مستشارك النفسى و الأسرى ( د. أحمد شلبى)

موقع للارشاد النفسى للمتميزين وذوي الإعاقة والعاديين

لعلي –عبر المقالين السابقين- قد لفتت الانتباه إلى حجم المعاناة التي يتعرض لها صاحب الإعاقة وأسرته ، ومدى ما يقع عليهم من ضغوط وما يواجهونه من مشكلات، وبخاصة صاحب الإعاقة الذهنية.

ومن المؤلم أن تبدأ هذه المشكلات من داخل بيته وبطريقة لا شعورية من الوالدين الذين هما أحب الناس للابن وكأنهما يعاقبانه على ذنب لم يرتكبه، وبذا تتحول بعض الأسر من محضن (يمد صاحب الإعاقة بالدفء والدعم ويقوم بتعليمه وتدريبه ويعرفه على العالم ويعرف العالم عليه) ، يتحول هذا المحضن الدافئ إلى مصدر للرفض والنبذ والقسوة وسوء المعاملة ويقصر في إعطاء الابن أبسط حقوقه من الرعاية والتعليم فيزداد ضعفا على ضعفه وتصبح الإعاقة إعاقات: لذا ما أحوجنا أن تتضافر جهودنا لنرفع المعاناة عن هذا الابن المكلوم ونخفف الضغوط عن تلك الأسر الصابرة الصامدة .

وقد ركزنا الحديث على أسر أصحاب الإعاقة الذهنية لأنها الأكثر معاناة وعلى صاحب الإعاقة الذهنية لأنه لا يستطيع التعبير عن شكواه.

وللتخفيف من هذه الضغوط وحل تلك المشكلات فقد اقترحنا استراتيجية مبسطة أو مجموعة من الخطوات التي يتعين القيام بها في هذا المجال أطلقنا عليها (التنمية الأسرية المستدامة).

التنمية الأسرية التي نريدها:

هي مجموعة من الوسائل والإجراءات تقوم بها الهيئات والمؤسسات المعنية بشؤون الأسرة لتمكينها ككيان من القيام بأدوارها الأساسي في رعاية أفرادها رعاية شاملة، من أجل مواطن صالح ومجتمع متقدم.

ومن خصائص هذه التنمية:

‌أ.      الاستدامة: ونعني بها الاستمرارية، لا أن تكون مساعدة مادية وفقط تحدث بين فينة وأخرى تركز على جانب واحد فقط ولا تتوفر لها الديمومة، وهذه الطريقة من شأنها أن تحول متلقي المساعدة إلى عاطل بمرور الوقت يقبع في بيته انتظارا للمساعدة التي سرعان ما تأكلها أعباء الحياة ومتطلباتها المتزايدة وهو ما يمكن أن نطلق عليه طريقة الجيب المخروم وهي أشبه بقطعة السكر التي تلقيها في خزان كبير من المياه فلا يبقى لها أثر.

‌ب.  الشمولية: بمعنى أن تشمل جميع الجوانب المتعلقة بالأسرة، من النواحي الشخصية والنفسية، الطبية والتربوية، الاقتصادية والاجتماعية... الخ.

‌ج.    التكاملية: بمعنى أن تتعامل مع الشخص صاحب الإعاقة، أسرته، أخوته، أقاربه، المتصلين به.

‌د.     اللاروتينية: بحيث لا تقتصر على وسائل الإعلان التقليدية، أو على المحاضرات والندوات فقط وإنما تنتقل إلى أسر أصحاب الإعاقة في أماكنهم لتقوم بتوعيتهم ورعايتهم وتدريبهم وتأهيلهم ... الخ.

‌ه.  المهنية: بمعنى أن تتم على يد متخصصين مؤهلين أكفاء للقيام بهذه المهام عبر مؤسسات مستقلة منشأة خصيصا لتنمية ورعاية أسر أصحاب الاحتياجات الخاصة.

 

التنمية المستدامة طريق لجودة الحياة الأسرية:

ونقصد بجودة الحياة الأسرية: شعور الأسرة ككيان بالرضا الناشئ عن مقدرتها على توفير الحاجات الأساسية، والدخول في علاقات جيدة مع المحيطين بها، والقدرة على الإفادة من الخدمات المقدمة لها: طبيا ونفسيا وتربويا واجتماعيا ... الخ، مما يمكنها من توفير مناخ من الاستقرار والانسجام داخل الأسرة، والإفادة من إمكانات أفرادها وتحقيق أهدافها بصفة عامة.

ونستطيع من خلال العرض السابق أن نقرر أنه لكي نصل إلى جودة الحياة داخل أسر أصحاب الإعاقة عموما وأسر أصحاب القدرات الذهنية الكامنة على وجه الخصوص –وهو أمر ليس بالعسير- فإن علينا أن نسير في مجموعة من الخطوات ، على النحو التالي:

1- علاج ردود الأفعال السالبة للأسرة تجاه أزمة الإعاقة والتي سبق الإشارة إلى بعضها منذ قليل.

2- تخفيف الضغوط النفسية عن صاحب الإعاقة وأسرته والتي تنشأ في العادة لعدم استيعابهم لما يحدث، وعدم قدرتهم على التعامل معه أو التكيف مع الظروف الجديدة على أن يتم ذلك على يد فريق من المتخصصين حسب الحاجة.

3- تعديل الاتجاهات السالبة من قبل الوالدين وربما الأخوة والأقارب تجاه صاحب الإعاقة بحيث يتحول المناخ السائد داخل الأسرة من الرفض والنبذ إلى التقبل والتفهم.

4- الاتفاق على إيقاف مختلف أشكال سوء المعاملة والعنف الأسري مع صاحب الإعاقة -إن وجد- وسوف يساعد على ذلك تنفيذ الخطوات الثلاثة الأولى.

5- حث الوالدين على عدم التقصير في القيام بمسئولياتهم تجاه صاحب الإعاقة وبخاصة الذهنية ومع أخوته الآخرين ومتابعة ذلك .

6- الوصول بالوالدين إلى مستوى الكفاءة الإدارية للأسرة والتي نعني بها :أن تؤدي الأسرة كمؤسسة اجتماعية وأفرادها كأعضاء الوظائف التي أوكل إليهم المجتمع القيام بها بيسر واقتدار .

7- تبصير الأسرة بمواطن القصور والتميز الناجمة عن إصابة الابن بالإعاقة وبخاصة الذهنية منها والعمل على علاج جوانب القصور والإفادة من جوانب التميز.

8- توعية الأسرة بخصائص ومشكلات وطبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها الابن وكيفية التعامل معها.

9- إرشاد الأسرة والابن إلى المراكز المساعدة التي يمكن أن يتلقى فيها الخدمات الأخرى أو الغير موجودة بمركز التنمية الأسرية الذي يذهبون إليه.

10- المساندة المعنوية والعينية التي تساعد الأسرة ككيان على الشعور بالرضا في معظم الوقت، وإشباع الحاجات الأساسية والإفادة من أمكانيات أبنائها بما يحقق أهدافهم وأهدافها بصفة عامة ونقترح أن يكون ذلك عن طريق نظام تأميني شامل خاص بهذه المؤسسات بالإضافة إلى النظام التأميني العام الذي يشمل أفراد المجتمع أسوة بما يحدث في الدول المتقدمة.

 

لكن حتى تؤتي هذه التنمية ثمارها المرجوة وتصل بهذه الأسر إلى مستوى الكفاءة الإدارية ثم إلى جودة الحياة الأسرية المرجوة فلا بد من القيام بمجموعة من الإجراءات التي نراها ضرورية ، على النحو التالي:

1- ضرورة التوسع في إنشاء مجالس معنية بشؤون الأسرة وأقسام مستقلة للتنمية الأسرية لإصحاب الإعاقة والظروف الخاصة ؛ حتى تكون الحصن الآمن الذي تلجأ إليه الأسر عندما تعصف بها الهزات والتيارات القوية الناشئة عن الإعاقة أو عوامل اقتصادية أو إعلامية أو اجتماعية كالعولمة و الانفتاح الفضائي و الإعلامي على العالم الغربي بحسناته و سيئاته:  غنيمة البحري (2008 2 )

2- ألا يقتصر دور هذه المجالس والمراكز على إلقاء المحاضرات وعقد الندوات والمؤتمرات وتقديم الاستشارات –على أهمية ذلك- وإنما يتعدى دورها إلى تحقيق التنمية المستدامة الشاملة المتكاملة السابق الأشارة إليها.

3- ضرورة قيام مؤسسات التعليم العالي في الدول العربية باستحداث البرامج الأكاديمية المتخصصة  حول التنمية الأسرية والكفاءة الإدارية وجودة الحياة الأسرية .

4- تبني الاتجاهات المعاصرة في إعداد وتدريب العاملين في الإرشاد الأسري حيث يعاني هذا المجال من ندرة المتخصصين فيه ومن غياب الهيئات الساعية إلى تقديم خدماته.

5- ضرورة التعاون مع المنظمات غير الحكومية لتحقيق الأهداف المرجوة والانفتاح على الهيئات العالمية المتخصصة في هذا المجال .: (عدنان فرح ، 2008 : 1)

6- استخدام وسائل إعلانية مبتكرة والوصول إلى الأسر في مواقعها ؛ حيث أشارت بعض الدراسات الميدانية إلى أن 69 بالمائة من الأسر لا يعلمون عن وجود مراكز للتنمية والإرشاد والتوجيه الأسري ، ولا يعلمون شيئا عن الخدمات التي تقدمها تلك المراكز : (غنيمة البحري ، مرجع سابق : 6).

7- يجب على بعض الأسر أن تغير نظرتها و اتجاهاتها لطبيعة الإرشاد الأسري، وأن تنظر لهذه الخدمات كأداة لحل المشكلات و للوقاية من العديد من المنغصات العائلية و كأداة إيجابية بناءة لتحسين علاقات الأسر و لرفع مستواها.

8- كما يجب على الأسر أن يكفوا عن التراخي و اليأس و أن يسألوا و يبحثوا و يتواصلوا بأنفسهم مع المؤسسات المعنية بشؤون الأسرة للتعرف على طبيعة خدماتها و للاستفادة منها فهم أصحاب المصلحة الحقيقية والذين سيجنون الفائدة في النهاية .

 وبالنسبة لبعض أسر أصحاب الإعاقة فإن الإرشاد الأسري كان بمثابة ميلاد جديد لأبنائهم ، وروحاً تدفق التفاؤل والأمل داخل أسرهم (أحمد مصطفى شلبي ،2009 : 4).

وقد نجح العديد منهم في التغلب على العقبات وعلاج المشكلات التي واجهتهم مستعينين بالله ثم بقوة إرادتهم ودفعوا بأبنائهم لتحقيق الإنجازات والبطولات ، وهم كثير لا يتسع المجال لذكر أسمائهم وسرد إنجازاتهم 

فتحية والتقدير لهم ولأسرهم ولك عزيزي القارئ الكريم ....  

  والله ولي التوفيق.

mostsharkalnafsi

بقلم د. أحمد مصطفى شلبي [email protected]

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة
نشرت فى 16 يناير 2016 بواسطة mostsharkalnafsi

ساحة النقاش

د.أحمد مصطفى شلبي

mostsharkalnafsi
• حصل علي الماجستير من قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس في مجال الإرشاد الأسري والنمو الإنساني ثم على دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص صحة نفسية في مجال الإرشاد و التوجيه النفسي و تعديل السلوك . • عمل محاضراً بكلية التربية النوعية و المعهد العالي للخدمة الاجتماعية . »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

167,142