أسأل الرئيس مرسي ألم يكن في الإمكان تحقيق ما تريدون تحقيقه للوطن بطريقة آمنة دون أن ينقسم الشعب إلى فريقين ؟ أنا لا أتخيل أبدا ألا يكون هناك طريق آمن لتحقيق أهداف الثورة ؛ قد يأخذ هذا الطريق الآمن وقتا أطول ولكنه بلا شك أفضل ألف مرة من طريق مختصر يؤدي إلى انقسام الشعب وبالتالي سقوط الدولة وانهيارها ، وفي مثل هذه المواقف يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :"إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" أي أن المتعجل لن يحقق هدفه ولن يحافظ على ما عنده.

منذ بداية تداعيات الإعلان الدستوري للرئيس مرسي أجد عندي كلاما كثيرا يمكن أن يقال ولكني أمسكت عن كتابته لأنني لا أريد أن أزيد النار اشتعالا ، والآن أجد من واجبي أن أحاول أن أسكب بعض الماء على تلك النار.

لذلك أقول للرئيس : إذا عز أخوك فهن ، وأقول له اعمل على أن تكون حاميا لجميع المصريين ؛ يشتكي إليك الجميع فتنظر في شكواهم وترفع الظلم عنهم وتحقق للجميع مطالبهم العادلة ، وإن اختلفت وجهات النظر فلا تتبن أنت وجهة نظر بعضهم وتترك وجهة نظر البعض الآخر ولكن قرب بين وجهاتهم جميعا وأصلح ذات بينهم واحصل منهم على تنازلات من أولئك وهؤلاء ، ووفق بين آرائهم ليخرج الجميع راضين متحابين وتربح مصر أولا وآخرا.

وأقول له إن رأيت طريقا ممتازا واختلف معك فيه جزء كبير من الشعب وأيدك جزء كبير فاختر طريقا آخر يكون مؤيدوك فيه جزء كبير والمختلفون معك جزء قليل حتى وإن كان هذا الطريق أقل امتيازا من سابقه ، فالتوافق والتراضي هما مصلحتان تتقدمان على أية مصالح أخرى يأتي من ورائها الانقسام والشقاق والتباغض.

أقول له أيضا لا تكن طرفا في نزاع يكون جزء كبير من الشعب هو الطرف الآخر فيه ؛ فتلك معركة لن تكون لصالح أحد ، فقد أورثك الله الحكم الذي كان لمن قبلكم وسكنت فيما سبق أن سكنوا فيه ، والله تعالى يقول محذرا كل معتبر : "وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال" ، والتشدد والعناد وفرض الأمر الواقع بقوة السلطان حتى وإن كان هذا التشدد من أجل مصلحة فإن هذه الممارسات لا يجوز استخدامها مع الشعوب وإن جاز أحيانا استخدامها في مناسبات أخرى ، وتلك الممارسات كانت تستخدم في العهد السابق لإقرار الباطل ؛ وأنا أقول يجب أن نعتبر بما فعل الله بهم فلا نمارس تلك الممارسات لإقرار باطل أو حق ؛ فالحق له طرق أخرى سليمة ناصعة لإقراره ؛ وتلك الطرق السليمة الناصعة هي الأجدر أن تتبع لإقرار الحق حتى لا تشوبه شائبة.

وأقول له إنني أتعجب كثيرا كيف وافقتم على أن يذهب مؤيدوك إلى أماكن يعتصم فيها معارضوك ؟!!!!!!!

ألم يوجد حولك من ينصح أن هذا من المحتمل كثيرا جدا أن يكون مسفكة للدماء ؟!!!!!!!

فإن أجاب بعضهم أن مؤيديك يتحلون بالحكمة ؛ حتى وإن سلمنا بذلك فمن يضمن لنا أن تكون عشرات الآلاف الممتلئون غضبا من هنا وهناك جميعهم يتحلون بالحكمة وضبط النفس ؛ هذا مستحيل عند كل عاقل.

لا أملك إلا أن أقول لا حول ولا قوة إلا بالله.

لا يهمني الآن الدستور أو التأسيسية قدر ما يهمني لحمة شعب مصر التي تنقسم وتتجزأ وتنبت فيها بذور البغض والكراهية لفريقين نحو بعضهما البعض ، وأزعجني أن الإسلاميين الذين أحبهم وأنتمي إليهم والذين انتظرت منهم الحكمة وفصل الخطاب أزعجني أن أراهم يتكلمون جميعا جملا واحدة كأن أحدا قد لقنهم إياها يقولون إن ما يحدث أمر بسيط ولا غرابة أن يحدث هذا الاختلاف فهذا مظهر صحي ونحن ماضون في طريقنا ولا تراجع !!!!!

هل من المعقول أن يتفق جميع الإسلاميين في هذا العصر وقد كانوا يختلفون في عصر الصحابة؟!!!!! تعجبت جدا ألا يوجد واحد من الإسلاميين يختلف مع الرئيس في هذا الصدد ويقول له عليك أن تفعل شيئا؟!!!

فلعلي إذن أكون هذا الواحد.

أقول للرئيس إن هذا التجاهل لهذه الغضبة الشديدة من جانب قطاع عريض من الشعب فيهم العوام وفيهم القامات أقول إن هذا التجاهل أمر جد مستغرب !!!

لقد تجاهل الرئيس السابق غضبة الشعب بضعة أيام فسقط في ثمانية عشر يوما ؛ وأنت الآن تجاهلته أكثر من عشرة أيام(!!!) ولا نريد لك سقوطا أبدا بل نريد أن يوفقك رب العالمين إن شاء الله.

أقول للرئيس إن كلمة لا تراجع وكلمة الأمور طبيعية وصحية التي تجري على جميع ألسنة المؤيدين تستفز المعارضين استفزازا شديدا وتزيدهم إصرارا على مواصلة تظاهراتهم وإضرابهم ورفع سقف مطالبهم.

أقول للرئيس عليك أن تفعل شيئا تطفئ به النار المتأججة في صدور الغاضبين لأن انفجار بركان غضبهم ليس في مصلحة أحد وليس في مصلحة مصر وليس في مصلحة أي من الفريقين.

أقول للرئيس المشكلة الآن في نظر الغاضبين ليست مشكلة دستور وإعلان وتأسيسية ولكنها صارت مشكلة تجاهلهم واعتبارهم قلة لا وزن لها!!!!!!

أقول له تستطيع أن تفعل الكثير ؛ ولا أظن أنه ينقصك المقترحات ، ولكن إلى جانب المقترحات الكثيرة من هنا وهناك أضيف اقتراحا آخرا في حال تعثر التوافق على تأسيسية يرضى عنها الجميع ؛ هذا الاقتراح يتمثل في أن تقوم جبهة الإنقاذ وقوى المعارضة بوضع دستور بديل ويطرح الدستوران على الشعب ليختار منهما ما شاء : دستور اللجنة أو دستور المعارضة ليصبح بعد ذلك الدستور الذي يختاره الشعب هو دستور مصر.

هذا بالطبع بعد إيجاد وسيلة للتوافق ووقف نزيف الدم وترضية الغاضبين وعودتهم إلى منازلهم وتوقف تظاهراتهم وإضراباتهم.

أقول له الوقت يمضي سريعا فاقطعه فورا بفعل يجمع الفرقاء ويؤلف بينهم ولا تتردد لأنه لا وقت للتردد.

والله يوفقك وهو من وراء القصد.

وإلى لقاء آخر

دمتم ودامت مصر بخير

المصدر: الكاتب د. عبد العزيز محمد غانم
masry500

طابت أوقاتكم وبالله التوفيق

  • Currently 7/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
7 تصويتات / 119 مشاهدة
نشرت فى 6 ديسمبر 2012 بواسطة masry500

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

85,375