)
2- قال تعالى:(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) (<!--)قال الصابوني:- أي إن الله عينه وفضله نور بصائركم فحبب إلى نفوسكم الإيمان وحسنّه في قلوبكم حتى أصبح عندكم أعلى من كل شيء. (<!--) وهذا يدل على تشوقهم للإيمان ويظهر من تفسير الآيتين السابقتين، أنهما تعنى الجذب والإمالة للشيء.
ثانياً:- (مفهوم التشويق في الحديث النبوي)
وردت مادة "ش و ق" في الحديث النبوي في بعض الأحاديث الشريفة ومنها:-
<!--عن مالك بن الحويرث قال: "أتيت النبي –عليه السلام- في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً، رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم الصلاة"(<!--)
<!-- في حديث الجساسة المشهور عن فاطمة بنت قيس، "فإنه إلى خبركم بالأشواق" أي شديد الأشواق إليه. (<!--)
<!-- وقول الرسول –عليه السلام في الدعاء "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"(<!--)
وهذا يعني التشوق إلى سماع أو رؤية شيء يحدث في المستقبل القريب أو البعيد، وهذا ما يدل على مفهوم التشويق في اللغة العربية، وما يتوافق مع هذه الدراسة.
وكان من منهج الرسول –عليه السلام- كما قال ابن مسعود:" كان الرسول يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا". وهذا ما يؤكد عملياً مبدأ التشويق، ومراعاة قوانين النفس، إذا أن كثرة الكلام يؤدي إلى فقدان عنصر عدم التشويق، وهذا بدوره يؤدي إلى الملل والسآمة، وبالتالي يقودنا إلى الفشل في العملية التربوية.
المطلب الثالث:- (مفهوم التشويق عند التربويين).
من خلال مراجعة بعض الكتب التي تكلمت عن أساليب التدريس وعلم النفس التربوي، والتربية. وقفت على عدة تعاريف أذكر بعضها. مناقشاً إياها ومن ثم اختار تعريفاً يتناسب مع دراستنا.
-ذكر أستاذ علم النفس التربوي فاخر عاقل أن التشويق يعني: توجيه السلوك وضبطه داخلياً بواسطة الشروط الفيزيولوجية والاهتمامات والمواقف، والآمال، ومثله الإثارة والحفز. (<!--)
وهذا التعريف يعني تقديم حافز قبل السلوك المرغوب فيه عادة، ترغيباً في القيام به، بحيث يثير الاهتمام به في نفس الفرد ويبعث على مباشرته، وذلك بتقديم الحافز فعلاً، أو بربطه بالقيام بالسلوك. وهذا التعريف لا يتناسب مع دراستنا، لأنه يتكلم عن التعزيز الإيجابي، والذي يعني تقديم جزاءً على القيام بالسلوك فعلاً ترغيباً في استمراره أو تكراره. و أعني بالتشويق هو استمالة الطالب إلى العملية التربوية أثناء الأداء التعليمي، وبناءً على ما تقدم فإن هذا التعريف لا يتوافق مع دراستنا.
-وذكر إبراهيم عطا أن التشويق يعني: مجموعة من البواعث المؤثرة على استمرار المستمع في قراءة، أو سماع، أو مشاهدة ما يقدم له، أو مدى إثارة المادة المقروءة، و المسموعة، أو المشاهدة لدافعيه القارئ واهتماماته، و اجتذبها. (3)
وهذا تعريف جيد، ولكنه ليس جامعاً مانعاً، ولا يتناسب مع التشويق في التربية الإسلامية، إذ إنه تعريف يصلح لأي تشويق سواء كان ضمن الإسلام أو غيره.
وذكر صاحب رسالة "أساليب التشويق "التعزيز في القرآن الكريم أن وسائل التشويق، هي الأساليب التربوية مادية أو معنوية تقدم للفرد وتؤثر في نفسه تأثيراً إيجابياً، حيث يزيده رغبة في القيام بما يُطلب منه، أو في تكرار السلوك الذي قدمت عقبه تلك الأساليب، والأشياء، كالمدح والثناء، والأوسمة، والمكافآت، أو تؤثر في النفس تأثيراً سلبياً بحيث يقلل تلك الرغبة أو ذلك السلوك، مثل اللوم والعتاب، والذم، والحرمان من الأشياء المرغوب فيها.(1)
وهذا التعريف متأثر بما جاء عند فاخر عاقل. ويزيد عليه التعزيز السلبي. وبهذا فهو لا يناسب مع دراستنا.
وذكر أحمد الحوفي أن التشويق يعني: أن يهيج المربي نفوس السامعين أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاء، ساراً أو محزناً، مضحكاً، أو مبكياً. (<!--)
و هذا التعريف ليس كاملاً،اذا أنه يركز فقط على السيطرة على نفوس و عواطف المتعلمين، دون ان يشبع حاجات العقل و النفس و الروح معاً.
وخلاصة لهذا المبحث خرجت بالنتائج التالية:-
أولاً:- أن التشويق في اللغة يعني الجذب، وتهيج النفس.
ثانياً:- أن القرآن الكريم قد أشار إلى أسلوب التشويق في بعض آياته.
ثالثا:- أن السنة جاءت بلفظ التشويق ومشتقاته.
رابعاً:- أن علماء التربية النفسية يجعلون التشويق يعادل التعزيز الإيجابي أو الترغيب.
خامساً:- أن المقصود بالتشويق في هذه الدراسة هو التشويق في المعنى البلاغي و الذي أعني به جذب انتباه المستمع أو المشاهد إلى ما يُعرض عليه حتى لا يصيبه الملل والسآمة.
المبحث الثاني: (أهمية التشويق في العملية التربوية).
بعد أن تم عرض مفهوم التشويق في اللغة والاصطلاح، واختيار ما يتناسب مع الدراسة، فإنني سأتكلم عن أهمية التشويق في العملية التربوية، وخاصة فيما يتعلق بالمنهاج المدرسي، وطرائق التدريس.
إذا مهد للمعنى، ونبه المخاطب وهيئ لتلقي المعلومات، وقع في نفسه، ووقر في وجدانه وترسخ في أعماقه، وذلك عندما يحرص المتكلم على تثبت وترسيخ معلومة في الوجدان (<!--)، وهذا لا يتأتى إلا بالتشويق، ومصادر التربية الإسلامية – القرآن والحديث – مليئة بعناصر التشويق التي تجذب قلوب وأسماع وعقول المتعلمين. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية عنصر التشويق في العملية التربوية.
والتشويق أمر ضروري لتوجيه العملية التربوية، التي تتناول الإنسان بجميع جوانبه النفسية والعقلية والعاطفية. والتشويق حاجة ماسة لتحقيق هذه الأهداف الحيوية؛ لأنه لا يحدث تعلم دون مشوق يزيد الرغبة فيه ويحث على القيام به. (<!--)
ونظراً لأهمية التشويق في المحتوى الدراسي، وأساليب تعليمه، فإن الباحث سيتناول أهمية ذلك بالتفصيل ضمن المطلبين الآتيين:-
المطلب الأول: (أهمية التشويق في المنهاج المدرسي).
للمنهاج مفهوم شامل وواسع، ولكنني أقصد هنا فيه: المقررات الدراسية – المحتوى- وهي المواد التي تُدرّس للتلميذ داخل الصف في مجالات المعرفة المختلفة، يأخذها التلميذ، ليصل بها إلى مستوى ما، أو ليتخرج بها من المدرسة مثلاً"(<!--).
ومصدر المنهاج الدراسي في التربية الإسلامية، الوحي الإلهي، المتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، والعلم البشري المكتسب عن طريق التفكير والتدبر والبحث والتجريب.(<!--)
ولا يخفى أنه على قدر قوة المصادر للمنهاج الدراسي تكون قوة المقررات، أو ضعفها، وأقوى المصادر للتشويق في المقررات هو الوحي الإلهي، فحينما يؤلف واضعوا المنهاج الكتب على ضوء أساليب التشويق، فإنها عندئذٍ تخاطب العقل والوجدان، وتسعى إلى إشباعها، فيتشوق المتعلم، ويعتدل سلوكه، وتتهذب أخلاقه، وتبنى شخصيته بناءً سليماً شامخاً أمام عواصف ومغريات الحياة و للمنهاج أهمية عظمى في العملية التربوية ، حيث أنه الأداة التنفيذية لتحقيق الأهداف التربوية ، و أداة الوصل بين المعلم و التمعلم. (<!--)
وبقدر ما يكون المنهاج الدراسي مشوقاً للتلاميذ، بقدر ما يكون نجاحها في تعديل سلوكهم، فإذا سعت المناهج الدراسية مثلاً إلى تنمية التفكير، وإشباع العواطف، وملامسة الوجدان، وحققت ذلك بأساليب التشويق، فإنها عند ذلك أدت مهمتها في بناء شخصية الإنسان بمتعة وتأثير، وآتت ثمارها في الأتباع.
ومن خلال الإطلاع على بعض المناهج الدراسية وجدتها تفتقدُ عنصر التشويق، وفيها بعض نواحي القصور ومنها:-
<!--عدم وجود ترابط وتكامل بين المعلومات التي تقدم للطلاب.
<!--أن معظم المقررات الدراسية يمارسها الطلاب نظرياً.
<!--تفتقر إلى أساليب التأثير، حيث لا تعرض القصص، ولا تثير الحوار، ونقص في استخدام أساليب الترغيب.
<!--اقتصار أهداف المنهج على تزويد الطلاب لمجموعة من المعلومات والأفكار التي لا تخدم إلا مرحلة تعليمية معينة.
<!--لا تهتم بالنمو المتكامل للفرد.
وإذا أردنا أن تكون مناهجنا الدراسية مشوقة ومؤثرة، فلا بد من توافر شروط النجاح فيها، ومنها:-(<!--)
<!--أن تكون مستقاة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
<!-- أن تكون شاملة وواضحة ومتدرجة.
<!-- أن تكون مناسبة للمستويات الفكرية عند الطلاب، وملبية لحاجاتهم.
<!-- أن تفي بحاجات المجتمع، ومتطلباته.
<!-- أن تنمي ملكة التفكير والتحليل والاستنباط عند الطالب.
المطلب الثاني:- (أهمية التشويق في طرائق التدريس).
نعيش اليوم عصراً لا نسمح بأن نجعل التسلية والترفيه هدفاً وحيداً لما نقدمه إلى المتعلمين، بل لا بد من أن تكون التسلية والترويح موجودتين، وفي الوقت نفسه نقدم للطفل ما هو في حاجة إليه لبناء شخصيته، واهتماماته، وسلوكه. (<!--).
والتربية الإسلامية بحاجة إلى مربي يؤمن بقيم الشرع، ويدفعه ذلك إلى نقل ما يؤمن به إلى الآخرين بأسلوب يصل إلى قلوب المخاطبين، ويلامس وجدانهم، ويستقر في نفوسهم. (<!--)
وتعتبر طريقة نقل المحتوى للدارسين من أهم أدوات تحقيق الأهداف التربوية، ونجاح العملية التربوية يتوقف على قدرة المعلم على تهيئة نفوس المتعلمين للدرس، ليتعلموا ويصلوا إلى الأهداف المطلوبة، ومن هنا فقد اهتمت التربية الإسلامية بأساليب التربية التي تشوق الطلاب إليها.
والتربية الإسلامية لم تتخذ طريقة واحدة في تربية أبنائها، بل إنها اتخذت وسائل وأساليب كثيرة، راعت فيها خصائص النمو العقلي والنفسي والوجداني لديهم، كما راعت مستوى إدراكهم والحوافز المؤثرة فيهم. والدوافع التي يمكن أن تثير مشاعرهم، وتهيء نفوسهم للتعليم، واحترام مبادئهم الشخصية، ونشاطهم الذاتي، ومشاركتهم الفعّالة في عملية التعليم. (<!--)
وطرائق التدريس: هي تلك الأساليب التي يتبعها المعلم في توصيل المعلومات إلى أذهان التلاميذ ونفوسهم. (<!--)
وتكمن أهمية طريقة التدريس في أنها هي التي تبين طريقة استغلال محتوى المادة بشكل يمكنّ الطلاب من الوصول إلى الهدف المرسوم للمادة. ولذا فإن الطريقة تعد من أهم عناصر العملية التربوية عامة. والتربية تشق طريقها إلى القلوب بالتشويق والتأثير في النفوس بأساليب متنوعة، ولا بد من توافر الأسلوب الشائق في المربي وطريقته في التربية.
ومن صفات المربي أن يكون قادراً على التصرف في فنون القول بما يمكنه من توصيل ما يريد إلى المتعلمين. فلا يكفي أن يعلم ما ينبغي أن يقول، بل يجب أن يقول كما ينبغي، مُستعيناً بكل ألوان الأساليب التربوية. من حجة عقلية، ودليل وجداني، وأسلوب تصويري، وضرب أمثال، وترغيب وترهيب. حتى ينفذ إلى عقل المستمع ووجدانه، ويخاطب فيه كل ملكاته. وقد أحسن سيدنا موسى –عليه السلام-. حاجته إلى ذلك، فسأل الله فقال: (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني).(<!--)
ولا تكفي غزارة المعلومات، وقوة الشخصية، مع بالغ أهميتها لإيصال المعلومات إلى عقول الطلاب وقلوبهم بفهم سليم وشوق، ما لم يعلم النواحي الفنية التي تعنيه في التدريس، ومن المعلوم أن فن التدريس يقوم على ركنين هما: موهبة فطرية كامنة، وقواعد علمية تتبع. وما هذه الدراسة إلا مساهمة متواضعة في وضع القواعد العلمية بما يتعلق بأسلوب التشويق. (<!--)
ومن الاعتبارات التي تراعي في طريقة التدريس حتى تكون ما يلي:- (<!--)
أولاً: - الاستعانة بالأساليب مشوقة المستقاة من الوحي الإلهي، وسيرة الرسول –عليه السلام- من قصة، ومثل، وترغيب وترهيب.
ثانياً:- تسلسل العرض ودقة التحليل وقوة الحجة.
ثالثاً:- جمال الأسلوب ووضوحه.
رابعاً:- حسن الاستشهاد بالنصوص.
خامساً:- ضرب الأمثلة الحسية من الواقع.
سادساً:- إثارة اهتمام المتعلم وبواعثه المختلفة بمادة التعليم، وجعلها متصلة بحاجاته.
سابعاً:- تبعث في التلاميذ المقدرة على الحكم والوصول إلى النتائج.
ثامناً:- جعل التعليم متسماً بالمتعة من ناحية، وبالمنفعة من ناحية أخرى.
تاسعاً:- تنويع طرق التدريس تنويعاً يكفل لكل المستويات الفهم والاستيعاب.
عاشراً:- أن يبتعد المعلم عن أساليب القسوة، وأن يكون واسع الصدر، وأخاً وأباً لكل تلميذ.
وخلاصة القول: فإنه كلما كانت الطريقة الشائقة، حيث يستطيع المعلم أن يؤثر في المتعلمين، ويشوقهم إلى المحتوى، كانت التربية ناجحة ومُحقِقه للأهداف التربوية المرسومة.
المبحث الثالث :-(شروط التشويق في التربية الإسلامية).
مهما علت وسمت أي تربية بأهدافها، إذا خلت من أساليب تهيأ الظروف المناسبة، وتعد النفوس للمبادرة، ومن حوافز تجدد الهمم، وتدفع إلى المزيد من الرغبة في الاستجابة ومتابعة التعليم؛ فإنها تربية لا تحظى بالنجاح غالباً.(<!--)
والتشويق يختلف عن غيره في التربية الإسلامية، حيث إنه يمتاز بالوضوح والواقعية، ومخاطبة الوجدان، وإثارة الدوافع. ومن أجل أن يكون الأسلوب التربوي مشوقاً، فلا بد من توافر بعض الشروط ومنها:-
أولاً:- (التفاعل مع النفس البشرية بجميع جوانبها).
إن المصدر الإلهي لا يتجه بحديثه إلى الفكر وحده مكتفياً به عن سواه، إذ أن فاطر السماوات والأرض، يعلم أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي في الانجذاب والتأثير، ولا بد أن يكون معها أساليب تغزو مناطق الشعور، وتبعث الكوامن العاطفية، حتى يتهيأ السامع إذا سمع، و القارئ إذا تلا، وتنجذب نفسه حتى يصل إلى أشرف المبادئ وأحكم المُثل.
ولو كانت المعرفة كافية للهداية، لكانت كتب العلوم الأرضية دليل المهتدي إذا قرأت ودرست. ولكنك تشاهد الناس يقرأونها، مقتنعين، ثم يحيدون عن أكثر ما تهدي إليه، إذ أن العلم شيء، وسلوك الإنسان شيء آخر. لذلك اتجه الخطاب الإلهي إلى التأثير الوجداني بعد الحجة العقلية، ليغزوا مناطق الشعور الإنساني. (<!--)
والإنسان يجمع في طبيعته من الملكات المتعددة، مما يجعل إهمال بعضها، هدراً لجانب من الطبيعة الإنسانية. ولذلك يجب علينا أن نتعامل مع قوى الإنسان كلها، نتعامل مع الوجدان باعتباره وعاء الأحاسيس والمشاعر والتي تنشأ عن التأثير بما يسر ويؤلم وكي نصل إلى التأثير والتشويق إلى الإنسان فلا بد من ملاحظة جميع طبيعة الإنسان. (<!--)
ثانياً:- (معرفة نفسيات السامعين).
اتخذت التربية الإسلامية عدة وسائل وأساليب، راعت فيهما خصائص النمو العقلي والنفسي والوجداني لدى الطلاب. كما راعت مستوى إدراكهم، والحوافز المؤثرة فيهم، والدوافع التي يمكن أن تثير فيهم مشاعرهم، وتهيئ نفوسهم للتعلم واحترام مبادئهم الشخصية، ونشاطهم الذاتي، ومشاركتهم الفعلية في عملية التعليم. (<!--)
والناس متفاوتون، فمنهم من يقبل الحق بسرعة، ومنهم لا يقبله إلا بعد جهد، ومنهم وسط بين ذلك. وليس معنى ذلك التقسيم إلى ثلاثة أقسام ثم مخاطبة كل جهة لوحدها، بل لا بد للمربي من تنويع الأساليب في عرض المعلومات، والتفنن في وسائل الجذب وحتى يجد كل مخاطب لدى المربي ما يلمس مواطن التشويق عنده، ويشبع عواطفه ويقنع عقله. (<!--)
ولا بد للمربي من معرفة نفسيات السامعين يشوقهم دائماً حتى لا يملوا، فإن أحس في نظراتهم فترة، ومن حركاتهم مللاً، شوقهم بفكاهة مناسبة، وقصة جاذبة، أو عبارات ملهبة. لأنهم إن ملوا انصرفوا عنه، وصار يتكلم لنفسه، ولذلك قال ابن مسعود –رضي الله عنه-:
" حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإن رأيت منهم فترة فأمسك. (<!--)
ثالثاً:- (الوضوح) .
تتسم الأساليب التربوية في الإسلام بسهولة العبارة، ووضوح المعنى، لأن فهم المعاني أساس في التشويق والاستمالة. وليس المقصود من ذلك أن يكون كلام المربي مبتذلاً سوقياً، وشائعاً سطحياً، وإنما اقصد من ذلك أن يكون سهلاً في قوة، وسامياً في وضوح، اريد أن يكون موافقاً للسامعين يلائم الزمان، ويشاكل البيئة، ويلائم الموضوع. (<!--)
يقول الجاحظ :"تخليص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجزا ،والتشادق من غير أهل البادية بغض. وذلك لأن الكلام الغريب والمعقد الذي لا يلائم السامعين يحوجهم إلى التفكير في المعاني، والتأويل للعبارات، وعندئذ تنقطع صلتهم بالمتكلم، مما يؤدي إلى فقدان عنصر التشويق في التربية. (<!--)
وحتى يكون الأسلوب التربوي واضحاً فلا بد من توافر بعض الأمور التي تساعد على ذلك ومنها:-
<!--أن يكون المربي قد درس موضوعه وفهمه فهماً دقيقاً وعميقاً، حتى لا يكون الغموض والإبهام في الكلام.
<!-- اختيار الألفاظ المناسبة للموضوع والسامعين، بحيث تدل على معانيها بيسر وسهوله ودقة، وتنفذ إلى الذهن والقلب.
<!-- حسن عرض الموضوع، لكي تفصح العبارة عن المعنى، فيقدم ويؤخر، ويذكر ويحذف، ويؤكد ولا يؤكد… وعدة المربي في ذلك أن يلتزم قواعد النحو والبلاغة، والذوق الأدبي.
<!-- الترتيب المنطقي للموضوع، حيث المقدمات، فالعرض، فالخاتمة حيث يكون الموضوع مترابط متماسك، لا فجوات فيه، تقطع أفكار السامعين، ويبعدهم عن التشويق.(<!--)
رابعاً:- (إثارة الشعور):-
إن الوضوح يكفل الإقناع، وقوة الأسلوب يكفل التشويق والاستمالة، وتوجيه السامعين إلى الهدف الذي يقصده المربي. ومن الأمور التي تساعد على الإثارة والاستمالة ما يلي:- (<!--)
<!--قوة عاطفة المربي، وحماسته للتربية، وعند ذلك فإن كلامه سيصل إلى القلوب، وتثمر تربته، لإن فاقد الشيء لا يعطيه.
<!-- اختيار الكلمات والتراكيب القوية النافذة إلى القلوب، التي تثير وتشوق الطلاب.
<!-- اختيار الجمل القصيرة، لأنها أنسب وسريعة الأداء والفهم، ولأن العبارات الطويلة بطيئة التأثير، مملة للسامع، مجهدة للمتكلم. وهذا يؤدي إلى فقدان عنصر التشويق.
<!-- المراوحة في الكلام بين أسلوب الخبر والأنشاء، حتى لا يكون الكلام على وتيرة واحدة؛ فيمل المستمع، ومن خلال استخدام الأساليب المتنوعة، فإنه يتجدد نشاط السامع بهذه المغايرة. وعلى المربي أن يستخدم الأسلوب الملائم للمعنى، من خبر وأمر، ونهي، واستفهام، وتعجب…
<!-- الخيال في العبارات، حيث يتم اختيار الكلمات التي تثير في النفوس أخيلة وذكريات، وتبعث صوراً، وأفكاراً ملائمة للموضوع، مثل عبارات الاستعارة، وضرب المثل –والمتكلم بحاجة إلى خيال مشوق يصور عاطفته، بشرط عدم الإكثار منها؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإرهاق.
خامساً:- (حُسن التمهيد والختام للموضوع).
التمهيد أول ما يطرق الأسماع، فإن كان جيداً أصغى السامعون، وتشوقوا وتأهبوا لما بعده، وتفتحت نفوسهم للمتكلم، حيث يثير اهتمام المستمعين حول الموضوع المطروح، وبيان قيمته. حتى يتصل بقلوبهم، فيعوا ما يُقال عنه. وعلى المربي أن يسعى إلى أن يكون التمهيد مشوقاً يجذب السامعين إلى الموضوع. ومن المستحسن أن يكون التمهيد قصيراً وملائماً للموضوع. (<!--)
ويمكن أن يطرح المربي سؤلاً يفتح فيه على المستمع لكي يفكر في الجواب، ويشارك مع المعلم، أو أن يربط المقدمة بمصالح الطلاب حول مشكلة معينة بحاجة إلى حل. (<!--)
وكذلك فعلى المربي أن يكون لكلامه نهاية وخاتمة، يحسن التخليص من موضوعه، والخاتمة هي أكثر التقاط استراتيجية في العملية التربوية، حيث أن ما يقوله الإنسان في النهاية، يبقى يرن في آذان المستمعين، ومن المستحسن أن يخطط المربي للخاتمة،بل من الضروري حفظها، ويمكن أن يختم ببيت شعر، أو بمثل، أو بقصة، أو بطرح سؤال، أو بعبارات قوية تهز المشاعر. وينبغي أن تكون قصيرة العبارات، لأنها أبعد عن الملل والسآمة. وأقرب إلى تشوق النفوس للكلام.(<!--)
وقد أشار إلى هذا ابن خلدون حيث يقول: "أعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين يجب أن يكون مفيداً، إذا كان على التدرج شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً، يلقي عليهم أولاً مسائل عامة هي أصول ذلك الباب، ويقرب لهم في شرحها على سبيل الإجمال أو يراعي في ذلك قوة عقولهم واستعدادهم لقبول ما يرد عليهم… ثم يرجع بهم ثانية فيرفعهم من التلقين إلى رتبة أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكرهم ما هنالك من خلاف… فتجود ملكتهم، ثم يرجع به وقد شدا، فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا مغلقاً إلا وضحه وفتح له مقفلة، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكتهم، وهذا وجه لنقل المعنى" (4)
وخلاصة القول: أنه يشترط في التشويق في التربية الإسلامية أن يقوم بالتفاعل مع النفس البشرية، ومعرفة نفسيات المستمعين، والوضوح، وإثارة الشعور، وحسن التمهيد والختام.فإذا اكتملت هذه الشروط تم التشويق وفق كتاب الله وسنة الرسول–عليه السلم- وهو أسلوب لا مثيل له في القوانين البشرية، وما ذاك إلا أنه مستقى من مصادر التشريع الإسلامي.
المبحث الرابع :-(أهداف التشويق في التربية الإسلامية).
إن الهدف الأساسي من التشويق في التربية الإسلامية هو بناء الإنسان العابد العامل، حيث يحس دائماً بمراقبة الله، فتستقيم حياته دون حاجة إلى وسيط.(<!--)
ومن خلال هذا الهدف العام "تنبثق مجموعة من الأهداف التربوية الأخرى ومنها:-
أولاً:- إثارة دافعية المتعلم واهتماماته، وجعل عملية التعلم عملية ممتعة ومشوقة، باستخدام الأساليب التربوية التي جاءت في القرآن والسنة، والتي تساعد على إثارة الشوق، وزيادة الانتباه لدى المُتعلمين. (<!--)
ثانياً:- الإسهام في بقاء أثر التعلم لفترة طويلة، لأن الطالب إذا تشوق إلى الموضوع وانطبع في نفسه، فإنه سيبقى فترة طويلة، وهذا يؤدي إلى نتائج حسنة في العملية التربوية.
ثالثاً:- الاعتقاد الجازم بأن القرآن الكريم جاء بمنهاج كامل للحياة، فيه من الأساليب الشائقة التي تقنع العقل وتثير الوجدان. وهذا يؤدي إلى بناء الشخصية المسلمة، ثم المجتمع المسلم، ثم الأمة المسلمة. (3)
رابعاً:- تقريب المعنى إلى الإفهام، وتيسير العملية التعليمية على المتعلم، وجعلها تحقق أكبر قدر ممكن من النتائج المرغوبة، وتوفر الجهد والطاقة المبذولتين فيهما. (<!--)
خامساً:- مساعدة المتعلم على تنمية معارفه، ومعلوماته، وخبراته، ومهاراته، واتجاهاته، وخاصة التفكير العلمي الصحيح، والاتجاه المتمثل في حب العلم، والرغبة في طلبه، والكشف عن حقائقه، والشعور باللذة والمتعة في طلبة. (<!--)
سادساً:- تكوين جو صالح للتعليم، قوامه الثقة والاحترام المتبادلان بين المعلم والمتعلم والعلاقة الطيبة بينهما، ورفع معنوية المتعلم ودفعه إلى التعلم بنشاط وشوق. (<!--)
سابعاً:- تعويد المتعلم على التفكير السليم، ودقة الملاحظة، والإدراك الحسي، وحثه على العمل والجد والنشاط والصبر في طلب العلم. (<!--)
ثامناً:- مساعدة التلميذ في تحديد غرضه من العملية التعليمية ليكون إقباله على دراسة العلم بنشاط. (<!--)
تاسعاً:- غرس الإيمان بالله، وبملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والكتب، والقضاء خيره وشره، على أساس من الفهم والوعي والتأثر الوجداني.(<!--)
عاشراً:- إيجاد السكينة في النفوس بالعقيدة الراسخة، والعبودية المحضة والضراعة الخالصة لله تعالى، والنتيجة الحتمية لهذه الطمأنينة والارتياح والرضى أن يحتفظ الإنسان باستعداداته وملكاته الفكرية"(<!--)
حادي عشر:- استشارة اهتمامات الطلاب وتوجيهها،حيث تؤكد معظم تفسيرات الدافعية ضرورة توفر بعض القوى التي تستثير نشاط الفرد وتوجه سلوكه، الأمر الذي يجعل مسألة استشارة انتباه الطلاب واهتماماتهم وتوجيه نشاطاتهم نحو السبل الكفيلة بإنجاز الأهداف المرغوب فيها.ولاستثارة انتباه الطلاب واهتماماتهم وحب الاستطلاع لديهم، يمكن للمعلم أن يبدأ نشاطه التعليمي بقصة أو حادثة مثيرة، أو يطرح مشكلة تتحدى تفكير الطلاب وتأسر اهتماماته.
وخلاصة القول: إن عملية التشويق تهدف إلى تقريب المعنى إلى الإفهام وإشارة الاتصالات الإنسانية، وإثارة الدافعية عنده، والحفز على العمل الصالح، والاستعداد للتعلم والعمل، والاستمرار بهما بدون ملل ولا سآمة.
المبحث الخامس:-(مصادر التشويق في التربية الإسلامية).
يعتمد التشويق في التربية الإسلامية على مصادر التشريع وهي:-
القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وما أثر عن سلف الأمة وعلمائها، وفيما يلي بيان لأثر هذه المصادر في تشويق الناس بهذه التربية:
المطلب الأول:- (القرآن الكريم)
القرآن الكريم هو كلام الله، أنزله على سيدنا محمد -عليه السلام- المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدؤ بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.
وبالتأمل والتدبر لكتاب الله يتضح أن الكثير من آياته تحمل في طياتها مضمون التشويق وبأساليب متنوعة، وطرق متعددة، ليقدم الخالق الهداية للبشر.
وأسلوب القرآن الكريم التربوي شامل يتسع للفروق المتباينة بين الأفراد، وإلا لا ستثقله الصغار، وأصحاب المستويات المتدنية عقلياً، واستخف به الكبار ذوو القدرات العالية، والعقول الناضجة. (<!--)
وقد سلك القرآن الكريم جملة من الأساليب التي تثير الاهتمام وتستحوذ على النفس لإيصال الحقائق إلى العقل. وتنوعت أساليبه تنوعاً يشمل جميع جوانب النفس الإنسانية، ويشبع حاجاتها الفكرية والفطرية والعاطفية، دون أن يطغي أحد الأمرين على الآخر، وهذا يُسمّىً "إقناع العقل وإمتاع العاطفة"(<!--)
ويتمثل الإقناع العقلي في نظم القرآن الكريم وأسلوبه البياني، ووسائله اللغوية، والصور البيانية التي تتجلى في نظمه البديع، وأسلوبه الرفيع الذي وصف بأنه سهل ممتنع، حيث يتناسب النظم، وروعة الأسلوب، ووحدة مع تنويع، وقوة في تأثير، الأمر الذي جعله خارجاً عن المألوف من الكلام(<!--)
يقول الباقلاني مشيراً إلى سهولة القرآن "أن القرآن سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، ومن الصيغة المتكلفة، وجعله قريباً إلى الأفهام"(<!--)
والنفس البشرية لها قوتان:- تفكير، ووجدان، ولا يستطيع أحدٌ من البشر أن يفي بهما، ولا يفي بهما إلا رب العالمين، فهو القادر على مخاطبة العقل والقلب معاً. (<!--)
والنفس البشرية لها نوازعها، ولا يمكن أن تتشوق إلا بواسطة خالقها، ولا ترتوي إلا من نبعه. ولهذا فقد أورد الله – جل جلاله – أساليباً متعددة في كتابة العزيز لتشويق الناس إلى هذا الدين ومنها الآتي:-


