ترتبط السياسة بالإعلام ارتباطا وثيقا مما يجعل البعض يطلق عليه تلاحما. و تحتاج السياسية لاستعمال وسائل الإعلام بمختلف أنواعه لاسيما في عصر ثورة الاتصالات العابرة لحدود الدول و القارات، فبقدر ما توّظف لأغراض سياسية خادمة للوطن، فهي توظف أيضا لأغراض سياسية هادمة في أغلفة ناعمة تدعى "الدعاية السياسية المغرضة"، و من هذا المنطلق فإنّ السياسية تستخدم الأسلوب الدعائي الذي لا يتحقق إلاّ عن طريق وسائل الإعلام، إما لأغراض ايجابية و جليلة، أو لأغراض سلبية مضرة. قد يستخدم الأسلوب الدعائي على مستوى السياسية المحلية – الوطنية، كما يستعمل على المستوى الدولي – العالمي في إطار السياسية الخارجية للدول.
يهتم المقال بتوضيح دور الدعاية و الدعاية المضادة أثناء فترات الحروب، علما أن هذه الأخيرة تمرّ على الأقل بـثلاث مراحل رئيسية هي فترة التمهيد أو الاستعداد للحرب؛ تليها فترة تنفيذ المخططات العسكرية، و فترة ما بعد الحرب، و يكون للجبهة الإعلامية بكل أجهزتها و كوادرها حضور قوّي في كل مرحلة من مراحل الحرب المذكورة، وذّلك ما سنحاول توضيحه من خلال تقصي حالة الدعاية السياسية و الدعاية المضادة أثناء حرب ميزت بداية القرن الواحد و العشرين، و التي دارت رحاها في دولة من دول العالم العربي- الإسلامي هي الجمهورية العراقية عام 2003.
تطرح الدراسة إشكالا حول مدى قدرة الدعاية السياسية و الدعاية المضادة في مجابهة الأعداء أثناء فترات الأزمات و الحروب ؟
و اختيار دراسة الموضوع هو بغرض المقارنة التي أضحت الحقل الأساسي في الدراسات السياسية المعاصرة، و الاستعانة بالمنهج المقارن بغرض كشف مواطن الاختلاف بين الدعاية السياسية التي استخدمتها الإدارة الأمريكية و حلفاءها، و الدعاية السياسية التي اعتمدتها الإدارة العراقية و الإعلام المساند لها لاسيما العربي. و قد استعنا في هذه الدراسة بمناهج علمية أخرى كالمنهج التاريخي، معتمدين على دراسة حالة الدعاية في الحرب الأمريكية - العراقية.
تتدخل وظائف الدعاية السياسية في كثير من الأمور السياسية كدورها البارز أثناء عملية رسم السياسات العامة، و أثناء الانتخابات، و في عملية التداول السياسي السلمي، و أيضا في عملية انتقال السلطة بالطرق العنيفة؛ ففي الحالة الأخيرة قد يكون دورها قبل عملية الانتقال؛ أي دور إعداد و تحضير الظروف المواتية، و تعبئة الرأي العام و استمالته، و يمتد دورها إلى ما بعد العملية الانتقالية مثل الانتقال العنيف عن طريق الثورة المسلحة، التي تقوم على الالتفاف الجماهيري و تآزره لتجسيد هدف واحد، و بما أن من سمات الثورة الاستمرارية و الإطالة في التحضير لها ، فإن الدعاية ستكون عمادها.
و قد يكون دور الدعاية السياسية مباشرة بعد العملية الانتقالية العنيفة، و ذلك للخصائص التي تتسم بها كخاصية المفاجئة، والسرعة، و السّرية في التنفيذ، و هو حال الأسلوب الانقلابي بكل أشكاله العسكري أم السياسي.
فشل محاولات الانقلاب على الحاكم بالطرق العسكرية أم السياسية، قد يجعل التمويل المادي و المعنوي الخارجي ( من دولة أو منظمة أو شركة متعددة الجنسيات) سبيلا لفرض التغيير ، مستخدما في ذلك الأحزاب السياسية المناوئة و المعارضة و التي تقيـم في غير موطنها الأصلي أو ما يصطلح عليها " المعارضة المقيمة في الخارج "، و عادة ما تكون مدعومة من طرف الدول المستضيفة لها، فتتيح لها كافة الوسائل و التسهيلات لعملها الدعائي. و هو شان الدعاية العراقية الملتئمة في إطار ما سميّ بالمؤتمر الوطني الموّحد في مواجهتها لنظام صدام حسين. كما توجد مثيلات لهذه المعارضة في العالميين العربي و الإسلامي خارج مواطنها الأصلية كالمعارضة الليبية و السودانية.
و فشل دعاية الأحزاب السياسية المعارضة و المقيمة و المدعمة من أطراف خارجية، جعل الطرف الخارجي الطامح في إحداث تغيير على مستوى هرم السلطة يلجأ إلى وسيلة هي الأخرى تقع ضمن الأساليب العنيفة، و إن لم تصنف ضمن أساليب الانتقال السلطوي العنيف، إلاّ أن ما وقع في بداية القرن الحالي، أصبح من غير السليم عدم تصنيفها ضمن تلك الأساليب و هي الــحــرب.
و إن كانت الحروب آخر ما يلجأ إليه لتسوية النزاعات الكبرى، إلاّ أنها أضحت ضرورة من ضرورات تغيير بعض الأنظمة السياسية و الحكام القائمين عليها، كما هو الحال في أفغانستان (2001)، ثم الحرب على العراق(2003)، مع مواصلة تهديد مجموعة من الدول التي أطلق عليها بالدول المارقة منها جمهوريات إيران و سوريا.
لكن لم تعد الحروب العسكرية وحدها هي الرائدة لتحقيق الانتصار و الفوز، فلقد أصبحت الحرب الإعلامية شانا لا يستهان به، بعد الطفرة التكنولوجية و التقنية التي حظي بها عالم الإعلام و الاتصال
الذي انتشر استخدامه و زاد تأثيره في توجيه آراء الناس و قبولهم للسياسات الخارجية و الوطنية، و ذلك باهتمام السياسيين بالإدارة الإعلامية الفعّالة، و لعلّ أهم وسيلة تستخدمها الحرب الإعلامية هي الدعاية السياسية حتى وصل بعض كبار المختصين في الإعلام و الاتصال و كبار الاحترافيين في عالم الإعلام إلى إلصاق مصطلح الدعاية السياسية بالحرب الإعلامية، لعدم وجود حرب من هذا النوع دون وجود دعاية سياسية.
غدت الدعاية إحدى أدوات السياسة الخارجية تدمج بين العمل الدبلوماسي في حالات السلم والعمل العسكري في حالات الحرب. و إنّ اهتمام الدراسات الأمنية بدراسة الحروب العسكرية، لا يكتمل اليوم دون دراسة الحرب الإعلامية التي تسير بجانبها، بل قد تسبق إعلان الحرب، و تمهد لها.
و كانت الحرب العراقية أحسن مثال يمكن الإثبات من خلاله فكرتين هما؛
- إنّ الحرب هي الأخرى عملية لانتقال السلطة في الدول.
- نجاح الحرب الإعلامية من نجاح الدعاية السياسية التي تعد عمادها و أساسها.
و تجمع الدعاية في طياتها بين العلم و الفن و أهم العلوم التي تلتقي معها و تستقي منها هو علم النفس و لاسيما و علم النفس السياسي ، و علم النفس الاجتماعي. لذلك تقوم الدعاية على نظريات علم النفس منها نظرية بافلوف (كلما تحكمنا في الأمور المنبهة ، كلما حصلنا على استجابة). إضافة إلى نظريات التحليل النفسي لسيقموند فرويد الذي يري أن فترة الاستجابة للمؤثرات الخارجية تكون خاصة في الأمور و الأوقات التي تذكر الإنسان بأحزانه و حالات إحباطه و قهره. و كانت الدعاية الألمانية في فترة الدعوة للفكر النازي و أثناء الحرب العالمية الثانية تعتمد كثيرا على هذه النظرية لتحقيق غاية العمل الدعائي.
ومع تطور العملية الدعائية السياسية ظهرت نظرية التثقيف و التدعيم للباحث الأمريكي "جون ديون "
تقوم على مزج العمل الدعائي بعملية التنشئة و الثقافة السياسية فتجعل الجامعات و المدارس، و المكتبات العامة ،...، أماكن للنشاط الدعائي.
أول ما يجب أن نستهل به هو توضيح مفهوم الدعاية عامة و الدعاية السياسية على وجه التحديد مع تمييزها عن بقية الألوان الدعائية و عن المصطلحات اللصيقة بها كالإشاعة و الإعلان السياسي و التسميم و التسويق السياسيين.
فالدعاية لغة هي الدعاء للشيء و الحث على إتباعه؛ فهي الوسيلة المتخذة لنشر مبدأ، أو لنشر الدعوة لأحد المرشحين في الانتخابات أو غيرها، أو الدعوة لترويج سلعة معينة.
أما اصطلاحا فقد وجدنا عددا من التعريفات منها تعريف الباحث "نورمان جون باول" قدم الدعاية على أنها : " نشر الآراء و وجهات النظر التي تؤثر على الأفكار أو السلوك أو كلاهما معا"(1).
و حسب معجم مصطلحات الإعلام فالدعاية هي : "التأثير على آراء و معتقدات الجماهير لجعلها تتخذ اتجاها معينا نحو نظام أو مذهب بصورة ايجابية أو سلبية كما تحاول تهيئة نفسيات الأفراد لقبول وجهات النظر التي تدعو لها و التشبع بها، و تلجأ إلى تشويه الحقائق و تحريفها"(1).
و لا تحدث الدعاية فقط على المستوى اللفظي،بل تتضمن في بعض الحالات الأفعال و السلوك.
و تجب الإشارة إلى وجود مصطلحات لصيقة بالدعاية يخلط كثيرا بينها، كالإشاعة مصدر أشاع أي إذاعة الخبر و نشره بين الناس، و يكون مصدرها مجهولا و ترتكز على نشر الأخبار الكاذبة. و للعلم أنها أسلوب من أساليب الدعاية.
و التسميم السياسي يختلف عن الدعاية في كونه لا يهتم بالإقناع، بل يسعى للقضاء على العدو.
أما الإعلان السياسي فهو نشر للأفكار قصد تقبلها. و الدعاية لا يجب أن تظهر على أنها "دعاية" و إلاّ تعرضت للفشل.
و ألوان الدعاية متعددة و مختلفة تبعا لتنوع تصنيفاتها، فإذا صنفت وفقا لطبيعة مصدرها فإنها تتضمن ثلاثة أنواع هي الدعاية البيضاء (المكشوفة المصدر)، و السوداء (المستورة المصدر)، و الرمادية( المستترة الهدف و قد تكون مكشوفة المصدر)(*). و قد تصنف حسب الرموز المستخدمة، و النتائج المتوصل إليها، أو وفق لدرجة المباشرة، أو وفقا لطبيعة المضمون فتكون اجتماعية و أخرى تجارية، و سياسية، و يمكن أن نصنف هذه الأخيرة وفقا للامتداد الجغرافي فمنها الدعاية السياسية الداخلية و الخارجية.
إنّ توضيح مفهوم الدعاية السياسية يستدعي إدخال أسبابها و أهدافها عامة في التعريف، و على هذا الأساس قدم الدكتور "سمير محمد حسين" تعريفا لها :
"إنها جهود اتصالية مقصودة و مدبرة يقوم بها الداعية مستهدفا نقل معلومات و نشر أفكار و اتجاهات معينة ثم إعدادها و صياغتها من حيث المضمون الشكل و طريقة العرض بأسلوب يؤذي إلى إحداث تأثير مقصود و محسوب مستهدف على معلومات فئات معينة من الجمهور و آرائهم واتجاهاتهم و معتقداتهم و سلوكهم، و ذلك كله بغرض السيطرة على الرأي العام و التحكم في سلوكه بما يخدم أهداف الداعية دون أن ينتبه الجمهور إلى الأسباب التي دفعته إلى تبني هذه الأفكار و اعتناق هذه الآراء و الاتجاهات و المعتقدات و دون أن يبحث عن الجوانب المنطقية لها"(1).
و المقصود من هذا التعريف أن الدعاية السياسية تستدعي تخطيطا مسبقا، و عند تنفيذها تستدعي توجيهها لـقـلـب المتلقي قبل عقله فتمتد للاشعور الجماعي فتوصف باللاعقلانية، و تعتمد على إثارة المشاعر، كي تكون أشد تأثيرا، و لا تترك المجال لمشورة العقل و البحث عن مصدرها الفعلي و أهدافها. لكن هذا لا يعني أنها تتم عن طريق مجموعة الأكاذيب و الأساطير و الخرافات المهلوسة للعقول، فحتى الزعيم النازي "أدولف هتلر" المعروف بشدة قساوته يوصي أن لا تعتمد الدعاية على التضليل و قلب الحقائق. لذلك هناك من يميز بين نمطين من الدعاية السياسية و هما؛ العقلانية و اللاعقلانية.
فالدعاية السياسية العقلانية هي تلك التي ترتكز على المعلومات و الإحصائيات الصحيحة، متوّجهة إلى "الأنا" أي إلى العقل و الوعي و المنطق، فتخاطب العقل أكثر مما تخاطب القلب. أما اللاعقلانية فهي على النقيض من الأولى تتوجه لإثارة الغرائز و المشاعر الشخصية. و يعرفها "بارتلت" على أنها: " محاولة التأثير في رأي الجماعة و سلوكهم بحيث يتخذ الأفراد رأيا و سلوكا معينين دون أن تفكر الجماهير في الأساليب التي دفعتها لتبني تلك الآراء و المعتقدات و البحث في منطقيتها"(2).
و الجهة التي تقوم بها كالحكومة أو الهيئات الإدارية أو جماعات الضغط، الأحزاب السياسية فمصدرها سياسي و النتائج المرجو التوصل إليها سياسية أيضا(3).
فالدعاية السياسية تهدف إلى خلق فعل و سلوك سياسي من خلال استخدام الوسائل اللازمة لإنجاحها، و نطاق الدعاية السياسية واسع و متعدد بتعدد ميادين و أنشطة الدولة.
و لا تقوم السياسة الخارجية على الدعاية فقط و إنما على رد الدعاية، و هو ما اصطلح على تسميته بالدعاية المضادة، و هي ضرورة لنجاح السياسية الخارجية لدولة و استمرارها. إذ تتطلب مواجهة و تصدي قوي؛ لأن حالة عدم مجابهة قد يعرض الدولة المستهدفة (الخصم) إلى أزمة، أو نزاع داخلي أم بين دولتين أو أكثر، و قد تتحول بؤر التوتر التي تسببها الدعاية القوية دون وجود دعاية مضادة لها حربا مدمرة. فمثلما تواجه الجيوش في الحروب العسكرية يجب أن تواجه الأقلام و الكلمة و الصور و الصوت و التي تعتبر أدوات الدعاية السياسية في الحرب السياسية -النفسية، ذلك من خلال كشف أكاذيب و افتراءات العدو، و توضيح المعلومات اللازمة للرأي العام، و الحرص على تشجيع الرأي العام الداخلي.
و لما للدعاية من أهداف و مرامي و تأثيرات قوية فقد جعلت تعتبر بمثابة الحرب على الأعداء، و من يفوز فيها هو الرابح و المنتصر. و لذلك أطلق المحلل العسكري البريطاني الأصل ج.س.فوللر تسمية الحرب السياسية عام 1920، و أطلقت تسمية الحرب النفسية فيما بعد من طرف الأمريكان، أما الألمان فقد أطلقوا تسمية الحرب الثقافية. و إن كانت في الأصل الدعاية وحدها لا تشكل هذا النوع من الحرب لوحدها إذ تتعاون معها عدد من الأساليب الأخرى. إلاّ أن الدعاية أخذت الحصة الأكبر و اقترنت بالحرب النفسية، حتى اعتبر الخط الفاصل بين الدعاية و الحرب النفسية شكليّ حسب وجهة نظر كل من ديفيد ماكليلان (D.Melellan) و وليم اولسن (W.Olson) (1) . و من هذا المنطلق فالحرب النفسية ما هي إلاّ تطبيق الدعاية في تحقيق أهداف الحرب، و صدق الرسول محمد (صلى) لما قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (رواه البخاري)؛ أي بالدعاية التي تتضمن أسلوب الترهيب يمكن أن تحصد انتصارات ما تحصده حرب خلال شهر كامل. و لقد سبق القرآن الكريم بالتنويه للدعاية في عدد من الآيات الكريمة إشارة لقوتها.
I- تشريح عملية الدعاية و الدعاية المضادة أثناء الحرب على العراق :
استعملت الدعاية السياسية و المضادة لها بقوة في الحرب على العراق عام 2003، من طرف الإدارتين الأمريكية و العراقية. و قبل توضيح و مقارنة الأساليب المستعملة في الدعايتين، علينا تبيان أهم أهداف الإدارتين من الحرب و بالتالي من الدعاية السياسية.
تمثلت أهم أهداف الإدارة الأمريكية من إعلانها الحرب و قيامها بالدعاية في ما يلي ؛
- إخافة الحكام الطغاة في العالمين العربي و الإسلامي.
- تبيان أهدافها السلمية و النبيلة بنشر مبادئ الديمقراطية في مختلف دول العالم لاسيما التي اصطلح على تسميتها بدول العالم الثالث أو العالم النامي، على أن يكون العراق النموذج المحتذى به.
- السيطرة على الاحتياط الثاني من النفط في منطقة الخليج العربي(*).
أما أهداف الإدارة العراقية فلقد تمثلت أهمها فيما يـلي :
- تبيان للعالم أجمع افتراء الإدارة الأمريكية على النظام العراقي بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل.
- تحقيق النصر من خلال شحذ همم القوات الشعبية و قوات الحرس الجمهوري، و فدائي صدام و القوات المسلحة.
و قامت الدعاية السياسية في هذه الحرب على مراحل ثلاثة واضحة المعالم، و سنتطرق إليها فيما هو آت :
1- الدعاية السياسية قبيل قيام الحرب :
لقد سارعت الإدارة الأمريكية لاستعمال أسلوب الدعاية السياسية قبل الحرب على العراق,و قد اجمع زعماء العالم المعاصر على ضرورة استعمال الدعاية قبل الحرب لتحقيق النصر العسكري لقول الماريشال "شارل ديغول" : " كي تنتصر دولة ما في حرب فإن عليها أن تشن الحرب السيكولوجية قبل أن تحرك قواتها إلى ميادين القتال". يمكن إعادة بدايات عملية الإعداد للحرب مباشرة بعد حرب الخليج الثانية؛ أي بداية عقد التسعينات من القرن المنصرم. و ظهر استعمالها للدعاية السياسية جليّا و بكثافة مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في إطار ما أسمته الحرب على الإرهاب، مدّعية أن كل من خالفها هو ضدها و مؤيد للإرهاب والإرهابيين، استعملت في ذلك أسلوب التبرير و هو احد أهداف الدعاية السياسية، يتم لتفسير السلوك غير المنطقي الذي يقدم عليه رجال الساسة في ضوء أسباب مقبولة اجتماعيا بغض النظر عن الأسباب الحقيقية 1.
و كانت المنابر الإعلامية متابعة و مستهدفة من طرف الغرب و على رأسه الإدارة الأمريكية، خاصة تلك المنابر التي تكشف أكاذيب و افتراءات و أخطاء الغرب، و لعل قناة الجزيرة كانت أكثر استقصادا من غيرها، و خير دليل على ذلك إغلاق مكاتبها في عدد من الدول، ففي 1999 تم إغلاقه في الكويت، احتجاز طاقمها في الإسكندرية (مصر)، أثناء تغطية مظاهرة طلابية بالحرم الجامعي دعما للانتفاضة الفلسطينية في مارس 2002. و استهدف مكتبها في كابول ليلة الغزو على أفغانستان و اعتقال مراسلها "محمد الحاج" في ديسمبر 2001، و الذي قبع سنوات في سجن قوانتنامو ليلقى مرارة التعذيب.
لتحسين صورة أمريكا أمام ملايين العرب و المسلمين حشدت ترسانة إعلامية تمثلت في إذاعة سوا (معا) ، تضمنت أغاني و موسيقى محببة للشباب العربي، و نشرات إخبارية و حوارات محاولة منها تحسين نظرة الجمهور العربي و الإسلامي لأمريكا و لذلك بثتها باللغة العربية، مستغلة الدعاية نفسها في تشويه سياسات و أنظمة دول منها سوريا، العراق و إيران. و كانت تنوي الإعداد لقناة تلفزيونية أخرى أرادت تسميتها " الشرق الأوسط" .
و راحت تحوّط كل من يخالفها بوابل من الإشاعات السياسية،و التي تعد أسلوب من أساليب الدعاية؛
- إشاعة ضد جمهورية روسيا لما أرادت الوقوف ضد قرار الحرب الذي قد يزعزع الوضع الدولي برمته، لذلك أطلقت إشاعة مفادها أن روسيا قامت بتزويد النظام العراقي بأجهزة تشويش التي تستخدم الحاسب الآلي و تقنية الليزر ضد النظام الأمريكي.
كما قامت بإطلاق إشاعة سياسية ضد رئيس الوزراء الألماني "حير هارد شرويدر" الرافض للحرب، فأعلنت فيها رفضه ما هو إلاّ وسيلة لتحقيق مكسب شخصي؛ و هو النجاح في حملته الانتخابية التي تزامنت مع فترة الإعداد النفسي للحرب ضد العراق(1).
أما دول العالمين العربي و الإسلامي الرافضة للحرب فقد تلقت نصيبا أوفرا من الإشاعات السياسية، و من بين تلك الدول نذكر الجمهورية السورية، التي لم تتوقف سلسلة الخطب الصادرة عن الإدارة الأمريكية، تتهمها بدعم النظام العراقي ماديا و معنويا كالسماح لرموزه بالهروب عبر حدودها، و فتح الحدود أمام الشباب المسلم المجاهد.
استعملت أسلوبي التهديد و الوعيد ضد النظام العراقي المساند و المدعم لنظام القاعدة-حسب زعمها- و للدول التي تسول لها نفسها مساندة النظام المذكور. و تحرّك السياسية الخارجية الأمريكية للقيام بعدد من الزيارات الرسمية و غير الرسمية لبعض رؤساء و وزراء خارجية دول العالم مستعملة في ذلك أسلوب الترهيب تارة و أسلوب الترغيب تارة أخرى. فقد تلجأ لاستمالة بعض الدول لصفها عن طريق التهديد بقطع المساعدات الأمريكية أو إلغاء الاستثمار الأمريكي فيها...، و كان أسلوب الترغيب قائم على الوعود المغرية كتقديم أموال أو مساعدات مالية و تقنية، أو تخفيف نسبة فوائد الديون، و قد امتدت الإغراءات لشيوخ القبائل العراقية التي استفادت من أموال مقابل عدم تصديها لقوات التحالف عند دخولها للعراق، بل الوعد بمنحها مناصب عليا في الدولة بعد القضاء على نظام صدام حسين.
فكانت دعاية سياسية قوية لما ربطت هدف الحرب بوجود علاقة متينة بين القاعدة و النظام العراقي و أحداث 11 سبتمبر، فكلما توفرت الظرف و التوقيت المناسبين، كلما ارتفع نجاح العملية الدعائية و ارتفع سهم تقدير و الإعجاب بالزعيم أو الرئيس. و كانت أحداث 11 سبتمبر الفرصة السانحة لبداية حملة دعائية كبرى ضد الإرهاب، و بالتالي الأنظمة المساندة له، و قد ارتفع سهم الرئيس بوش الابن إلى 82 بالمائة بعد يومين فقط من أحداث سبتمبر الأسود 2001، مع العلم أن الأسبوع الذي سبق تلك الأحداث كان سهمه لا يتجاوز خمسين بالمائة من المقدرين له في استطلاعات الرأي الأمريكي(2).
و قد عرفت الدعاية السياسية نجاحا باهرا أوقات الأزمات و الحروب نتيجة ما كانت تحققه من التفاف بارز للجماهير حول رؤساء الجمهورية الحاملين للواء هذه الدعاية؛ فإن هذه الأخيرة توفر حقا خدمة للذين يريدون تغيير العالم.
إنّ تهويل صورة الإرهاب عالميا هي طريقة تهديد قوي استخدمته الدعاية لبث الخوف في النفوس، و الادعاء بخطورة النظام العراقي المالك لوسائل الدمار الشامل و الذي لن يتردد على إطلاقها على عدد من دول العالم، فقد ادعت الإدارة الأمريكية وجود أسلحة الدمار الشامل قبل الحرب بسنوات، و كانت آخرها بث صور و تسجيلات دليل امتلاك النظام العراقي لتلك الأسلحة في خطاب "كولن باول" أمام مجلس الأمن يوم 05/02/2003، و بث ذلك على الأجهزة المرئية، و دعت من خلاله أمريكا إلى التفتيش الاقتحامي إلى أقصى الحدود، كطريقة لإتلاف و إفشال نظام التفتيش، لما أصرت على تفتيش مواقع لا صلة لها بتصنيع السلاح كالقصور الرئاسية و مكاتب الاستخبارات، و طالبت باستجواب مسئولين و خبراء و علماء عراقيين.
لقد جعلت الدعاية العالم كله تحت وقع التهويل الإعلامي "هل تدخل الحرب أم لا تدخلها ؟"
الدعوة لعالم تسوده مبادئ الديمقراطية و الأمن الشامل في العراق بعد رحيل رموز النظام الظالم، و من المعروف أن الجماهير الساخطة على نظم حكمها و حكامها تستجيب لأية دعاية و دعوة يمكن لها أن تحقق لها التغيير الايجابي، فركزت وسائل الإعلام الغربية لاسيما الأمريكية على تبيان مظاهر الفقر و الحرمان و القهر السياسي معتمدة على أسلوب التكرار في تبيان عيوب النظام العراقي.
إنّ مسألة التأييد الدولي كانت ضرورة لدى الإدارة الأمريكية فإنها تفضل أن تكون هذه الحرب تحت غطاء أممي. و إن كانت تحاول جاهدة على إقناع شعبها أولا و لذلك أول ما وجهت له الدعاية السياسية كان الرأي العام الأمريكي، من خلال ما حضرت له مراكز التفكير، و قد اظهر استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية في أوت 2002 أن عشرين بالمائة من الأمريكيين فقط يؤيدون حربا أمريكية منفردة على العراق. كما اظهر الاستطلاع أن ثلاثـة بالمائة فقط من الأمريكيين يجيبون بعفوية إن سئلوا عن الأخطار التي تهدد الولايات المتحدة : العراق أو صدام حسين هما اكبر المخاطر.
و استغلت المعارضة العراقية المقيمة بالخارج تحت إشراف بريطانيا و أمريكا في الدعاية السياسية قبل الحرب بكتابة و توزيع مناشير في العراق و خارجها تذكر العراقيين بمعاناتهم طيلة حكم صدام حسين من تعذيب في السجون دون محاكمة، تقتيل فردي و جماعي خاصة بالنسبة لشيعة و أكراد العراق. و تجاوزت الدعاية العراقيين ذاتهم و امتدت لتذكير الكويتيين بأيام الغزو العراقي و تذكيرهم بعمليات التعذيب التي استهدفتهم و التقتيل الشنيع، و بمفقوديهم و سجناءهم، بل و امتد نشاط المعارضة لتذكير الإيرانيين أيضا بسنوات الحرب العراقية- الإيرانية و سجناءهم و مفقوديهم، و ما الغرض من ذلك النشاط المعادي للنظام العراقي إلا الرضا و القبول بالتحرير الأمريكي و مساعدته. و قد مهدت بإحداث تصدعات داخل السلطة العراقية ذاتها كخطوة لإحداث التغيير، لكن لم تنجح تلك الخطة، لأن كلّ من كان يعارض النظام يكشف أمره فيغتال أم ينفى و كأحسن مثال ما حدث لصهري صدام حسين و هما؛ "حسين كامل" و "صدام كامل". فقد كان اغتيال الرئيس العراقي-أي تغيير الحاكم بطريقة عنيفة- أهم بالنسبة للولايات المتحدة من تامين نزع أسلحة العراق (1).
لم تشهد الدعاية العراقية المضادة قوة للرد على افتراءات الدعاية الأمريكية قبيل الحرب، بل اقتصرت على بعض الخطب السياسية التي كان يلقيها بعض الأحيان الرئيس "صدام حسين"، عاملا على تأجيج مشاعر الوطنية و الحماسة لدى الشعب العراقي و العربي على حد سواء، لصد الخطر الأمريكي المتوّقع في أية لحظة، و إعداد المخزون الغذائي الكافي لمدة ثلاثة أشهر تقريبا، و بذلك هو يقلل من خوف شعبه من الحرب و أهوالها، و أمرّ بتوزيع السّلاح على عدد كبير من العراقيين المدنيين لمواجهة خطر الحرب المتوقع.
عمل الرئيس العراقي أثناءها على تكذيب الإشاعات و الأكاذيب، فكذب اتهام أمريكا و بريطانيا بامتلاكه لوسائل الدمار الشمل، و أن صواريخه (الصمود 2) غير قادرة على تجاوز المدى الذي تسمح به الأمم المتحدة، و كانت القنوات العراقية و العربية بشكل عام تبين تنقلات المبعوثين من وكالة الطاقة الذرية، و تركز على نتائجهم. و الاعتراف بعدم امتلاكه لهذه الأسلحة لم يجعله في موقف مهزوز لأنه هدد بالمقاومة و الدفاع عن بلده بقوله الذي ردد خلال فترة ما قبل الحرب و استمر على القنوات العربية : "سوف نقاتلهم و الله بالخناجر و السيوف و العصا". و دعا إلى كسب المعركة بأقل التضحيات مقابل تكبيد المعتدين خسائر كبيرة في صفوفهم التي ستنهار إن شاء الله أمام تصدي العراقيين من كل ركن من أرض الرافدين.
قامت عملية الدعاية المضادة من طرف النظام العراقي بشحذ همم الشعب العراقي، و تذكيره بالانتصارات الماضية ضد الحكم الملكي الموالي للغرب المستعمر؛أي ثورة 1920، و انتصاراته في حربه ضد إيران و صموده أمام الحصار الاقتصادي، و الروح الوطنية المعادية للاستعمار و الاستدمار الغربي و تذكيره بكل الأزمات التي مرت بها الجمهورية العراقية(2)، بل ما عرفه الإنسان العراقي على مر الأزمنة و الحضارات المتوالية على أرض العراق. كما استعملت الإدارة العراقية أسلوب الرموز الحركية كما استعملتها الإدارة الأمريكية و ذلك بحشد صفوف الجيوش و ترسانة السلاح تعبيرا عن الروح القتالية العالية و استعدادا للحرب.
و كانت للقنوات العربية يد مساعدة في الدعاية السياسية لأجل إنهاض الشعوب الإسلامية و العربية، بل و شعوب العالم كي ترفض الحرب، و بالفعل استطاعت أن تنتصر في هذه الجولة – ما قبل الحرب- لما عرفت جلّ عواصم العالم بما فيها واشنطن و لندن مظاهرات متكررة رافضة للحرب.
*استعمال الدعاية السياسية و الدعاية المضادة أثناء الحرب:
استعملت الدعاية السياسية بقوة في فترة الحرب على العراق لأجل إثبات تفوق قوات التحالف، و إثبات صحة الحرب من خلال بحثها المستمر عن أسلحة الدمار الشامل، و إظهار سلبيات النظام العراقي.
موازاة مع الحرب العسكرية استمرت الإدارة الأمريكية بمساعدة الدول الحليفة لها حربها النفسية في إطار الحرب الإعلامية الكبرى. و استعملت لذلك الدعاية بأساليبها الآتية الذكر؛
1- التهديد و الوعيد : استعملت التهديد و الوعيد لبث الذعر و الضغط النفسي كالوعد بتدمير حزب البعث إلى الأبد، و التهديد باستخدام ترسانتها العسكرية و قوتها التكنولوجية، و هددت بالقوة لما بدأت تحرك أساطيلها البحرية و الجوية في الخليج العربي و تجري مناورات حربية، و أكد كبار مسئولي الجيش الأمريكي بقدرة أسطولهم الحربي على خوض غمار ثلاثة حروب في بقاع مختلفة من العالم.
إضافة إلى ذلك اعتمدت منذ بداية حربها على إلقاء ملايين من المناشير المهددة للقوات المسلحة العراقية تناديهم بعدم التعاون مع النظام العراقي و العودة سالمين للأهل كتب عليها "استسلموا و انعموا بالحياة"، سبق لهذه القوات أن استعملت ذلك في نفس المنطقة أثناء الحرب الخليج الثانية. كما استعملت ذات الأسلوب مع "صدام حسين" لما أمهلته 48 ساعة للاستسلام و الخروج من العراق. و استعملت أساليب القوة في مداهمة بيوت العائلات العراقية.
و عمليتي التهديد و الوعيد هي أساليب تستعملها الدعاية في إطار الحرب النفسية بغرض زعزعة ثقة شعب العدو بجيشه و قوته العسكرية المادية، و محاولة إقناعه بالاستسلام، و قد اتبثت دراسات خبراء الطب النفسي أن تأثير الحرب النفسية و الاستعمال الجيد لوسائلها قد يؤذي إلى حد الاستسلام الجماعي للمدنيين و فتح مدنهم للغزاة. و لعل اصطلاح "تحرير العراق" المستعمل من طرف وسائل إعلام الدول المتحالفة دليل على ما تريد بثه في أنفس العدوّ و الصديق، و المصطلح ذاته يعدّ رمزا سياسيا.
و يدلنا التاريخ البشري نجاح هذا الأسلوب لما تستخدمه "هولاكو" في غزوه بغداد، فقد كسب الحرب قبل دخولها ، لما قام عملاءه بحملة دعائية تبين قوته و قوة الجيش المغولي و وحشيته، فاستطاع اقتحامها بعد قليل من رجاله و لم يلق مقاومة أهل العراق له.
2- أسلوب التضليل و التشويش :
لعدم بث مشاهد انتصار المقاومة العراقية تلجأ إلى عملية التشويش على وسائل الإعلام الفضائية، كما عملت على تحطيم عدد من المواقع الالكترونية أو تعطيل بعضها بحجة أنها مواقع محرضة على الإرهاب و الجزيرة الناطقة باللغة الانجليزية عطلّت طيلة فترة هذه الحرب. و سربت الإدارتين العسكرية و السياسية الأمريكية أخبارا و معلومات كاذبة للمراسلين الصحفيين اللذين كانوا في بغداد، و اللذين ذاقوا مرارة الحرب لاسيما بعد قصف فندق فلسطين الذي يأوي المراسلين الصحفيين الدوليين، و نتج عن ذلك القصف مقتل صحفيين و إصابة عدد آخر بجروح بليغة. كما قصف مقري قناة الجزيرة و قناة أبو ظبي.
و ما الهدف من عمليات التضليل و التشويش إلاّ تضليل الحقيقة و إخفاءها و منع تسربها حتى لا يظهر مشاهد الألم كتلك الأشلاء المتطايرة لمدنيين عزل، و فشل قوات التحالف و هروب كثير من أفراد جيشها من مواقع القتال، و محاولة إظهار صور و مشاهد التفوّق و الانتصار، و في الوقت ذاته إنسانية قواتها، لذلك استهدف القصف الأمريكي قناة العراق الفضائية – إلاّ أنها عادت للبث بعد ثلاثة ساعات-.
رافق أسلوب التشويش التهديد و القوة الموّجه للإعلاميين، فلم يسلم حتى بعض الصحفيين الأمريكيين من التسريح عن العمل لما استنكروا الحرب في مقالاتهم الصحفية، و هو ما حدث لمراسل شبكة فوكس نيوز الأمريكية "جيرالدو ريفيرا" التي تعود ملكيتها إلى "روبارت مردوخ" اليهودي الأصل. كما طرد الصحفي "سموكو" مراسل صحيفة كريستيان ساينس من جنوب العراق، و قائمة الصحفيين المطرودين من العراق و من مناصب عملهم طويلة.
و قد طرد عدد من المصورين و المراسلين – حتى الغربيين- من مواقع الحرب لعدم تصوير المقاومة العراقية و هي صامدة و التي كان يدعي الحلفاء قمعها بسهولة و استسلامها. و منعت التصوير أيضا كي لا تكشف استعمالها لأسلحة فتاكة و ممنوعة.
و حضرت وزارة الدفاع الأمريكية مركزا صحفيا بكلفة مليون و نصف دولار أمريكي، لتقديم أخبار سير العمليات العسكرية في الدوحة عاصمة قطر.
استعملت الدعاية السياسة الأمريكية صورا قديمة للإنزال في صحاري خالية لتبين سهولة الإنزال و لا وجود للمقاومة و هي صور تعود لحرب الخليج الثانية؛ و هو أسلوب الافتراء و الكذب.
قام كبار ضباط الجيش الأمريكي بتنظيم مؤتمرات صحفية من قاعدة السيلية و واشنطن عن مستجدات الحرب بصفة شبه يومية، تطلق من خلالها إشاعات كثيرة نذكر منها على سبيل التمثيل :
كانت تطلق إشاعات عن مقتل الرئيس و ابنيه لإرباك الجيش العراقي، و تشجيع الفوضى بداخل البلد، و قد نشرت على صفحات الواشنطن بوست، ثم تناقلته معظم وسائل الإعلام.
- إطلاق مصطلح الحرب النظيفة (رمز)؛ أي التي لا تستهدف المدنيين العزل.و حرب الصدمة أي التي لا تدوم مدة طويلة لسهولتها.
- تصوير عطف جنود قوات التحالف و هم يقدمون قطع الحلوى للأطفال العراقيين.
- إطلاق شائعة الخيانة العراقية و تأكيد استسلام المقاومة في جنوب العراق.
استعملت الإدارة العراقية هي الأخرى الدعاية السياسة و الدعاية المضادة أثناء قيام الحرب و لم تتأخر لحظة عن استعمالها جنبا لجنب الحرب العسكرية، مستخدمة مختلف أساليبها منها التي استخدمتها إدارة الخصم، و من هذه الأساليب نذكر الآتي :
أسلوب التهديد و الوعيد :
هدد الرئيس العراقي في خطبه بتغريم عدوه خسائر فادحة في قواته و أسلحته، مستعينا بالرموز الدينية من آيات قرآنية و أحاديث نبوية الحاثة على الجهاد لإعلاء كلمة الله، ليقوي من عزيمة جيشه، و عزيمة كل المواطنين العراقيين على الصمود و التآزر، و في الوقت ذاته يحاول التأثير في نفوس كل المسلمين في كافة أرجاء المعمورة ليضمن مساندتهم و إن كانت تقتصر على المساندة المعنوية فحسب.
إنّ الحرب النفسية تعمل على إرباك صانعي القرار و القيادات العسكرية الأمريكية، فتجعله يعيد حساباته و مخططاته باستمرار، لذلك قام بتهديد زعزعة أمن إسرائيل و قصف قلبها تل أبيب عن طريق الصواريخ البعيدة المدى. و عرض صور انتصار المقاومة في عدد من المحافظات العراقية.
و استعملت أسلوب التكرار في عرضها لصورة الفلاح العراقي البسيط الذي استطاع إسقاط طائرة الاباتشي لقوات التحالف، و لقد حييت الإدارة العراقية هذا الفلاح المقاوم الوطني.
استعملت الإدارة العراقية أسلوب التهديد و عرض القوة لما كانت تعرض بشكل يومي صور الأسرى و الرهائن لتذل العدو المتباهي بقدرته العسكرية العالية، و المدعي باستسلام المقاومة العراقية.
أسلوب الاستمالة و الاستعطاف :
كان القائمون على الدعاية السياسية يستعملون الخطب السياسية المؤثرة في الشعب و الجيش العراقيين و الدول العربية و الإسلامية المؤيدة عن طريق توظيف الدين ( من آيات قرآنية و أحاديث نبوية، و وعظ و أحكام دينية)، و إثارة المسلمين لمساندة الشعب العراقي على أن القضية ليست عراقية فحسب، و إنما هي حرب صليبية جديدة، و محاولة تصوير القوات العراقية النظامية و غير النظامية و هي تحارب مهللة و مكبرة باسم الله، و قد أطلقت المساجد الأذان في كل وقت، و رفعت رايات "الله أكبر" الجهادية.
و كانت بعض الصور في صالح الدعاية كالصورة التي بثتها بعض القنوات العربية منها قناة الجزيرة؛ سقوط صواريخ من صنع إسرائيلي، تنويه أن الحرب ضد الإسلام و المسلمين. و قد ساعدتها جلّ القنوات العربية و الإسلامية و وقفت لجانبها عن طريق تسخير مواضيع برامجها و أخبارها للوضع الحربي في العراق، و وظفت لذلك دلالات بارزة قوية على عناوين الحصص، و عادة ما لم تكن تطلق على ما كان يجري في العراق حربا، بل بعضها أسمته عدوانا كقناة المنار اللبنانية، و بعضها الآخر احتلالا و غزوا ، و كانت قناة الشرقية قد نعتت ذلك الغزو بالغزو الانجلو أمريكي الصهيوني، و هي من الرموز المؤثرة لإنجاح الدعاية و الدعاية المضادة.
إنّ عملية شحذ الجماهيري لم تكن عن طريق التشجيع المعنوي فحسب، و إنما امتدت للتشجيع المادي، لما وعد "صدام حسين" تقديم مكافأة مادية لكل عراقي يسقط طائرة العدو أو يقتل جندي من جنود العدو.
عملية انتقاء الصور المؤثرة و تكرارها تبين فضاعة الحرب و تقديم إحصائيات عن عدد القتلى، و الجرحى، و الجثث المشوهة و المهشمة و المنشطرة لنصفين من جراء القنابل العنقودية المحرّمة دوليا، و عمليات القصف التي استهدفت المستشفيات و عرض حجم الخسائر المادية بعد تهديم كلّي و شبه كلّي لأحياء سكنية و وزارات و هيئات إدارية و متاحف، و مصانع و مشافي. و قد كانت تلك الصور أصدق و أقوى مساند للدعاية و الدعاية المضادة العراقية.
بكل تلك الأساليب ردّت الدعاية العراقية على الإشاعة التي أطلقتها الإدارتين العسكرية و السياسية الأمريكية أن القوات الغازية لم تستقبل بالورود، و قد جاء الرد عليها في كل مناسبة منها؛ الاستجوابات التي كانت تبتها القنوات العراقية على جنود الأسرى من قوات التحالف، و كانت تكتب بسخرية شريطا على الجانب الأيمن للشاشة "السواح الأمريكان".
يندرج ضمن أسلوب الاستمالة أسلوبين آخرين مكملين هما استعمال الشعارات و الرموز السياسية والأناشيد الوطنية، لذلك رافقت الدعاية السياسية العراقية مجموعة من الشعارات (Slogans) يرفعها قائد الحزب البعثي؛ نذكر منها "بغداد مقبرة الغزاة"، "حرب مقدسة حتى التحرير". إضافة إلى الرموز السياسية كالأغاني و الأناشيد العراقية المحفزة على مواصلة الحرب و الصمود، و هي الأدوات المؤثرة في إدراك الدعاية السياسية لمختلف الفئات و الطبقات الاجتماعية و التأثير في الانطباع بمجرد سماعه أو قراءته، و الشعار السياسي هو هدف تكتيكي في إطار الإستراتيجية الدعائية(1) ، فالشعارات السياسية البسيطة كتحيا العراق كانت كفيلة لإحياء مشاعر ملايين العراقيين، و قد اثبت التاريخ المعاصر نجاح استخدامها كما كان يردد هتلر و غوبلز (وزير الدعاية الألمانية) " شعب واحد، رايخ واحد، زعيم واحد حاربوا من أجل الفوهر و الشعب".
كما استعملت الدعاية السياسية العراقية الرموز السياسية كوسيلة مثيرة في الدعاية لخلق عاطفة التضامن و استمالة اكبر قدر من المتعاطفين و المساندين و من هذه الرموز الصور و هتافات الجماهير و صراخ الجرحى. و لتأثيرها العميق في النفوس اقتصر "هارولد لاسويل " في تعريفه للدعاية السياسية على حصرها في الاحتيال عن طريق الرموز(1).
استعملت الإدارة العراقية ردا على الدعاية الغربية أسلوب التهكم والسخرية، قاده وزير الإعلام العراقي "محمد سعيد الصحاف" الذي كان يصف جنود التحالف بأرذل الألقاب كالعلوج و المرتزقة. كما وصف رئيس الولايات المتحدة ذاته بمواصفات هابطة كرأس الأفعى، و المعتوه، و وصف توني بلير أيضا بذيله و كلبه...، هذه العبارات كانت تهزّ العدو، و ذكرت وسائل الإعلام العربية أن الرئيس بوش ذاته و قادة الحرب يترقبون و يتابعون خطب الصحاف و جولاته في العراق.
و قد كان الرد دائما حاضرا على الدعاية الغربية من خلال الزيارات التفقدية معية جنود الحرب الإعلامية الفاضحة لأعمال قوات التحالف التي لقبت نفسها بالمحررة للعراقيين.
انتهت فترة الحرب مباشرة بعد إسقاط التمثال الرمز للرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس – بغداد - يوم التاسع من افريل. و قد عملت وسائل الإعلام الغربية على تكرار تلك المشاهد لمدة أيام
حتى تجعل العالم أجمع يجمع على فوزها في تكسير النظام العراقي، و تصوير فرحة العراقيين بإسقاط التمثال و هم يضربون بنعالهم عليهم، و يمزقون كل صوره في الشوارع ليترك الإعلام الغربي لتثـبـيت فكرة تحرير العراق أمام الرأي العام العالمي.
الدعاية السياسية بعد الحرب :
تواصلت الدعاية بعد الحرب الكبرى، فالدعاية السياسية الأمريكية اقتصرت على الترويج لفكرة إعمار العراق، و التذكير بمخاطر و مضار النظام العراقي البائد. و اهتمت بعدها بالدعاية الانتخابية الرئاسية و البرلمانية في العراق.
أما الدعاية العراقية فبعد استيلاء قوات التحالف على كافة وسائل إعلامها، استمرت من خلال بعض القنوات العربية، و من خلال نشطاء سياسيين عراقيين و حقوقيين من كافة دول العالم، منها ما أثير عن قضية سجناء أبو غريب، و أعدت لذلك برامج تناقش فيها القضية بحضور أخصائيين. و بينت هروب بعض جنود التحالف من العراق عبر الحدود السورية أم الأردنية بعد تقديم أموال للعرب ليخرجونهم.
كما فضحت وسائل الإعلام العراقية جنود مرتزقة تستغلهم قوات التحالف للقيام بأعمال تفجيرية و تخريبية في العراق، و تعرض على أنها صراع بين السنة و الشيعة في العراق. محاولة استغلال كل الصراعات العرقية و الدينية. و قد صورت تورطهم في بعض العمليات الإرهابية.
كما فضحت التواجد الإسرائيلي في شمال العراق عن طريق شركات أمريكية لاسيما شركات الهواتف النقالة.
واصلت الفصائل الجهادية المقاومة المسلحة إلى جانبها رفعت لواء الدعاية السياسية عاليا عن طريق نشر بياناتها على الشبكة العنكبوتية، و كونت مواقع الكترونية خاصة بها لمواجهة حملات التضليل و التزوير و للإعلان عن عملياتها العسكرية. و قد سربت عدد من الصور و فيديو بلوتوت لعمليات الإعدام المنافية للأعراف الإنسانية، ناهيك عن صور التعذيب الجسدي و الروحي. و قد ساهمت قناة الجزيرة تحديدا في إبراز تلك التجاوزات، لذلك اتهمت من طرف وزارة الدفاع الأمريكية بمساعدتها للإرهابيين، و أغلقت مكاتبها في بغداد(1).
الـخـاتـمـة :
إنّ الدعاية السياسية في مجال الحرب مجموعة جهود و محاولات مباشرة مبذولة لإطلاق شرارة حرب سلاحها الكلمة و الصورة، و صدق في ذلك "نابليون بونابرت" لما قال: "إنني ارهب صرير القلم أكثر من دوّي المدافع"، فهي أساس تشكيل عقول الجماهير في اتجاه قبول الحرب، أو الإعداد لها، بل و نجاح الحروب العسكرية يتوقف كثيرا على نجاح الحرب الإعلامية التي تقودها الدعاية السياسية، و قد لا تقوم الحرب العسكرية أبدا بعد فوز الحرب الإعلامية و قدرتها على إذلال العدو و تكسير همته. لذلك غدت الدعاية السياسية أداة فاعلة في السياسة الخارجية و الأمنية على حد سواء.
فإذا كانت الترسانة العدة الحربية و المخططات هم عماد الحرب العسكرية، فإن الصحفيين و المراسلين و أقلامهم، و المصورين و كاميراتهم هم عماد الحرب الإعلامية (النفسية).
و إن كانت الحروب العسكرية تطلق نارا و شرارا، فإن الحروب الإعلامية تطلق ضغوطا نفسية رهيبة تهز الكيان البشري و تسيطر على القلوب و تهيّج الأفكار و العقول، فلا تجعل الجماهير المتلقية لرسائلها تخمن و تعمل إلاّ فيما تريد و ترغب هي التوجيه إليه. و إلى غاية فترة ما بعد الحرب حلت همسات الكلمات و ضجيجها و الصور محل قعقعة الأسلحة و صريرها و لهيبها.
إن كانت الحروب على الدول العربية و الإسلامية قبل تاريخ 2003، ناجحة على المستوى الإعلامي، فإنّ الحرب على العراق التي توقع الغرب أنها ستكون كحرب الخليج الثانية، أين تنفرد القنوات الإعلامية الغربية الكبرى بحربها الإعلامية دون مواجهة صامدة، فقد أدهشتهم قوتها و عنفوانها، و تكاتف جه

