إنّ الزواج مؤسسة اجتماعية ضرورية في البناء الاجتماعي، و استمرار البشرية، تقوم على نصوص و إحكام و قيم تختلف من زمن لزمن وفقا للمقتضيات و الأديان والتقالــيد و العادات و الأعراف و القوانين المتبعة في المجتمعات و قد تختلف طقوسها بين مناطق البلد الواحد.
كما تختلف التعارف المقدمة للزواج باختلاف القيم و الثقافات، ففي القاموس الغربي لعلم الاجتماع عرف على انه علاقة جنسية تقع بين شخصين مختلفين في الجنس (رجل/امرأة) يشرعها و يبرر وجودها المجتمع، و تستمر لفترة طويلة من الزمن، يستطيع خلالها الشخصان المتزوجان البالغان، إنجاب الأطفال و تربيتهم تربية اجتماعية و أخلاقية و دينية يقرها المجتمع و يعترف بوجودها1.
و كان التزاوج في عالمنا العربي يقوم على أساس القرابة (صلة الدم) أو ما يصطلح على تسميته بنظام الزواج الداخلي، الجوار (القبيلة /العشيرة/القرية /المنطقة الجهوية...) أي نظام الزواج الخارجي.، و لم نكن نسمع حالات تأخر سن الزواج إلاّ نادرا جدا في مجتمعنا كما هو عليه الحال في نهاية القرن العشرين و بداية القرن الواحد و العشرين، و لعلّ ذلك يعود لعدة اعتبارات، و إن يفّضل البعض إرجاعها إلى الأحوال الاجتماعية و الاقتصادية بالدرجة الأولى بل اعتبارهما أقوى الدوافع؛ إلاّ أنها بالنسبة لكاتبة هذا المقال لا يغدو العامل الاجتماعي- الاقتصادي الأقوى لأنه يؤثر بنسب متفاوتة على الناس، فقد نجد شباب لا يملكون سكنا و لا عملا قارا و مع ذلك يتزوجون في السن المناسب، في حين نجد شباب يتوفر لديهم المقدرة المادية و الصحية مع هذا لا يهتموا بتكوين أسرة قبل سن الأربعين و قد يتجاوزون ذلك السن بكثير، كما لا نرجعها للاهتمام بالتحصيل العلمي، فكم من شاب في ظروف اجتماعية واقتصادية قاهرة أين كان التحصيل العلمي في ظل الاستدمار الفرنسي و ما بعده أكثر صعوبة ومشقة، و رغم ذلك تتم عملية التزاوج بصفة عادية و في السن المناسب و يتحمل مسؤولية أسرته إلى جانب مسؤولية تحصيله العلمي.
يتفق الباحثين الاكادميين و العامة من الناس على الأسباب الرئيسية لتأخر سن الزواج في مجتمعنا أن مرّدها للنواحي الاجتماعية والاقتصادية،والصحية والتحصيل العلمي بالنسبة للجنسين.
إلاّ أن عامل جديد ظهر في مجتمعنا بعد أن تراكمت أسبابه و عوامله خلال الفترة الزمنية الأخيرة مستوليا على عقول الشباب، كاتما و جاثما على مشاعرهم و أحاسيسهم، مهلوسا لأنفسهم. ساعد على بروزه و انتشاره بشكل واضح وسائل الإعلام و الاتصال بمختلف أشكالها؛ و هو عامل اهتزاز الثقة بين الشبان إناثا و ذكورا.
و هو عامل تعرفه معظم شعوب العالم العربي، إلاّ أن الإطار المكاني للمداخلة هو المجتمع الجزائري. و قد حاولت تصنيف هذا العامل في الجانب الإعلامي – النفسي، للتداخل الحاصل بين علم الإعلام و علم النفس و حاجة كل منهما للآخر.
و الإشكالية التي يمكن طرحها في هذا الباب هي كالآتي :
إلى أي مدى تسبب عامل اهتزاز الثقة بين الشباب في تأخير سن الزواج في الجزائر؟
و لتحليل الإشكالية سنركز على تأثير وسائل الإعلام على السلوك.
قدمت نظريات علمية في علم الاجتماع الأسري (الغربي) حول اختيار الشريك، و كان شعارها "النجاح في اختيار الشريك تأشيرة لنجاح الزواج". و أشهر النظريات التي صيغت في هذا الباب هما؛ نظرية المعيار norm theory للمفكر كاتز Katz)) و هيلHill ))، و قد اهتما بالدين و العمر و الطبقة الاجتماعية*.
و النظرية الثانية هي نظرية الحاجة المكملّة للمفكر وينش Winch))؛ يرى أن الاختيار أساسه وجود الشخص المناسب لإشباع الحاجة، و توفر الرضا بين الطرفين**.
إن كان الزواج حسب العادات و التقاليد الجزائرية العريقة يقوم في الأساس على تدخل الأهل في اختيار الشريك أو على الأقل المساعدة في الاختيار بإسداء النصيحة و تقديم المشورة الصادقة. فإن التقاليد الاجتماعية الموروثة لاختيار الشريك الأنسب تحولت بالتدريج، بعد التحول الذي طرأ على المجتمع و انتقاله للمجتمع المتحضر الصناعي2. فاغلب أبناء الطبقات المتوسطة في وقتنا الحاضر و المثقفين و المتعلمين لا يطالبوا من أهاليهم اختيار زوجات لهم، لأن –حسب منظورهم- زواجهم يتعلق بهم دون غيرهم، و بعد اختيارهم للشريك يأت دور الأهل لإتمام تنظيم أمور الخطبة و مراسيم حفلة الزواج.
ساهمت و سمحت الظروف للشباب اختيار الشريك عن طريق وجود عوامل فقضت على الأساليب الكلاسيكية التعارف في إطار العمل، الدراسة (الاختلاط) أو غيرهما من وسائل التعارف كالتي تساهم فيها وسائل الإعلام و الاتصال كالجرائد و مواقع الكترونية متخصصة و قنوات تلفزيونية، و مع تنوع وسائل التعارف، و توفر أمكنة للقاء كصالات الشاي المنتشرة، و المطاعم، و في الجامعات و المساحات الخضراء...، إلى جانب انفتاح المجتمع على الذهنية الغربية، بل محاولة تقبلها بعد ما استفحلت و أصبحت أمرا شبه عاديا. و ما ساعد على استفحالها هي وسائل الإعلام لاسيما المرئية التي تعرض أفلاما و مسلسلات حتى العربية منها تبيح في مضامينها اللقاء بين الشاب و الشابة و التعارف بقصد الزواج.
و تكرار عرض مثل هذه الأفكار أصبح لا ير بعض الشباب عارضا في الالتقاء بعيدا عن أعين الرقيب (الوالدين/الوليّ).
و لعلّ التجربة العصرية التي أضحى يتباهى شباب اليوم و استعمالها الخطأ في مجتمعنا جعل تجارب كثيرة تفشل، و بالتالي تناقص الثقة تجاه الطرف الآخر إلى أن تنعدم في حالات، و إن أعيدت التجربة مجددا يجب التنويه أنها قد تعاد لأغراض خبيثة هي الأخرى ستزيد عامل الثقة يتسع ليطول أكبر نسبة من الشباب و من هذه الأغراض و المقاصد نذكر ؛ الانتقام، مضيعة الوقت و السخرية، و لأغراض لا أخلاقية كثيرة.
إنّ السبل الحديثة و زيادة انتشار اتخاذها عوض الأساليب القديمة التي تكاد تندثر، و زيادة نسب التعارف بين الشباب لاختيار الشريك الأمثل في نظره، أبرزت للوجود ظاهرة الشك و الريب بين الطرفين بصفة مثيرة، نتج عنها اهتزاز ثقة الشاب بالشابة أو العكس. فلم يعد يصدق الشاب الشابة أنها لم تربط علاقة تعارف مع شاب آخر في السابق، حتى و لو لفترة وجيزة جدا و في ظروف عادية، و هو نفس إحساس الفتاة بالشاب انه تعارف على فتيات كثيرات قبلها أو تظنه متعدد العلاقات، بل لقد أصبحت موضة وسط الشباب (الذكور) لما يفتخر بعلاقات غير شرعية مرت على حياته. أما الإناث فهن يتسترن على ماضيهن العاطفي تفاديا لأي تخمين من طرف الشاب الذي تريد أن تتزوجه.
و من أبرز العوامل التي توّلد الشكوك بينهما و بالتالي الخوف من الارتباط الشرعي و القانوني نذكر منها الآتي :
- وسائل الإعلام و الاتصال التي تبث التجارب الفاشلة و تعرضها في دراما محبوكة مؤثرة، ومنفرة من الزواج. و تكتب وسائل الإعلام المكتوبة (الجرائد و المجلات العادية و الالكترونية)، إلى جانب ما يأت في المنتديات عن طريق الوسيلة الالكترونية، تكتب كلها عن مشاكل الأزواج و عن نسب الطلاق المتزايدة حتى الناتجة عن زواج كان فيه الاختيار حرا و نابعا من قناعات الطرفين. كما تبرز في القصص التي تعرضها عن علاقات الشبان الذكور بالإناث في المدارس و الجامعات و الأندية و أماكن العمل و حالات الخداع و الكذب كل على الطرف الآخر مما يسبب نقص الثقة بينهما، و بمجرّد تكرار قراءة شبيهات تلك القصص و الحكايات يتبادر لذهن الشباب أن لا ثقة في الطرف الثاني، لذلك عوض التعارف في مدة وجيزة تأخذ فترة التعارف أشهر لتمتد لسنوات مرات، بمبرر التعارف الجيد بينهما محاولا كلا منهما الكشف عن أخطاء و عيوب الآخر و بالذات معرفة مدى صدقه في أقواله، و محاولة وضعه في بعض المواقف لمعرفة مدى تحمله للمصاعب و مراعاته للظروف مع قياس نسبة الكذب لديه في كل حالة و ظرف، و قد تمتد العلاقة لسنوات و بمجرد وجود مشكلة صغيرة مردها لعامل الشك تنته العلاقة للأبد و لا يتحقق الارتباط الشرعي الذي طالما انتظراه، كما قد تمتد العلاقة لبضعة أيام أو أشهر و تنته لكثرة تعرض الطرفين أو أحد فيهما لتجربة فاشلة مردها لاهتزاز الثقة، فبمجرد وجود شكوك بسيطة و قبل البحث و التأكد منها تنته العلاقة. و هناك حالات تصل إلى رباط شرعي في مراحله الأولى (الخطبة) و يحدث الفراق بعد إحساس بالشك، و تكرار الأمر يصبح عامل نفسي مؤثر على الإنسان يجعله يبتعد عن ربط علاقة الزواج بصفة نهائية أو يتزوج بعد الأربعين من عمره، و قد لا ينجح زواجه لعدم تخلصه من العامل النفسي المؤثر.
كما تكشف أمور لا يتوجب إخفاءها عن الطرف الثاني و ذلك بعد مدة طويلة من التعارف كان يكون متزوجا أو سبق له الزواج (و هدا بالنسبة للطرفين).
وسائل الإعلام زادت من تعميق فكرة سطوة المادة و تغليبها على العاطفة:
إن كان الغرض من تقديم الخبر و كشف ما يحدث في المجتمع هو لفت انتباه أبناء المجتمع، إنما الأسلوب الذي تعرض به بعض المقالات و حالة و نفسية المتلقي لها قد تعمق الشكوك و تزيد من الخوف و التردد في الزواج.
بعد طغيان عامل المادة في مجتمعاتنا العربية نتيجة التأثير الغربي على الفكر الاقتصادي العالمي، أصبح الزواج هو الآخر قائم على مصالح و نوايا مادية محضة. و أصبح الشباب يحترصون من الحيل و الخدع و تزييف المشاعر للوصول إلى أهداف معينة. لتكن هذه الأهداف مادية من خلال الارتباط الشرعي لتحقيق المعيشة الرغدة.
لذلك أصبحت الشابة المتعلمة - العاملة في مختلف الأسلاك و القطاعات، أو صاحبة أملاك تحترس من الزواج من شاب فقير أو متوسط الحال، أو حينما تشعر انه متلاعب خوفا من طمعه في مالها، بل حتى تفكر مئات المرات من الارتباط بزوج غني أو صاحب منصب عمل عالي المستوى؛ و لا تتركها الوساويس بين قبول أم رفض المتقدم للزواج حتى بعد أن تتعارف عليه لفترة من الزمن. رغم أنها تدخل عقد الثلاثين أين توصف بالعانس، و تضطر الكثيرات المتخوفات من الابتزاز المالي profitage إلى قبول فكرة الزواج تلبية لمطالب المجتمع كي لا توصف بأي صفة مهينة، و أيضا تلبية لأنوتنها و عاطفة الأمومة فيها. و مع ذلك تبقى حريصة في اختيار الزوج حتى في هدا العقد، بل ستبقى في حيرة و تردد في اختيار الشخص المناسب. و سيزيد حرصها أكثر من أي وقت مضى لأنها ستصبح أكثر مبالغة في الاختيار exigante .
و هو حال الرجل أيضا لما يكون صاحب مال، فيبدأ رحلة البحث عن شريك غير طامع في ماله و جاهه، لذلك سيلجأ لأسلوب الكذب كي لا يبين عليه مظاهر الثراء و لما يكشف أمره سيتحول ذلك الكذب إلى فقدان ثقة الطرف الآخر و يشك في كل أقواله و أفعاله.
بنظرة خاطفة على مختلف الجرائد الوطنية التي تخصص صفحات لإعلانات الزواج و التعارف؛ نذكر منها الجرائد الناطقة باللغة العربية كجريدة النهار، و غيرها. و أخرى الناطقة باللغة الفرنسية مثل جريدة الحقيقة ( authentique).
يلاحظ القارئ أن الطلبات تتشابه في أمرين هما؛ السن المتأخر للطالب، و الشروط المادية التي عادة ما تكون سكن خاص، و عمل مستقر بل قد يشترط قطاع أو سلك عملي دون الآخر، و هي ليست شروط تضعها النساء فقط في هذه الإعلانات، بل من الرجال إلى النساء أن تملك مسكنا خاصا و عاملة؛ أي تملك مدخولا شهريا قارا، و عادة ما يشترط أن تكون عاملة في القطاعات الآتية التعليم، الصحة و القضاء و هو أمر دخيل على مجتمعنا و جديد عليه.
إضافة لما ذكر فان وسائل الإعلام تعمق فكرة تغلب المادة و المصلحة الشخصية في مسالة اختيار الشريك، فإنها تعرض بأسلوبها الجذاب، أفلام و منظر تجعل الجنس اللطيف يحلم بالعيش في شقق و فيلات فخمة و يركبن سيارات آخر طراز، و يتبعون أساليب الموضة، و لذلك هن ينتظرن من يحقق لهن أحلامهن، و السنوات تمر و لا يأت صاحب المال و الجاه، و أصبح الأمر ذاته بالنسبة لبعض الرجال اللذين ينتظرون زوجة ميسورة الحال لينعموا في خيراتها، و يفوت العمر و لن تأت.
وسائل الإعلام و الحكايات المتداولة تفضح بعض الأزواج اللذين يعدون في فترة التعارف بتوفير الحياة الزوجية السعيدة و الهنيئة، لكن بعد مضي أسابيع قلائل حتى تتحوّل الحياة لجحيم. لذلك يزيد حجم التفكير قبل الارتباط و نسب التردد و الخوف تكون عالية للجوء إلى ربط علاقة شرعية و جديّة أم الانتظار.
ما يحدث من حالات ابتزاز أموال النساء من طرف الرجال في فترات التعارف بغرض الزواج، فيلجا بعض الرجال إلى البحث عن امرأة عاملة أو ميسورة الحال و التودد إليها و محاولة استمالتها عاطفيا بغرض ابتزاز أموالها بعد أن تأتمن له و يبدأ بالتمثيل على انه إنسان مكافح و معيل لأسرته (اكبر الإخوة) و من خلالها يبين مدى تحمله للمسؤولية، و آخر يشكو الفقر و صعوبة الحصول على عمل رغم محاولاته الحثيثة... ، و يلّمح لها في أحاديثه انه إن وجد المرأة التي تكون مساعدة و معاونة له في الحياة سيأخذها زوجة له، و يكون مدى العمر مخلصا و وفيا لها، و ذلك قد يؤثر على الفتاة و يجعلها تتعاطف كثيرا مع الشاب، و لما يشعر بأنه كسب ثقتها لن يتوان في طلب المساعدة منها بطرق غير مباشرة و قد تكون مباشرة في حالات،و قد تعرض هي عليه ذلك و يظهر هو تمسّكه بالرفض و هي تلّح لثقتها الكاملة به، و بعد أن يأخذ المال كمساعدة أو قرض– و قد تتكرر العملية- لن تسترجع مالها و لا ترى علاقة زوجية تحققت مع هذا الشاب.
و الأمثلة من أنواع الخداع و المكر بغرض الحصول على أمور مادية كثيرة في مجتمعنا تترصد المرأة العاملة، لذلك أصبحن لا يثقن في الجنس الآخر، و يعتبرونه مصلحي profiteur ، و مبتز، و لا يمكن للمرأة أن تأتمن لرجل بسهولة، لأنها تبحث عن العاطفة الصادقة النابعة من القلب.
ناهيك عن حالات تقع المرأة تحت تهديد الرجل بعد أن يكسبها ثقة كبيرة به، ممكن أن يجرها إلى مصائب كبيرة و يصبح يهدد بعرضها على البلوتوت و مواقع الانترنت، وطلبا لسكوته عن ذلك يطلب أموالا و حليّا...، و مثل هذه النساء لن تفكر في الزواج، أما مثل هؤلاء الرجال المبتزون فان فكروا في الزواج فسيكون بعد الأربعين؛أي بعد محاولات كثيرة لابتزاز أموال النساء خاصة لو حصل على ما يريده في المحاولة الأولى فستصبح له لعبة مسلية و مصدرا سهلا لربح المال.
و يعاني الرجال أيضا من الأمر نفسه، لما يتعاطف مع فتاة تدعي الفقر المدقع، أو تعاني من البطالة و تشكو حاجتها الماسة للعمل و المال،أو مساعدات مادية من قبيل آخر منها العلمية (كمساعدته لها في إعداد البحوث، و طباعتها،و الوقوف ماديا إلى جانبها في المشوار الدراسي لتسهيل النجاح العلمي و هو ما يحدث على مستوى المعاهد و الجامعات).
و قد تكون للشاب نية صادقة في المساعدة و الارتباط الشرعي بها، خاصة إذا بينت اهتمامها به، لكن بعد أن يقدم لها كل ما تمنته تبتعد عنه و لا تقبله زوجا، و قد تفضّل عليه آخرا، مما يجعله لا يثق في جنس حواء، لذلك سيتحّول هو الآخر لرجل متلاعب بمشاعر الفتيات بعد أن وقع تحت تأثير نفسي عميق، و يتأخر سن زواجه و يتأخر عن تكوين أسرة رغم حالته المادية الميسورة.
وسائل الإعلام التي تبث أمور غير أخلاقية هي الأخرى فاعلا مؤثر
تعد وسائل الإعلام و الاتصال لاسيما القنوات الفضائية و ومواقع الكترونية و أبسط وسائل الاتصال الحديثة و التي يمتلكها الصغير و الكبير في مجتمعنا هو الهاتف النقال و ما يتضمنه من صور و صور بلوتوت من الفواعل المؤثرة على تأخر سن الزواج و قد ردد شباب اليوم العبارة الآتية آلاف المرات بكل استهتار لما سال عن سبب عزوفه عن الزواج في السن المناسب فقال: "إنّ السلع معروضة "حواء أصبحت سلعة تباع" من خلال الإعلانات، و الأفلام الخليعة و تقليد الغرب في لباسه ...". إن لتأثير الصورة على نفس المتلقي مفعولا قويا مضللا حتى في اختيارهم لوقت البث في ساعات المساء بعد أوقات العمل اليومي، حيث النشاط الذهني مسترخي و في حده الأدنى، و يكون الإعلان مهلوسا بعد اختياره بدقة إعدادا و إخراجا مما يشكل مصدر إثارة أداته المرأة.
من خلال العرض المكثف لأفلام الإجرام الحديثة و نقصد بها أفلام الجنس و العنف و المخدرات و الرعب...، الموظفة لنقل أفكار غربية و غريبة عن قيمنا الإسلامية و عادتنا التقليدية، بغرض إعادة تشكيل الأذواق و المفاهيم و بالتالي سلم القيم و نمط الحياة عامة، و قد توقع الخبراء انتقال القيم من مجتمع لآخر و من حضارة لأخرى بسهولة و يسر. و ما وسائل الإعلام الفضائية و الشبكة العنكبوتية إلاّ من صنيع و تحكم الدول الصناعية و الشركات المتعددة الجنسيات ؛ فهي المستحوذ الأكبر على تقنيات الإعلام و مفاتيح الغد من العقول الالكترونية التي أخذت تتدخل مباشرة في ميدان الإعلام و الاتصالات، و من آفاق الزواج الهاتفي، الالكتروني و التلفزيوني1.
تحاول هذه الوسائل بقدر المستطاع تهديم قيم حضارات إنسانية على رأسها الحضارة الإسلامية في إطار ما أطلق عليه "صراع الحضارات" و هو ابرز صراع ثقافي يفوق في خطورته الصراع و الحرب المسلحة، لأنه يتسلل بمكر و بالتدريج2.
متابعة الشباب لهده الأفلام الهابطة و محاولة المحاكاة متى سنحت الفرصة لا تجعلهم يتحمسون للزواج لأنهم تعرضوا إلى ما يسمى بالاضطراب النفسي، لذلك يلجئون إلى البحث عن العلاقات غير الشرعية.
و قد خلص بعض الكتاب العرب إلى أن مضامين المادة الإعلامية الغربية الموجهة عبر الأقمار الصناعية لجمهور العالم الثالث اجمع تعمل على تثبيت بعض الملامح و السلوكات الآتية :
1- النزول بالمرأة في مستواها الإنساني و جعلها سلعة و اقترانها بلدات و نزوات الرجال.
2- نشر أفلام العنف و الجنس لتهديم ذاتية الشباب و طاقتهم بما يجعلهم غير قادرين على التكيف مع الواقع.
3- إغراء النساء بتقليد أزياء غربية (حتى الزي الإسلامي أدخلت عليه قصات غربية) و ربط المشاهد بتقاليد غيره، حتى يتعود عليها و تصبح له عادية و تدخل ضمن قيمه بالتدريج.
وسائل الإعلام تزيد من تعميق فجوة الثقة بين الجنسين، كلاهما يحلمان بزوج المستقبل بمقاييس مستنبطة من خلال الأفلام و المسلسلات التي يرونها، الفتاة تأمل فارس أحلام بمزايا خلقية معينة كان يكون وسيما، أنيقا، ...، إضافة إلى أمور غير خلقية. و الرجل الشاب هو الآخر يبحث عن مقاييس جمالية معينة استقاها من الجمال الذي يراه عبر وسائل الإعلام لاسيما المرئية (التلفاز و السينما) و مواقع الانترنت، كأن تكون فائقة الجمال و ممشوقة القوام، أنيقة، كلها أنوثة و رقة. و يبقى كلا الطرفين ينتظر الحصول على احد بهذه المقاييس و تمرّ السنوات دون العثور عليه !. رغم أن كلاهما يعلم أن أهل الفن و النجوم اللذين يظهرون على الشاشات الصغيرة أم الكبيرة يخضعون لقواعد تجميلية أساسية و مركزّة.
فهي تضر كل من تقدم إليها بنية الزواج الشرعي و إن تكرر مع هدا الأخير الشيء نفسه فهو الآخر سيتأخر عن الزواج لتردده في الطلب خوفا من عدم قبوله.
الخـاتــمــة :
إن يتراءى للبعض أن وسائل الإعلام بكل أنواعها عاملا و دافعا غير مباشرا، بل مؤثرا ثانويا في ظاهرة تأخر سن الزواج في الجزائر، لكن المحلل لحقيقة الوضع لوجد أن هده الوسائل لاسيما المرئية و المكتوبة منها لها مؤثر كبير و قوي و مباشر لا يمكن نكرانه، و استمرار تماديه في عرض ما ذكر في المقال سيؤثر حثما على أخلاق المجتمع و قيمه، و لن ينقد الوضع إلاّ الوعظ الدينية في المساجد و الملتقيات و حصص عبر الوسيلة الإعلامية السمعية و البصرية الوطنية، ناهيك عن تكتيف الكتابة و العودة إلى الأصول الطيبة ، و تكثيف الدعوة بحذف القنوات الفادحة التي تعد وسيلة الغرب في تهديم مجتمعاتنا الإسلامية و اقتلاعها من الجذور. و قد نجحت اندونيسيا في اقتلاع بعض من مظاهر الفساد الأخلاقي و الديني لما منعت بث القنوات التي تبث ما تراه هدام للمثل والقيم الدينية، و هي مبادرة تحتاج لإرادة سياسية قوية حتى تحمي المجتمع (أجيال المستقبل) من الانحدار أكثر في مزالق الرذيلة.
قائــمــة المراجــع :
باللغة العربية :
-الحسن محمد إحسان ، العائلة و القرابة و الزواج، دراسة تحليلية في تغير نظم العائلة و القرابة و الزواج في المجتمع العربي،ط2، بيروت : درا الطليعة،1985،
- حمليل رشيد ، الحرب و الرأي العام و الدعاية، الجزائر : دار هومة، 2007.
-اياد شاكر البكري، حرب المحطات الفضائية عام 2000، الأردن: دار الشروق للنشر و التوزيع ، 1999.
باللغة الأجنبية :
A.Katz , R.Hill, Marriage and family living, New york,1958.
Michell,D.A, Dictionary of sociology.
R.Winch, The modern family, New york,1963.

