بسم الله الرحمن الرحيم
جامعة اليرموك
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
برنامج ماجستير التربية في الإسلام
التشويق في التربية الإسلامية
رسالة ماجستير
إعداد الطالب
إبراهيم أحمد سلامة الزعبي
إشراف
د.حسين جابر بني خالد أ. د. محمد ذيبان الغزاوي
مشرفاً شرعياً مشرفاً تربوياً
د. يوسف الزيـــــــــــوت
مشرفاً شرعياً
2000/2001م
الفصل الثاني
التشويق في التربية الإسلامية
إعداد الطالب
إبراهيم أحمد سلامة الزعبي
بكالوريوس شريعة / أصول الدين
جامعة اليرموك – اربد – الأردن 1997م
قدمت هذه الدراسة استكمالاً لمتطلبات نيل درجة الماجستير
في التربية في الإسلام من جامعة اليرموك – اربد-
لجنة المناقشة
د. حسين بني خالد ------------------رئيساً ومشرفاً
أ.د. محمد الغزاوي------------------عضواً ومشرفاً
د. يوسف الزيوت-------------------عضواً ومشرفاً
أ.د محمد عقله --------------------- مناقشا
بسم الله الرحمن الرحيم
(وقل ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)
(النمل: 19)
صدق الله العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فإن ديننا الإسلامي انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، بأسلوب التشويق والجذب، لا بأسلوب العنف والجبر والقوة كما يدعيه من لا يعرف عظمة الإسلام، قال تعالى: "لا إكراه في الدين" (<!--) وحيث انتشر الإسلام فقد غير مجرى التاريخ، وأخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وحين استقر الإيمان في قلوبهم، عمروا الأرض وسادوا الدنيا. ولكن عندما ضعف هذا الإيمان، ولم تعتصم أمة الإسلام بحبل الله المتين وابتعدت عن أمر ربها،تفرقت بها السبل، وأصبحت مستهدفة من أعداء الإسلام الكثر، فغزوا أهل الإسلام فكرياً وتربوياً ومادياً، فكانت النتيجة أجيالاً لا تعرف من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، وصارت العبادة عادة خالية من الروح، ومن هنا صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى سبيل الله واجباً على كل عالم ومرب وراعٍ بأساليب وطرائق مشوقة ومحببة إلى نفوس المسلمين تخاطب العقل والوجدان وتضرب على أوتار النفس، فتهز كيان الفرد وتثير مشاعره وعواطفه، فتدفعه إلى العمل والإنتاج بجد وإخلاص، وعن طيب نفس مؤمنة بخالقها ومتبعة لمنهج رسوله –صلى الله عليه وسلم-.
وإذا نظرنا إلى الواقع التربوي اليوم ومايسوده من أساليب ومناهج وأنشطة ونتائج وثمرات، وجدنا تدنياً في المستوى الدراسي، فقد نجد طالباً في المرحلة الثانوية وهو لا يجيد، القراءة والكتابة، وقد يعزى ذلك لجمود المناهج التربوية والأساليب المستخدمة في التعليم، حيث لا تلبي في غالبها حاجات الطلاب ورغباتهم في معظم المجالات النفسية، والعقدية، والفكرية، والاجتماعية مما يجعل الطالب لا يتشوق إلى دراسة هذه المناهج.
وكذلك فإننا نعيش في عصر لا يفرض الرأي بالقهر والقوة، وبخاصة في مجال التعليم، الذي أخذ يسوده التعاون وحرية التفكير وإبداء الرأي والرأي الآخر، ويدير كل ذلك المعلم القدوة والمتوقع لديه القدرة على تشويق الآخرين إلى الحق، وجذبهم إلى الحقيقة، والتأثير عليهم حتى يكتسب استجاباتهم وطاعتهم في بيئة تعليمية صحيحة وسليمة.
وهذه الدراسة محاولة لإبراز الجانب العلمي في اتباع أسلوب التشويق في مجال التربية والتعليم في ضوء مصادر التشريع، علّه يكون نواة خير لمن يعتني بالتربية، وعله يكون نقطة بداية لتعميم هذا الأسلوب في جميع نواحي الحياة بما لا يتعارض مع الإسلام، لأن التشويق هو أساس التفاعل الاجتماعي والنفسي.
ومن أجل ذلك تم اختيار هذه الدراسة محاولة لعلاج خلل تربوي في هذا الجانب من العملية التربوية وإسهاماً عليماً متواضعاً لبيان ما ينبغي أن يسلكه المربي مع من يريد تربيته.
وهذا ما مّن الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان فيه خطأ أو نقص، فتلك سنة الله في البشر، والكمال لله، والعصمة للأنبياء، ورحم الله من أهدى إليّ عيوبي وأقال عثرتي.
أهمية البحث:
على الرغم ممّا بذلته التربية قديماً وحديثاً، ما يزال ثمة حاجة إلى البحث عن طرائق أفضل وأساليب أكثر كفاية في مجال التربية، بما لا يتعارض مع حرية الإنسان وكرامته، ويؤدي في الوقت نفسه إلى نجاح تربوي يتناسب مع متطلبات الحياة المستجدة، ويشبع حاجات الإنسان النفسية والعقلية والروحية مثل إشباعه لحاجاته المادية.
وتبرز أهمية هذا البحث من خلال الأمور الآتية:
أولاً: أنه يلقي الضوء على مفهوم التشويق وأهميته في تربية المتعلم المسلم.
ثانياً: أنه ينطلق من الكتاب الكريم والسنة المطهرة وغيرهما من المصادر الشرعية ليحقق أهدافه.
ثالثاً: أنه يعالج أسلوباً مهماً من أساليب التربية الإسلامية ألا وهو التشويق وطرقه في الكتاب والسنة.
رابعاً:أنه يفيد المعلمين والمربين والخطباء في تحسين أدائهم مع المتعلمين، وإثارة دافعيتهم للتعلم من معارف ومهارات وقيم واتجاهات حسب مبادئ الدين الحنيف الذي ينظم حياة الفرد لتفيده في دنياه وأخراه.
خامساً:أنه يبين الآثار التربوية للتشويق، في بناء شخصية المتعلم المسلم من جميع جوانبه المتعددة.
أهداف البحث:
تهدف هذه الدراسة بصورة عامة إلى بيان كيفية جذب المربي أو المتكلم المستمعين إليه حتى لا يدخل عليهم الملل والسآمة.
ومن خلال الهدف العام يمكن التوصل إلى الأهداف الفرعية التالية:
أولاً: تبصير المعلمين والمربين والمتعلمين بأهمية التشويق، والتعرف على مفهومه وأهدافه، وشروطه، ومصادره.
ثانياً: بيان الأساليب التربوية المتبعة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في التشويق واستمراريته أثناء العرض.
ثالثاً: توضيح الآثار التربوية للتشويق.
رابعاً: الإسهام في تسهيل مهمة المعلم في تعليم المناهج الدراسية وصولا لبناء الشخصية المسلمة للمتعلم.
مشكلة البحث:
تعاني النظم التربوية في العالم في هذا العصر كثيرا من المشاكل، التي أحدثت في النهاية تأخراً في المجال العلمي، والاقتصادي ،والاجتماعي . . . . واستبدلت المناهج الإسلامية بمناهج مستوردة من الشرق والغرب، وهذا يدعو إلى إيجاد حلول عملية تقوم على أساس التشويق وجذب الطالب إلى المادة العلمية باستخدام الأساليب القرآنية والنبوية، حتى نضمن تنشئة جيل صالح ومصلح.
ويحاول هذا البحث الإجابة على الأسئلة الآتية:
أولاً:- ما مفهوم التشويق؟ وما أهميته؟ وما شروطه؟ وما أهدافه؟ وما مصادره؟
ثانياً:- ما الأساليب التربوية التي يتم من خلالها التشويق؟
ثالثاً:- ما الآثار التربوية للتشويق في بناء شخصية المتعلم المتكاملة؟
منهج البحث:
إن للبحث في مجال التربية الإسلامية مناهج انتهجها المفكرون المسلمون مبنية على الدقة والواقعية، وحيث أن طبيعة البحث تحدد للباحث نوع المنهج الذي يستخدمه، فقد استخدمت في هذا البحث المنهجين الوصفي والإستنباطي.
حيث أن المنهج الوصفي يصف ما هو كائن، ويفسره، ويعمل على تحديد العلاقات بين الواقع والمأمول، والاتجاهات المختلفة، إلى جانب المقارنة مع الوصف.(<!--)
وقد استخدمت هذا المنهج في البحث بغرض وصف الطريقة التي يستخدمها القرآن الكريم والرسول –عليه الصلاة والسلام- لتشويق الناس، فدخلوا في دين الله أفواجاً، و تعدلت سلوكياتهم وتهذبت نفوسهم.
أما المنهج الاستنباطي ففيه يقوم الباحث ببذل أقصى جهد عقلي، عند دراسة النصوص بهدف استخراج مبادئ تربوية مدعمة بالأدلة الواضحة(<!--)
وقد استخدمت هذا المنهج في البحث، لاستخراج المبادئ والمفاهيم والأساليب التربوية المناسبة من الكتاب والسنة المبنية على التشويق الذي جعل الإيمان أغلى شيء عند المسلمين، ثم بيان آثاره التربوية.
وقد اعتمدت في معظم دراستي على الآيات القرآنية المناسبة لموضوع دراستي وعلى الأحاديث الصحيحة والحسنة، واستبعدت الأحاديث الضعيفة، وقد اعتمدت أيضاً على عدد من المراجع التربوية المعاصرة واستفدت منها في تحليل النصوص التربوية، واستنباط بعض الآثار التربوية.
كيفية توثق المراجع:
تم توثيق المصادر والمراجع وفق الترتيب الآتي:
1- ترتب المصادر والمراجع حسب الحروف الهجائيةلأسماء المؤلفين أ، ب ،ت . . .
2- ذكر اسم المؤلف بدءاً باسم الشهرة، ثم تاريخ الوفاة إن وجد، ثم اسم المرجع، ثم دار النشر، ثم اسم المدينة التي صدر منها الكتاب، ثم تاريخ النشر ثم ترتيب الطبعة.
رموز البحث:
استخدم الباحث في دراسته الرموز التالية:
(د.د) دون دار النشر
(د.ت) دون تاريخ النشر
الدراسات السابقة:
بالرجوع إلى فهارس مكتبة جامعة اليرموك، والجامعة الأردنية، وجامعةآل البيت، وجامعة مؤته، والجامعة الهاشمية، وجامعةاربد الأهلية، ومراسلة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ومراجعة دليل الرسائل الجامعية في السعودية ومصر لعبد الرحمن النقيب، وزيارة دور النشر والمكتبات العامة في عمان واربد والزرقاء، تبين لي أن الموضوع الذي ابحثه قد طرح في دراستين وقد استفدت منهما في تكوين فكرة البحث.
وهاتان الدراستان تتفقان مع هذا البحث في الإسم فقط دون الجوهر، فقد كانتا تدوران حول مفهوم الترغيب والتعزيز الإيجابي في علم النفس التربوي، مثل "أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم" إعداد: الحسين جرنو محمود جلّو، وهي رسالة ماجستير منشورة من جامعة دمشق، بدون سنة نشر والتشويق في الحديث النبوي، إعداد: بسيوني فيود وهو كتاب منشور في القاهرة عام 1993. ومن خلال اطلاعي على هاتين الدراستين توصلت إلى الآتي:
أولاً: وجدت دراسة الحسين جّلو تركز على مفهوم الترغيب وحصر آياته في القرآن الكريم ثم جدولتها واستنباط الأرقام والمعادلات التي تدل على أهمية الترغيب في العملية التربوية.
وقد استخدم الباحث فيها المنهج الاستنباطي والاستقرائي، وقد قسمها إلى ثلاثة أبواب على النحو الآتي:
<!--الأطر التمهيدية والدراسات السابقة وتناول فيه مفهوم التربية، وأنها حاجة اجتماعية، وأهمية التشويق في ضبط السلوك، ثم عرف المصطلحات المستخدمة في بحثه، ثم عقد مقارنة بين التشويق والتعزيز، وخلص إلى أن التشويق هو الترغيب، ثم بين الدراسات السابقة وهي عبارة عن الكتب التربوية الإسلامية العامة للسابقين والمعاصرين ثم بين آراء العلماء حول ضبط السلوك بالثواب والعقاب.
<!-- أهداف القرآن وأساليبه في ضبط السلوك: عالج في هذا الباب أهداف القرآن وتوافر أساليب التشويق والتعزيز في القرآن، ومسوغات توافر العقاب والثواب في القرآن.
<!-- أنواع أساليب ضبط السلوك وأسسها في القرآن الكريم: تضمن هذا الباب تصنيف أساليب ضبط السلوك في القرآن مع مقارنتها بضوابط السلوك المعاصرة، ثم بين أسس أساليب ضبط السلوك من محاكمة عقلية وقصص وعبر، وإثارة وجدانية، ثم بين المعالجات الإحصائية ثم توصّل إلى النتائج.
ثانياً: التشويق في الحديث النبوي: إعداد بسيوني عبد الفتاح فيود وهو كتاب جيد فيه التطبيق العملي لبعض الأحاديث النبوية مع تحليلها حسب مفهوم التشويق وجعل من كل حديث حلله هدفاً يجب أن يُطبّق في أرض الواقع.
ولكن المؤلف لم يتعرض إلى مفهوم التشويق، وأهميته، وشروطه، ومصادره، وآثاره، بل جاء كل الكتاب نموذجاً عملياً تطبيقياً للتشويق، مما دعاني إلى تقديم هذه الدراسة حتى يكتمل الموضوع من جميع أطرافه.
وقد حدد بسيوني أساليب الرسول –عليه الصلاة والسلام- على النحو الآتي:
<!--الاستفهام 2- النداء 3- القسم 4- الإيضاح بعد الإبهام
5- النفي 6 - الشرط 7- التقويم.
وقد استفدت منه في تحليل بعض الأحاديث النبوية لإبراز عنصر التشويق،وكان في الغالب يقدم مقدمة قصيرة للمفهوم الذي يبحثه ثم يأتي بالأحاديث النبوية ويحللها تحليلاً أدبياً وفق مفهوم التشويق.
موقع الدراسة الحالية من الدارستين السابقتين:
تختلف دراسة جلوودراسة بسيوني عن الدراسة الحالية، حيث ركزت دراسة جلو على أساليب الترغيب في القرآن الكريم وقام بحصرها وجدولتها وا ستخرج النتائج التي تدل على أهمية الترغيب في التربية،أما دراسة بسيوني فقد شرحت بعض الأحاديث النبوية شرحا أدبيا .
ودراستي هذه ركزت على أساليب التشويق وجذب المستمعين الى المربين،وقد بينت فيها الاساليب التربوية المشوقة من القصص ،والامثال ،والاحداث ،والتربية العملية… وبينت فيها الجانب النظري للتشويق ،وآثاره التربوية لبناء المسلم بناء متكاملا.
الفصل الأول
( مفهوم التشويق، وأهميته، و شروطه، و أهدافه، و مصادره)
المبحث الأول: مفهوم التشويق
المبحث الثاني: أهمية التشويق.
المبحث الثالث: شروط التشويق في التربية الإسلامية.
المبحث الرابع: أهداف التشويق في التربية الإسلامية.
المبحث الخامس: مصادر التشويق في التربية الإسلامية.
الفصل الأول
(مفهوم التشويق وأهميته وشروطه وأهدافه ومصادره)
المبحث الأول: مفهوم التشويق
لبيان مفهوم التشويق، واستعمالاته في لغة العرب، وفي التربية الإسلامية، وعند بعض المختصين في التربية، تم تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب كما يأتي:
المطلب الأول: مفهوم التشويق في اللغة
ورد في مادة "شوق" في لسان العرب " الشوق والاشتياق: نزاع النفس إلى الشيء،والجمع أشواق، شاق إليه شوقاً وتشوق اشتياقاً، والشوق: حركة الهوى، ويقال: شُقْ شق إذا أمرته أن يشوّق إنساناً إلى الآخرة، والشّيِّق ما جذب، وشاقني شوقاً وشوقني: هاجني فتشوقت إذا هيج شوقي.(<!--)
وجاء في مختار الصحاح: إن الشوق هو نزع النفس إلى الشيء، وشوقه مشوق أي هيج شوقه. (<!--)
وورد في المعجم الوسيط – شاق الشيءُ فلاناً شوقاً: اجتذبه، وشوقه رغبه فيه وحببه إليه، والشوق إلى الشيء: اشتد شوقه إليه، والشائق ما يشوق الإنسان بما له. (<!--)
ورد في التعريفات أن الشوق في اصطلاح الشعراء: هو نزاع القلب إلى لقاء المحبوب(<!--)
يتبين مما تقدم أن التشويق في لغة العرب يعني الجذب أو تهييج النفس إلى شيء ما وترغيبها فيه.
المطلب الثاني: مفهوم التشويق في التربية الإسلامية
إن المعنى الاصطلاحي للتشويق لا يتجاوز المعنى اللغوي، إذ أن الّلغويين اشتقوا تلك المعاني من القرآن والسنة.
أولاً:- مفهوم التشويق في القرآن الكريم
لم يرد في القرآن الكريم لفظ صريح يدل على مادة "ش و ق" ومشتقاتها. ولكن بالتدبر لبعض الآيات القرآنية وجدت فيها ما يدل على معنى التشويق في اللغة ومنها:
1- قال تعالى:(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). (<!--)
قال الزمخشري: وإلقاء السمع هو الإصغاء، وهو شهيد: أي حاضر بفطنة، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب. (<!--)
ويقول سيد قطب: وفي مصارع الغابرين ذكر لمن كان له قلب، فمن لا تذكره هذه اللمسة فهو الذي مات قلبه أو لم يرزق قلباً على الإطلاق! لا بل أنه ليكفي للذكرى أن يكون هناك سمعٌ يلقى إلى القصة بإنصات ووعي، فتفعل القصة فعلها في النفوس… وإنه للحق كالنفس البشرية شديدة الحساسية بمصارع الغابرين(<!--)
وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه، إذا استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب. (<!--)
ويقول الآلوسي: ألقى السمع أي أصغى إلى ما يتلا عليه من الوحي، "وهو شهيد" أي حاضر على أنه من الشهود والمراد به المتفطن.(<!--)
2- قال تعالى:(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) (<!--)قال الصابوني:- أي إن الله بمنه وفضله نوّر بصائركم فحبّب إلى نفوسكم الإيمان وحسنّه في قلوبكم حتى أصبح عندكم أغلى من كل شيء(<!--).
ويقول ابن عاشور: أي حبب إليكم الإيمان الذي هو الدين الذي جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهذا تحريض على التسليم لما يأمر به الرسول عليه الصلاة والسلام وسبب اختيار حبب… كره… من أجل الإلهاب وتحريك الهمم لمراعاة محبة الإيمان وكراهية الكفر والفسوق والعصيان، وفي هذا إشارة إلى أن الاندفاع إلى تحصين المرغوب من الهوى دون تمييز بما يرضي الله عز وجل وبما لا يرضاه من آثار الجاهلية(<!--).
ويقول سيد قطب: واختيار الله لفريق من عباده ليشرح صدورهم للإيمان، ويحرك قلوبهم إليه، ويزينه لهم فتهفو إليه أرواحهم، وتدرك ما فيه من جمال وخير(<!--).
ويظهر من تفسير الآيتين السابقتين، أنهما تعنيان الجذب والإمالة للشيء.
ثانياً: مفهوم التشويق في الحديث النبوي
وردت مادة "ش و ق" في بعض الأحاديث النبوية الشريفة ومنها:
<!--عن مالك بن الحويرث قال: "أتيت النبي –عليه الصلاة والسلام- في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً، رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم الصلاة"(<!--)
<!-- في حديث الجساسة المشهور عن فاطمة بنت قيس، "فإنه إلى خبركم بالأشواق" أي شديد الأشواق إليه. (<!--) أي أن المسيح الدجال يتشوق بلهفة إلى ملاقاة أصحاب النبي- عليه الصلاة والسلام-
<!-- وقول الرسول –عليه الصلاة والسلام- في الدعاء "وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"(<!--)
وهذا يعني التشوق إلى سماع أو رؤية شيء يحدث في المستقبل القريب أو البعيد والحنين إليه، وهذا ما يدل على مفهوم التشويق في اللغة العربية، وما يتوافق مع هذه الدراسة.
وكان من منهج الرسول –عليه الصلاة والسلام- مراعاة نفوس المتعلمين، حيث كان يكلمهم حسب الأوقات التي يتهيئون فيها لقبول المعلومة مخافة إدخال السآمة عليهم، وهذا ما يؤكد عملياً مبدأ التشويق، ومراعاة قوانين النفس، إذ أن كثرة الكلام يؤدي إلى فقدان عنصر التشويق كما هو حاصل من كثرة الكلام في المناسبات الدينية من المواعظ والخطب والدروس، وهذا بدوره يؤدي إلى الملل والسآمة، وبالتالي يقودنا إلى الفشل في العملية التربوية.
المطلب الثالث: مفهوم التشويق عند التربويين
من خلال مراجعة بعض الكتب التي تناولت أساليب التدريس ومبادئ علم النفس التربوي، والتربية بعامة، وقفت على عدة تعاريف أذكر بعضها.
ذكر أستاذ علم النفس التربوي فاخر عاقل أن التشويق يعني: توجيه السلوك وضبطه داخلياً بواسطة الشروط الفيزيولوجية والاهتمامات والمواقف، والآمال، ومثله الإثارة والحفز. (<!--)
وهذا التعريف يعني تقديم حافز قبل السلوك المرغوب فيه عادة، ترغيباً في القيام به، بحيث يثير الاهتمام به في نفس الفرد ويبعث على مباشرته، وذلك بتقديم الحافز فعلاً، أو بربطه بالقيام بالسلوك.
وذكر إبراهيم عطا أن عوامل التشويق تعني: مجموعة من البواعث المؤثرة على استمرار المستمع في قراءة، أو سماع، أو مشاهدة ما يقدم له، أو مدى إثارة المادة المقروءة، أو المسموعة، أو المشاهدة لدافعيه القارئ واهتماماته ومتابعته لما يقدم إليه. (3)
وذكر صاحب رسالة أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم أن وسائل التشويق: هي الأساليب التربوية مادية أو معنوية تقدم للفرد وتؤثر في نفسه تأثيراً إيجابياً، حيث يزيده رغبة في القيام بما يُطلب منه، أو في تكرار السلوك الذي قدمت عقبه تلك الأساليب، والأشياء، كالمدح والثناء، والأوسمة، والمكافآت، أو تؤثر في النفس تأثيراً سلبياً بحيث يقلل تلك الرغبة أو ذلك السلوك، مثل اللوم والعتاب، والذم، والحرمان من الأشياء المرغوب فيها.(<!--)
وذكر أحمد الحوفي أن التشويق يعني: أن يهيج المربي نفوس السامعين أو يهدئها، ويقبض على زمام عواطفهم يتصرف بها كيف شاء، ساراً أو محزناً، مضحكاً، أو مبكياً. (<!--)
ومن خلال ما تقدم يتبين لي أن التشويق يتضمن عدة معانٍ:
<!--إثارة الدافعية: وتعني نزعة يثيرها تغير في حالة التوازن الفيزيولوجي، وتكون الاستجابة لها بأساليب متنوعة، بحيث تؤدي إلى بلوغ هدف ما.(<!--)
<!--الحافز: وهو اندفاع أو إلحاح للحصول على أمرٍ مستهدف أو تحقيق غاية.(<!--)
<!--الانتباه: وهو تركيز على نشاط خاص على حساب نشاطات منافسة أو هو توجيه الشعور وتركيز الذهن في شيء ما لملاحظته والتفكر فيه(<!--)
وما تقدم من هذه التعاريف أستطيع أن أصل إلى تعريف يتناسب مع هذه الدراسة فالتشويق هو جذب انتباه المستمع أو المشاهد إلى ما يعرض عليه من معلومات حتى لايصيبه الملل والسأم من أجل الوصول إلى هدف معين، مستخدماً أساليب ووسائل متنوعة.
المبحث الثاني: أهمية التشويق في العملية التربوية
بعد أن تم عرض مفهوم التشويق في اللغة والاصطلاح، واختيار ما يتناسب مع الدراسة، فإنني أعرض أهمية التشويق في العملية التربوية، وخاصة فيما يتعلق بالمنهاج المدرسي، وطرائق التدريس.
إذا مهد للمعنى، ونبه المتعلم وهيئ ذهنه لتلقي المعلومات، وقع في نفسه، ووقر في وجدانه وترسخ في أعماقه، وذلك عندما يحرص المعلم على تثبيت معلومة وترسيخها في الوجدان(<!--)، وهذا لا يتأتى إلا بالتشويق، ومصادر التربية الإسلامية – القرآن والحديث – مليئة بعناصر التشويق التي تجذب قلوب المتعلمين وأسماعهم وعقولهم. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية عنصر التشويق في العملية التربوية.
والتشويق أمر ضروري لتوجيه العملية التربوية، التي تتناول الإنسان بجميع جوانبه النفسية والعقلية والعاطفية. والتشويق حاجة ماسة لتحقيق هذه الأهداف الحيوية؛ لأنه لا يحدث تعلم دون مشوق يزيد الرغبة فيه ويحث على القيام به. (<!--)
والتشويق هو أحد الحلقات الاساسية الثلاث في عملية التعلم ،-التشويق،الفاعلية،التعزيز-فالمتربي يتشوق للتعلم لكي يصل الى هدف او اكثر ،وبعد ذلك تحصل فاعلية التعلم التي تقود الى الفشل او الى النجاح.
وحينما يريد المتربي أن يتعلم أمرا ما،فإنه يتعلمه أحسن بكثير مما لو كان لايريد تعلمه،او كان غير مهتم به،وهذا يفسر لنا عندما نربي فنجد متربين يدرسون ساعات دون أن يتعلموا شيئا ،وذلك لان اهتمامتهم بما يتعلمون قليل او لانهم يكرهون مايتعلمونه،ولذلك فان تشوقهم يقل.<!--
ونظراً لأهمية التشويق في المحتوى الدراسي، وأساليب تعليمه، أتناول أهمية ذلك بالتفصيل ضمن المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: أهمية التشويق في المحتوى الدراسي
للمنهاج أهمية عظمى في العملية التربوية، حيث أنه الأداة التنفيذية لتحقيق الأهداف التربوية ، و أداة الوصل بين المعلم و التمعلم ، وللمنهاج مفهوم شامل وواسع، ولكنني أركز في هذه الدراسة على أحد عناصره الهامة وهو المحتوى أو المقررات وهي المواد التي تُدرّس للتلميذ داخل الصف في مجالات المعرفة المختلفة، يأخذها التلميذ، ليصل بها إلى مستوى ما، أو ليتخرج بها من المدرسة مثلاً"(<!--
وبقدر ما يكون المحتوى الدراسي مشوقاً للتلاميذ، بقدر ما يكون نجاحه في تعديل سلوكهم، فإذا سعت المناهج الدراسية مثلاً إلى تنمية التفكير، وإشباع العواطف، وملامسة الوجدان، وحققت ذلك بأساليب التشويق، فإنها عند ذلك تكون قد مهمتها في بناء شخصية الإنسان بمتعة وتأثير، وآتت ثمارها في الأتباع(<!--)
ولا يخفى أنه على قدر قوة مصادرالمحتوى الدراسي تكون قوة المقررات، أو ضعفها، وأقوى المصادر للتشويق في المقررات هو الوحي الإلهي، فحينما يؤلف واضعو المحتوى على ضوء أساليب التشويق، فإنها عندئذٍ تخاطب العقل والوجدان، وتسعى إلى إشباعهما، فيتشوق المتعلم، ويعتدل سلوكه، وتتهذب أخلاقه، وتبنى شخصيته بناءً سليماً شامخاً أمام عواصف ومغريات الحياة، وبقدر ما يكون المحتوى الدراسي مشوقاً للتلاميذ،ومصدر المحتوى الدراسي في التربية الإسلامية، الوحي الإلهي، المتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، والعلم البشري المكتسب عن طريق التفكير والتدبر والبحث والتجريب.(<!--)
ولا يخفى أنه على قدر قوة مصادرالمحتوى الدراسي تكون قوة المقررات، أو ضعفها، وأقوى المصادر للتشويق في المقررات هو الوحي الإلهي، فحينما يؤلف واضعو المحتوى على ضوء أساليب التشويق، فإنها عندئذٍ تخاطب العقل والوجدان، وتسعى إلى إشباعهما، فيتشوق المتعلم، ويعتدل سلوكه، وتتهذب أخلاقه، وتبنى شخصيته بناءً سليماً شامخاً أمام عواصف ومغريات الحياة .
ومن أجل أن يحقق المحتوى الدراسي الهدف المنشود لا بد من توافر الأمور التالية فيه:
<!--وجود ترابط وتكامل بين المعلومات التي تقدم للطلاب.
<!--ممارسة الطلاب للمقررات الدراسية نظرياً وعملياً.
<!--تضمنهما لأساليب التأثير، والتعرض للقصص الهادفة، وإثارة الحوار .


