<!--
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman","serif";} </style> <![endif]-->
من أجل حوار عربى يتجاوز الخلافات
- من الأقوال المأثورة " إن الإختلاف فى الرأى لايفسد للود قضية " ويدعمه قول أخر " إن ما محبة إلا بعد عداوة " وغير ذلك مما يعكس حكمة قديمة يعيد إكتشافها علماء النفس وممارسى العلاج النفسى وخاصة الجماعى وما يتفرع منه من قواعد المواجهة والحوار . وهو ايضاًصص ما ينعكس على تطور مفاهيم الحرية والديمقراطية فى العالم الحديث . الا وهو التعددية والإختلاف والتعامل مع الصراع سلمياً .
فالمبدأ الأساسى هو إن الحوار أو اللقاء لكى يكتمل لابد أن يمر بمراحل تطور يمكن إيجازها بإنها تتسم بالمسافة ثم التصادم ثم اللقاء . أو التعامل عن بعد وبأدب مجامل يتلوه الخلاف والإختلاف والعراك والفوضى ثم التعاون والبناء . أو بتعبيرات علمية : مراحل الإعتمادية ( تقابل الإكتئاب والذاتوية )ثم القتال والهرب ( الكر والفر ) أو الإعتمادية المضادة ( تقابل البارانوياوالتكافلية ) ثم مرحلة التزاوج أو التعاون أو الإعتمادية المتبادلة ( تقابل النضج أو الإستقلال والتفرد ).
وما نحن بصدده اليوم فى عالمنا العربى ( والذى يعكس فى أزمته أزمة الحضارة افنسانية برمتها ) هو هذا الإنتقال السريع بين الإعتمادية والإعتمادية المضادة . فتارة نصرٌ على الرأى الواحد والزعيم الواحد من أجل الإستقرار ولكن يتضح إن هذا على حساب الإبداع والصدق ومواجهة القصور لتصويبه . وتارة ننتقل منه إلى حالة الإعتمادية المضادة أو الفوضى فتتناحر فى الرأى لدرجة التكفير المتبادل و أحياناً القتل أو القتال . ولا مانع من هذا التردد بين حالتين متدنيتان نسبياً . فالحركة تعكس دينامية قد تبشر بالإستمرار الذى قد يحقق النقلة المطلوبة فى الإتجاه الصحيح . والحركة الصادقة أفضل من الآستقرار الزائف والركود والأمل أن تؤدى الحركة الصحيح. والحركة الصادقة أفضل من الأستقرار الزائف والركود . والأمل أن تؤدى الحركة نحو الإنضاج والإنتقال إلى المرحلة الأسمى وهى الحوار البناء.
نحن نكفر من يخالفنا فى مفهومنا للعقيدة ، ونخون وندين ونقاطع ونشهر بمن لا يتفق معنا فى الرأى . وعليه فلا يبقى للرأى المخالف إلا أن ينمو فى الظلام حتى ينفجر كما يحدث فى إيران وكاد يحدث فى مصر والسعودية ، أو أن يلجإ إلىلأعمال العنف البراقة التى تلفت النظر ولكن قلما تحدث تغيير . فالعنف إن فشل برر للغريم عنفه الأصيل بل زاد منه . وتحول المجتمع إلى المزيد من التطرف فى القمع.وإذا نجح( كما فى إيران ) تحول بدوره إلى الممارس للعنف ( لانه لم يعرف غيره ) فأصبح الظالم الجديد، الذى قد يخففا من حدة عنفه الداخلى بأن يوجهه للخارج ( بمحاربة العراق مثلاً فى حالة إيران ).
هناك طريق ثالث وهو أن يكون التغيير قائم على قوة المبدأ بوسيلة منهج اللاعنف. وهو ما قدمته لنا الإنتفاضة الفلسطينية . وإن الثورة الحقيقية إنما هى ثورة من أجل مبدأ وليست ضد أشخاص . وهى بهذا تستطيع كسب الشعوب عالميا فى مواجهة قوى القمع الأمنية المحلية.
إن الصراع الذى يوجد بيننا سواء داخل كل وطن عربى أو بين كل وطن أخر هو صراع لا يجب أن ننكره أو نخفيه .
ولكن لابد من حله بمواجهته . والمواجهة تؤدى إلى التقويم وحل الصراع حلاً حقيقياً أو على الأقل الإتفاق عل حدود وطرق إدارية بما تحقق المكسب المتبادل للطرفين بدلا من الإصرار على المكسب لطرف على حساب أخر الذى غالباً ما ينزلق إلى خسارة متبادلة .
وإذا كنا حينما نوجه النقد لمجتمعاتنا المصرية والعربية ( إذا لايمكن عزل أى من الأجزاء عن الكل ) فإنما ذلك ينم على رغبة حقيقية لمواجهة تصورنا وتقويمه . وليس الهدف منه الهجوم على طرف والدفاع عن أخر . وما يحدث فى مصر لايمكن عزله عما يحدث فى العالم العربى و بالتحديد المملكة العربية السعودية .
العمالة المصرية المهاجرة تعمل على البناء فى السعودية (مثلاً) . ولكنها عمالة مؤقتة غير منتمية إلا فى حدود عقد العمل المسموح به . وهى فى ظل الإنكماش الإقتصادى العالمى والذى يشمل السعودية ، معرضة للتقليص سواء فى الدخل أو فى المدة أو فى العدد . وهى تعود إلى مصر محملة بقوة قيمة الملكية لا العمل ( إلا العمل المؤقت اللامنتمى والمجزى مالياً ) . وهى لذلك لاتجد حافزا فى مصر للعمل فى ظل العائد غير المجزى . وتتحول هذه القوة المالية إلى الأستهلاك أو الأعمال الربوية ( حتى ولو بمسميات إسلامية ).الحصيلة أن هناك صراعات حتمية بين المالك والأجير.وإن هذه الصراعات تنعكس على الأفراد الذين يصرخون فى خصوصية العيادة النفسية . ولكن المشكلة قلما تواجه بالمصارحة على المستوى الإجتماعى من خلال القنوات العلمية والثقافية والعلمية . فنحن مازلنا فى حالة التعامل على السطح بالأدب والمجاملة.
ولذلك فإن رد الفعل الباقى لهذا الإفراط فى الأدب والمجاملة هو التطرف إلى النقيض الأخر وهو المواجهة المنفعلة والجارحة أحياناً . وهذا هو الخطأ لابد من الرجوع عنه طالما قنوات الحوار قد فتحت . فمن قبل لم يكن بديل للمقاطعة والتشهير إلا الهجوم . ولكن إذا كان الظاهر هجوم ومقاطعة وكلاهما خطأ لابد من تصويبه ، فلعل الذى يغفره أن النية الحقيقية رغبة فى المواجهة الصادقة الواجبة نحو الصديق .
إننا حينما نتوجه بالنقد لمجتمعاتنا لايمكن أن نعزلها عن المجتماعات المحيطة . ولذلك فإننا نستطيع أن ننقد الإستفتاء على الرئاسة فى مصر مثلاً بل وندعو لمقاطعته دون ما غضب من الرئيس أو الدولة . وهو أمر يزيد الإحترام له ولا ينقصه . وما ننقده فى بلادنا المصرية ننقده أيضاً فى بلادنا العربية وعلى رأسها السعودية لما لها من وزن ونفوذ ولما لها من إرتباط تاريخى وسياسى وإقتصادى بنا. فما أحبه لنفسى أحبه لأخى .
والحيطة هنا واجبة لأختلاف الإستقبال والإرسال . فما هو مقبول من النقد فى مصر قد لايكون كذلك فى السعودية . وعليه فيجب أن يتسم ذلك النقد بالغاية البنائة والهادفة إلى الإصلاح.أى إن الخطأ فى التعبير وارد والخطأ فى الإستقبال وارد . وتزداد حلقة سوء التفاهم ويضاعفها المقاطعة أو الهجوم المتبادل .
آن لنا أن نتحدث معاً بإيجابية وتواصل وبمواجهة لا مقاطعة .
إن عزل طرف لأخر بمقاطعته ومحاربته خارجياً أو داخلياً سوف يدفع هذا الطرف إلى الصراخ أو الإنفجار . وتزداد الفجوة ويزداد الصراع .
أما المجادلة والحوار والقدرة على تحمل الأختلاف والغموض دون الإصرار على الرأ الواحد ، فهذا الذى سوف يوفر المناخ لمواجهة الذات والتعامل معها بموضوعية وبشكل بناء وإصلاحى .
ولكى يكون حواربعد مقاطعة لابد من المرور بمرحلة التصارع حتى يتسنى لنا تجاوزها نحو ما هو أرقى وهو الحوار المؤدى للتعاون والفهم المتبادل.
علينا ان نسمح بالرأى الأخر . بل فوق هذا علينا أن نسمع للرأى الأخر . فى هذا تصويب لخطأ . وعلينا أيضاً أن نقول الرأى بما لايجرح أو يدين . وفى هذا أيضاً تصويب لخطأ.
ليست السعودية هى السوء ومصر هى الحسن . ولا العكس ، وليس فى الأمر تهمة ودفاع . ولكن فى الأمر مواجهة وهى إن بيننا وبداخلنا تناقضات لابد من مواجهتها لحلها . ولنأمل ان يكون وعينا ووجداننا العربى هو الجامع الذى يمنع الإختلاف من تفتيت الإرتباط وليكن حلمنا بالوحدة العربية هو الذى يجعلنا نطمئن أن لن تفرقنا خلافتنا .
تقيمنا الموضوعى لذاتنا لابد وأن يشمل الموجب والسالب المحاسن والعيوب ، القوة والضعف ، الجهل والعلم ، ولاداعى أن نخفى العيوب . وإذا كان الحياء مطلوب أحياناً فالتقليل منه أيضاً مطلوب أحياناً ، وإلا عبنا فى العماء وعشنا فى الأوهام.
فليكن هذا هو أساس الحوار العربى : المصارحة الأخوية والنقد البناء . لا الدفاع والهجوم ولا تبادل التهم والتشهير ولا المقاطعة .
إننا نفتخر بأصولنا العربية وإمتدادنا وكاتب هذه السطور على سبيل المثال يينتمى إلى قبائل شعلان فى الجزيرة العربية الممتدة على سوريا ( حيث الغالبية ) والأردن وفلسطين مروراً بمصر ( بحوالى عشرين فرعاً ) ووصولاً إلى المغرب وحديثاً الولايات المتحدة .
ولتكن إذا روابطنا الحضارية المبنية على اللغة والدين والثقافة ناهيك عن روابط الدم هى الأساس الذى يجمعنا . وليكن تجمعنا مبنى على أسس لا تجاهل فيها للصراعات . فالصراع ليسعيب ولكن العيب ان نتجاهله أو نمارسه بمفهوم المكسب أو الخسارة .. ناهيك عن الخسارة المتبادلة.
إن حضارتنا الإسلامية هى تجسيد لمفهوم الحوار . فالمسلم بحكم العقيدة يؤمن بكل الرسل والأنبياء ( بما فيهم من لم يقصصهم الله علينا فى القرآن ) وهو لذلك يقبل التعددية فى المعتقدات ، والآراء فى إطار الوحدانية الآلهية ولايصر على إلغاء الآخر . وباب أولى إن الدين الذى يسمح بالتعددية داخل إطاره. وليس لفرد أو لفئة.أن تستأثر برأى وترفععليه راية الإسلام بغية إلغاء الأراء الأخرى .
الحوار العربى والحوار الإسلامى وجه مكمل للحوار مع الأخر الغربى ، بما فيه الخصم والعدو أيا كان : والذى بدونه قد ننعزل عن الواقع ويتحول حوارنا الداخلى إلى الشئون التفصيلية التى تلهينا عن مواجهة الواقع.
د/ محمد شعلان
8/3/1988

