الـفصـــل الثــانـــــي
الأدب النظري والدراسات السابقة
المبحث الاول: الأدب النظري
المبحث الثاني:الدراسات السابقة
المبحث الأول:الأدب النظري
لا يستطيع الباحث الادعاء بان جميع الطرق الفاعلة في التدريس قد استخدمها المربون المسلمون الأقدمون بالفعل ،ولا يجزم الباحث بأنه لا يوجد ما يمنع من تطبيق أية طريقة صالحة للتدريس وتنمي التفكير في مدارسنا.
إن التفكير من الأمور التي تميز بها الإنسان عن باقي الأحياء،وقد أصبح تعليم الفرد التفكير من وظائف التربية الأساسية،ومازال المعلمون يتعثرون في تنمية التفكير عند الطلبة عموما والتفكير الناقد خصوصا،والتفكير الناقد هو من الأهداف الأساسية في التعليم الحديث،وهو يختلف عن غيره من أنواع التفكير بأنه يضم غالبية أنواع التفكير الأخرى(اللقاني وبرنس،1990).
وتعلم التفكير الناقد ضرورة للإنسان المعاصر،لأن المعلومات تتراكم بسرعة هائلة وتتغير المواقف بسرعة كبيرة،وان اتجاه العالم للتربية الفاعلة ،هو تكوين المُفكّر وتدريبه على الملاحظة والبحث والتفكير،وتعليمه كيف يتعلم(عبد الدائم،1981).
وهذا الاتجاه كما يرى الباحث اتجاه سبقت إليه التربية الإسلامية،حيث حددته ووضعت معالمه وخطواته،فالإمام الزرنوجي – وهو من علماء التربية الإسلامية في القرن السابع الهجري – قد وضع كتابا سماه:" تعليم المتعلم طريقة التعلم" أي تعليم المتعلم كيف يتعلم وفق الطرق الصحيحة لكي يكون مفكرا يبحث ويلاحظ ويحكم بطريقة منطقية مستندة على الأدلة.
وتعتبر مادة التربية الإسلامية مهمة في جميع مراحل التعليم،لأنها تنمي في نفوس الطلبة العقائد الصحيحة،وتغرس فيهم أخلاقيات السلوك النموذجي الذي بينه القرآن الكريم والسنة الشريفة ليتمثلوه في حياتهم.
ولا يخفى ما لطبيعة مادة التربية الإسلامية من ارتباط بالواقع والحياة من قِبل الفرد والمجتمع، وهي قريبة من فطرة الأفراد وخاصة في المرحلة الأساسية،حيث لا يمكن أن تكون مفاهيم الدين بمعزل عن الحياة،لأن التشريعات والتعاليم الإلهية إنما أنزلها الله لتقترن سلوكات وتصرفات ومعاملات الأفراد بأخلاقهم،وتبتعد بهم عن كل ما تنهاهم عنه لما فيه من المضرة والشر،ومن هنا تفرض طبيعة مادة التربية الإسلامية ان تُدرس بعرض مبادئها ومفاهيمها إلى ساحة التفكير والمناقشة ،ليتم الاقتناع الجازم بها،ولتكون تطبيقات ومعاملات الفرد المسلم نابعة من دافع داخلي ذاتي.
وتحتل طرائق التدريس مكانة هامة في العملية التربوية،إذ يتم من خلالها الاتصال بين المعلم والمتعلم ، وكلما كانت طرائق التدريس المستخدمة تحث على التفكير استطاع المتعلمون الوصول إلى حلول للمشكلات المطروحة أمامهم عن طريق تحليلها وتقويمها وإصدار الحكم عليها،ويرى الباحث أن الطرائق الثلاثة المراد استخدامها - الاكتشاف الموجه ، والمناقشة ، والعصف الذهني- في هذا البحث تحقق ذلك ،والدين الإسلامي بطبيعته يقبل هذه الطرائق ليتعلم من خلالها الطلبة.
التدريس بطريقة الاكتشاف الموجه :
تعد هذه الطريقة من طرق التدريس الفاعلة في تدريس التربية الإسلامية التي تلقي بمسئولية التعلم على المتعلم والتي لها علاقة وطيدة بالتفكير الناقد، وتتلخص هذه الطريقة بكل الوسائل والأساليب الممكنة التي تتيح للمتعلم ان يكتشف بنفسه او يعيد اكتشاف المفاهيم والأفكار وبتوجيه المعلم،وفي هذا الصدد يقول بوليا(1990,Polya)"ان افضل سبيل لتعلم أي شيء هو أن تكتشفه بنفسك"
مفهوم التعلُّم بالاكتشاف الموجه:
لقد تعددت تعريفات الاكتشاف الموجه، ومن أبرز هذه التعريفات ماركز عليه برونر(Bruner) عندما عرف الاكتشاف بأنه عملية تفكير تتطلب من الفرد تنظيم المعلومات المخزونة لديه وتكييفها بشكل يمكنه من رؤية علاقات جديدة لم تكن معروفة لديه قبل الموقف الاكتشافي(Bruner,1981). ومن هذا المنطلق اقترح برونر نمطا تعليميا دعاه بنمط اكتساب المفهوم أو نمط التعلم الاكتشافي الذي ينسجم مع مراحل التطور المعرفي التي حددها.
وهكذا يتبين للباحث أن برونر قد طور التعلم الاكتشافي ليشمل اكتشاف المفاهيم والمبادئ مركزا على اكتساب المفهوم المتمثل مع جمع الأمثلة الدالة على المفهوم وغير الدالة في أثناء التعليم.
أما الخوالدة فقد عرفه بأنه: "عملية تفكير تتطلب من الفرد إعادة تنظيم المعلومات المخزونة لديه وتكييفها بشكل يمكنه من رؤية علاقات جديدة لم تكن معروفة لديه قبل الموقف الاكتشافي" (الخوالدة وعيد،2001).
أما جانييه(Gagne) المشار إليه عند النشواني(1987،ص569) فيعرف الاكتشاف بأنه:" الطريقة التي تتطلب من المتعلم القيام بعمليتين هما:البحث وعملية الانتقاء،حيث تحدث هاتان العمليتان داخل الفرد" ،وبذلك يعتبر جانييه عملية الاكتشاف عملية سيكولوجية تتم داخل الفرد المتعلم،ويمكن ملاحظة ذلك من خلال نتائجها والتغيرؤ في سلوك المتعلم.
ومما تقدم من التعاريف لطريقة الاكتشاف الموجه يقدم الباحث تعريفا للاكتشاف الموجه وهو: عرض موقف او تساؤل يثير أذهان المتعلمين،يعضهم لموقف جديد،يؤدي الى حث واستثارة المتعلمين لاستخدام الخبرات والمعلومات المخزونة لتعلم خبرات جديدة،مع توجيه المتعلم لسلسلة أفكار وأمثلة منتمية وغير منتمية،ويصل المتعلم الى صحة المعلومة،ودور المعلم يتمثل بتوجيه المتعلم لربط الأفكار والمفاهيم الجديدة بخبرات مخزونة عن طريق توجيه سلسلة من الأسئلة.
ومن خلال مراجعة التراث التربوي الإسلامي وجد الباحث ان أبا حنيفة قد استخدم هذه الطريقة بصورتها الأولية في التعليم، حيث يمنح حرية الكلام في مجالس العلم،حتى يتكلم المتعلمون في المسألة ،ويرتفع صوتهم في كل فن،وكان دور ابو حنيفة موجة ومراقب لعملية التعليم ،ثم يتدخل لإرساء الفكرة المرد تعلمها في نفوس المتعلمين ،وقد قال في ذلك رادا على من عاب هذه الطرقة في التعليم:" دعهم فانهم لا يفقهون إلا بذلك"(غاوجي،1988).
ويتبن للباحث أن طريقة أبى حنيفة في تعليمه تشبه ان تكون بالاكتشاف الموجه ،حيث تعرض المسألة على المتعلمين،ويتحاور معهم في حكمها،وكل يدلي برأيه بكل حرية،وقد يتفقون وقد يختلفون،ثم يدلي هو برأيه بناءا على الحوار الذي دار بينهم،فيقر الجميع به،ويرضونه،وبهذا جعل المتعلمين مكتشفين ومناظرين وليس متلقين صامتين.
أهداف التعليم بالاكتشاف الموجه:
يمكن إجمال الأهداف العامة للتعلم بالاكتشاف بأربع نقاط أساسية هي
<!--تساعد دروس الاكتشاف الطلبة على زيادة قدراتهم على تحليل وتركيب وتقويم المعلومات بطريقة عقلانية.
<!--تنمي لدى الطلبة اتجاهات واستراتيجيات في حل المشكلات والبحث.
<!--الميل الى المهام التعليمية والشعور بالمتعة وتحقيق الذات عند الوصول الى اكتشاف ما.
<!--يتعلم الطلبة من خلال اندماجهم في دروس الاكتشاف بعض الطرق والأنشطة الضرورية للكشف عن أشياء جديدة بأنفسهم( Bruce,1990).
خصائص التعليم بالاكتشاف الموجه:
يتميز التعليم بالاكتشاف الموجه بعدة خصائص ومنها:
<!-- المعلم مرشد وموجه ومنظم لعملية التعلم.
<!-- اعتماد المتعلم على نشاطه الذاتي لاكتشاف المبادئ والحلول للمشكلات والمواقف المعروضة.
<!-- التأكد من صحة التعميمات والاستنتاجات بتطبيقها على مواقف مشابهة(Bruce,1990).
أهمية التعلم بالاكتشاف الموجه
للتعليم بطريقة الاكتشاف الموجه أهمية كبرى في العملية التربوية بشكل عام ،وتنمية التفكير الناقد بشكل خاص،وتتضح أهميتها من خلال الأمور الآتية:
1) يساعد التعلم بالاكتشاف المتعلم في تعلم كيفية تتبع الدلائل وتسجيل النتائج وبذلك يتمكن من التعامل مع المشكلات الجديدة .
2) يوفر للمتعلم فرصا عديدة للتوصل إلى استدلالات باستخدام التفكير المنطقي سواء الاستقرائي أم الاستنباطي .
3) يشجع الاكتشاف على التفكير الناقد ويعمل في المستويات العقلية العليا كالتحليل والتركيب والتقويم .
4) يعوّد المتعلم في التخلص من التسليم للغير والتبعية التقليدية .
5) يحقق نشاط المتعلم وإيجابيته في اكتشاف المعلومات مما يساعده على الاحتفاظ بالتعلم .
6) يساعد في تنمية الإبداع والابتكار .
7) يزيد من دافعية المتعلم نحو التعلم بما يوفره من تشويق وإثارة يشعر بها المتعلم أثناء اكتشافه للمعلومات (www.schoolarabia.net/asasia.htm) بتاريخ17/5/2003
معوقات التعليم بالاكتشاف الموجه.
رغم أن بعض الدراسات قد دعمت فاعلية طريقة الاكتشاف في زيادة نواتج التعلم،ورفع دافعية المتعلمين،وتنمية المهارات العقلية،والاتجاهات العلمية لديهم،الا أنه بالمقابل تعرضت للنقد،حيث يرى بعض المربين:
<!-- أن التدريس بطريقة الاكتشاف الموجه ليس فعالا لوجود المفاهيم الصعبة أحيانا في الوحدات الدراسية التي تحتاج الى شرح وتوضيح من جانب المعلم، ويكون تعليمها بطريقة الشرح أسرع وانجح وأقل وقتا وجهدا من طريقة الاكتشاف.
<!-- ان التدريس بطريقة الاكتشاف الموجه قد وضع لرفع اللوم عن المعلم، وتبرئته من الفشل الذي يتعرض له، لان دوره ينحصر في تجهيز البيئية التعليمية وطرح الأسئلة والأمثلة، ثم يترك المتعلم وحده ليتحمل مسؤولية الفشل عندما يخفف من الاكتشاف،مع ما يسببه الفشل من الإحباط (النشواني،1987).
<!--أن طريقة الاكتشاف الموجه تحتاج الى وقت أطول ،إذا ما قورنت بالطريقة العادية ،ويوقع المتعلمين بالحيرة والارتباك ،إذا ما فشلوا في إيجاد العلاقات بين مكونات المشكلة المراد حلها،ويوجد شعورا بالحسد وعدم القدرة على الأداء بين المتعلمين،إذا احتكر التعلم طالبان مثلا(عبيدات،1983) .
ويرى الباحث أن هذه العقبات لاتمنع من إجراء التدريس بهذه الطريقة ،حيث يمكن التغلب على مشكلة صعوبة المفاهيم بطرح الكثير من الأمثلة من الواقع المعاش،وخاصة أن موضوع الفقه واقعي يخص كل طالب، أما مشكلة فشل المعلم ورفع اللوم عنه فهذه أيضا مردود لان دور المعلم بهذه الطريقة سيكون المتابع والموجه لتقدم المتعلمين من بداية الدرس حتى نهايته.
خطوات التدريس بأسلوب الاكتشاف الموجه
(1) تحديد المفاهيم والأفكار التي سيتم تعلمها وطرحها في صورة تساؤل أو مشكلة .
(2) إعداد المواد التعليمية اللازمة لتنفيذ الدرس .
<!--صياغة المشكلة على هيئة أسئلة فرعية.
(4) تحديد الأنشطة أو التجارب الاكتشافية التي سينفذها المتعلمون .
<!--تقويم المتعلمين ومساعدتهم على تطبيق ما تعلموه في مواقف جديدة. (الخوالدة وعيد،2001،ص231)
دور المعلم في التعلم بالاكتشاف الموجه
أ ـ يحدد المعلم المفهوم المراد تعليمه للمتعلمين بصورة دقيقة.
ب ـ يكتب المعلم أمثلة على السبورة منتمية للمفهوم وأمثلة غير منتمية معا دون فصل بينهما.
ج ـ يطلب المعلم من المتعلمين ترتيب الأمثلة تحت قائمتين، بحيث يكون لكل منهما خصائص مشتركة.
د ـ ويكلف المعلم المتعلمين ذكر أمثلة على كل نوع – المنتمي وغير المنتمي-
هـ ـ يطلب المعلم من المتعلمين استخلاص الخصائص والسمات المشتركة بين الأمثلة في كل مجموعة.
وـ يطلب المعلم من المتعلمين إعطاء وصف واحد أو مسمى،لكل مجموعة في ضوء الخصائص.
زـ يقدم المعلم التغذية الراجعة حول صلة الأمثلة أو الأسئلة المقدمة.
ح ـ يطلب المعلم من المتعلمين ذكر تعريف لكل مصطلح أو مفهوم في ضوء ما تم التوصل إليه.
ط ـ يُهذب المعلم التعريف الاصطلاحي المقترح،ليتفق مع المعنى الاصطلاحي للمفهوم.
ي ـ يقوّم المعلم فهم المتعلمين،بطلب المزيد من الأمثلة على المصطلح أو المفهوم. (الخوالدة وعيد،2001،ص232)
وبذلك يتبين للباحث ان الدور الأكبر في طريقة الاكتشاف الموجه تقع على المتعلم ،حيث هو الذي يفكر، ويناقش ،ويحلل، ويربط ،ويستخدم خبراته السابقة ومخزونه المعرفي،ليصل الى الحل واكتشاف المعرفة الجديدة،أما دور المعلم فهو الموجه لعملية الاكتشاف بضرب الأمثلة، وإثارة الأسئلة، والمحافظة على وحدة الموضوع ،وتعزيز الاكتشافات الصحيحة ودعمها.
ويرى الباحث بعد هذا العرض انه يمكن الاستفادة من طريقة الاكتشاف الموجه في تنمية التفكير الناقد،حيث أن المعلم يفتح المجال أمام المتعلمين بكل حرية ليطرحوا أفكارهم المستندة على الأدلة المقنعة ،البعيدة على اتباع الغير ،في تقليب الفكرة المطرحة للاكتشاف من جميع جوانبها بأسلوب منطقي وموضوعي، ويستخدم الطالب جميع خبراته ومعلوماته السابقة،التي تخدم الفكرة،حتى يصل الى اكتشاف أو خبرة جديدة وليدة اللحظة،وبهذه الطريقة الفاعلة يتحرر الطلبة من آراء غيرهم،ويصبحو أحرارا ،وتتكون لديهم الشخصية العلمية القوية،ويوظفوا عقولهم التي منحهم إياها الله - عز وجل - ،باستخدامها حتى يتبين لهم وجه الصواب أو الخطأ من الفكرة المطروحة للاكتشاف.
الطريقة الثانية: المناقشة
تراعي هذه الطريقة - التي تتداخل مع معظم طرق التدريس الفاعلة - الاهتمام بالتفاعل والاتصال اللغوي الذي يتم في غرفة الصف ، عن طريق الحديث الموجه من المعلم للطلبة وعن طريق الإجابات التي يؤديها الطلبة في الصف ، أو عن طريق الأسئلة والاستفسارات التي يوجهها الطلبة إلى زملائهم أو إلى معلمهم (السامرائي،1994).
ومن هنا نلاحظ أن عملية التفاعل اللفظي وتبادل المواقف بين الطلبة ومعلمهم ، تسمح بإشاعة جو من الحرية والمشاركة الفاعلة والحوار الدائم ، واحترام الرأي والرأي الآخر مما يجعل عملية التعليم والتعلم أكثر متعة وأبعد أثراً في تحقيق الأهداف التربوية المنشودة منها.
وفي المناقشة يشترك المدرس مع المتعلمين في فهم وتحليل وتفسير وتقويم موضوع أو فكرة أو حل مشكلة ما ، وبيان مواطن الاختلاف ، والاتفاق بينهم من أجل الوصول إلى قرار ،أو هي فعالية تتميز بالالتزام موضوع قضية أو مشكلة يرغب المساهمون في المناقشة رغبة جدية في حلها والوصول إلى قرار فيها(السامرائي،1994) .
وإذا أضفنا إلى ذلك ما تقتضيه الحياة الحديثة من اهتمام بالمناقشة والإقناع ، وجدنا أنها يجب أن تحظى بمكانة كبيرة في المدرسة ، فحياتنا بما فيها من تخطيط ومشاورات وانتخابات ومجالس محلية أو إقليمية ونقابات وما إلى ذلك ، تقتضي أن يكون كل فرد قادراً على المناقشة كي يستطيع أن يؤدي واجبه كإنسان في مجتمع كبير أو صغير على أساس من الحرية والعدالة الاجتماعية .
والمناقش النشط يفكر ويتأمل في الموضوع المعروض للمناقشة،وهذا دليل على وجود الفكر النقدي لديه،وكل فرد في المناقشة يتفحص أفكاره،ويمحصها مثلما يتفحص آراء أقرانه ويمحصها،تراه يبحث ويتحرى ويتساءل عن مدى انسجام أفكاره، مع أفكارهم وهو مستعد لتبديل آرائه وتعديلها إذا قوبلت بدليل موضوعي يبرر ذلك ولا يخضع لتأثير العواطف(بشارة،1983).
ونظراً لأهمية طريقة المناقشة، فإن المربين المسلمين قد اهتموا به، في التدريس. واعتبروه أسلوباً مفضلاً مجدياً في التعليم ، يقول الزرنوجي:- "إن قضاء ساعة في المناقشة، أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار"(الهاشمي،1994).
وطريقة المناقشة تثير انتباه المتعلمين لما سيلقي عليهم، وقد فعل ذلك السلف الصالح، حيث كانوا يهيئون نفوس المتعلمين؛ استعداداً لأمور لاحقة سوف تلقى عليهم، فيوقظ أذهانهم ويشحذ هممهم، للاستفادة من تلك المعلومات التي تأتي. ومن الأمثلة على طريقة المناقشة في القرآن الكريم ماجرى بين إبراهيم – عليه السلام – وقومه،يقول الله تعالى :" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ {69} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ {70} قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ {71} قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ {72} أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ {73} قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ {74} قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ {75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ {76} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ {77} الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ "(سورة الشعراء) . حيث بدأ النقاش بسؤال مثير ،وأخذ تبادل الرأي سيره بهدوء،حتى إذا ما ظهر العجز من أحد الطرفين،كان القرار بالفوز:أما أنا فلا أقلد الآباء والأجداد ولا أعبد من لاستحق العبادة.
ومن الأمثلة في سنة السيرة النبوية ماجرى بين النبي –عليه الصلاة والسلام- ومعاذ بن جبل –رضي الله عنه- حيث قال له :"يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده؛ وما حق العباد على الله"؟ قال معاذ: الله رسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً"(1)، في هذا الحديث أثار الرسول –عليه السلام- نفس المتعلم، بأن هناك أمراً جديداً، سوف يأخذه من الرسول –عليه السلام- وهذا الأمر يستلزم منه الإصغاء والانتباه بكل حواسه، من أجل الاستفادة من هذه المعلومات الجديدة. وقد القي الرسول –عليه السلام- السؤال ثم سكت من أجل إثارة الأذهان، واستحضار القلب إلى ما سوف يلقي عليهم.
وقد اهتم علماء الأمة الإسلامية بطريقة المناقشة،حيث أشار ابن خلدون الى ان الركود الذي شاع في بلاد المغرب العربي في القرن الرابع عشر الميلادي يرجع بالدرجة الأولى الى طريقة التدريس الرديئة التي أهملت طريقة المناقشة في التدريس(المرصفي،1994).
والمناقشة تختلف عن طريقة السؤال والجواب،حيث إنه في حال أسلوب السؤال عادة يقتصر الاتصال مع المتعلمين على الأسئلة التي يطرحها المعلم ،ويجيب عليها طالب أو اكثر ،أو الأسئلة التي يطرحها بعض الطلبة على المدرس فيجيب عنها،فلا تُتاح للطلبة فرص كافية ليتفاعل الواحد مع الآخر فيما يتصل بمسائل ومعلومات وحقائق علمية تعنيهم وتهمهم ،ويكون التأكيد عادة في الاستجواب هو المقياس الوحيد الذي تقاس به عملية التدريس،فالمعلم يلقي على طلبته أسئلة متعددة لا تتطلب أجوبتها سوى استظهار الحقائق المجردة المدونة في الكتاب المنهجي المقرر، أما في حالة المناقشة فان المعلم ينزل إلى مستوى الطلبة تاركا لهم الحرية في إبداء الآراء العلمية وإظهار ما يجول بخاطرهم آخذا بزمام فكرهم وانتباههم كي يوجههم إلى ما يريد ويرغب ،فيبعث في قلوب طلبته روح المناقشة العلمية والتسابق إلى بذل الجهد حتى ولو لم يتعمد المعلم بعث تلك الروح في قلوبهم،فلا مفر للضعيف منهم ان يشعر بالخجل أو الحرج إذا سئل سؤالا سهلا فلم يقدر على حسن الإجابة عنه،وجملة القول إن طريقة المناقشة تحرك الطلبة وتزيل عنهم الفتور والجمود الذي هو سائد في اتباع الطرائق التقليدية،كما أنها تجعل قاعة الصف أشبه ما تكون في نشاطها وحيويتها بخلية نحل (السامرائي،1994) .
وبذلك يتبين أن الفرق بين أسلوب السؤال وطريقة المناقشة ،هو أن أسلوب السؤال يقتصر على الاتصال بين المتعلمين في الأسئلة التي يطرحها المعلم عليهم ويجيبون عنها، أو أسئلة الطلبة يجيب عنها المعلم، حيث لا يوجد تفاعل بينهما، وان التفكير غير موجود والمطلوب فقط استظهار المعلومات الموجودة،أما طريقة المناقشة ففيها تبادل الآراء والأفكار بين المتعلمين فيما بينهم ،وبينهم وبين المعلم بكل حرية وفاعلية وتعمق واستقصاء للوصول الى الحل.
مزايا طريقة المناقشة في التعليم والتعلم :
يرى كثير من المربين أن هذه الطريقة هي أفضل الطرق التي يمكن أن يخطط المعلم – مستعيناً بالمتعلمين – لتنفيذ بعض المواقف التعليمية بتناول بعض الأهداف المحددة ، ويهيئ الإجراءات والأنشطة والوسائل وأساليب التقويم الملائمة للتحقق من حدوث التعلم ، وذلك عائد للأسباب التالية :
1- تسهم هذه الطريقة في إظهار الدور الإيجابي للمتعلم ، وعدم اقتصار دوره على التلقي ، بل تجعل منه مسهماً حقيقياً في عملية التعليم والتعلّم .
2- تُعَوّدُ كلا من المعلم والمتعلم على احترام أحدهما للآخر ، مما يقود إلى تعزيز ثقة المتعلم بنفسه ، وهذا يسهم في إشعاره بأن له دوراً في عملية التعلم ، ويقود إلى رفع وتيرة حماسه لما يتعلم .
3- تتيح هذه الطريقة مجالا عملياً لإبراز بعض الاتجاهات ، والمهارات والمعارف وممارستها ممارسة حقيقية . ففي مجال الاتجاهات يمكن أن تظهر فوائد احترام آراء الآخرين ، واللطف في التعامل مع الآخرين باستعمال ألفاظ المجاملة المهذبة وغيرها . وفي مجال المهارات تكشف عن قدرات المتعلمين في دقة استعمالهم لقواعد اللغة التي تعلموها ، وعن مدى وضوح أفكارهم وترتيبها من خلال الأسئلة التي يستخدمونها ، وكذلك تكشف عن المعارف والمعلومات المتفاوتة التي يظهرها الطلاب أثناء النقاش .
4- تساعد طريقة المناقشة أكثر من غيرها في اكتساب مهارات الاتصال ، وبخاصة مهارات الاستماع والكلام وإدارة الحوار ، كما أنها تكسب المتعلم طرق النقاش القائمة على النظام .
5- تتيح للمتعلم الفرصة كي يتحدث في موضوعات تهمه ومشاكل تشغله ، وبذلك فهو يشعر بقيمة التعلم وأهميته في حياته فيزداد إقباله عليه وتفاعله مع الأنشطة التعليمية .
6- تجعل المعلم أكثر إدراكاً لمدى انتباه المتعلمين وتقبلهم أو عدم تقبلهم لموضوع المناقشة ، فيعمل على تعديله أو العدول عنه أو التعامل معه بكيفية أخرى . وقد يساعد المعلم المتعلمين على تقويم ما يرونه ، آخذين في الاعتبار موضوع المناقشة الأساسي(محمد،1991).
7- إن مناقشة المتعلمين تؤكد على الاتجاهات السليمة والقيم الفاضلة في نفوسهم إذ أن المعلمين الذين يناقشون طلابهم في المشكلات والقضايا الفكرية والاجتماعية المناسبة يعلمونهم حرية التعبير والقدرة على الاختيار السليم والقدرة على التنظيم الفكري والمعرفي والقدرة على الاستخدام الأمثل للمعرفة في إنتاج الأفكار الجديدة ،ويدرب الطلاب على حسن مهارة الاستماع وآدابه ، وعلى الطلاقة وحسن الإلقاء في الكلام والتحدث ، وكل هذا ينعكس إيجابياً على جودة القراءة والكتابة ومهارة الحوار والمناقشة وتبادل الآراء وغيرها، وكل هذه مهارات ضرورية لنمو الشخصية والكشف عن الاستعدادات القيادية وصقلها وإعلائها .
8-تساعد المتعلمين كثيراً في التعامل مع مشكلاتهم واتخاذ القرارات الملائمة لها ، وبذلك يشعر المتعلمون بقيمة التعلم وأهميته في حل مشكلات الحياة ويزداد إقبالهم على العلم والتعلم المستمر (الخطيب،1993).
9- تجسد عملية الديمقراطية ، فكل متعلم يقول ما يتوفر لديه من معلومات نحو القضية التي تمت مناقشتها.
10- تُعدل وجهات النظر المُتحيزة ،والآراء المُتحزِّبة ،وتصححها إذا تعرضت لانتقاد الزملاء في الصف.
11- إن التفكير الانتقادي المتشارك في الجماعة أقدر من التفكير الانتقادي الفردي على تصحيح عيوب الأدلة والمحاكمة الفكرية(هوفر،1988).
وجملة القول فان التدريس بطريقة المناقشة تجعل المتعلم يفكر بالقول قبل إرسال المعلومة،والتفكير بما قد يعترض عليه،وما يجب إعداده من جواب للرد على الاعتراض، ولذلك يتطلب تشغيل الذهن بالتفكير الناقد عند التعليم بطريقة المناقشة.
قيود طريقة المناقشة ومشكلاتها:
<!--أن يحتكر قليل من الطلبة الحديث كله.
<!--الاستطراد في النقاش مما يؤدي إلى عدم تحقيق أهداف الدرس كاملة.
<!--تسبب المناقشة الملل للمتعلمين الذين تقل مشاركتهم فيها، قد يؤثر الحرج سلبيا في ثقة المتعلم بنفسه.
<!-- إذا لم تتم المحافظة على الاتزان الانفعالي للمتعلمين، فستكون استنتاجاتهم غامضة ،وقد يتعدى بعضهم حدود اللياقة،مما يثير شعور الأفراد بالغيرة، ولا يعين على نمو الروح الاجتماعية (حمدان،1988).
أمور تراعى في تطبيق طريقة المناقشة
عند استعمال هذه الطريقة لابد أن ينتبه المعلم إلى ما يلي :
1- ضرورة التخطيط المسبق لإعداد الدرس بهذه الطريقة ، حيث يتم تحديد الأهداف التعليمية والمحتوى التعليمي بدقة ، والإجراءات التي تتضمن الوسائل والعمليات التي يقوم بها المعلم والمتعلمين ، وكذلك أساليب تقويم الأهداف . لأن أي نقاش يرسم خارج هذه الحدود ، لن يقود إلى تحقيق أهداف بعينها ، ويكون أقرب إلى العبث منه إلى الجد.
2- تحديد الأدوار : الدور الذي سيقوم به المتعلم أو مجموعة الطلبة المشاركة ، والدور أو الأدوار التي سيقوم بها المعلم إضافة إلى تحديد الوسائل والإجراءات الملائمة لتنفيذ النقاش .
3- مراعاة المرونة أثناء تنفيذ النشاط المخطط مسبقاً ، بحيث يظل الطلبة منشغلين بما هو هادف من عمل أو ممارسة وأحرار في تساؤلاتهم وملاحظاتهم . دون أن يتسمروا بلا حراك في الصف ، حفاظاً على ما يسمى بالنظام الصارم . فالانشغال بالعمل مهما أحدث أحياناً من جلبة ، لا يمكن أن يسمى بالفوضى ، أو اختراق النظام طالما أن مردوده التربوي ينعكس مشاركة وتنفيذاً لأهداف تربوية مخططة ! www.schoolarabia.net/asasia.htm بتاريخ 5/4/2003
مرتكزات طريقة المناقشة:
طريقة المناقشة ترتكز على أساسين : العمل الجماعي ، والتواصل اللغوي ،ولعل خير ما ينظم العمل الجماعي ويجعله ذا فائدة في طريقة النقاش وغيرها . هو العصف الذهني الذي سيرد أثناء الحديث عن طريقة العصف الذهني .
أما الركيزة الثانية في طريقة النقاش فهي اللغة والتي تتمثل في التعبير عن بعض جوانب القضية أو الجزئية المطروحة للنقاش ، والاستماع إليها من جانب المعلم والطلبة الآخرين . ونظراً لأن الأسئلة هي العنصر التعبيري الأكثر وروداً في هذه الطريقة ، فلا بد من تحديد المعايير التي يجب أن تصاغ الأسئلة في ظلها .
دور المعلم في المناقشة
دور المعلم في المناقشة أن يطلب من المتعلمين : (هوفر ،1988)
1-التحضير حول الموضوع المراد مناقشته.
2-القيام بدور القائد في المناقشة وإدارتها، حيث يبث الحيوية في أذهان المتعلمين، ويتيح لهم الفرصة باقتراح الأهداف وتدوينها على السبورة.
3- عدم الخروج عن الموضوع،حيث يسأل بين الحين والآخر عن جوهر المشكلة المطروحة، مما يعين على التركيز على المشكلة،ويلخص ما تم التوصل إليه وهذا يعين على التقدم نحو تحقق الهدف،ويدون العناصر الأساسية للمناقشة على السبورة،ويساعد جميع المتعلمين في المشاركة في المناقشة الواعية،ويساعدهم في تقويم تقدمهم مما يعينهم على المتابعة والتركيز.
4- بحث جميع الحقائق المتعلقة بالمشكلة قبل الانتهاء إلى الآراء والتوصيات.
5- اشرك جميع الطلبة في المناقشة ، لتشجيع الطلاب الخجولين ومنع احتكار المناقشة على بعضهم.
ومما تقدم يتبين أن دور المعلم في طريقة المناقشة تنحصر بالمرشد والموجه للمعلومات والنقاش،ومراعيا لتوجيه المناقشة لموضوعها خوفا من التشتت،ومعلقا على أساليب التفكير وطرق طرح الآراء والتوصل الى القناعات ، ليستفيد جميع المتعلمين من عملية النقاش،أما المتعلم فهو الذي يناقش ،ويقدم الدليل ليدعم نقده،ويساعد في الوصول الى النتيجة.
ولكي ينمي المعلم عملية التفكير الناقد- عن طريق المناقشة- عليه الإكثار من الإستراتيجيات التالية: طرح عدد من الأسئلة مثل: ما رأيك في إجابة زميلك ؟ هل هي صحيحة؟، وإعطاء الفرصة لأكثر من طالب في إعطاء رأيه وهي ما يسمى "الصمت بعد سماع الجواب " حيث يفضل أن يبقى المعلم صامتا مدة تتراوح بين ( 3 – 5 ) ثواني بعد سماع جواب المتعلم عن السؤال، ومن شأن لجوء المعلم للصمت تشجيع طالب آخر على المشاركة في المناقشة ،أما طرح سؤال آخر فور الانتهاء من الإجابة عن السؤال المطروح حاليا ،فإنه يؤدي إلى قطع حبال التفكير عند من يعطي الجواب.
ولكي تكون المناقشة فاعلة تنمي التفكير الناقد لابد ان" تكون هادفة ،ومبنية على المكونات الأساسية للمادة التعليمية،وتحفز الطلبة جميعا للمشاركة الواعية،وتوفر حرية التعبير عن رأي المتعلم واحترام ذلك الرأي،وأن تؤدي إلى نتائج يستفيد منها المتعلم"(ريان،1984).
<!--[if !supportFootnotes]--><!--[endif]-->
(1) صحيح البخاري،كتاب العلم،باب الفهم في العلم،1/39،رقم 72.


